السلام عليكم ورحمة الله ،
كنت أقرأ البارحة في كتابٍ لأحد المؤلفين المعاصرين الذين انتقلوا إلى رحمة الله تعالى، وهو عالم مشهور جداً فيما أعلم وصاحب تصانيف عديدة،والكتاب يمكن أن يصنف ضمن كتب التراجم والسير، وقد استوقفني بعض كلامه الغريب العجيب عن أدلة علماء التوحيد وخصوصاً دليل وجود الله بل عن الكلام عموماً،فأحببت أن يشاركني الأحباب في هذا المنتدى الطيب قراءته، لذا سأنقل ما كتب بحروفه رغبة في الاستفادة من رأي الشيخ سعيد، ومعرفة موقفه مما سيسطر على هذه الصفحة، وكذلك آراء وتعليقات الإخوة الأفاضل ، والكلام جاء شرحاً لما ورد عن بعض الأعلام الكبار كأمثال ابن عطاء الله السكندري كمثل قوله رحمه الله: " وإذا كان من الكائنات ما هو غني بوضوحه عن إقامة دليل ، فالمكون أولى بغناه عن الدليل منها " اه
يقول المؤلف:
وهذه الفكرة إنما هي عودة إلى طريق الصواب فيما يتعلق بما سماه المتكلمون : " إثبات وجود الله " .
إلى أن قال:
إن وجوده سبحانه أوضح وأظهر من أن يحتاج إلى دليل ، وإن تقديس الله سبحانه ينأى بالمؤمن عن ان يتخيل _ مجرد تخيل _ أن الله يحتاج إلى إثبات وجوده.
وإن جلال الله _ وهو جزء من عقيدة المؤمن _ يسمو بالمؤمن عن أن ينزل إلى هذا المستوى من الانحراف.
والواقع أن كل محاولة لإثبات وجود الله إنما هي انحراف عن النهج الإسلامي السليم.
ثم قال:
وذلك أن القرآن الكريم وجميع الرسل صلوات الله وسلامه عليهم قد نزهوا الله عن أن يحاولوا الاستدلال على وجوده ، وقدسوه عن أن يكون وجوده في حاجة إلى حجة أو برهان. ولقد سار الإمام الشاذلي على هذا النسق متبعاً ومقتدياً، بيد أن فكرته أصبحت الآن غامضة كل الغموض ؛ ذلك أن بدعة إثبات وجود الله بدعة شائعة حتى في الأوساط المستغرقة في التدين ، ومن أجل ذلك يتساءل الكثيرون : أكان أبو الحسن محقاً قي رأيه هذا ؟.
ومن أجل إيضاح فكرة أبي الحسن ، ولأن الموضوع في نفسه جدير إلى حد بعيد بالاهتمام ، فإننا نستفيض هنا في شرح هذا الموضوع عسى أن يسود توجيه أبي الحسن فيرجع الناس من البدعة إلى التوجيه السليم ، على أن من حق أبي الحسن علينا _ ونحن نكتب عنه _ أن نستفيض في شرح فكرة من أفكاره كان للعادة والإلف، وكان للزمن والظروف دخل في أن أصبحت غير مفهومة فهماً واضحاً ، أو غير مقدرة تقديراً صحيحاً :
حين بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم الجهر بدعوته بعد نحو ثلاث سنوات من الإسرار بها ، فإنه صلوات الله وسلامه عليه لم يبدأ بإثبات وجود الله ، وإنما بدأ بالبرهنة على صدقه هو ، وتحدى العرب بصدقه ، ومن قبل ذلك حين فاجأه الملك في الغار ونزل الوحي لم يبدأ الملك أو لم يبدأ الوحي بإثبات وجود الله، وإنما بدأ بالأمر بان يقرأ الرسول صلوات الله وسلامه عليه، باسم ربه: ( اقرأ باسم ربك الذي خلق).
ومضى القرن الأول كله ولم يحاول إنسان قط أن يتحدث حديثاً عابراً أو مستفيضاً عن إثبات وجود الله تعالى ، ومضى أكثر القرن الثاني والمسألة _ فيما يتعلق بوجود الله _ لا توضع موضع البحث .
ذلك أن وجود الله إنما هو أمر بدهي لا ينبغي أن يتحدث فيه المؤمنون نفياً أو إثباتاً ، ولا سلباً أو إيجاباً. [ !!! ] إن وجود الله من القضايا لمسلمة التي لا توضع في الأوساط الدينية موضع البحث لأنها فطرية. [ !! ]
وإن كل شخص يحاول وضعها موضع البحث إنما هو شخص في إيمانه دخل ، وفي دينه انحراف ، فما خفي الله قط حتى يحتاج إلى أن يثبته البشر ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً . ومن المعروف أن الدين الإسلامي لم يجئ لإثبات وجود الله ، وإنما جاء لتوحيد الله. وإذا تصفحت القرآن أو التوراة حتى على وضعها الحالي ، أو الإنجيل حتى في وضعه الراهن فإنك لا تجد أن مسألة وجود الله قد اتخذت في سفر منها مكانة تجعلها هدفاً من الأهداف الدينية ، أو احتلت مكاناً يشعر بأنها من مقاصد الرسالة السماوية.
والقرآن يتحدث عن بداهة وجود الله حتى عند ذوي العقائد المنحرفة؛ يقول سبحانه: (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله ) ، إنهم يقولون إن الخالق هو الله مع أنهم مشركون ومنحرفون بوجه من الوجوه في إيمانهم بالله تعالى، وما نزلت الأديان قط لإثبات وجود الله ، وإنما لتصحيح الاعتقاد في الله أو لتصحيح طريق التوحيد.
أما الآيات الكثيرة التي يظن بعض الناس أنها نزلت لإثبات الوجود فليست من ذلك في قليل ولا كثير ، إنها تبين عظمة الله وجلاله وكبرياءه وهيمنته على العالم ما عظم من أمره وما دق ، لا تفوت هيمنته صغيرة ولا كبيرة ، ولا يخرج عن سلطانه ما دق وما جل. وقد أتت على هذا الوضع لتقود الإنسان إلى إسلام وجهه لله إسلاماً كاملاً بحيث لا يصدر ولا يرد إلا باسمه سبحانه ، ولا يأتي ما يأتي أو يدع ما يدع إلا في سبيله تعالى. ومضى القرن الأول على ذلك ، ومضى القرن الثاني أو أكثره على الفطرة ، ثم ... ثم كانت الفلسفة اليونانية.
والفلسفة اليونانية فلسفة يونانية لأنها تصدر عن العقل لا عن الوحي، وكل فكرة تصدر عن العقل لا عن الوحي في عالم ما وراء الطبيعة أي في عالم العقيدة إنما هي فكرة وثنية . [ ! ] ، إي إنها فكرة لا حق لها في الوجود ، لأن عالم العقيدة إنما هو من اختصاص الله بينه على لسان رسله ، وكل تدخل من الإنسان في هذا العالم إنما هو تدخل فيما ليس للإنسان التدخل فيه ، لأنه اقتحام لساحة محرمة مقدسة ، لا ينبغي أن يدخلها الإنسان إلا دخول الساجد الخاشع المسلم لما جاء به الوحي الإلهي.
إن الفلسفة اليونانية في عالم العقيدة فلسفة يونانية، إنها وثنية حين تثبت وجود الله، ولا يخرجها إثبات وجود الله عن أن تكون وثنية ، إنها وثنية المبدأ الذي قامت عليه، وهو مبدأ تأليه العقل البشري، ويستوي بعد ذلك أن تكون قد أثبتت وجود الله أو انكرته.
وهي حين تثبت وجود الله عقلياً ليس في ذلك كبير فائدة، ولا يبرر ذلك وجودها، ولا قيمة لما تثبته، وإثباتها والعدم سواء؛ ذلك أن العقل الذي أثبت هو العقل الذي يمكنه أن ينكر، وهو العقل الذي ينكر بالفعل . ولا لزوم إذن للطنطنة والتصفيق الذي نحيي به كل عبقرية فكرية في الشرق أو في الغرب تحاول فكرياً أن تثبت وجود الله.
إننا لا نقيم عقيدتنا على أي فكر بشري مهما كان هذا الفكر عبقرياً، ويجب على المؤمن أن لا يقيم وزناً _ أيّ وزن _ لأي نتاج فكري في علم ما وراء الطبيعة، سواء أخالف معتقده أم وافقه، إنه في معتقده يدين الله وحده، وكفى بالله مصدراً، وكفى بالله هادياً، وكفى بالله مرشدً، ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم، ومن يعتصم بالله فهو حسبه.
إن كل ما عدا الهدى الإلهي في عالم الدين إنما هو وثنية وضلال.
يتبع ..
كنت أقرأ البارحة في كتابٍ لأحد المؤلفين المعاصرين الذين انتقلوا إلى رحمة الله تعالى، وهو عالم مشهور جداً فيما أعلم وصاحب تصانيف عديدة،والكتاب يمكن أن يصنف ضمن كتب التراجم والسير، وقد استوقفني بعض كلامه الغريب العجيب عن أدلة علماء التوحيد وخصوصاً دليل وجود الله بل عن الكلام عموماً،فأحببت أن يشاركني الأحباب في هذا المنتدى الطيب قراءته، لذا سأنقل ما كتب بحروفه رغبة في الاستفادة من رأي الشيخ سعيد، ومعرفة موقفه مما سيسطر على هذه الصفحة، وكذلك آراء وتعليقات الإخوة الأفاضل ، والكلام جاء شرحاً لما ورد عن بعض الأعلام الكبار كأمثال ابن عطاء الله السكندري كمثل قوله رحمه الله: " وإذا كان من الكائنات ما هو غني بوضوحه عن إقامة دليل ، فالمكون أولى بغناه عن الدليل منها " اه
يقول المؤلف:
وهذه الفكرة إنما هي عودة إلى طريق الصواب فيما يتعلق بما سماه المتكلمون : " إثبات وجود الله " .
إلى أن قال:
إن وجوده سبحانه أوضح وأظهر من أن يحتاج إلى دليل ، وإن تقديس الله سبحانه ينأى بالمؤمن عن ان يتخيل _ مجرد تخيل _ أن الله يحتاج إلى إثبات وجوده.
وإن جلال الله _ وهو جزء من عقيدة المؤمن _ يسمو بالمؤمن عن أن ينزل إلى هذا المستوى من الانحراف.
والواقع أن كل محاولة لإثبات وجود الله إنما هي انحراف عن النهج الإسلامي السليم.
ثم قال:
وذلك أن القرآن الكريم وجميع الرسل صلوات الله وسلامه عليهم قد نزهوا الله عن أن يحاولوا الاستدلال على وجوده ، وقدسوه عن أن يكون وجوده في حاجة إلى حجة أو برهان. ولقد سار الإمام الشاذلي على هذا النسق متبعاً ومقتدياً، بيد أن فكرته أصبحت الآن غامضة كل الغموض ؛ ذلك أن بدعة إثبات وجود الله بدعة شائعة حتى في الأوساط المستغرقة في التدين ، ومن أجل ذلك يتساءل الكثيرون : أكان أبو الحسن محقاً قي رأيه هذا ؟.
ومن أجل إيضاح فكرة أبي الحسن ، ولأن الموضوع في نفسه جدير إلى حد بعيد بالاهتمام ، فإننا نستفيض هنا في شرح هذا الموضوع عسى أن يسود توجيه أبي الحسن فيرجع الناس من البدعة إلى التوجيه السليم ، على أن من حق أبي الحسن علينا _ ونحن نكتب عنه _ أن نستفيض في شرح فكرة من أفكاره كان للعادة والإلف، وكان للزمن والظروف دخل في أن أصبحت غير مفهومة فهماً واضحاً ، أو غير مقدرة تقديراً صحيحاً :
حين بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم الجهر بدعوته بعد نحو ثلاث سنوات من الإسرار بها ، فإنه صلوات الله وسلامه عليه لم يبدأ بإثبات وجود الله ، وإنما بدأ بالبرهنة على صدقه هو ، وتحدى العرب بصدقه ، ومن قبل ذلك حين فاجأه الملك في الغار ونزل الوحي لم يبدأ الملك أو لم يبدأ الوحي بإثبات وجود الله، وإنما بدأ بالأمر بان يقرأ الرسول صلوات الله وسلامه عليه، باسم ربه: ( اقرأ باسم ربك الذي خلق).
ومضى القرن الأول كله ولم يحاول إنسان قط أن يتحدث حديثاً عابراً أو مستفيضاً عن إثبات وجود الله تعالى ، ومضى أكثر القرن الثاني والمسألة _ فيما يتعلق بوجود الله _ لا توضع موضع البحث .
ذلك أن وجود الله إنما هو أمر بدهي لا ينبغي أن يتحدث فيه المؤمنون نفياً أو إثباتاً ، ولا سلباً أو إيجاباً. [ !!! ] إن وجود الله من القضايا لمسلمة التي لا توضع في الأوساط الدينية موضع البحث لأنها فطرية. [ !! ]
وإن كل شخص يحاول وضعها موضع البحث إنما هو شخص في إيمانه دخل ، وفي دينه انحراف ، فما خفي الله قط حتى يحتاج إلى أن يثبته البشر ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً . ومن المعروف أن الدين الإسلامي لم يجئ لإثبات وجود الله ، وإنما جاء لتوحيد الله. وإذا تصفحت القرآن أو التوراة حتى على وضعها الحالي ، أو الإنجيل حتى في وضعه الراهن فإنك لا تجد أن مسألة وجود الله قد اتخذت في سفر منها مكانة تجعلها هدفاً من الأهداف الدينية ، أو احتلت مكاناً يشعر بأنها من مقاصد الرسالة السماوية.
والقرآن يتحدث عن بداهة وجود الله حتى عند ذوي العقائد المنحرفة؛ يقول سبحانه: (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله ) ، إنهم يقولون إن الخالق هو الله مع أنهم مشركون ومنحرفون بوجه من الوجوه في إيمانهم بالله تعالى، وما نزلت الأديان قط لإثبات وجود الله ، وإنما لتصحيح الاعتقاد في الله أو لتصحيح طريق التوحيد.
أما الآيات الكثيرة التي يظن بعض الناس أنها نزلت لإثبات الوجود فليست من ذلك في قليل ولا كثير ، إنها تبين عظمة الله وجلاله وكبرياءه وهيمنته على العالم ما عظم من أمره وما دق ، لا تفوت هيمنته صغيرة ولا كبيرة ، ولا يخرج عن سلطانه ما دق وما جل. وقد أتت على هذا الوضع لتقود الإنسان إلى إسلام وجهه لله إسلاماً كاملاً بحيث لا يصدر ولا يرد إلا باسمه سبحانه ، ولا يأتي ما يأتي أو يدع ما يدع إلا في سبيله تعالى. ومضى القرن الأول على ذلك ، ومضى القرن الثاني أو أكثره على الفطرة ، ثم ... ثم كانت الفلسفة اليونانية.
والفلسفة اليونانية فلسفة يونانية لأنها تصدر عن العقل لا عن الوحي، وكل فكرة تصدر عن العقل لا عن الوحي في عالم ما وراء الطبيعة أي في عالم العقيدة إنما هي فكرة وثنية . [ ! ] ، إي إنها فكرة لا حق لها في الوجود ، لأن عالم العقيدة إنما هو من اختصاص الله بينه على لسان رسله ، وكل تدخل من الإنسان في هذا العالم إنما هو تدخل فيما ليس للإنسان التدخل فيه ، لأنه اقتحام لساحة محرمة مقدسة ، لا ينبغي أن يدخلها الإنسان إلا دخول الساجد الخاشع المسلم لما جاء به الوحي الإلهي.
إن الفلسفة اليونانية في عالم العقيدة فلسفة يونانية، إنها وثنية حين تثبت وجود الله، ولا يخرجها إثبات وجود الله عن أن تكون وثنية ، إنها وثنية المبدأ الذي قامت عليه، وهو مبدأ تأليه العقل البشري، ويستوي بعد ذلك أن تكون قد أثبتت وجود الله أو انكرته.
وهي حين تثبت وجود الله عقلياً ليس في ذلك كبير فائدة، ولا يبرر ذلك وجودها، ولا قيمة لما تثبته، وإثباتها والعدم سواء؛ ذلك أن العقل الذي أثبت هو العقل الذي يمكنه أن ينكر، وهو العقل الذي ينكر بالفعل . ولا لزوم إذن للطنطنة والتصفيق الذي نحيي به كل عبقرية فكرية في الشرق أو في الغرب تحاول فكرياً أن تثبت وجود الله.
إننا لا نقيم عقيدتنا على أي فكر بشري مهما كان هذا الفكر عبقرياً، ويجب على المؤمن أن لا يقيم وزناً _ أيّ وزن _ لأي نتاج فكري في علم ما وراء الطبيعة، سواء أخالف معتقده أم وافقه، إنه في معتقده يدين الله وحده، وكفى بالله مصدراً، وكفى بالله هادياً، وكفى بالله مرشدً، ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم، ومن يعتصم بالله فهو حسبه.
إن كل ما عدا الهدى الإلهي في عالم الدين إنما هو وثنية وضلال.
يتبع ..
تعليق