تساؤل مهم للدكتور الادريسي عن معنى الكلام النفسي فهل من جواب ؟

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبدالكريم نورالدين القدح
    طالب علم
    • Jun 2005
    • 33

    #1

    تساؤل مهم للدكتور الادريسي عن معنى الكلام النفسي فهل من جواب ؟

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    وجدت في هذا المنتدى دراسة مهمة عن معنى الكلام النفسي وحقيقة الصوت للدكتور مصعب الادريسي وخلاصتها الجوهرية أن معنى الكلام النفسي يحصل من اقتران العلم بإرادة نقل المعارف
    و أن الصوت هو ليس عرضاً قائماً بذات مصدره بل هو فعل مستقل في وجوده عن ذات المتكلم المصوت وبالتالي لا يرى الدكتور الادريسي في نسبة الصوت إلى الله تعالى نوعاً من إثبات قيام الحوادث بذاته تعالى بل من باب إضافة المفعول إلى فاعله
    ولقد عجبت من أن أحداً من السادة أعضاء هذا المنتدى لم يلتفت إلى هذه الدراسة المثبتة في هذا المنتدى لنقدها أو تصويبها مع أنها في رأي هذا العبد الضعيف تستحق كثيراً من الاهتمام بها ومناقشتها ومناقشة مؤلفها الذي هو بالمناسبة عضو في هذا المنتدى وظني أن مناقشها ستوضح الكثير من الاشكالات والشبهات المتعلقة بهذه المسألة
    هذه الدراسة توجد في كتاب مسألة الكلام الالهي بين الشيعة الاثناعشرية و أهل السنة دراسة نقدية في ضوء معطيات العلم الحديث
    وهو موجود على الرابط :
    http://www.aslein.net/showthread.php?t=3326
    وسأقوم الآن إن شاء الله بنقل مارأيته أهم الفقرات في هذه الدراسة قبل نقل كامل نظرية الدكتور الادريسي فإليكم هذه النصوص من دراسة الدكتور الادريسي :


    للكلام أو للتكليم (أعني طريقة إخراج المعلومة المرادة وفق النظام اللغوي المتواضع عليه) مركزان في قشرة المخ: أحدهما معني بنظام اللغة، والثاني يقود عملية النطق وإنتاج الأصوات المسموعة .. إنَّ المسألة في حقيقتها ليست أكثر من معارف تجمع بقدر ما يتاح للإنسان من معطيات حواسه ونتاج استدلاله، وتحفظ في مستودعها من المخ، ثم تُخرج أو تُظهر أو تُعلَن بقدر ما تتعلق به الإرادة من ذلك المستودع في خطاب الإنسان، أو كتابته التي هي رموز تحكي مفردات الخطاب وتنقله للغائب، أو في إشاراته الحسية المتفق عليها، وربما عن طريق التخاطر لمن كان من أهل هذه الهبة. وقد تكون المعارف الخارجة خبرا عن معلوم أو طلبا لحاجة معلومة، وقد تكون صحيحة في أصلها أو باطلة، وقد تكون صحيحة ويريد الإنسان تزييفها والإخبار عنها بغير ما هي عليه في نفس الأمر، وهذه الإرادة كما قدمت تابعة للعلم بما فيه مصلحة أو مضرة. واللغة في حقيقتها ليست شيئا أكثر من نظام لنقل هذه المعارف أو الرغبات التابعة لها عن طريق رموز صوتية، يتم تعيين إشارة كل رمز منها إلى مرموزه بالتواضع بين أهل اللغة الواحدة على مستوى بناء الكلمة، وعلى مستوى بناء التركيب الذي يتاح للمتكلم في نظمه أكبر مساحة من الحرية في الاختيار، ويكون فيه أكبر التفاوت بين أبناء اللغة الواحدة في بلاغة الخطاب، على ما نجده في لغتنا العربية.


    ويقول الدكتور الادريسي أيضاًفي معنى الكلام :


    إن المسألة في حقيقتها ليست أكثر من تحصيل المعارف وإخراجها. ولا أعني بذلك أنه لا تمييز بين حقيقة السمع والبصر والذوق والشم واللمس من جهة، وبين العلم الحاصل للإنسان من جهة أخرى، ولا بين ذلك كله وبين الكلام من جهة ثالثة. وإنه لمن المكابرة أن يقول قائل: إن معنى «سمع» هو معنى«علم» بلا فاصل. أو إن معنى «أبصر» هو معنى«علم» بلا فاصل. أو إن معنى «الكلام» هو معنى«العلم» بلا فاصل.

    وهو يشرح ذلك فيقول :

    .. ما بقي لنا في معنى السمع سوى أن نقول: إنه إدراك الصوت. وفي معنى البصر: هو التمييز بين الأجسام في أماكن وجودها بغير مباشرة. وفي الذوق: هو إدراك الطعوم ... إلخ. والعلم عام يصدق على ما هو ضروري وما هو استدلالي، والكلام من ذلك كله هو المعارف التي يريد الإنسان نقلها وإخراجها أو إعلانها وإظهارها من خزانتها المسماة بالذاكرة في مخه؛ وفق النظام المتواضع عليه في لغته التي قد تكون العربية، أو الفارسية، أو غير ذلك من لغات بني آدم. واللغة هنا مجرد نظام، والأصوات رموز تشير إلى المعارف المراد نقلها، والكتابة رسوم مرئية ترمز إلى الأصوات حروفا في بعض اللغات، وكلمات في بعضها، وجملا في بعضها، وكل ذلك في إطار النظام اللغوي المتواضع عليه. ويمكننا أن نقول: إن رسوم الكتابة ترمز إلى الأصوات رمز الأصوات إلى المعاني، وكما أن الذي لا يعرف مرموزات رسوم الكتابة من الحروف أو الكلمات والجمل لا يستطيع أن يقرأ وإن رأى الرسوم، فكذلك حال من لا يعرف المعاني لا يتكلم وإن ظهرت منه أصوات، ولا يعقل لغات الناس وإن سمع أصواتهم؛ حتى يُحَصِّلَ العلم بما حوله، ويعرِفَ نظامَ اللغة في نقل المعاني أو الصور العقلية لما علم، وإن لم يكن له علم بذلك؛ فهو فيما يصدر عنه من الأصوات وطير الببغاء الذي يقلد بعض أصوات الإنسان سواء.
    والنقل هنا لا يعني تحريك المعارف من مخ المتكلم إلى مخ السامع؛ بل هو أشبه بنقل صورة جملة مُخَزَّنة في ذاكرة حاسوب (كومبيوتر) إلى آخر، كما أن تخزين الصور العقلية أو الذهنية للمعلومات شبيه بتخزين المعلومات في ذاكرة الحاسوب في صورة رقمية..

    والكلام في حقيقته ليس شيئا سوى هذه المعارف التي يراد نقلها في صورة رمزية قد تكون صوتية لغوية، وقد تكون بالإشارة، وقد تكون بغير ذلك

    ثم يطرح تساؤله الأهم :

    فهل يمكنني بعد ذلك كله أن أقول بأن صفة الكلام هي المعنى الحاصل من اقتران العلم مع إرادة نقل المعارف، على نحو ما نقوله في صفة التكوين التى هي المعنى الحاصل من اقتران القدرة مع إرادة إيجاد المقدور؟ وإذا سلم لي هذا؛ فكما أقول مع الماتريدية بأن معنى «التكوين» مستقل عن معنى «القدرة» ومعنى «الإرادة»، أقول هنا: إن معنى «الكلام» مستقل أيضا أو متميز عن معنى «العلم» ومعنى «الإرادة»، وحدوث كلامنا إنما كان لحدوثنا وحدوث علومنا وإراداتنا، ولا يكون كلام الله ــ جل وعلا ــ حادثا لحكم القدم اللازم له ــ تعالى ــ بصفاته جميعا.
    وهنا أتمنى على السادة أعضاء هذا المنتدى و سماحة الشيخ سعيد فودة حفظه الله لو يتوقفوا عند هذا السؤال :


    فهل يمكنني بعد ذلك كله أن أقول بأن صفة الكلام هي المعنى الحاصل من اقتران العلم مع إرادة نقل المعارف، على نحو ما نقوله في صفة التكوين التى هي المعنى الحاصل من اقتران القدرة مع إرادة إيجاد المقدور؟

    و إنني لبأشد الشوق لرؤية إجابة سماحة الشيخ سعيد فودة على هذا التساؤل
    التعديل الأخير تم بواسطة عبدالكريم نورالدين القدح; الساعة 22-12-2006, 11:55.
    صلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه دائماً أبداً عدد ما ذكره الذاكرون وعدد ما غفل عن ذكره الغافلون
  • عبدالكريم نورالدين القدح
    طالب علم
    • Jun 2005
    • 33

    #2
    هذا عن نظرية الدكتور الادريسي حول الكلام النفسي أما فهمه للصوت فأنقل لكم من كلامه بهذا الصدد الفقرات التالية حيث يقول :

    فالصوت إذًا فعلٌ مستقل في وجوده وكيانه وحركته عن ذات المُكلِّم المُصَوِّت، ومثله في ذلك مثل الطاقة الكهربية التي تتولد من الحركة في «المولد الكهربائي» ويتم نقلها وتحريكها من مكان إلى آخر بواسطة الموصلات القابلة لحملها من المعادن.


    انتهى .

    والدكتور الادريسي واضح جداً في أن صفة الكلام القائمة بذات الله تعالى ليست حرفاً ولا صوتاً حيث يقول :


    وإذ قد تنزه الله ــ تعالى ــ عن الحدوث وصفات المُحدَثِين مما خلقه وأوجده بلا شريك؛ فلم يزل متكلما بكلام نفسه وصفة ذاته، ولا شيء من ذلك يكون صوتا ولا حرفا؛ فالأصوات والحروف مما خلق وأوجد في جملة العالم المُحدَث المسبوق بالعدم ..

    وهو ولأنه يرى أن الصوت مستقل عن مصدره فلا يرى مانعاً من إمضاء بعض النصوص الحديثية التي فيها إضافة الصوت إلى الله تعالى _ على ما تعرضت له من نقد _ على ظاهرها .

    حيث يقول في شأن تلك الأحاديث :

    وإن لم يكن كل حديث منها على حدة صالحا عند تفريقها في إثبات العلم بإسناد الصوت إلى الله ــ تعالى ــ على قول من لا يحتج بالآحاد في هذه المطالب؛ فما أحسب أنه في الإمكان غض الطرف عنها، وعن غيرها من الأحاديث التي فيها إثبات كلام الله ــ تعالى ــ لخلقه دون أن يكون ثمة حجاب ولا ترجمان، حينما تجمع طرقها المتعددة، ثم ينظر فيما اجتمعت عليه من هذا المعنى؛ فلا والله لا يصرفها عن ظاهرها الذي يفيد أن المُكَلَّم سمع صوتا عقل به كلام الله ــ تعالى ــ إليه، إلا اعتقاد أن الصوت لا يكون إلا عرضا محدثا قائما بذات المُتكَلِّمِ لا ينفصل عنه.

    انتهى.

    ويقول :
    وإذا سلمنا أنَّ الصوت كائن مستقل، وليس عرضا يقوم بمحل، ثم يفنى في الوقت الثاني بعد وجوده، على ما قاله أكثر متكلمينا القدامى ــ وليس صفة أيضا على ما نقلتُه من كلام الإمام البخاري؛ فكُلُّ ما يَقْدِرُ الإنسان على اكتسابه بالآلات، يخلُقُه الله ــ عز وجل ــ بغير آله. وليس في نسبة الصوت إلى الله ــ تعالى ــ ما يدل على قيام الحوادث بذاته العلية، كما أنه ليس في نسبة خلق الإنسان وسائر المخلوقات إليه ــ تعالى ــ ما يدل على ذلك.
    وعلى هذا فأنا لا أجد إشكالية قط فيما يروى من صحيح الأخبار وحسانها مما فيه نسبة الصوت إلى الله ــ تعالى ــ أو الإشارة إليه؛ فذلك كله من باب إضافة المفعول إلى فاعله، وكلام الله ــ تعالى ــ الذي هو من علمه لم يزل ولا يزال على ما هو عليه صفة له، والله ــ تعالى ــ بجميع صفاته قديم لا أول لوجوده ولا انتهاء

    انتهى .



    ويقول :
    لكنني مع هذا لا أستطيع أن أجزم جزما قاطعا بأن خلق الأصوات هو السبيل الوحيد لإظهار الكلام الإلهي، الذي قد يكون قرآنا معجزا، وقد يكون غير ذلك مما يظهره الله ــ تعالى ــ من علمه لمن شاء من عباده ورسله، مما يكون رؤيا صادقة في المنام، أو إلقاء في النفس؛ خاصة في ضوء المعارف الحديثة التي أطلعتنا على كثير من القدرات الإنسانية الكامنة في التعبير عما في النفس، وفي التأثير الحسي به في الموجودات أيضا بغير اتصال ظاهر
    وغاية ما أريد تقريره هنا أنه ليس في العقل المعاصر ــ إذا أدرك ما ذكرته ووعاه ــ ما يمنع من أن يظهر الله ــ تعالى ــ كلامه بصوت يوجده ويخلقه، ويُسْمِعُه جبريلَ عند الوحي فيعيه، وليس هناك ما يمنع من أن يكون ذلك الصوت أعلى في طاقته مما يفسره الملائكة في كلام بعضهم لبعض؛ فهم يسمعون من الضوضاء والضجة ما يحسبونه من شارات الساعة، أو ما يصعقهم سماعه على ما يحدث لبني آدم؛ حتى إذا فُزِّعَ عنهم بيَّن لهم جبريل ما سمعه ووعاه .. ليس هناك ما يمنع من وقوع ذلك على وجه الحقيقة
    .
    صلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه دائماً أبداً عدد ما ذكره الذاكرون وعدد ما غفل عن ذكره الغافلون

    تعليق

    • عبدالكريم نورالدين القدح
      طالب علم
      • Jun 2005
      • 33

      #3
      انتهى نقلي لما بدا لي أهم الفقرات في هذه الدراسة و الآن إليكم نقلاً كاملاً لنظرية الدكتور الادريسي في معنى الكلام النفسي مع حذف الهوامش :



      لئن كانت وسيلة المتكلمين هي معرفة حقيقة الصفة في الشاهد، ثم الانتقال إلى فهم أصل معناها في الغائب؛ فليكن كلامنا عن الإنسان الذي أعلمنا خالقه ــ جل وعلا ــ أنه يولد عاريا من العلم بأي شيء مما يحيط به في هذه الدنيا، فقال ــ تبارك وتعالى ــ: وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ النحل/ 78. ومن هنا نبدأ بالحواس الجامعة للمعارف الضرورية، والفؤاد الذي يعقلها، ويضيف إليها بالاستدلال معرفة ما غاب عن إدراك الحواس.
      والمعارف الحسية التي ندركها لا تقف في جملتها عند الخمس التي تكلم عنها أسلافنا، وهذه الحواس الخمس مجرد نوافذ أو طرق أو آلات يتعلق بكل واحد منها إدراك معين لصفة أو عدد من الصفات التي تكون عليها الأجسام، ومركز الإدراك ليس في هذه النوافذ والآلات التي يجري الحس من طريقها، وإنما في فصوص معينة من قشرة المخ المركوز في جوف رأس الإنسان، وهـذا المـخ تنـفــذ إليه معطيــات الحواس عن طريق شــبكة الأعصــاب المنتشــرة فروعــها في جســـم الإنسان؛ فيحصل فيه الإدراك، وهذه الشبكة نفسها تحمل أوامر المخ إلى سائر أعضاء الجسم، كما نعرف من معطيات علم الطب الحديث التي صارت جزءا من الثقافة العامة لعصرنا ..
      فالأذن نافذة إدراك الأصوات، والعين نافذة إدراك الألوان، والأنف نافذة إدراك الروائح، واللسان نافذة إدراك الطعوم، والجلد نافذة إدراك الخشونة والملاسة، وكذلك الحرارة والبرودة، وحملوا عليه أيضا إدراك الرطوبة واليبوسة مع أن هذا لا يتم مع مجرد المباشرة؛ بل مع المدافعة أو الاعتماد ــ على ما يقول المتكلمون ــ وبمثل هذا ندرك الضرب المؤلم؛ لكننا ندرك أن جسما أثقل من جسم آخر متى حملناهما بمقدار الجهد العضلي في الحمل. وندرك مرض أعضاء أجسامنا الجوانية حينما نحس الألم فيها، وهذه معارف حسية ضرورية أيضا تتولى شبكة الأعصاب نقلها إلى مركز إدراكها بالمخ بلا واسطة النوافذ الخمس. وهذه الإدراكات جميعا تحصل في المخ لكن من طرق مخصوصة على ما جرت به العادة، أي على ما هيأ الله به الإنسان في أصل الخِلْقَة. ولا فارق بين الضروري الحسي والبدهي إلا في أننا نلاحظ حصول الحسي من نوافذه، ونجد البدهي حاصلا عندنا بغير هذه الملاحظة؛ لكنه في الحقيقة حاصل من تراكم المعارف الحسية بغير استدلال، وهو يمثل الأصول التي يقوم عليها الاستدلال؛ فاحتياجه إليه دور محال، ولهذا كانت هذه المعارف فيما اتفق عليه علماء الكلام من خلق الله ــ تعالى ــ الصانع لكمال العقل.
      وللتفكير والاستدلال مركزه المعين من المخ أيضا؛ حيث تكون فيه عملية النظر التى ينضم ناتجها من المعارف الاستدلالية إلى الذاكرة الحافظة لكل هذه المعارف في موضعها من المخ، حيث يستدعي الإنسان منها ما يريد وفق الإمكانات والقدرات المتاحة له في خطابه وكلامه مع بني جنسه، أو فلنقل: فيما يريد أن يبلغه لغيره من خبر أو طلب.
      والإرادة الإنسانية في ذلك تتعلق بنقل المعارف لا بإيجادها أو إحداثها، وهي تابعة للعلم أيضا في القصد إلى إيقاع الأفعال الاختيارية على الوجه الذي يُعلَم أنه أنفع مما سواه. والأفعالُ التي تقع على هذا الوجه هي التي يتعلق بها التكليف والأمر والنهي، وأما الأفعال الحيوية الاضطرارية؛ فيقوم بها المخ الإنساني بما طبع عليه في أصل خلقته، وهذه لا يتعلق بها تكليف؛ لأنه ليس فيها قصد إلى فعل ما ينتهي النظر إلى الحكم بأنه أنفع عاجلا أو آجلا ..
      وللكلام أو للتكليم (أعني طريقة إخراج المعلومة المرادة وفق النظام اللغوي المتواضع عليه) مركزان في قشرة المخ: أحدهما معني بنظام اللغة، والثاني يقود عملية النطق وإنتاج الأصوات المسموعة .. إنَّ المسألة في حقيقتها ليست أكثر من معارف تجمع بقدر ما يتاح للإنسان من معطيات حواسه ونتاج استدلاله، وتحفظ في مستودعها من المخ، ثم تُخرج أو تُظهر أو تُعلَن بقدر ما تتعلق به الإرادة من ذلك المستودع في خطاب الإنسان، أو كتابته التي هي رموز تحكي مفردات الخطاب وتنقله للغائب، أو في إشاراته الحسية المتفق عليها، وربما عن طريق التخاطر لمن كان من أهل هذه الهبة. وقد تكون المعارف الخارجة خبرا عن معلوم أو طلبا لحاجة معلومة، وقد تكون صحيحة في أصلها أو باطلة، وقد تكون صحيحة ويريد الإنسان تزييفها والإخبار عنها بغير ما
      هي عليه في نفس الأمر، وهذه الإرادة كما قدمت تابعة للعلم بما فيه مصلحة أو مضرة. واللغة في حقيقتها ليست شيئا أكثر من نظام لنقل هذه المعارف أو الرغبات التابعة لها عن طريق رموز صوتية، يتم تعيين إشارة كل رمز منها إلى مرموزه بالتواضع بين أهل اللغة الواحدة على مستوى بناء الكلمة، وعلى مستوى بناء التركيب الذي يتاح للمتكلم في نظمه أكبر مساحة من الحرية في الاختيار، ويكون فيه أكبر التفاوت بين أبناء اللغة الواحدة في بلاغة الخطاب، على ما نجده في لغتنا العربية.
      وليس في إمكان الإنسان أن يدرك معنى لفظ يشير إلى موجود دون أن يكون عالما به، ودون أن تكون لذلك المرموز صورة مُخَزَّنةٌ في مُخِّهِ، أو مَعرِفةٌ لما ينفصل به وجود ذلك الشيء عن وجود ما سواه إذا لم يسبق له إدراكه حسيا، أو لم يكن مما يدرك بالحواس أصلا.. هذا أو فالكلمة مجرد صوت أجوف لا يدل على معنى، ولا يشير إلى ما يزيد عن كونه صوتا مبهما كسائر الأصوات التي تعج بها الأجواء حولنا مما ليس بلغة خطاب.
      وباعتبار تلك المعارف وذلك التواضع في الخطاب اختلفت في اللغة العربية دلالة قولنا «زيد» عن قولنا «عمرو»، واختلفت دلالة قولنا «رسول» عن قولنا «صحابي» عن قولنا «تابعي»، واختلفت دلالة قولنا «فعل» عن قولنا «يفعل» عن قولنا «افعل»، واختلفت دلالة الكلمة الواحدة بين تركيب وآخر، وبين الاستعمال الحقيقي والاستعمال المجازي. وكل ذلك في السمع الحاصل من طريق الأذن مجرد وجود أصوات متصلة على هيئات مختلفة، لا تختلف في تنغيمها كثيرا عن تنغيم أصوات العصافير والبقر.
      فمُخُّ الإنسان هُنا متميِّزٌ بتحصيل العلوم الاستدلالية المؤسسة على علوم الضرورة، ومتميز أيضا بإخراج ما يريد نقله أو إظهاره من المعارف في صورة رمزية، أو نسق لغوي. ولذلك فإن الإنسان حينما يرى شيئا أو آلة جديدة لأول مرة، قد يصف شكلها كما يظهر لحاسته؛ لكنه لا يسميها ابتداء ولا يضع لها اسما؛ حتى يُعلَمَ به أو يتواضع مع غيره على اسم لما عرفاه، وكذلك قالت ملائكةُ الرحمن حينما أُمِرت بذكر أسماء الخلائق: سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ البقرة/ 32. وذلك لأن علم الملائكة المُحدَث محصور له غاية ينتهي إليها؛ فأنَّى لهم أن يعرفوا أسماءً لموجودات لم يعرفوها من قبل؟
      ومن ثمَّ قال المناطقة في حَدِّ الإنسان: حيوان ناطق. والناطقية هنا هي العقل وعمل المخ من الإنسان، وكان شيوخنا في الفلسفة يحكون لنا عن سقراط أنه كان يقول للرجل العملاق: يا هذا، كلمني حتى أراك. أي حتى أراك إنسانا حقيقيا؛ فربما لا يكون له من الإنسانية إلا الصورة، وكونه عملاقا زيادة في الصورة لا في حقيقة الإنسانية. وقد كان حكماء العرب يقولون فيمن لم يكمل عقله من العماليق: أجسام البغال وأحلام العصافير.
      قلت: إن المسألة في حقيقتها ليست أكثر من تحصيل المعارف وإخراجها. ولا أعني بذلك أنه لا تمييز بين حقيقة السمع والبصر والذوق والشم واللمس من جهة، وبين العلم الحاصل للإنسان من جهة أخرى، ولا بين ذلك كله وبين الكلام من جهة ثالثة. وإنه لمن المكابرة أن يقول قائل: إن معنى «سمع» هو معنى«علم» بلا فاصل. أو إن معنى «أبصر» هو معنى«علم» بلا فاصل. أو إن معنى «الكلام» هو معنى«العلم» بلا فاصل.
      وإن المتاح لنا من خلال ما ذكرته بصورة مختصرة، هو القول بأن السمع في الإنسان هو العلم الحاصل من طريق الأُذُن بالأصوات وصفاتها المختلفة من الشدة والرخاوة والجهر والهمس؛ لأن الإنسان بطبيعته المجردة لا يدرك الصوت إلا من طريق هذه الحاسة. وكذلك القول في البصر بأنه هو العلم الحاصل من طريق العين بالموجودات الملونة وإدراك طولها وعرضها وكونها ساكنة في مكان أو متحركة عنه؛ لأن الإنسان بطبيعته المجردة لا يدرك الملون إلا من طريق هذه الحاسة. وكذلك القول في سائر الحواس. وقد قيدت هذا بأن يكون الإدراك بمجرد ما خلقه الله ــ تعالى ــ للإنسان في جسمه من الحواس؛ لأن نتاج حضارتنا الحديثة قَدَّم لنا ما يغير في معطيات الحواس ما يشبه ما كنا ندرسه في الأدب تحت عنوان «تراسل معطيات الحواس»؛ فصار بإمكان الإنسان المعاصر أن يرى الصوت، وأن يميز بعينه بين بصمة صوتية وأخرى، وأن يميز بين الصور الطيفية للأصوات المختلفة في إطار «اللغة المرئية». وصار بإمكانه أن يميز بين الأجسام في الظلام تمييز الوطاويط التي لا تدرك الألوان، وأن يدرك حرارتها وملاستها دون أن يمسها، وأن يدرك الطعوم وأن يعرف درجة حموضتها وغير ذلك دون أن يضعها على لسانه، وكل ذلك بطريق الحس والعلم الضروري .. ما بقي لنا في معنى السمع سوى أن نقول: إنه إدراك الصوت. وفي معنى البصر: هو التمييز بين الأجسام في أماكن وجودها بغير مباشرة. وفي الذوق: هو إدراك الطعوم ... إلخ. والعلم عام يصدق على ما هو ضروري وما هو استدلالي، والكلام من ذلك كله هو المعارف التي يريد الإنسان نقلها وإخراجها أو إعلانها وإظهارها من خزانتها المسماة بالذاكرة في مخه؛ وفق النظام المتواضع عليه في لغته التي قد تكون العربية، أو الفارسية، أو غير ذلك من لغات بني آدم. واللغة هنا مجرد نظام، والأصوات رموز تشير إلى المعارف المراد نقلها، والكتابة رسوم مرئية ترمز إلى الأصوات حروفا في بعض اللغات، وكلمات في بعضها، وجملا في بعضها، وكل ذلك في إطار النظام اللغوي المتواضع عليه. ويمكننا أن نقول: إن رسوم الكتابة ترمز إلى الأصوات رمز الأصوات إلى المعاني، وكما أن الذي لا يعرف مرموزات رسوم الكتابة من الحروف أو الكلمات والجمل لا يستطيع أن يقرأ وإن رأى الرسوم، فكذلك حال من لا يعرف المعاني لا يتكلم وإن ظهرت منه أصوات، ولا يعقل لغات الناس وإن سمع أصواتهم؛ حتى يُحَصِّلَ العلم بما حوله، ويعرِفَ نظامَ اللغة في نقل المعاني أو الصور العقلية لما علم، وإن لم يكن له علم بذلك؛ فهو فيما يصدر عنه من الأصوات وطير الببغاء الذي يقلد بعض أصوات الإنسان سواء.
      والنقل هنا لا يعني تحريك المعارف من مخ المتكلم إلى مخ السامع؛ بل هو أشبه بنقل صورة جملة مُخَزَّنة في ذاكرة حاسوب (كومبيوتر) إلى آخر، كما أن تخزين الصور العقلية أو الذهنية للمعلومات شبيه بتخزين المعلومات في ذاكرة الحاسوب في صورة
      رقمية ..
      والكلام في حقيقته ليس شيئا سوى هذه المعارف التي يراد نقلها في صورة رمزية قد تكون صوتية لغوية، وقد تكون بالإشارة، وقد تكون بغير ذلك؛ فهل يمكنني بعد ذلك كله أن أقول بأن صفة الكلام هي المعنى الحاصل من اقتران العلم مع إرادة نقل المعارف، على نحو ما نقوله في صفة التكوين التى هي المعنى الحاصل من اقتران القدرة مع إرادة إيجاد المقدور؟ وإذا سلم لي هذا؛ فكما أقول مع الماتريدية بأن معنى «التكوين» مستقل عن معنى «القدرة» ومعنى «الإرادة»، أقول هنا: إن معنى «الكلام» مستقل أيضا أو متميز عن معنى «العلم» ومعنى «الإرادة»، وحدوث كلامنا إنما كان لحدوثنا وحدوث علومنا وإراداتنا، ولا يكون كلام الله ــ جل وعلا ــ حادثا لحكم القدم اللازم له ــ تعالى ــ بصفاته جميعا.
      وهذا المعنى الذي سعيت في بيانه على هذا الوجه هو عين المعنى الذي أسماه شيوخنا الأشعرية «الكلام النفسي»، وذكروا فيه قول الشاعر العربي الأخطل:
      إن الكلام لفي الفؤاد وإنما *** جعل اللسان على الفؤاد دليلا
      واستشهدوا له بقوله ــ تعالى ــ: وَإِذَا جَاؤُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ المجادلة/ 8. ووجدتُ مثله قوله ــ تعالى ــ: قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ يوسف/ 77. واستشهد له الحافظ البيهقي بقول سيدنا عمر بن الخطاب ــ رضي الله عنه ــ في قصة السقيفة: «هيأت كلاما قد أعجبني». وفي رواية أخرى: «كنت زورت مقالة أعجبتني». وقال: «فسمى تزوير الكلام في نفسه كلاما قبل التلفظ به».
      وذلك لأن مخ الإنسان حينما يعتمد نظام لغة من اللغات، وتتراكم قواعدها في ذاكرته بحيث تكون هذه اللغة هي اللغة الأم عنده؛ فإن نظام هذه اللغة يكون هو نظام تفكيره أيضا؛ ولذا قال بعض علماء اللغة المتأخرين: إننا نفكر من خلال الكلمات. وما أحسب الكلمات في هذا السياق إلا تعبيرا عن الصور العقلية المجردة .. إنها المعارف المخزنة في الذاكرة حينما يتم استدعاؤها إلى مركز الوعي، ويتم إدراكها في صورة الكلمات التي اعتدنا أن نتخاطب بها، ولذلك فصورة الكلمة الحاصلة في ذهني لمعنى الرجل غير صورة الكلمة الحاصلة في ذهن الفرنسي للمعنى نفسه الذي لا خلاف في وجوده العقلي العلمي وفي وجوده المتعين في الخارج ، وكان شيوخنا يقولون: إن المرء لا يجيد لغة من اللغات إجادة تامة حتى يحلم بها. أي حتى تكون لغة أحلامه، أي لغة تفكيره.
      والأبكم الذي لم يسمع قط ولم ينطق قط، لا يفكر بالكلمات العربية ولا الفرنسية، وإنما يفكر بالصورة العقلية الذهنية لما اعتاد أن يعبر به عما في نفسه من الإشارات،
      ولولا ذلك ما تمكن من معرفة معاني إشارات الصم والبكم؛ فالإشارة عندهم تقوم مقام اللغات المنطوقة، كما أن الحروف البارزة المجسمة تقوم عند العميان مقام الملونة المرئية عند المبصرين.


      انتهى النقل من كتاب الدكتور الادريسي بخصوص تعريفه للكلام النفسي
      وبقي أن أنقل لكم نظريته عن الصوت و سماع الكلام لكن ليس قبل أن أرى رأيكم بخصوص ما ذكره الدكتور الادريسي في معنى الكلام النفسي
      وصلى الله وسلم على سيدنا محمد والحمد لله
      صلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه دائماً أبداً عدد ما ذكره الذاكرون وعدد ما غفل عن ذكره الغافلون

      تعليق

      يعمل...