السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هذه بعض المقتطفات من كتاب "فصول في العقيدة بين السلف والخلف" للقرضاوي وجدتها على الرابط :
أحببت أن يطّلع عليها الإخوة :
رأي الشيخ في آيات الصفات وأحاديثها
وللعلم فإن الشيخ في مسألة آيات الصفات يرى ترجيح مذهب السلف على رأي الخلف وهو في هذا موافق لشيخه البنا رحمه الله يقول القرضاوي: وأنا أرجح رأي السلف ـ وهو ترك الخوض في لجج التأويل مع تأكيد التنزيه ـ فيما يتعلق بشؤون الألوهية وعوالم الغيب والآخرة فهو المنهج الأسلم إلا ما أوجبته ضرورة الشرع أو العقل أو الحس في إطار ما تحتمه الألفاظ
هذا كلام الشيخ الذي ردده في كثير من كتبه ولكنه أفصح عن أمر آخر أكثر إيضاحا لموقفه من قضية الصفات في كتابه: «فصول في العقيدة بين السلف والخلف» (تحت الطبع) وسأنقل هنا موقف الشيخ يقول الشيخ حفظه الله:
أود أن أبوح بسر للقارئ الكريم فقد كنت كوّنت رأيا منذ سنوات في موضوعنا هذا وهو ما يتعلق بما سموه: (آيات الصفات) أو (أحاديث الصفات)
ويتلخص هذا الرأي أو هذا الموقف في ترجيح المذهب المشهور عن السلف رضي الله عنهم وهو: السكوت وعدم الخوض أو التفويض
ولكني بعد أن عشت في الموضوع منذ سنوات ثم عكفت عليه في السنتين الأخيرتين وتوسعت في القراءة والدراسة والبحث والمقارنة بين أقوال المدارس المختلفة من المتكلمين والأثريين أو السلف والخلف أو الحنابلة وغيرهممن المثبتين والمفوضين والمؤولين من مبالغين ومعتدلين في كل فريق: اتضح لي بعد ذلك أمور لم تكن واضحة عندي من قبل بالقدر الكافي ورأيت أن من التبسيط المخل: أن نسكت ونغلق أفواهنا عن الكلام في الموضوع ونحسب أن القضية قد حسمت بذلك
فالحق أن النصوص الواردة في الموضوع ليست كلها في مستوى واحد لا من حيث ثبوتها ولا من حيث دلالتها كما أن المروي عن السلف في هذا الأمر ليس كله ذا مفهوم واحد أو نسق واحد
فما خلاصة الموقف من هذه القضية التي طال فيها الجدال واستحال إلى صراع ونزال أو حراب وقتال؟
أولا: النصوص التي تضيف إلى الله تعالى صفات هي في البشر انفعالات نفسية مثل: الرحمة والرضا والغضب والمحبة والكراهية والفرح والغيرة والعجب ونحوها وقد ثبتت بآيات القرآن العزيز أو بالسنة الصحيحة: نثبت هذه الصفات لله سبحانه وتعالى كما أثبتها لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ونحن مطمئنون كل الاطمئنان ولا نلتمس لها تأويلا إذ لا حاجة إليه ولا نتوقف فيها لأنها بيّنة واضحة المعنى وهذا هو مذهب السلف فيها
فلا داعي لأن نقول: المراد بالرضا: إرادة الإنعام أو الإنعام نفسه أو بالغضب: إرادة الانتقامأو الانتقام ذاته أو بالمحبة: إرادة الثواب أو الثواب نفسه لنردّ كل هذه الصفات إلى صفة الإرادة أو صفة القدرة كما يفعل كثير من المتكلمين
ثانيا: النصوص التي تثبت الفوقية والعلو لله تعالى نثبتها كما أثبتها الله تعالى لنفسه لما جاءت به النصوص الغزيرة الوفيرة في القرآن والسنة مثل قوله تعالى: «أأمنتم من في السماء» «بل رفعه الله إليه» والأحاديث الكثيرة التي ذكرت أن الله في السماء أو فوق سبع سماوات: مثل: «يرحمكم من في السماء»
كل هذه النصوص نثبت ما دلت عليه من وصف لله تعالى ولكنا نفسر هذا الإثبات بما فسره به المحققون من علماء المنهج السلفي لا بما يفهمه السطحيون من الحشوية الظاهرية وبعض غلاة الحنابلة
ثالثا: النصوص التي يوحي ظاهرها بإفادة التجسيم والتركيب لله عز وجل مثل النصوص التي تثبت لله تعالى: الوجه واليد واليدين والعين والعينين والقدم والرجل والساق والأصابع والأنامل والساعد والذراع و الحقو والجنب ونحوها مما هو في المخلوق أعضاء وجوارح في الجسم فهذه النصوص يرجح تأويلها إذا كان التأويل قريبا غير بعيد مقبولا غير متكلف جاريا على ما يقتضيه لسان العرب وخطابهم وهذا التأويل ليس واجبا ولكنه أحق وأولى من الإثبات الذي قد يوهم إثبات المحال لله تعالى ومن السكوت والتوقف ومن التأويل البعيد
وهذا التأويل ليس لازما فمن لم يسترح إليه يستطيع أن يفوض في هذه النصوص كما فوض كثيرون من السلف والخلف أو أن يثبت بلا كيف كما يرى شيخ الإسلام ابن تيمية ومدرسته: لزوم الإثبات بلا تكييف ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل
وموقفنا هذا الذي اخترناه من جواز التأويل إن كان قريبا مقبولا كما قال ابن عبد السلام وابن دقيق العيد أو اختيار مذهب السلف إن كان التأويل غير قريب ولا مستساغ سواء فسرنا مذهب السلف بالسكوت والتفويض أم فسرناه بالإثبات بلا تكييف
هذا الموقف قد اختاره الأئمة المعتدلون المرضيون عند جمهور الأمة مثل الإمام أبي سليمان الخطابي والإمام أبي بكر البيهقي والإمام أبي زكريا النووي والإمام ابن كثير والحافظ بن حجر وغيرهم
لماذا يرجح الشيخ مذهب السلف
وقد ذهب الشيخ إلى ترجيح مذهب السلف ولم يكن هذا التأييد نابعا من هوى ولا تماشيا مع الموجة التي تجعل بعضا من العلماء يحاولون عدم التعرض لها وإنما كان الترجيح لأمور أهمها:
أولا: إن العقل الإنساني قاصر عن إدراك كنه صفات الله تعالى كما هو قاصر عن إدراك ذاته فمن المحال أن يدرك المخلوق كنه الخالق ويحيط المحدود المحدث الفاني العاجز بالكائن المطلق الكامل الأزلي
ثانيا: أننا لا نأمن -إذا خضنا لجة التأويل وصرفنا النصوص بإطلاق عن ظواهرها إلى معان نراها نحن بعقولنا أليق بكمال الله سبحانه- أن ننسب إلى الله تعالى من الأوصاف ما لم يرده وننفي عنه من الصفات ما لم يرد نفيه وبذلك نكون من الذين يقولون على الله ما لا يعلمون
ثالثا: أن السلف يخشون من فتح باب التأويل: أن يكون ذريعة لدخول الزنادقة والملاحدة وأعداء الإسلام الذين يريدون أن يهدموه من الداخل كالباطنية ومن دار في فلكهم من الفلاسفة ومنحرفي المتصوفة وغلاة الفرق ويعطيهم سندا في صرف آيات الكتاب عن مدلولاتها وظواهرها
رابعا: أن مذهب السلف أسلم بالإجماع لأن فيه إثبات ما أثبته الله تعالى ونفي ما نفاه في كتابه وعلى لسان رسوله مع الجزم بنفي التكييف والتشبيه عن الله تعالى (ليس كمثله شيء)
خامسا:وهذا الوجه مبني على ما سبقه من أن مذهب السلف في التسليم -حسب ما ذكرناه- مسلم به ومتفق عليه من الجميع والأولى في قضايا العقيدة وأصول الدين: أن يعتصم الإنسان طالب النجاة بالمتفق عليه فهو أحوط له وأحزم لأمره وأصون لدينه
سادسا: ولعل مما يؤيد ما قلناه في ترجيح مذهب السلف: أننا وجدنا عددا من كبار الذين خاضوا لجج التأويل ونصروا مذهب الخلف عادوا في أواخر أعمارهم إلى محجة السلف وأيدوا وجهتهم
كما أن الشيخ في مسألة آيات الصفات يرى ألا تجمع في مكان واحد كما يفعل البعض فيتوهم الله شخصا مكونا من أعضاء يقول الشيخ ـ حفظه الله ـ: وتلك الحقيقة: أن تعرض هذه الصفات كما وردت في كتاب الله تعالى وسنة رسوله أعني: أن تذكر مفرقة لا مجموعة فكل مسلم يؤمن بها ويثبتها لله تعالى كما جاءت
فليس مما يوافق الكتاب والسنة جمعها في نسق واحد يوهم تصور ما لا يليق بكمال الله تعالىكما يقول بعضهم: يجب أن تؤمن بأن لله تعالى وجها وأعينا ويدين وأصابع وساقا إلخفإن سياقها مجتمعة بهذه الصورة قد يوهم بأن الله تعالى وتقدس كل مركب من أجزاء أو جسم مكون من أعضاء
ولم يعرضها القرآن الكريم ولا الحديث الشريف بهذه الصورةولم يشترط الرسول لدخول أحد في الإسلام أن يؤمن بالله تعالى بهذا التفصيل المذكور
ولم يرد أن الصحابة وتابعيهم بإحسان كانوا يعلمون الناس العقيدة بجمع هذه الصفات كما تجمع في بعض الكتب المؤلفة في ذلك
موقف الشيخ من العوام
ولما كانت هذه القضية من القضايا الشائكة والتي ربما يستعصي فهمها على عوام الناس الذين لا يستطيعون الغوص في لجج العلم فقد اختار الشيخ موقفا خاصا للعوام ـ وهو موقف ابن الجوزي وإمام الحرمين والغزالي ـ قال فيه:
والذي أوثره وأرجحه هنا أن نعتصم بأمور أربعة:
1- أن نثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله فنصفه بما وصف به نفسه وما تمدح لنا به وأراد أن يعرفنا به من أوصافه أو أفعاله ولا نخاف من إطلاقها مادام القرآن قد أطلقها والرسول قد ذكرها فلسنا أغير على ربنا منه عز وجل ولا أغير عليه من رسوله صلى الله عليه وسلم ولا أحرص على التقديس والتنزيه لله جل شأنه منهما
2- ألا نزيد من عند أنفسنا على ما وصف به نفسه أو نغير عبارة القرآن أو السنة بعبارة من عندنا فهذا قد يدخلنا في مأزِق أو يوقعنا في مزلق تزل به أقدامنا وإنما نلتزم العبارات الشرعية كما وردت
3- ألا نجمع هذه الصفات أو الأفعال الموهمة لمشابهة الخلق في نسق واحد أو في سياق واحد بل نوردها كما أوردها القرآن وكما أوردتها السنة في مناسباتها وفي سياقاتها المختلفة
4- أن نؤكد أبدا ما دلت عليه النصوص القاطعة وأجمعت عليه الأمة بكل طوائفها ومدارسها: سلفيين وخلفيين من تنزيهه -جل ثناؤه- عن مشابهة شيء من خلقه بحال من الأحوال وكل ما وصف الله تعالى به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله مما يشترك فيه مع المخلوقين فهو ثابت له سبحانه بما يليق بكماله وجلاله وعظمته ويتنزه عن مشابهة المخلوقين فيه
رأي الشيخ في الخلاف القائم
بين أتباع السلف وأتباع الخلف
وقد أغضب الشيخ موقف المثبتين من المؤولين وموقف المؤولين من المثبتين لأنه يرى أن الخلاف ليس خلافا كبيرا كما يتوهم البعض وأنه لا يوجب تكفير أحد الفريقين للآخر أو حتى تأثيمه وتضليله أو تبديعه وتفسيقهلذا قال الشيخ:
أعتقد أن الخلاف بين المنهجين أو المذهبين لا يوجب تكفير أحدهما للآخر بمعنى الحكم عليه أنه كافر كفرا أكبر يخرج من ملة الإسلام !! فهذا ما لا ينشرح له صدر مسلم ولا يقبله عقل عالم بل أرى أن الخلاف في هذه القضية لا يحتمل تأثيما ولا تفسيقا ولا تبديعا إنما أقصى ما فيه: أن يكون خلافا بين مصيب ومخطئ أو مصيب وأصوب منه
وكيف يجرؤ عالم متمكن: أن يفسق أو يؤثم أو يبدع أساطين علماء الأمة الذين حملوا شريعتها وذادوا عن عقيدتها وتصدوا لخصوم دعوتها وعاشوا أعمارهم دعاة ومصلحين وعلماء عاملين أمثال الباقلاني والاسفرايني والماتريدي والغزالي والرازي وابن عبد السلام وابن دقيق العبد والرافعي والنووي وابن الهمام والزركشي والعراقي وابن حجر والسيوطي وغيرهم من الفحول المتبحرين في علوم العقيدة والشريعة ؟!!
وهم ـ حين أولوا ما أولوا ـ لم يخرجوا عن سنن العربية في مخاطباتها ولهم سلف من الصحابة الذين روي عنهم التأويل كما روي عنهم التفويض أو الإثبات مثل ما روي عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما
كما أنهم لم يقصدوا بذلك إلا أن يفهموا الناس معاني كتاب الله وأن يدافعوا عنه أمام المحرِّفين والمبطلين
وكما عاب الشيخ موقف السلفين ألقى كذلك باللوم على المتطاولين من المؤولين فقال: وإذا كنا نعيب على بعض السلفيين غلوهم في تكفير بعض المسلمين من المؤولين وغيرهم أو تفسيقهم وتأثيمهم فإننا نعيب كذلك على بعض مخالفيهم الغلو في اتهام هؤلاء السلفيين بل أئمتهم وشيوخهم- بالضلال والمروق وتقويلهم ما لم يقولوه في دين الله ورميهم بالتجسيم والتشبيه وهم يبرأون منهما في كل ما كتبوه حتى قالوا عن الإمام الرباني علاّمة الأمة شيخ الإسلام ابن تيمية ما لا يجوز ولا يقبل أن يقال بحال من الأحوال
ولكني أطالب إخواننا السلفيين هنا أن يكفوا عن تكفير من يخالفهم فيما ذهبوا إليه من الإثبات المطلق وألا يعتبروا التأويل إذا أيدته القرائن ضلالا ولا انحرافا بله أن يكون كفرا ومروقا من الدين
ويقول في كتاب آخر: ومع ترجيحي رأي السلف في ترك التأويل في أمور الألوهية والغيب لا أضلل المؤولين من كبار علماء الأمة لا أكفرهم ولا أفسقهم لأنهم قصدوا بتأويلهم الدفاع عن أصول الدين في مواجهة أعدائه ولأن تأويلهم في إطار ما تحمله لغة العرب.انتهى
هذه بعض المقتطفات من كتاب "فصول في العقيدة بين السلف والخلف" للقرضاوي وجدتها على الرابط :
أحببت أن يطّلع عليها الإخوة :
رأي الشيخ في آيات الصفات وأحاديثها
وللعلم فإن الشيخ في مسألة آيات الصفات يرى ترجيح مذهب السلف على رأي الخلف وهو في هذا موافق لشيخه البنا رحمه الله يقول القرضاوي: وأنا أرجح رأي السلف ـ وهو ترك الخوض في لجج التأويل مع تأكيد التنزيه ـ فيما يتعلق بشؤون الألوهية وعوالم الغيب والآخرة فهو المنهج الأسلم إلا ما أوجبته ضرورة الشرع أو العقل أو الحس في إطار ما تحتمه الألفاظ
هذا كلام الشيخ الذي ردده في كثير من كتبه ولكنه أفصح عن أمر آخر أكثر إيضاحا لموقفه من قضية الصفات في كتابه: «فصول في العقيدة بين السلف والخلف» (تحت الطبع) وسأنقل هنا موقف الشيخ يقول الشيخ حفظه الله:
أود أن أبوح بسر للقارئ الكريم فقد كنت كوّنت رأيا منذ سنوات في موضوعنا هذا وهو ما يتعلق بما سموه: (آيات الصفات) أو (أحاديث الصفات)
ويتلخص هذا الرأي أو هذا الموقف في ترجيح المذهب المشهور عن السلف رضي الله عنهم وهو: السكوت وعدم الخوض أو التفويض
ولكني بعد أن عشت في الموضوع منذ سنوات ثم عكفت عليه في السنتين الأخيرتين وتوسعت في القراءة والدراسة والبحث والمقارنة بين أقوال المدارس المختلفة من المتكلمين والأثريين أو السلف والخلف أو الحنابلة وغيرهممن المثبتين والمفوضين والمؤولين من مبالغين ومعتدلين في كل فريق: اتضح لي بعد ذلك أمور لم تكن واضحة عندي من قبل بالقدر الكافي ورأيت أن من التبسيط المخل: أن نسكت ونغلق أفواهنا عن الكلام في الموضوع ونحسب أن القضية قد حسمت بذلك
فالحق أن النصوص الواردة في الموضوع ليست كلها في مستوى واحد لا من حيث ثبوتها ولا من حيث دلالتها كما أن المروي عن السلف في هذا الأمر ليس كله ذا مفهوم واحد أو نسق واحد
فما خلاصة الموقف من هذه القضية التي طال فيها الجدال واستحال إلى صراع ونزال أو حراب وقتال؟
أولا: النصوص التي تضيف إلى الله تعالى صفات هي في البشر انفعالات نفسية مثل: الرحمة والرضا والغضب والمحبة والكراهية والفرح والغيرة والعجب ونحوها وقد ثبتت بآيات القرآن العزيز أو بالسنة الصحيحة: نثبت هذه الصفات لله سبحانه وتعالى كما أثبتها لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ونحن مطمئنون كل الاطمئنان ولا نلتمس لها تأويلا إذ لا حاجة إليه ولا نتوقف فيها لأنها بيّنة واضحة المعنى وهذا هو مذهب السلف فيها
فلا داعي لأن نقول: المراد بالرضا: إرادة الإنعام أو الإنعام نفسه أو بالغضب: إرادة الانتقامأو الانتقام ذاته أو بالمحبة: إرادة الثواب أو الثواب نفسه لنردّ كل هذه الصفات إلى صفة الإرادة أو صفة القدرة كما يفعل كثير من المتكلمين
ثانيا: النصوص التي تثبت الفوقية والعلو لله تعالى نثبتها كما أثبتها الله تعالى لنفسه لما جاءت به النصوص الغزيرة الوفيرة في القرآن والسنة مثل قوله تعالى: «أأمنتم من في السماء» «بل رفعه الله إليه» والأحاديث الكثيرة التي ذكرت أن الله في السماء أو فوق سبع سماوات: مثل: «يرحمكم من في السماء»
كل هذه النصوص نثبت ما دلت عليه من وصف لله تعالى ولكنا نفسر هذا الإثبات بما فسره به المحققون من علماء المنهج السلفي لا بما يفهمه السطحيون من الحشوية الظاهرية وبعض غلاة الحنابلة
ثالثا: النصوص التي يوحي ظاهرها بإفادة التجسيم والتركيب لله عز وجل مثل النصوص التي تثبت لله تعالى: الوجه واليد واليدين والعين والعينين والقدم والرجل والساق والأصابع والأنامل والساعد والذراع و الحقو والجنب ونحوها مما هو في المخلوق أعضاء وجوارح في الجسم فهذه النصوص يرجح تأويلها إذا كان التأويل قريبا غير بعيد مقبولا غير متكلف جاريا على ما يقتضيه لسان العرب وخطابهم وهذا التأويل ليس واجبا ولكنه أحق وأولى من الإثبات الذي قد يوهم إثبات المحال لله تعالى ومن السكوت والتوقف ومن التأويل البعيد
وهذا التأويل ليس لازما فمن لم يسترح إليه يستطيع أن يفوض في هذه النصوص كما فوض كثيرون من السلف والخلف أو أن يثبت بلا كيف كما يرى شيخ الإسلام ابن تيمية ومدرسته: لزوم الإثبات بلا تكييف ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل
وموقفنا هذا الذي اخترناه من جواز التأويل إن كان قريبا مقبولا كما قال ابن عبد السلام وابن دقيق العيد أو اختيار مذهب السلف إن كان التأويل غير قريب ولا مستساغ سواء فسرنا مذهب السلف بالسكوت والتفويض أم فسرناه بالإثبات بلا تكييف
هذا الموقف قد اختاره الأئمة المعتدلون المرضيون عند جمهور الأمة مثل الإمام أبي سليمان الخطابي والإمام أبي بكر البيهقي والإمام أبي زكريا النووي والإمام ابن كثير والحافظ بن حجر وغيرهم
لماذا يرجح الشيخ مذهب السلف
وقد ذهب الشيخ إلى ترجيح مذهب السلف ولم يكن هذا التأييد نابعا من هوى ولا تماشيا مع الموجة التي تجعل بعضا من العلماء يحاولون عدم التعرض لها وإنما كان الترجيح لأمور أهمها:
أولا: إن العقل الإنساني قاصر عن إدراك كنه صفات الله تعالى كما هو قاصر عن إدراك ذاته فمن المحال أن يدرك المخلوق كنه الخالق ويحيط المحدود المحدث الفاني العاجز بالكائن المطلق الكامل الأزلي
ثانيا: أننا لا نأمن -إذا خضنا لجة التأويل وصرفنا النصوص بإطلاق عن ظواهرها إلى معان نراها نحن بعقولنا أليق بكمال الله سبحانه- أن ننسب إلى الله تعالى من الأوصاف ما لم يرده وننفي عنه من الصفات ما لم يرد نفيه وبذلك نكون من الذين يقولون على الله ما لا يعلمون
ثالثا: أن السلف يخشون من فتح باب التأويل: أن يكون ذريعة لدخول الزنادقة والملاحدة وأعداء الإسلام الذين يريدون أن يهدموه من الداخل كالباطنية ومن دار في فلكهم من الفلاسفة ومنحرفي المتصوفة وغلاة الفرق ويعطيهم سندا في صرف آيات الكتاب عن مدلولاتها وظواهرها
رابعا: أن مذهب السلف أسلم بالإجماع لأن فيه إثبات ما أثبته الله تعالى ونفي ما نفاه في كتابه وعلى لسان رسوله مع الجزم بنفي التكييف والتشبيه عن الله تعالى (ليس كمثله شيء)
خامسا:وهذا الوجه مبني على ما سبقه من أن مذهب السلف في التسليم -حسب ما ذكرناه- مسلم به ومتفق عليه من الجميع والأولى في قضايا العقيدة وأصول الدين: أن يعتصم الإنسان طالب النجاة بالمتفق عليه فهو أحوط له وأحزم لأمره وأصون لدينه
سادسا: ولعل مما يؤيد ما قلناه في ترجيح مذهب السلف: أننا وجدنا عددا من كبار الذين خاضوا لجج التأويل ونصروا مذهب الخلف عادوا في أواخر أعمارهم إلى محجة السلف وأيدوا وجهتهم
كما أن الشيخ في مسألة آيات الصفات يرى ألا تجمع في مكان واحد كما يفعل البعض فيتوهم الله شخصا مكونا من أعضاء يقول الشيخ ـ حفظه الله ـ: وتلك الحقيقة: أن تعرض هذه الصفات كما وردت في كتاب الله تعالى وسنة رسوله أعني: أن تذكر مفرقة لا مجموعة فكل مسلم يؤمن بها ويثبتها لله تعالى كما جاءت
فليس مما يوافق الكتاب والسنة جمعها في نسق واحد يوهم تصور ما لا يليق بكمال الله تعالىكما يقول بعضهم: يجب أن تؤمن بأن لله تعالى وجها وأعينا ويدين وأصابع وساقا إلخفإن سياقها مجتمعة بهذه الصورة قد يوهم بأن الله تعالى وتقدس كل مركب من أجزاء أو جسم مكون من أعضاء
ولم يعرضها القرآن الكريم ولا الحديث الشريف بهذه الصورةولم يشترط الرسول لدخول أحد في الإسلام أن يؤمن بالله تعالى بهذا التفصيل المذكور
ولم يرد أن الصحابة وتابعيهم بإحسان كانوا يعلمون الناس العقيدة بجمع هذه الصفات كما تجمع في بعض الكتب المؤلفة في ذلك
موقف الشيخ من العوام
ولما كانت هذه القضية من القضايا الشائكة والتي ربما يستعصي فهمها على عوام الناس الذين لا يستطيعون الغوص في لجج العلم فقد اختار الشيخ موقفا خاصا للعوام ـ وهو موقف ابن الجوزي وإمام الحرمين والغزالي ـ قال فيه:
والذي أوثره وأرجحه هنا أن نعتصم بأمور أربعة:
1- أن نثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله فنصفه بما وصف به نفسه وما تمدح لنا به وأراد أن يعرفنا به من أوصافه أو أفعاله ولا نخاف من إطلاقها مادام القرآن قد أطلقها والرسول قد ذكرها فلسنا أغير على ربنا منه عز وجل ولا أغير عليه من رسوله صلى الله عليه وسلم ولا أحرص على التقديس والتنزيه لله جل شأنه منهما
2- ألا نزيد من عند أنفسنا على ما وصف به نفسه أو نغير عبارة القرآن أو السنة بعبارة من عندنا فهذا قد يدخلنا في مأزِق أو يوقعنا في مزلق تزل به أقدامنا وإنما نلتزم العبارات الشرعية كما وردت
3- ألا نجمع هذه الصفات أو الأفعال الموهمة لمشابهة الخلق في نسق واحد أو في سياق واحد بل نوردها كما أوردها القرآن وكما أوردتها السنة في مناسباتها وفي سياقاتها المختلفة
4- أن نؤكد أبدا ما دلت عليه النصوص القاطعة وأجمعت عليه الأمة بكل طوائفها ومدارسها: سلفيين وخلفيين من تنزيهه -جل ثناؤه- عن مشابهة شيء من خلقه بحال من الأحوال وكل ما وصف الله تعالى به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله مما يشترك فيه مع المخلوقين فهو ثابت له سبحانه بما يليق بكماله وجلاله وعظمته ويتنزه عن مشابهة المخلوقين فيه
رأي الشيخ في الخلاف القائم
بين أتباع السلف وأتباع الخلف
وقد أغضب الشيخ موقف المثبتين من المؤولين وموقف المؤولين من المثبتين لأنه يرى أن الخلاف ليس خلافا كبيرا كما يتوهم البعض وأنه لا يوجب تكفير أحد الفريقين للآخر أو حتى تأثيمه وتضليله أو تبديعه وتفسيقهلذا قال الشيخ:
أعتقد أن الخلاف بين المنهجين أو المذهبين لا يوجب تكفير أحدهما للآخر بمعنى الحكم عليه أنه كافر كفرا أكبر يخرج من ملة الإسلام !! فهذا ما لا ينشرح له صدر مسلم ولا يقبله عقل عالم بل أرى أن الخلاف في هذه القضية لا يحتمل تأثيما ولا تفسيقا ولا تبديعا إنما أقصى ما فيه: أن يكون خلافا بين مصيب ومخطئ أو مصيب وأصوب منه
وكيف يجرؤ عالم متمكن: أن يفسق أو يؤثم أو يبدع أساطين علماء الأمة الذين حملوا شريعتها وذادوا عن عقيدتها وتصدوا لخصوم دعوتها وعاشوا أعمارهم دعاة ومصلحين وعلماء عاملين أمثال الباقلاني والاسفرايني والماتريدي والغزالي والرازي وابن عبد السلام وابن دقيق العبد والرافعي والنووي وابن الهمام والزركشي والعراقي وابن حجر والسيوطي وغيرهم من الفحول المتبحرين في علوم العقيدة والشريعة ؟!!
وهم ـ حين أولوا ما أولوا ـ لم يخرجوا عن سنن العربية في مخاطباتها ولهم سلف من الصحابة الذين روي عنهم التأويل كما روي عنهم التفويض أو الإثبات مثل ما روي عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما
كما أنهم لم يقصدوا بذلك إلا أن يفهموا الناس معاني كتاب الله وأن يدافعوا عنه أمام المحرِّفين والمبطلين
وكما عاب الشيخ موقف السلفين ألقى كذلك باللوم على المتطاولين من المؤولين فقال: وإذا كنا نعيب على بعض السلفيين غلوهم في تكفير بعض المسلمين من المؤولين وغيرهم أو تفسيقهم وتأثيمهم فإننا نعيب كذلك على بعض مخالفيهم الغلو في اتهام هؤلاء السلفيين بل أئمتهم وشيوخهم- بالضلال والمروق وتقويلهم ما لم يقولوه في دين الله ورميهم بالتجسيم والتشبيه وهم يبرأون منهما في كل ما كتبوه حتى قالوا عن الإمام الرباني علاّمة الأمة شيخ الإسلام ابن تيمية ما لا يجوز ولا يقبل أن يقال بحال من الأحوال
ولكني أطالب إخواننا السلفيين هنا أن يكفوا عن تكفير من يخالفهم فيما ذهبوا إليه من الإثبات المطلق وألا يعتبروا التأويل إذا أيدته القرائن ضلالا ولا انحرافا بله أن يكون كفرا ومروقا من الدين
ويقول في كتاب آخر: ومع ترجيحي رأي السلف في ترك التأويل في أمور الألوهية والغيب لا أضلل المؤولين من كبار علماء الأمة لا أكفرهم ولا أفسقهم لأنهم قصدوا بتأويلهم الدفاع عن أصول الدين في مواجهة أعدائه ولأن تأويلهم في إطار ما تحمله لغة العرب.انتهى
تعليق