أصول العقائد عند ابن تيمية .. للأستاذ سعيد حفظه الله تعالى

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • جلال علي الجهاني
    خادم أهل العلم
    • Jun 2003
    • 4021

    #1

    أصول العقائد عند ابن تيمية .. للأستاذ سعيد حفظه الله تعالى

    أنقل لكم إخواني طلاب العلم ما كتبه الأستاذ أبو الفداء في خاتمة كتابه الكاشف الصغير، ملخصاً بطريقة واضحة لأصول عقائد ابن تيمية..

    صحيح أنه كان من المفترض أن يقوم بهذا العمل أتباع ابن تيمية، لكن نظراً لعدم تمكنهم من علوم العقائد، وعدم تمكنهم من الكتابة الدقيقة في هذا العلم الجليل، فجل ما يكتبونه مليء بالحشو والنفخ، دون التحقيق والتدقيق العلمي .. فحمل كل ذلك أستاذنا أن يعيد صياغة عقائد ابن تيمية بعبارة دقيقة جاءت نتيجة قراءة متأنية وفاحصة ودقيقة، لكتب ابن تيمية .. فهي أوضح مما كتبه ابن يتيمة نفسه يوضح فيه عقائده ..

    ولا أطيل عليكم، فهذا هو ما كتبه الأستاذ سعيد أعلى الله مناره، ووفقه إلى نصرة الحق وأهله ..

    ===================================
    خلاصة عقائد ابن تيمية
    في المسائل المبحوثة في هذا الكتاب


    سنذكر هنا هذه الخلاصة لتكون بتوفيق الله حاصل ما يخرج به القارئ المنصف, ولتكون أيضا المدعي الذي نريد إثباته بهذا الكتاب. فهي المدعي والنتيجة معاً، وكل مدَّعي يمكن أن يكون هو عين المطلوب والنتيجة إذا أقيم عليه الدليل.
    وسوف نوضح لك خلاصة عقائد ابن تيمية هنا، كما رأيتها بعينها مفرقة في فصول وأبواب الكتاب مع الأدلة والنصوص من كلام ابن تيمية.
    وغايتنا من هذا التلخيص، هو أن يجمع القارئ ذهنه، ويعرف إجمالاً ما أردنا إثباته في الكتاب تفصيلاً. فهو يقوم مقام التعريف بالكتاب إن أحببتَ. والغاية إن شئت والمدعي كذلك والنتيجة الخاصة.
    والمطلوب الحقيقي من هذا الكتاب هو تحقيق عقائد أهل السنة، وتمييزها عن عقائد أهل البدعة أو إن شئتّ قلتَ تمييزها عن عقائد ابن تيمية. وهذا التمييز ضروري جداً لأهل السنة خصوصاً في هذا الزمان الذي اختلطت فيه العقائد، ولم يعد الواحد يميز عقيدته عن عقيدة مخالفه، ومن المصائب الكبيرة أن يحض كثير من مشايخ أهل السنة الناسّ على قراءة كتب ابن تيمية، ظانين أن مسائل الخلاف إنما هي في مجرد التعبير عن العقائد، أو على الأكثر في مسائل فرعية متناثرة هنا وهناك في كتبه، وبناءً على تصوّرِهم حكموا بأنه لا ضير على الناس من ذلك. وهم لا يدرون أنهم بهذا الموقف يحكمون على عقيدتهم بالفناء، لأنهم كمن يقولون لغيرهم: إننا نحكم على كل ما يصدر من هذا الرجل بالصحة والسلامة من العيب. وما إن ينتهوا من كلامهم هذا، حتى يفاجئوا بنفس الرجل الذي عَدَّلوه ووثقوا به، يحكم عليهم بالضلال والإفساد والانحراف عن طريق الشرع الحنيف. هذا هو بالضبط حال هذه الطائفة من المشايخ. وهؤلاء المساكين يكونون قد وقعوا فريسة جهلهم. ويصبحون أمام الناس في موقف حرج بعد ذلك، فإما أن يوافقوا على حكمه ورأيه، فيحكموا على أنفسهم بالضلال، أو يعارضوه فيكونوا قد تناقضوا.
    ولذلك فإننا نرى حمايةً لعقائد الناس، أنه يَجِبُ الإشارة والتمييز بصراحة وقوة، على مسائل الاختلاف، ليتم تحذير الناس منها وممن يقول بها. وهذا الموقف هو عين الموقف الذي سلكه علماؤنا الأفاضل كما هو معلوم.
    وسوف نقسم هذا المختصر إلى مسائل وفصول وأبواب، تكون موافقة إلي حد كبير للكتاب وذلك لتسهيل الرجوع إلى موضع التفصيل لمن أحب ذلك.


    الباب الأول
    أصول في مذهب ابن تيمية


    ويشتَمِلُ هذا الباب على بعض المسائل والأصول التي بنى ابن تيمية عليها نظرته إلى الوجود الواجب والجائز، أي نظرته إلى الله تعالى وإلى المخلوقات.


    الفصل الأول
    بيان حقيقة الموجودات عند ابن تيمية


    الموجود إما أن يكون واجباً أو جائز الوجود، وكلا القسمين عبارة عن أجسام أو أمور قائمة بالأجسام. والمراد بالجسم هو المتحيز المركب في ذاته وإن لم نعرف حقيقة ما يتركب منه. والجسم ما يمكن فرض ثلاثة أبعاد فيه، وكل الأجسام محدودة أي لها أطراف من جميع الجهات الستة، ولا يمكن أن يوجد جسم ذو أبعاد لا متناهية، سواء كان هذا الجسم هو الله أو المخلوق.
    ويستحيل أن يتحقق شيء في الوجود مطلقاً إلا إذا كان جسماً، فما ليس جسماً لا يكون موجوداً.


    الفصل الثاني
    وسائل المعرفة عند ابن تيمية


    وسائل المعرفة الوحيدة هي الحواس الخمسة ومحل التصرف بالمدركات الحسية وهو الوهم والخيال، وأما العقل فوظيفته التأليف وتمييز المدركات عن طريق هذه الحواس، ولا يمكن أن تعرف بالعقل شيئاً لا يكون معروفاً بالحواس أو بالتوهم والخيال.
    وكل موجود فيمكن إدراكه بإحدى الحواس الخمس وهي السمع والبصر والرؤية والشم والذوق على الأقل، وما يستحيل إدراكه بها لا يمكن أن يكون موجوداً. والأصل في كل موجود أن يجوز إدراكه بجميع هذه الحواس، ولكن بعض الموجودات لا يمكن تذوقها كالواجب الوجود وهو الله تعالى، لأنه لا يمكن أن ينقسم منه شيء لنتذوقه. أما اللمس فجائز عليه ومنه لجميع الموجودات النجسة والطاهرة.


    الفصل الثالث
    العالَم قديمٌ بالنوع حادث الأفراد


    العالم هو كل الموجودات سوى الله تعالى، وهذه كلها أجسام أو أمور قائمة بالأجسام، وكل واحد من الأجسام الممكنة واجبة الوجود زماناً ما على الأقل، ومستحيل الوجود في جميع الأزمان.
    والعالم واجب الوجود لأن الله يستمد كماله منه، ولما كانت الممكنات كثيرة ولا محدودة في العدد والتقدير الذهني، ولما كان يستحيل وجود كل واحد في جميع الأزمان، إذن فيجب وجود بعضها في كل زمان ويجب زوال هذا الموجود الآن في زمان تالٍ.
    ولما كان الزمان أمراً موجوداًُ عند ابن تيمية منذ الأزل، لكون الزمان مقدراً بالحركة الموجودة، وعلى الأقل فالله عنده متحرك منذ الأزل، إذن الزمان موجود منذ الأزل. فيلزم وجوب وجود موجود ما منذ الأزل، واستمرار صدق الوجود على موجودٍ ما أزلاً وأبداً. وهذا هو التسلسل النوعي للعالم.
    وعلة الوجوب عند ابن تيمية هو أن وجود المخلوق بالفعل كمال للخالق، وكل كمال للخالق فهو واجب، إذن وجود مخلوق ما في كل زمان أمرٌ واجب.
    وعلى هذا، فيستحيل وجود الله تعالى وحده في زمانٍ ولو مقدرٍ، بل مهما قدرتً زماناً فيجب التصديق بوجود مخلوق معه سواء كان هذا الزمان المقدر في الماضي أو في المستقبل.
    وعلى هذا فالزمان عند ابن تيمية أزلي سواءً بالنسبة إلى الله فقط، أو إلى العالم فقط.


    يتبع ...
    إلهنا واجبٌ لولاه ما انقطعت
    آحاد سلسلة حفَّــت بإمكـانِ



    كتاب أنصح بقراءته: سنن المهتدين في مقامات الدين للإمام المواق
    حمله من هنا
  • جلال علي الجهاني
    خادم أهل العلم
    • Jun 2003
    • 4021

    #2
    الباب الثاني
    في ذات الله ولوازم الذات


    هذا الباب سنذكر فيه، عقيدة ابن تيمية في ذات الله ولوازم الذات القريبة بلا نظر في صفات المعاني.


    الفصل الأول
    إثبات أن الله جسم عند ابن تيمية


    الله تعالى جسم، والجسم هو الطويل العريض العميق. فالله طويل عريض عميق، أي له جهات ستة، وهو كباقي الأجسام محدود ومُنْتَهٍ وجوده من جميع هذه الجهات، أي إنه غير ممتد في الأبعاد إلا ما لا نهاية، بل لحجمه وقدره نهايات.
    وهذا الأمر ثابت بالكتاب والسنة ووقع عليه إجماع الصحابة والتابعين، بل وقع عليه إجماع سائر العقلاء المعتبرين، ولا يجوز القول مطلقاً بأن الله ليس بجسم بخلاف القول بأنه جسم.


    الفصل الثاني
    إثبات أنَّ الله مُرَكبٌ عند ابن تيمية



    التركيب هو كون الشيء الواحد بالشخص ممتداً في الأبعاد والجهات، مع جواز الإشارة الحسية إلى طرف منه واقع في جهة، من دون الإشارة إلى طرف وجزء وقسم آخر واقع في جهة أخرى، كما تشير إلى اليد اليمنى لصاحبك إشارة حسية، من دون أن تشير إلى يده اليسرى وكما تشير إلى وجه الرجل، وتشير إلى رجله وقدمه، وتكون إشارتك إلى وجهه غير إشارتك إلى قدميه وهكذا.
    والله بهذا المعنى مركب، وهذا ثابت بالكتاب والسنة وإجماع السلف، وعليه جماهير العقلاء.
    ولا يجوز القول مطلقاً بأن الله ليس مركباً بهذا المعنى.
    وكما ترى فإن هذا الفصل لازم لزوماً مباشراً من كون الله تعالى جسماً كما أثبتناه في الفصل الأول، لأن كل جسم فهو مركب بهذا المعنى، وكل مركب بهذا المعنى، فهو جسم. وهذا لا يخالف فيه إلا جاهل.
    ومعلوم أن الناس كلهم مُرَكَّبون بهذا المعنى، فهل يعني هذا بأن الله مثل سائر الناس، قطعاً لا يدل على ذلك، لأن الواحد من الناس مع كونه مركباً، إلا أن يده يجوز أن تفصل عنه، وكذلك وجهه يجوز أن ينقطع وينفصل عنه، وكذلك عينه تنقلع وهكذا في سائر أعضائه. أما الله تعالي، فهو ليس كمثله شيء، فيده لا تنقسم ولا تنفصل عنه، وكذلك وجهه وعيناه، وكذلك رجله وقدمه وسائر أعضائه. فهو ليس كمثله شيء.
    وكذلك، أعضاء الإنسان تتولد تولداً وتنموا نمواً، وأما أعضاء وأركان الله تعالى فلا تنمو ولا تتولد، بل هو سبحانه على هذه الصورة منذ الأزل إلى الأبد.
    فالله تعالى لا يجوز قسمته، وتقطيع أعضائه، وكذلك لم يسبق أن كانت أعضاء الله متفرقة ومنفصلة فجمعها جامع. فالمنتفي فقط أن يكون قد ركبه غيره أما أن يكون بذاته متركباً منذ الأزل فلا يجوز نفيه. واعلم أن الجزء هو ما يجوز استحضاره في الوهم منفصلاً عن الكل، وإن لم يجز ذلك في الخارج.
    وبناءً على ذلك، فصفات الله تعالى تنقسم إلى نوعين: النوع الأول: صفات هي أعيان وأجزاء وأركان وأعضاء وأدوات، كاليد والوجه والعين والرجل وغير ذلك، والنوع الثاني: هي معانٍ قائمة بالذات كالقدرة والعلم والسمع والبصر، وغيرها كما سيأتي الكلام عليها تفصيلاً.


    الفصل الثالث
    الله محدود من سائر الجهات عند ابن تيمية



    لما كان الله تعالى جسماً، وكل جسم فله أبعاد ونهايات معينة، وهذه النهايات هي حدوده، فحد الجسم ليس شيئاً آخر غيره، لأنه طرفه الذي ينتهي عنده وجوده ولما كان يستحيل أيضاً أن تكون أبعاد الجسم لا نهاية لها، بأن تكون ممتدة في الأبعاد ومنتشرة في الجهات لا إلى نهاية، فهذا مستحيل على كل جسم.
    إذن فالله تعالى جسم محدود أي له حدود ونهايات وأطراف من سائر الجهات الستة، من فوق ومن تحت ومن اليمين واليسار، ومن الأمام ومن الخلف. وحدوده ليست إلا أطرافه ونهايات وجوده.
    ولا يجوز القول بأن الله محدود بمعنى أنه محاط بما يحدُّه ويحويه كما سيأتي في مسألة الحيز.
    وقد توهم بعض الحنابلة أن الله محدود بهذا المعنى من جهة التحت فقط، لأنه مستو وجالس على العرش، وما كان مستوياً بهذا المعنى فيجب أن يكون لجهة التحت له نهاية لأنه يقابلها العرش لاستوائه عليه، وزعم هؤلاء أنه تعالى محدود فقط من هذه الجهة، وزعموا أنه من باقي الجهات الخمسة غير محدود بل هو منتشر ممتد في الأبعاد والجهات لا إلى نهاية وغاية.
    وزعمهم هذا باطل، فكما أن الله محدود من جهة التحت، فكذلك يجب أن يكون محدوداً من سائر الجهات الخمسة الأخرى لأنه جسم وكل جسم فيجب أن يكون له حد من سائر جهاته.
    واعلم أن هذا هو مذهب السلف والصحابة وبه تواترت الأخبار ودل عليه القرآن ولا يجوز في فطرة عقول الناس سواه.


    الفصل الرابع
    الله متحيز، والحيز من لوازم ذاته



    لما كان الله جسماً، بمعنى أنه موجود ذو أبعاد موجودة وله نهايات وأطراف وجهات في ذاته بمعنى أن شماله غير يمينه ووجهه غير قدمه. وجب بالضرورة أن الله متحيز.
    والتحيز هنا هو الفراغ الموهوم الذي يشغله الجسم وتنفذ فيه أبعاده. وهو نفس معنى المكان عند المتكلمين ولا يوجد فرق بينهما إلا بالنظر إلى الجوهر الفرد وهو الجزء الذي لا يتجزأ على القول بإثباته، فيقال هو في حيز ولا يقال هو في مكان لأنه ليس له أبعاد، فالحيز بناءً على ذلك أعم من المكان. ونحن لا يهمنا الالتفات إلى هذا التفريق في المعنى لأنه لا مدخليه له هنا.
    فإذن الله في حيز بمعنى أن له حيزاً بلا شك ولا ريب، وحيزه هو قدره وحجمه، كما أن علمه صفته. والحيز بهذا المعنى يجب إثباته، كما يجب إثبات العلم والقدرة لله، بل الحيز أبلغ في اللزوم للذات من هذه الصفات.
    واعلم أن المكان يطلق في اللغة أيضاً على المحل الذي يستقر فوقه الجسم، وعلى هذا فيجب القول بأن الله له مكان بل هو أعلى مكان لأن الله مستقر على العرش الذي هو فوق السموات كلها. فمكان الله بهذا المعنى هو عرشه، كما سيأتي الكلام عليه في مسألة الاستواء.
    والمكان أيضاً يطلق على السطح الباطن من الحاوي المماس للسطح الظاهر من المحوي، وهذا مصطلح بعض الفلاسفة، ولا يجوز القول بأن الله في مكان بهذا المعنى، لأن الله لا يحويه شيء من مخلوقاته، بل هو يحوي بذاته المخلوقات كلها ويحيط بها كلها من سائر الجهات، فالله مكان المخلوقات إذن بهذا المعنى، وليست المخلوقات مكاناً له بهذا المعنى.


    الفصل الخامس
    الله في جهة عند ابن تيمية


    أصل معنى الجهة هو المكان والموضع الذي يتوجه إليه الواحد في حركته، فإذن لكي يكون للواحد جهة، أو يكون هو في جهة، يجب أن يكون هو في محل وحيز ومكان، ويجب أن يكون محدوداً لكي تجوز حركته وانتقاله من حيزه ومكانه إلى غيره.
    فبناءً على هذا المعنى، يكون الله في جهة، بلا ريب. ولا يراد من كونه في جهة أنه في جهة هي غيره، بل هو تعالى جهة نفسه، فلا يوجد أمر آخر غير الله يتوجه الله منه، أو يتوجه الناس إليه. فالله تعالى جهة نفسه يتوجه منها إليها. ويتوجه إليه الناس من أماكنهم وجهاتهم إلى مكانه وجهته.
    والله تعالى منذ الأزل في جهة العلو، لأنه لم يزل ومعه بعض مخلوقاته على الأقل العرش الذي يستوي عليه، فوصف الله بالجهة تابع لكونه تعالى خالقاً بالفعل منذ الأزل، ولازم عن كون العالم قديماً بالنوع، فلم يزل مع الله شيء من مخلوقاته، وبما أن الله تعالى محدود من جميع الجهات أي من جميع جهاته الستة محدود وله نهايات. فلا شك أن يكون له داخل وخارج وداخله لا يوجد فراغ مطلقاً لأنه صمد أي لا جوف له كما سيأتي بيانه في تفسير قوله تعالى الله الصمد.
    فلما أراد أن يخلق الله المخلوقات منذ الأزل، والمخلوقات كلها أجسام والأجسام لابدَّ أن تكون في محل ومكان وحيز. ففي ذلك الحال المقدر، فالأحياز والأمكنة الوحيدة الموجودة هي الله نفسه الخلاء العدمي المحيط به.
    فصار هناك احتمالان لخلق العالم، إما أن يخلقه الله في نفسه وداخل ذاته، وإما أن يخلقه الله خارج ذاته. ولكن يستحيل أن يكون المخلوق داخل ذات الخالق، لأن الله تعالى صمد لا جوف له. فلهذا يستحيل أن يخلقهم داخله. إذن وجبَ أن يخلقهم في محل هو خارج ذاته.
    والمحلات التي هي خارج ذات الله، لابد أن يكون بينها وبين مكان الله وحيزه نسبة وجهة، أي إما أن تكون فوقه أو تحته أو يمينه أو يساره أو أمامه أو خلفه، لأن الله كما مَرّ محدود من جميع هذه الجهات.
    وكل هذه الاحتمالات تتضمن أماكن وأحيازاً صالحة لإيجاد المخلوقات فيها، فيجوز عقلاً -عند ابن تيمية- أن يخلق الله المخلوقات فوقه، أو يمينه ويساره وأمامه وخلفه وكذلك تحته. لأنه لا فرق بين جهة وجهة في حق المخلوقات. ولو شاء الله لفعل ذلك أي لخلق المخلوقات في أي محل من هذه المواضع.
    ولكن لأن الله أراد، فقد خلق المخلوقات تحته، فيجب أن يكون الله فوق المخلوقات واقعاً، أما عقلاً فلا يستحيل شيء من تلك التقديرات. فوجوب كون الله فوق المخلوقات راجع لإرادة الله.
    إذن فالحاصل أن الله خلق المخلوقات تحته، فصار هو فوقها. ولم يزل الله تعالى فوق خلقه لأنه لم يزل خالقاً بالفعل، ولم يزل مستوياً علياً على عرشه وعالياً على مخلوقاته.
    والله فوق مخلوقاته من جميع جهاتهم، لأن العالم والأرض شكلهما كروي، ولكي يكون الله فوق مخلوقاته، يجب أن يكون محيطاً بهم من جميع الجهات على الإطلاق.
    وهذا هو المقصود بقوله تعالى:  وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ  ، فهو محيط بذاته بمخلوقاته، إحاطة من جميع الجهات، إذ لو كان فوقهم من جانب دون آخر، لكان فوق بعض مخلوقاته وتحت المخلوقات الموجودة على الأرض من الجهة الأخرى، وهذا باطل. ولكن هو تعالى محيط بالذات بهم، فهو فوقهم فوقية حقيقية من جميع الجهات، ويجوز أن يقال أنه تحتهم تحتية تقديرية لا حقيقة.
    هذا هو مفهوم كون الله في جهة العلو عند ابن تيمية. وهذا ثابت عنده بالكتاب والسنة وعليه إجماع السلف والمسلمين، ولم يخالف في هذا إلا المبتدعة.
    إلهنا واجبٌ لولاه ما انقطعت
    آحاد سلسلة حفَّــت بإمكـانِ



    كتاب أنصح بقراءته: سنن المهتدين في مقامات الدين للإمام المواق
    حمله من هنا

    تعليق

    • جلال علي الجهاني
      خادم أهل العلم
      • Jun 2003
      • 4021

      #3
      الباب الثالث
      في صفات الله


      في هذا الباب، سنوضح لك خلاصة عقيدة ابن تيمية في صفات الله المعاني، نحو العلم والحياة والقدرة، والغضب والرضا وغيرها. ولن نخصص الكلام هنا عن أعضاء الله وأركانه كاليد والوجه والعين والقدم والساق والرجل، لأننا وضحنا ذلك في الفصل الخاص بالتركيب.
      وأما صفة الكلام، فسوف نُفْرِدُ لها فصلاً خاصاً لأهميتها.


      الفصل الأول
      المعاني


      وهذا الفصل يحتوي على مسألتين:


      المسألة الأولى : الحياة تستلزم الحركة.
      الله تعالى متصف بالحياة، والحياة لا تعني أكثر من أن الذات الحية متحركة وأنها فاعلة، فبمجرد إثبات كون الله تعالى حياً، يجب الاعتقاد بأنه متحرك ويجب الاعتقاد بأنه فاعل بالفعل أيضاً.
      وبناءً على كون الله حياً منذ الأزل فهو فاعل منذ الأزل، أي ترتب على هذه الصفة كون العالم قديماً بالنوع. والحركة الاختيارية كمالٌ لله تعالى، كما أن وجود المخلوقات منذ الأزل مع الله كمالٌ له تعالى.

      المسألة الثانية:صفات الله قديمة بالنوع حادثة بالأفراد، وبعضها قديم بالذات وأفعال الله قائمة في ذاته.

      ما يتصف به الله تعالى ينقسم إلى قسمين:
      القسم الأول : صفات معانٍ كالقدرة والعلم.
      القسم الثاني : أفعال حادثة قائمة بالذات. ثم هذه الأفعال تنقسم إلى قسمين: الأول أفعال لازمة، والثاني: أفعال متعدية.
      أما القسم الأول من الصفات، فاعلم أن سائر الصفات عند ابن تيمية هي عبارة عن معانٍ حادثة قائمة بالله تعالى. فالإرادة عنده عبارة عن معانٍ حادثة الأفراد، كل حادث منها: أي كل إرادة حادثة منها فيسبقها إرادة حادثة ويتلوها إرادة حادثة أخرى. وهذا مبني على الأصل القائل به وهو أن الله يخلق كل مخلوق بإرادته وقدرته الحادثتين في وقت الخلق. وعليه فإن هذه الإرادة تنعدم بعد حصول المقصود منها، أي بعد وجود المخلوق بقدرة الله. وكذلك القدرة، ولا ريب أن ابن تيمية قائل بأن القدرة في حق الله لها معنيان، الأول هو سلامة الآلات والأعضاء وهي بناءً على هذا قديمة، والمعنى الثاني هو القدرة الحادثة التي بها يتم الإيجاد والخلق، وهذا المعنى حادث في ذات الله.
      فالحاصل أن كلاً من القدرة والإرادة حادثة الآحاد قديمة النوع.
      وأما العلم، فهو نوعان، نوع قديم ينكشف به لله كل المعلومات منذ الأزل، والنوع الثاني حادث يحدث في ذات الله عندما يخلق المخلوق، أي يمكن أن نقول إن النوع الأول من العلم هو علم فاعلي وهو علة للخلق والإيجاد، والنوع الثاني للعلم هو علم انفعالي يحدث في الله بانفعاله بالمخلوقات. والنوع الأول قديم كما يظهر من كلامه، والثاني، قديم النوع حادث الآحاد.
      وأما السمع والبصر، فهما حادثان في الله بعد خلقه كل مخلوق، فهما حادثتا الآحاد قديمتا النوع.
      فالأصل الذي يعتمد عليه ابن تيمية في شرح معاني صفات الله هو التسلسل النوعي.
      وأما صفة الكلام، فسوف نورد خلاصة عقيدته فيها في فصل قادم.
      وأما القسم الثاني مما يوصف به الله، فهو الأفعال. فاعلم أن الفعل عند ابن تيمية غير المفعول، فكل أفعال الله عنده عبارة عن معانٍ وأمور حادثة بالآحاد والأفراد قديمة بالنوع. وآحادها توجد في ذاته بعد أن لم تكن موجودة، بقدرته وإرادته، أو بأثر من أفعال تصدر عن العباد وسائر المخلوقات.
      وأفعال الله يقال إنها حادثة الآحاد وقديمة النوع، ولا يقال عنها أنها مخلوقة. لأن المخلوق هو الموجود الحادث في خارج ذات الله، وأما ما يوجد من الحوادث في داخل ذات الله فهي حوادث وليست مخلوقات. هذا هو مصطلح ابن تيمية، وهو تفريق لفظي محض.
      واعلم أن الأفعال تنقسم إلى نوعين أفعال لازمة، وأفعال متعدية. أما الأفعال اللازمة، فالمراد منها الأفعال التي يترتب على وجودها وجود حال وصفة لله لازمة لذاته كالحركة مثلاً فهو فعل لازم يترتب عليه حصول صفة لله لازمة لذاته في وقت التحرك وهي كونه متحركاً. وكذلك الاستواء وهو تابع لتحريك الله ذاته وارتفاعه على العرش ثم استواؤه عليه، فليس الاستواء مجرد العلو عند ابن تيمية بل هو علو بكيفية خاصة، هي ما يعبر عنها بلفظ الجلوس.
      وأما الأفعال المتعدية فهي الأفعال التي تحدث في ذات الله، وتكون آثارها موجودات في خارج ذات الله تعالى أيضاً، مثل الخلق فالخلق هو فعل أصله أمر حادث في ذات الله، ولكن يترتب عليه وجود مخلوق في خارج ذاته تعالى. كما في خلق آدم فالله تعالى خلق آدم بيديه، فيكون قد قام بيدي الله فعل خاص، ترتب على ذلك الفعل وجود وتشكل سيدنا آدم عليه السلام من الطين اللازب.
      وأما الصفات الأخرى نحو الضحك والغضب والرحمة وغير ذلك، فهي عبارة عن صفات حادثة بسبب حدوث أمر من المخلوقات يتأثر منه الله فيضحك أو يغضب وهكذا، فالغضب والرحمة وغيرهما عبارة عن انفعالات لله تعالى بمخلوقاته.
      ولعل الفرق بين هذه الصفات ويبين الصفات المذكورة أولاً وهي العلم والقدرة هو أن العلم والقدرة كل منهما قسمان: قسم قديم بالذات، وقسم حادث الآحاد قديم بالنوع.
      وأما الضحك والغضب وغيرهما فلعله لا يقول إلا بقسم واحد منها وهو كونها حادثة الآحاد قديمة النوع.
      وأما الإرادة والكلام فلم أرَ له نصاً يقول فيه إنهما ينقسمان إلى قسمين: الأول قديم بالشخص، والثاني حادث الآحاد قديم بالنوع. بل ظاهر كلامه أنهما لا يوجد منهما إلا القسم الثاني وهو كونهما حادثة الآحاد قديمة النوع. وصرح في بعض المواضع بنفي كون الكلام معنى قديماً وكون الإرادة معنى قديماً.
      واعلم أن اتصاف الله بالفعل اللازم، هو معنى كون الله متصرفاً بنفسه، فالله يتصرف بنفسه بمعنى يوجد في ذاته أفعالاً يلزم عنها تغير في أحوال الذات وهذا التغير نتيجة تصرف الله بذاته، وتصرفه بذاته يلزم عنه أن الذات تحصل على كمالاتها بالتدريج، فالحالة اللاحقة كمال والحالة السابقة كمال، كل منهما كمالٌ في الوقت المعين.


      الفصل الثاني
      كلام الله تعالى



      وفي هذا الفصل سنعرض مذهب ابن تيمية في كلام الله تعالى ما هي حقيقته ومِنْ ماذا يتألف؟ وفي القسم الثاني من هذا الفصل سنتكلم عن عقيدة ابن تيمية في القرآن هل هو حادث أو قديم وذلك بناءً على فهم عقيدته ومذهبه في كلام الله مطلقاً ؟


      القسم الأول
      كلام الله صوت وحرف حادث الأفراد قديم بالنوع، وقائم في ذات الله



      الله متكلم بكلام يقوم بذاته، وكلامه تعالى مترتب في وجوده على القدرة والإرادة أي إن الله تعالى يوجد كلامه ويقيمُه في ذاته بقدرته وإرادته، ولا يعقل المتكلم إلا إذا كان كلامه بقدرة وإرادة منه، ومعلوم أن كل ما ترتب وجوده على تعلق القدرة والإرادة به فيجب أن يكون حادثاً. وهكذا هو الكلام فما دام مترتباً عليهما فيجب أن يكون حادثاً، وهو حادث فعلاً، ومعنى الحادث هو الذي كان بعد أن لم يكن، فهو موجود في زمان معين دون زمانٍ آخر.
      ولكننا نعلم أن ابن تيمية يفرق بين حادث النوع وبين حادث الأفراد قديم النوع، فما هو الكلام عنده، إنه حادث الأفراد قديم النوع. وكذلك كل حرف من حروف المعجم العربي حادث بالشخص قديم بالنوع وكل كلمة كذلك، فكلمات الله تعالى كل واحدة منها عبارة عن شيء حادث، ولكن نوعها وسلسلتها غير حادثة بل قديمة.
      فكل كلمة من كلام الله اللامتناهي هي حلقة حادثة ضمن سلسلة لا نهاية لها ولا بداية. فالله تعالى يُحْدِثُ كلماته بذاته شيئاً بعد شيء لا مرة واحدة ولا دفعة كاملة معاً بل على التتالي والتوالي والتعاقب. وكل كلمة من هذه الكلمات هي صفة من صفاته. بل كل جملة صحيحة ومفيدة لمعنى يصح السكوت عليه هي صفة لله تعالى.
      والكلام مع كونه حادثاً في ذات الله بإرادته وقدرته، فإنه لا يجوز أن يقال عنه أنه مخلوق بل هو حادث، لأن معنى المخلوق كما سبق هو الحادث خارج ذات الله تعالى، أو المخلوق في حيز ومكان غير ذات الله بل في ذات أخرى غيره، أو هو عين هذه الذات الأخرى المتحيزة بذاتها.
      هذا هو المراد بالقول بأن كلام اللهْ غير مخلوق. أي ليس هو محدثاً خارج ذاته بل هو محدث في ذاته.
      فإذا قيل الكلام قديم، كان المعنى أنه قديم النوع لا قديم الآحاد.
      وكل كلمة من كلمات الله متألفة ومتركبة من صوت وحرف، فكلمات الله تعالى هي عبارة عن مجموعة لا متناهية من الأصوات والحروف الدالة على المعاني المعينه. ومعلوم أن كل صوت من هذه الأصوات حادث، أي له بداية وله نهاية، أو على الأقل له بداية ما كان له بداية فهو قطعاً حادث، ولا يقال هو مخلوق لأنه مُحْدَث في ذات الله.
      والكلام الثابت لله هو صفة ذات وصفة فعلٍ معاً، فأما كونه صفة ذات فلأنه يعتمد في حدوثه ووجوده بعد عدمه على القدرة والإرادة، ومعلوم أن الإرادة والقدرة من صفات الذات. فالكلام صفة ذات. وأما كونه صفة فعل فلأنه أمر حادث وكل حادث فهو فعل. ويقصد ابن تيمية بصفة الفعل هنا أي فعل لازم للذات يستلزم حدوث حالة جديدة للذات حال وجوده. فمعنى كون الله متكلماً أي أنه يفعل الكلام بقدرته وإرادته في ذاته.
      وهذه المعاني دلَّ عليها القرآن والسنة وإجماع السلف والعقول.


      القسم الثاني
      القرآن حادث في ذات الله



      بناءً على ما مضى من توضيح معنى كون الله متكلماً. نستطيع أن نتأكد تماماً أن ابن تيمية يقول بأن القرآن المنزل على سيدنا محمد  هو حادث لا قديم. لأنه فعل من أفعال الله، ولا يوجد فعل لله قديم، وهو قائم في ذات الله لأنه كلامه، وهو بصوت وحرف قائمين في ذات الله تعالى. أي القرآن عبارة عن مجموعة أفعال متوالية متعاقبة أوجدها الله في ذاته، دالة على معانٍ معينة وكل فعل من هذه الأفعال هو حرف وصوت، فمجموع هذه الأصوات هو القرآن الكريم. فالقرآن الكريم حادث في ذات الله، ولا يقال مخلوق، وليس هو قديماً. ولا هو صفة لله بل فعل له.


      الباب الرابع
      قيام الحوادث في ذات الله أصل عظيم عند ابن تيمية



      قد علم مما مضى أن الأصل العظيم الذي تبنى عليه أكثر المسائل هو قيام الأمور الحادثة في الله تعالى، أي قيام الصفات والأفعال الحادثة في ذاته. وهذه الحوادث تكون سلسلة لا نهاية لها في الأبد والمستقبل ولا بداية لها في الأزل والقدم.
      هذا الأصل نص عليه القرآن والسنة وقام عليه إجماع السلف عند ابن تيمية.
      ومعنى ذلك أن كل هذه الحوادث هي كمالات لله تعالى،فالله لا يقوم به إلا ما كان كمالاً محضاً. فكل هذه الحوادث كمالات لله. والله تعالى يوجد هذه الحوادث في ذاته إما مباشرة كما يوجد الحركة في ذاته وكما يوجد الإرادات الحادثة. أو بواسطة بعض مخلوقاته، كما يوجد في ذاته الرحمة والرضى والغضب وغير ذلك بواسطة أفعال صادرة من عبادِهِ كالكفر والإيمان والعبادة والدعاء.
      وهذه الحوادث لما كانت تحدث في ذاته تعالى على التعاقب. فإن ذلك يعني أن الله يستكمل ذاته وكمالاته، على التدريج، أي إن الله تعالى يحصل على صفاته الكمالية بالتدريج بهذه الطرق والأساليب السابقة.
      وكون الله على هذه الصورة هو واجب وهو الأكمل في حقه تعالى من أن يكون حاصلاً على كمالاته منذ الأزل لا يزداد كل يوم بل كل ساعة كمالاً.
      وهذا هو معنى أن الله تعالى يتصرف بنفسه ويقيم ذاته بمخلوقاته، ومَنْ هذا شأنه أكمل ممن لا يستطيع أن يقيم ذاته بمخلوقاته.


      الباب الخامس
      مسائل متفرقة تنبني على ما سبق مِنَ الأصول



      وهذا الباب يتضمن عدة مسائل قال بها ابن تيمية في العقائد، وقد فرَّعها على الأصول التي وضحناها في الأبواب والفصول السابقة. هذه المسائل تثبِّت أن ابن تيمية يعتبر الأقوال السابقة أصولاً كبيرة تتفرع عنها أكثر مسائل العقائد.


      المسألة الأولى: الإحاطة.

      بما أن الله تعالى يجب أن يكون دائماً في جهة العلو بالنسبة إلى المخلوقات. فيجب أن تكون المخلوقات تحته من كل جانب. فكيف يتحقق هذا المعنى عند ابن تيمية.
      أولاً: يجب أن تعلم أن ابن تيمية يقول أن السموات والأرض جميعها كروية الشكل أي هي عبارة عن كرات الكبرى منها تحتوي وتشتمل على الصغرى. وكذلك العرش فهو كرة عنده تحتوي على جميع السموات والأرض.
      ومعلوم أن جهة الفوق بالنسبة إلى الكرة هو ما يحاذي سطحها، فلكي يكون الله فوق المخلوقات وفوق العرش، يجب أن يكون محاذياً لسطحه مماساً له لاستوائه واستقراره عليه، ولكن السطح الكروي لا يحاذيه من جميع الجهات إلا ما يحيط به من جميع الجهات. إذن فالله تعالى يجب أن يكون محيطاً بالمخلوقات جميعاً لكي يكون فوقها مطلقاً وتكون تحته.
      فالناس على الكرة الأرضية من يعيش منهم على السطح الشرقي من الأرض يكون الله بالنسبة له محاذياً لرأسه، ويكون الله تعالى محاذياً للجهة المحاذية لرجليه لأنه يجب أن يكون فوق الخلق من جميع الجهات وإلا فلو كان فوقهم من جهة واحدة فقط، لكان تحت الناس الذين يسكنون على الجهة الأخرى من الكرة الأرضية.
      إذن فلكي يكون الله فوق مَنْ في الجهة الشرقية ومَنْ في الجهة الغربية. وفوق مَنْ هُمْ في القطب الشمالي والجنوبي، يجب أن يكون محيطاً بالمخلوقات تماماً من جميع الجهات. ويجوز أن يقال أن الله فوق هؤلاء تحت من هم في الجهة المقابلة، ولكن هذه التحتية تحتية إضافية لا حقيقية.
      وهو في إحاطته هذه مستقر على العرش بمماسة، فيكون هو في الحقيقة مكاناً لمخلوقاته لأن جهته المستقرة على العرش وحده الذي من جانب التحت هو عبارة عن سطح باطن مماس للسطح الظاهر من الكون والمخلوقات كلها، وهذا هو بالضبط تعريف المكان. فالله إذن مكان لخلقه بهذا المعنى.


      المسألة الثانية: الاستواء .

      بما أن الله تعالى في جهة العلو، وتحته عرشه، وهو مستقر عليه، فيجب أن يكون مماساً له. فالله مستوٍ مستقر على العرش بمماسة.
      واستواؤه ليس مجرد علو على العرش بل هو استقراره بعد العلو والارتفاع، وهو بالضبط معنى الجلوس. فالله إذن جالس على العرش.
      ومعلوم أن الجالس على العرش لا بد أن يكون له ثقل. فالله فعلاً له ثقل، وثقله عظيم، والملائكة حملة العرش يحملون العرش ويحملون الله معاً، والقدرة التي يحملون بها الله تعالى بها هي القدرة التي أودعها الله فيهم فلو لم يقدرهم على حمله لما حملوه، ولهذا فهو يستطيع الاستقرار على ظهر يعوضه بقدرته.
      ولا يلزم من حمل الملائكة لله تعالى نقص له، نعم يلزم منه أن الله يحتاج إلى الملائكة لكي يحملوه، ولكن هذا الاحتياج لا يلزم عنه نقص، لأن الله مع كونه محتاجاً إليهم كما قد يحتاج إلى غيرهم، فإنهم لا يقومون بحمله إلا بالقدرة التي خلقها فيهم، فيعود الأمر إلى كون الله حاملاً لنفسه ولكن بواسطة الملائكة. فالله يقيم ذاته بغيره من المخلوقات، وهذا كمال لله، والذي يقدر على إقامة ذاته بمخلوقاته أفضل ممن لا يقدر على ذلك.
      وبناءً على ذلك فاعلم أن تأثير المخلوقات في الخالق غير مستحيل ولا ممتنع لأن الحاصل يرجع إلى أنه يؤثر في ذاته، ولكن بواسطة خلقه، وهو نفس معنى أنه يتصرف بذاته. إذن مسألة استواء الله على العرش بمعنى استقراره عليه وجلوسه عليه، مبنية على أصلين عظيمين:
      الأول: قيام الحوادث بالله.
      الثاني : تأثير المخلوقات بالله.
      وهذان الأصلان صحيحان لا يجوز نفيهما لما يلزم عليه من نفي ما أتى به القرآن والسنة. والحاصل أن العرش بالنسبة إلى الله ، هو مثل السرير بالنسبة إلى الرجل والسرير مكان للرجل، والعرش مكان لله تعالى كما ذكرناه لك في غير محل. وهذا مبني على أن المكان هو المحل الذي يستقر عليه الجسم. فالله مستقر على العرش، وكل منهما جسم.
      وبناءً على ذلك يصح كون الله جالساً على العرش، ويصح أن يجلس سيدنا محمداً بجانبه على عرشه.
      واعلم أن الله كما جاز عليه مماسة العرش بجلوسه عليه واستقراره، والعرش جسم، إذن فيجوز أن يمس الله جميع الأجسام، سواءً كان طاهرة أم نجسة، فالله لو شاء لمس النجاسات والشياطين، ولكنه لم يفعل ذلك لأنه لم يُرِدْ.


      المسألة الثالثة: تفسير قوله تعالى:  اللَّهُ الصَّمَدُ .

      اعلم أنه لما ثبت أن الله جسم، وله أعضاء وأركان وأدوات. فلا يخلو -كأي جسم- إما أن يكون داخله مجوفاً وخلاءً أي فراغاً غير مملوء، أو أن يكون مصمتاً مملوءاً ولا يوجد فيه فراغ. ولكن لما علم أن الله هو ذو القوة المتين، والقوة والمتانة لا تتوافقان مع الجوفية، وفراغ الجوف. إذن يجب أن يكون الله غير مجوف بل مملوء، وهذا المعنى إنما يتم إذا كانت أطرافه وأعضاؤه مجتمعة غير متفرقه. فلو كانت غير مجتمعة وغير مضموم بعضها إلى بعض، لتخللت بينها الفراغات. وهذا مستحيل لما يلزم عنه من الضعف.
      واعلم أن هذا هو معنى قوله تعالى:  اللَّهُ الصَّمَدُ  ، ولو لم يكن الله مملوءاً بهذا المعنى لم يكن صمداً، لأن الصمد هو من يعتمد عليه الناس عند المصائب والحاجات والمجوف لا يحتمل لضعفه اعتماد الناس عليه، فإنه يضعف عن احتمال ميلهم.
      ولنفس معنى الصمدية هذا، فإنه يستحيل على الله تعالى أن يأكل وأن يشرب، لأن الأكل لا يمكن إلا لذات مجوفة الداخل، وأما ما كانت ذاته غير مجوفة بل مملوءة لا يتخللها فراغ فكيف يأكل ويشرب، فالأكل والشرب يستلزمان دخول الطعام في جوف الجسم والله لا جوف له، فلا يأكل إذن.


      المسألة الرابعة: شرح حديث الإدلاء.

      وبناءً على مفهوم الإحاطة المتقدم، أي كونُ الله محيطاً بذاته بالمخلوقات من جميع الجهات، يمكننا شرح العديد من النصوص الشرعية، مثل كون الله هو الظاهر وهو الباطن، فالله عندما يكون محيطاً فإنه إذا اعتبرناه من جهة العالم يكون ظاهراً، وهو من الجهة الأخرى يكون باطناً، فالظاهر من الظهور والباطن من البطون والخفاء. فهو دائماً ظاهر وباطن.
      وكذلك فإننا نفهم معنى الإحاطة الوارد في كثير من الآيات، نحو  وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ  أي : محيط بذاته بجميع المخلوقات.
      وكذلك نفهم معنى بعض الأحاديث الواردة مثل حديث الإدلاء الوارد في الترمذي وحاصله أنه لو دلي رجل بدلو إلى قعر الأرض لهبط على الله. أي لو حفرنا حفرة تخترق مركز الأرض وتخرج من الجهة الثانية من الكون لهبط هذا الدلو على الله. وهذا يكون صحيحاً سواء كانت الحفرة والإدلاء من القطب الشمالي إلى الجنوبي أو من الجانب الشرقي إلى الغربي أو العكس فيهما أو من الأمام إلى الخلف، وبالعموم فإذا دلينا برجل من جهة من الأرض إلى الجهة الأخرى فإنه يهبط على الله قطعاً.
      وهذا كله مبني على مفهوم الإحاطة بالذات من جميع الجهات.


      المسألة الخامسة: الله يتحرك متى شاء وكيف شاء.

      بما أن الله جسم ومحدود من جميع الجهات أي من جميع جهاته، ومن خصائص الأجسام وجوب حيز ما، دون الحيز المعين. أي جواز انتقال الأجسام من حيز إلى حيز آخر، وهذا هو معنى الحركة.
      إذن فالله يتحرك متى شاء وكيف شاء ولا مانع من ذلك، بل ذلك من كماله لأنه هو المتصرف بنفسه بمشيئته وإرادته.
      ولذلك فلا مانع من أن ينزل من السماء السابعة على عرشه إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير لينادي عباده ويدعوهم للتوبة والدعاء. ولا يلزم لكي ينزل إلى السماء الدنيا أن يخلو منه العرش، لأنه لو نزل كله وخلا منه العرش كله لصار موجوداً داخل السموات، فيصير محوياً داخل مخلوقاته وهذا باطل، لأنه أكبر من مخلوقاته فكيف تحتويه وتشتمل عليه. ولكن ينزل ببعض ذاته ويبقى العرش مملوءاً بباقي ذاته. وهذا هو معنى ينزل ولا يخلو منه العرش. فإذا أمكن للرجل أن ينزل عن الكرسي إلى الأرض مع بقائه جالساً على الكرسي بأن يحني نفسه، أفلا يستطيع الله فعل ذلك؟!
      وكذلك فالله يجيء يوم القيامة إلى المحشر أي يتحرك وينتقل من مكانه الذي هو عليه ويجيء إلى أرض المحشر.
      وهذه المعاني كلها تترتب على الحركة والتصرف بالذات.
      وقد أفردنا في آخر الكتاب باباً ذكرنا فيه بعض تناقضات ابن تيمية وندعو الله أن يوفقنا للتفصيل في ذلك في مؤلَّفٍ خاصُّ.
      إلهنا واجبٌ لولاه ما انقطعت
      آحاد سلسلة حفَّــت بإمكـانِ



      كتاب أنصح بقراءته: سنن المهتدين في مقامات الدين للإمام المواق
      حمله من هنا

      تعليق

      • جلال علي الجهاني
        خادم أهل العلم
        • Jun 2003
        • 4021

        #4
        هذا تلخيص بديع ومهم يلزم طلاب الحق معرفته عن عقائد ابن تيمية، أسأل الله أن يكون سبباً لحفظ أهل الحق من اعتقادات الزيع ..

        ومن أراد التأكد من صحة نسبة كل مسألة من هذه المسائل والأصول إلى ابن تيمية فليس له إلا أن يرجع إلى كتاب الكاشف الصغير، ذاك الكتاب الذي أبدع فيه مؤلفه في البيان والكشف والتوضيح لمعتقد ابن تيمية، فلم يستطع أحدٌ من أتباع ابن تيمية الجواب عما فيه بسوى الطريقة المعروفة من السب والشتم والسفاهات..

        وفقكم الله ..
        إلهنا واجبٌ لولاه ما انقطعت
        آحاد سلسلة حفَّــت بإمكـانِ



        كتاب أنصح بقراءته: سنن المهتدين في مقامات الدين للإمام المواق
        حمله من هنا

        تعليق

        يعمل...