الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه والتابعين وبعد
هذه الحلقة الثانية من الكلام فى سلسلة جعلت لها عنواناً المتشابه وظلمات الوهابية
وفى هذه الحلقة (الثانية) من السلسلة أتكلم فيها على الاستواء و ضابط الكلام مرجعه الصحيح التحاكم الواضح والصريح لكتاب الله سبحانه وتعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم والتدبر السليم لكتاب الله وهذه أمور تزعم هذه الفرقة (السلفية الوهابية) أنها تسير عليها سيراً دقيقاً وأنها تتدبر كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم التدبر الصحيح والسليم وأن غيرها من الفرق بعيداً عن هذاالتدبر وهذا التحاكم وأبعد ما يكون عن تدبر الوحى المنزل من عند الله وما أسهل الدعاوى وما أيسر الزعم وهذه الدعاوى لابد لها من بينة حقيقية تدلل على ذلك الزعم وتؤيده وإلا أصبحت هى فى حقيقتها دعوى من دعاوى المنافقين الذين يزعمون التحاكم لشرع الله وحكمه فإذا ما جاء الشرع بخلاف ما يشتهون وبعيداً عما يدعون رأيتهم يتسللون لواذاً وهروباً وتخفياً تحت دعاوى كثيرة منها أن ما يقال هذا ليس فهم السلف ويزداد نفاقه ويشتد فينقل كلام بعض العلماء ليوحى بمذهبه متقدماً بكلام الرجال على الصريح من الأحكام.
ويدير كلامات نفاقه هذا تحريف وهذا تبديل وهذا تعطيل وكأننا لابد لنا أن نترك الصريح الواضح من كتاب ربنا وسنة رسولنا تحت زعم فهم السلف وخلف دعوى باطلة وهى فى حقيقتها رد لأحكام الله وشرعه وقد بينت فى السلسلة الأولى (النزول وظلمات الوهابية) من هذه السلاسل حقيقة هذا الأمر وكيف ذهبوا فيها إلى رد الصريح من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم تحت هذا الزعم وهذه الدعاوى التى هى فى حقيقتها دعوى منافقة تستتر ظاهراً بالتحاكم لشرع الله وتتخفى وراء ذلك للدفاع عن مذهبها وحسب حتى وصل الأمر كما بينت لكم فى السلسلة الأولى لضرب عرض الحائط بكل أصول الدين الأخرى للقول بحديث النزول على الظاهر بزعم أن ما يقولون هومن باب الفهم الصحيح والتدبر الواعى لشرع الله وحتى وصل الأمر لرد الحديث النبوى القائل بنزول المَلَك
فمع عدم النظر لأصول الدين الأخرى فى الكلام على النص تم رد كل النصوص الشرعية الأصولية فى الكلام وهذا هو التدبر عندهم وهذا هو الفهم ولافهم غير ذلك وليت هذا الفهم الذى يدعونه فهم السلف بل هو فهم من انحرف عن مسار السلف وطريق السلف بدلالات بينة من كتاب الله وسنة رسوله وأول من قال بفهم هذه الفرقة الوهابية من العلماء هو ابن خزيمة(ويُقال تاب منه )وتابعه وعلى ذلك طائفة منهم الدارمى و ابن تيمية(ويُقال أيضا تاب) وابن القيم وآخرهم محمد بن عبد الوهاب النجدى.
وحتى لا نطيل الكلام بدون بينة نبدأ بالأدلة الصريحة الواضحة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ونتبع ذلك بكلام العلماء الأكابر
أقول أولاً:
وردت الأوامر الصريحة فى الكتاب والسنة بالوصف لربنا تبارك وتعالى من خلال الأسماء الحسنى وتواترت الأدلة الصريحة على ذلك
{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }الشورى11
تقول لك أن الله تبارك وتعالى لا مثيل له من كل الوجوه وأن طريقك لوصف الله الأسماء الحسنى
وأكدت ذلك الأوامر الصريحة
قال ربنا تبارك وتعالى
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ{1} اللَّهُ الصَّمَدُ{2} لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ{3} وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ{4}
{فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ }
فلا بد لك بصريح التحاكم الواضح الجلى أن تلزم دلالات الأسماء الحسنى فى الوصف والتنزيه وأى خروج عنها لابد أن يتبعه لا محالة مخالفات جمة ومرعبة وإنسلاخ عن الصراط المستقيم والسير على طريق المنسلخ بلعم ابن باعوراء عالم بنى إسرائيل الذى كان يعلم اسم الله الأعظم وانسلخ عن علمه واتبع هواه ومثاله واضح كالشمس فى كتاب الله سبحانه وتعالى ولا أقول ذلك من باب السب والطعن فى أحد لا ولكن هكذا جاء التشريع وهكذا جاءت النصوص وذكرت النصوص القرآنية قصة بلعم وعلمه وإنسلاخه عن أصول علمه وذكرالقرآن القصة لا لنتسلى بها ولتكون لنا سامراً نسمر به ولكن تحذيراً وتنبيهاً صريحا حتى لايسلك عالم من المسلمين سبيل المنسلخ بلعم وبدأ سياق القصة بقوله تعالى(واتل عليهم....الآية) وفى الحديث الصحيح(لتتبعن سنن الذين من قلبكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع .....حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه وراءهم..........الحديث)
وهكذا جاء التذكير وجاءت النصوص للبيان والتحذير لئلا يكون للناس حجة بعد البيان الواضح الجلى
قال الحبر الجليل ابن عباس رضى الله عنهما وذلك فى تفسير الإمام الطبرى
عن ابن جريج، عن عمر بن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس قوله
كالذين من قبلكم)، الآية قال، قال ابن عباس: ما أشبه الليلة بالبارحة!(كالذين من قبلكم)، هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا بهم، لا أعلم إلا أنه قال: والذي نفسي بيده لتَتَّبِعُنَّهم حتى لو دخل الرجل منهم جُحْر ضبٍّ لدخلتموه. (1)
قال ابن جريج: وأخبرنا زياد بن سعد، عن محمد بن زيد بن مهاجر، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لتتبعُن سَننَ الذين من قبلكم، شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، وباعًا بباع، حتى لو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه! قالوا: ومن هم، يا رسول الله؟ أهلُ الكتاب! قال: فَمَهْ! (2)وهكذا خطورة الأمر
وكان لابد من هذا التمهيد
والأمر الذى نحن بصدده الآن هو الكلام على الاستواء
والآية تقول
{إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ }الأعراف54 وكذلك النص فى عدة آيات أخر
وقد ورد لنا عن السلف فى فهم الآية كلام التابعى الجليل مجاهد تلميذ العلامة حبر الأمة عبدالله ابن عباس رضى الله عنهما
قال مجاهد استوى بمعنى علا
وهذا مارواه العلامة الإمام البخارى فى كتاب التوحيد من صحيحه الجامع
ومع الضابط السابق الموافق للنص الصريح من كتاب الله من الوصف بالأسماء ودلالتها
استوى بمعنى علا ودلالة ذلك من الأسماء الحسنى العلى والأعلى والمتعال
فالله هو العلى من قبل العرش ومن بعد العرش والعلولمولانا سبحانه صفة ذات
وغيرمرتبط العلولمولانا بمخلوقاته ولامقيد بها
ومن مخلوقاته العرش والزمان والمكان
فهو العلى الظاهر الذى ليس فوقه شىء وهو العلى الباطن الذى ليس دونه شىء
فهو العلى فوق العرش وهو العلى فوق المكان وهو العلى فوق الزمان
لايعلوه شىء وليس تحته شىء لأن هذه الصفات التى جاء بها التوقيف الشرعى
وبينها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بياناً شافياً فلا قول بعد قوله
فهو له سبحانه العلومن كل جهات العلو علواً مطلقاً غير محكوم بمخلوق
وهكذا تعريف سيد البشر صلى الله عليه وآله وسلم لمولاه سبحانه وتعالى
وعند ذلك انتهت القضية فى الكتاب والسنة بفهم السلف
وكلام الإمام مالك فيها معروف ولم يثبت عن السلف مقالة سواها وكثير(وهم الجهمور) من أكابر علماء السلف كانوا يعتبرون الآية من االمتشابه ويردون العلم فيها لله وانتهت قضية الاستواء عند السلف عند ذلك الحد ولم يثبت لنا عنهم مقالات أخرى وهذه المقالة المنقولة عن الإمام مالك ثبت لها طريق عن السيدة الجليلة أم سلمة رضى الله عنها زوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
بل وثبت عن الإمام مالك طرد السائل ولم يثبت عن أحد من كبار علماء السلف الكلام فى ذلك والدلالة واضحة كالشمس على إلتزامهم بصريح الأمر فى الوصف(فسبح باسم ربك العظيم) وأن هناك طريق رهيب ينبغى الحذر منه وهو طريق بلعم ابن باعوراء عالم بنى إسرائيل المنسلخ فلابد من الركون إلى صريح الأمر والحذر ....فحذورا تمام الحذر وسكتوا تمام السكوت وكأن الكلام على المتشابه صحراء قاحلة لا تجد فيها منهم أحداً على الإطلاق وليتهم سكتوا وحسب بل أمروا غيرهم بالسكوت وحضوا عليه وتناصحوا به وكان هو سبيل النجاة عندهم ونجوا به من الإلحاد فى الأسماء الحسنى
نؤيد هذه الأقوال بالآثار الواردة عن المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم وبعض أقوال كبار علماء السلف
كتاب العظمة ( أبو الشيخ 2 /589 لأبى محمد الأصبهانى)
وكذلك فى العلو للعلى الغفار للذهبى 1/110
وكذلك فى فتح البارى للإمام ابن حجر 6/289
بإسناده عن سعيد بن جبير عن الحبرالجليل ابن عباس رضي الله عنهما قال خلق الله عز وجل اللوح المحفوظ كمسيرة مائة عام فقال للقلم قبل ان يخلق الخلق وهو على العرش اكتب علمي في خلقي فجرى الى ما هو كائن الى يوم القيامة .....انتهى
تعليق:
الأثر يقول(وهوعلى العرش) أى كان علياً قبل الخلق لم يستو ويعلو بعد خلق السموات والأرض كما زعمت الوهابية وشيوخها وقالوا الاستواء غير العلو وهذا النص الصريح يثبت أن الاستواء هو العلوالمطلق
وفي كتاب العظمة 2/572
عن عمران حصين رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبلوا البشرى يابني تميم قالوا قد بشرتنا فأعطنا قال أقبلوا البشري يا أهل اليمن قال قد بشرتنا فاقض لنا على هذا الامر كيف كان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كان الله عز وجل على العرش وكان قبل كل شيء وكتب في اللوح كل شيء يكون....انتهى
تعليق:
كان علي العرش وكان قبل كل شىء ولم يلحقه أى تغير ولم تضف له صفة لم تكن من قبل بل له سبحانه الكمال المطلق بذاته .
وهذا هو الكلام النبوى والنص الشرعى فما الرأى؟
وفيه 2/469
حدثنا محمد بن الحسين الطبركي قال حدثنا محمد ابن عيسى الدامغاني حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن اسحاق قال يقول الله تبارك وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ان ربكم الله الذي خلق السموات والارض في ستة ايام ثم استوى على العرش الآية وقال تعالى وهو الذي خلق السموت والارض في ستة ايام وكان عرشه على الماء الآية فكان كما وصف نفسه تبارك وتعالى ذو إذ ليس إلا الماء عليه العرش وعلى العرش الجلال والعزة والسلطان والملك والقدرة والحلم والعلم والرحمة والنعمة الفعال لما يريد الواحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد الاول لم يكن قبله شيء لخلقه الخلق وليس معه شيء غيره الآخر لبقائه بعد الخلق كما كان ليس قبله شيء الظاهر الباطن في علوه على خلقه فليس شيء فوقه الباطن لاحاطته بخلقه فليس دونه شيء القائم الدائم الذي لا يبيد سبحانه وبحمده ابتدع السماوات والارض ولم تكونا بقدرته لم يستعن على ذلك بأحد من خلقه ولم يشركه في شيء من امره بسلطانه القاهر وقوله النافذ الذي يقول به لما اراد ان يكون كن فيكون....انتهى
وفيه أيضا 2 /704
ثم كذلك حدثني عبدالله بن سلم عن احمد بن محمد بن غالب بن خالد الباهلي حدثنا محمد بن ابراهيم بن العلاء حدثنا إسماعيل بن عبدالكريم الصنعاني حدثني عبدالصمد بن معقل عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى قال وجدت في التوراة كان الله ولم يكن شيء قبله في تغيبه عن الخلق ولا يقال كيف كان واين كان وحيث كان لمن كيف الكيف وحيث الحيث وأين الأين فأول شيء خلق من الاشياء أن قال كن فكون عرشه فارتفع العرش على مقدار ما أراد الملك الجبار وسما بالعظمة وتعالى ثم قال كن فكون الكرسي ثم استوى الله عز وجل على العرش قال الله تبارك وتعالى الرحمن على العرش استوى والكيف مجهول والجواب فيه بدعة والسؤال فيه تكلف ثم قال كن فكون لوحا من درة بيضاء حافتيه ياقوتة حمراء عرضه ما بين المشرق والمغرب وطوله ما بين السماء والارض ثم قال للعرش خذ اللوح فأخذه ثم قال جل وعز كن فكون القلم وله ثلثمائة وستون سنا بين كل سن بحر من نور يجري ثم قال للقلم اجر في اللوح فقال يا رب بما أجري قال اجر بعلمي بما هو كائن الى يوم القيامة فجرى القلم بما هو كائن في اللوح الى يوم القيامة......انتهى
فى كتاب العقيدة للإمام أحمد بن حنبل1/108
وكان يقول في معنى الاستواء هو العلو والارتفاع ولم يزل الله تعالى عاليا رفيعا قبل أن يخلق عرشه فهو فوق كل شيء والعالي على كل شيء وإنما خص الله العرش لمعنى فيه مخالف لسائر الأشياء والعرش أفضل الأشياء وأرفعها فامتدح الله نفسه بأنه على العرش أستوى أي عليه علا ولا يجوز أن يقال أستوى بمماسة ولا بملاقاة تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا والله تعالى لم يلحقه تغير ولا تبدل ولا تلحقه الحدود قبل خلق العرش ولا بعد خلق العرش......انتهى
قال الإمام الثعلبى فى تفسيره الجزء2/صـــ263
وقوله سبحانه ثم استوى على العرش ثم هنا لعطف الجمل لا للترتيب لأن الاستواء على العرش قبل رفع السماوات ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء ثم خلق السموات والأرض وقد تقدم القول في هذا وفي معنى الاستواء والمعتقد في هذا أنه سبحانه مستو على العرش على الوجه الذي قاله وبالمعنى الذي أراده استواء منزها عن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال لا يحمله العرش بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته ومقهورون في قبضته كان الله ولا شيء معه كان سبحانه قبل أن يخلق المكان والزمان وهو الآن على ما عليه كان......انتهى
العلوللعلى الغفار..... للذهبى 1/141
فصح عن ابن الماجشون أنه سئل عما جحدت به الجهمية فقال أما بعد فقد فهمت ما سألت عنه فيما تتابعت الجهمية في صفة الرب العظيم الذي فاتت عظمته الوصف والتقدير وكلت الألسن عن تفسير صفته وانحسرت العقول دون معرفة قدره فلم تجد العقول مساغا فرجعت خاسئة حسيرة وإنما أمروا بالنظر والتفكير فيما خلق وإنما يقال كيف لمن لم يكن مرة ثم كان أما من لا يحول ولا يزول ولم يزل وليس له مثل فإنه لا يعلم كيف هو إلا هو إلى أن قال فالدليل على عجز العقول عن تحقيق صفته عجزها عن تحقيق صفه أصغر خلقه .......انتهى
وفى الغنية فى أصول الدين 1/73 للمتولى أبوسعيد عبدالرحمن بن محمد الشافعى
مسالة
الباري سبحانه وتعالى قائم بنفسه
واختلفوا في معناه فقال بعضهم معنى القائم بنفسه المستغني عن المحل فعلى هذه الطريقة الجواهر أيضا قائمة بنفسها لاستغنائها عن المحل فان من الجائز أن يخلق الله تعالى جوهرا واحدا لا يكون مع غيره
وقال الأستاذ أبو إسحاق الاسفراييني القائم بالنفس المستغني من جميع الوجوه
فعلى هذا الجوهر لا يكون قائما بنفسه لحاجته إلى الصانع والمخصص
والغرض من هذا الفصل نفي الحاجة إلى المحل والجهة خلافا للكرامية والحشوية والمشبهة الذين قالوا أن لله جهة فوق
وأطلق بعضهم القول بأنه جالس على العرش مستقر عليه تعالى الله عن قولهم والدليل على أنه مستغني عن المحل إنه لو افتقر إلى المحل لزم أن يكون المحل قديما لأنه قديم أو يكون حادثا كما أن المحل حادث وكلاهما كفر
والدليل عليه أنه لو كان له محل لاتصف المحل به لأن ما قام بمحل يتصف به المحل ألا ترى أن السواد إذا قام بمحل يتصف به المحل حتى يسمى المحل أسودا والعلم إذا قام بمحل يسمى عالما وإذا كان هو صفة المحل لم يجز أن يكون قادرا عالما لأن الصفة لا تقبل الصفة والأحكام التي هي موجبات المعاني كالعلم لا يجوز أن يكون قادرا والقدرة لا يجوز أن تكون عالمة وسنبين أن الباري تعالى حيا عالما قادرا إلى غير ذلك
والدليل عليه أنه لو كان على العرش على ما زعموا(أى جالس على العرش) لكان لا يخلو أما أن يكون مثل العرش أو أصغر منه أو أكبر وفي جميع ذلك إثبات التقدير والحد والنهاية وهو كفر...انتهى
واكتفى بهذه النقول لو شئت لنقلت الكثير ولكن لاأريد التوسع فى المقالة واترك التوسع فى النقل للرسالة الثالثة(القذف الشديد لإلجام وإسكات الملحد العنيد) إن شاء الله
وأما الأقوال التى نقلت عن علماء القرون الخيرية بأن الله فوق العرش كانوا لايقصدون بها التحيز ولا الجهة ولاتقييد ذاته بذات العرش كما يزعم الوهابية بل كان غالب القول عندهم هو الرد على الجهمية القائلين بأن الله فى كل مكان فكان قولهم رداً على الجهمية وإثبات أن الله تبارك وتعالى بائن من خلقه تماماً وأنه ليس فى ذاته سبحانه شىء من خلقه ولاهو حل فى شىء من مخلوقاته
وأنه عالياً على كل شىء من قبل ومن بعد ولما كان العرش أعلى الخلق اختصه بذكر العلو لبيان أنه على ماسواه أعلى وأجل لا لبيان أنه متحيزاً حالاً فيه جالساً عليه كما زعمت الوهابية
ولذلك تلقى كل العلماء كلام الشيخ الطحاوى فى العقيدة الطحاوية بما يشبه الإجماع ولم نجد لأحد منهم إنكاراً لهذا الكلام فى وصف ربه تبارك وتعالى والذى يسطر بأحرف من نور
تعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات لاتحويه الجهات الست كسائر المبتدعات
قال أيضاً رحمه الله وهومحيط يكل شىء وفوقه وقد أعجزعن الإحاطة خلقه
وهو سبحانه له الكمال المطلق من قبل العرش ومن بعد العرش وهوسبحانه العلى الأعلى المتعال وخلق العرش لم يضف له عظمة لم تكن له من قبل بل هو العظيم سبحانه له الكمال المطلق والعظمة التامة
ولم يضف له العرش علوا لم يكن له من قبل كما زعمت الوهابية وعلماؤهم فى أنه علا بعد الخلق
بل هو القدوس المنزه عن كل نقص الحى القيوم الذى لا تأخذه سنة ولانوم فى إشارة واضحة من أعظم آى القران أنه لا يتغير ولاتجرى عليه أحكام المتغيرات مطلقاً ولايخضع سبحانه لمقضيات وأحكام مخلوقاته من زمان ومكان. ولا يحكم ذاته سبحانه لوازم المخلوقات وإلا لو قامت بذاته ما يجرى على خلقه ما كان لقوله سبحانه (ليس كمثله شىء) أى معنى وكان نفى المشابهة محصوراً فقط فى عدم تشابه ذاته بذات مخلوقاته مع خضوع ذاته سبحانه لمخلوقاته ولوازم هذه المخلوقات (زمان ومكان) وهذا من أبطل الباطل ولذلك كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يدعو ربه متوسلاً بصفات الكمال التى لا تكون لسواه ولايشترك فيها معه أحد من خلقه مطلقاً حتى لومن باب المعنى اللغوى فقط كان يقول صلى الله عليه وآله وسلم
فيما روى الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده عن عائشة أم المؤمنين نحو هذا فقال : حدثنا عقبة حدثنا يونس حدثنا السري بن إسماعيل عن الشعبي عن مسروق عن عائشة أنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بفراشه فيفرش له مستقبل القبلة فإذا أوى إليه توسد كفه اليمنى ثم همس ما يدرى ما يقول فإذا كان في آخر الليل رفع صوته فقال : [ اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم إله كل شيء ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان فالق الحب والنوى أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته اللهم أنت الأول الذي ليس قبلك شيء وأنت الآخر الذي ليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عنا الدين وأغننا من الفقر ]........انتهى
وكذا رواه الإمام مسلم بنحوه وغيره من الأئمة الكبار
وهذا التأويل النبوى الصريح لدلالة الاسماء الاربعة يقول لنا أن الله تبارك وتعالى خارج مخلوقاته تماماً وليس حالاً فى شىء منها ولايخضع لأحكامها مطلقاً
ولذلك قال الشيخ عبد القاهر التميمى فى كتبه الفرق بين الفرق 1/ 333 فى وصف ربنا تبارك وتعالى قال:
واجمعوا على أنه لايحويه مكان ولايجرى عليه زمان
وقال:
إن الله خلق العرش إظهاراً لقدرته لا مكاناً لذاته وقد كان ولا مكان وهوالآن على ماكان
وهذه المقالة الدالة الجامعة لكل صفات العظمة الموافقة لتأويل النبى الكريم للأسماء الاول والآخر والظاهر والباطن
واختم بكلام الإمام الجوينى وانظر
رسالة الاستواء والفوقية للإمام الجوينى
الجزء الأول صــ64
أن الله عز وجل كان ولا مكان ولا عرش ولا ماء ولا فضاء ولا هواء ولا خلاء ولا ملأ وأنه كان منفردا في قدمه وأزليته هو متوحد في فردانيته وهو سبحانه وتعالى في تلك الفردانية لا يوصف بأنه فوق كذا إذ لا شيء غيره هو سابق للتحت والفوق اللذين هما جهتا العالم وهما لازمتان لها والرب تعالى في تلك الفردانية منزه عن لوازم الحدث وصفاته فلما اقتضت الإرادة المقدسة بخلق الأكوان المحدثة المخلوقة المحدودة ذات الجهات اقتضت الإرادة المقدسة على أن يكون الكون له جهات من العلو والسفل وهو سبحانه منزه عن صفات الحدث فكون الأكوان وجعل لها جهتا العلو والسفل واقتضت الحكمة الإلهية أن يكون الكون في جملة التحت لكونه مربوبا مخلوقا واقتضت العظمة الربانية أن يكون هو فوق الكون باعتبار الكون لا باعتبار فردانيته إذ لا فوق فيها ولا تحت ولكن الرب سبحانه وتعالى كما كان في قدمه وأزليته وفردانيته لم تحدث له في ذاته ولا في صفاته ما لم يكن له في قدمه وأزليته فهو الآن كما كان لكن لما حدث المربوب المخلوق والجهات والحدود ذو الخلا والملا وذو الفوقية والتحتية كان مقتضى حكم عظمة الربوبية أن يكون فوق ملكه وأن تكون المملكة تحته باعتبار الحدوث من الكون لا باعتبار القدم من المكون فإذا أشير إليه يستحيل أن يشار إليه من جهة التحتية أو من جهة اليمنى أو من جهة اليسرى بل لا يليق أن يشار إليه إلا من جهة العلو والفوقية ثم الإشارة هي بحسب الكون وحدوثه وتسفله فالإشارة تقع على أعلى جزء من الكون حقيقة وتقع على عظمة الإله تعالى كما يليق به لا كما تقع على الحقيقة المعقولة عندنا في أعلا جزء من الكون فإنها إشارة إلى جسم وتلك إشارة إلى إثبات إذا علم ذلك فالاستواء صفة كانت له سبحانه في قدمه لكن لم يظهر حكمها إلا عند خلق العرش كما أن الحساب صفة قديمة له لا يظهر حكمه إلا في الآخرة وكذلك التجلي في الآخرة لا يظهر حكمه إلا في محله
تنبيه إذا علم ذلك فالأمر الذي تهرب المتأولة منه حيث أولوا الفوقية بفوقية المرتبة والاستواء بالاستيلاء فنحن أشد الناس هربا من ذلك وتنزيها للباري تعالى عن الحد الذي يحصره فلا يجد بحد يحصره بل يحد تتميز به عظمته وذاته ليس مخلوقاته والإشارة إلى الجهة إنما هو بحسب الكون وتسفله إذ لا يمكن الإشارة إليه إلا هكذا وهو في قدمه سبحانه منزه عن صفات الحدوث وليس في القدم فوقية ولا تحتية وإن من هو محصور في التحت لا يمكنه معرفة باريه إلا من فوقه فتقع الإشارة على العرش حقيقة إشارة معقولة وتنتهي الجهات عند العرش ويبقى ما وراءه لا يدركه العقل ولا يكفيه بكيفية الوهم فتقع الإشارة عليه كما يليق به مجملا ثابتا لا مكيفا ولا ممثلا وجه من البيان الرب ثابت الوجود ثابت الذات له ذات مقدسة متميزة عن مخلوقاته تجلى للأبصار يوم القيامة ويحاسب العالم فلا يجهل ثبوت ذاته وتميزها عن مخلوقاته فإذا ثبت ذلك فقد أوجد الأكوان في محل وحيز وهو سبحانه في قدمه منزه عن المحل والحيز فيستحيل شرعا وعقلا عند حدوث العالم أن يحمل فيه أو يختلط به لأن القديم لا يحل في الحادث وليس هو محلا للحوادث فلزم أن يكون باينا عنه وإذا كان باينا عنه يستحيل أن يكون العالم في جهة الفوق وأن يكون ربه سبحانه في جهة التحت هذا محال شرعا وعقلا فيلزم أن يكون العالم في جهة الفوق فوقه بالفوقية اللائقة به التي لا تكيف ولا تمثل بل تعلم من حيث الجملة والثبوت لا من حيث التمثيل والتكييف وقد سبق الكلام في أن الإشارة إلى الجهة إنما هو باعتبارنا لأنا في محل وحد وحيز والقدم لا فوق فيه ولا تحته ولا بد من معرفة الموجد وقد ثبت بينونته عن مخلوقاته واستحال علوها عليه فلا يمكن معرفته والإشارة بالدعاء إليه إلا من جهة الفوق لأنها أنسب الجهات إليه وهو غير محصور فيها هو كما كان في قدمه وأزليته فإذا أراد المحدث أن يشير إلى القديم فلا يمكنه ذلك إلا بالإشارة إلى الجهة الفوقية لأن المشير في محل له فوق وتحت والمشار إليه قديم باعتبار قدمه لا فوق هناك ولا تحت وباعتبار حدوثنا وتسفلنا هو فوقنا فإذا أشرنا إليه تقع الإشارة عليه كما يليق به لا كما نتوهمه في الفوقية المنسوبة إلى الأجسام لكننا نعلمها من جهة الإجمال والثبوت لا من جهة التمثيل والتكييف والله الموفق للصواب ومن عرف هيئة العالم ومركزه من علم الهيئة وأنه ليس له إلا جهتا العلو والسفل ثم اعتقد بينونة خالقه عن العالم فمن لوازم البينونة أن يكون فوقه لأن جميع جهات العالم فوق وليس السفل إلا المركز وهو الوسط....انتهى
تعليق: ما أعظم ما قال الشيخ وانظر روائع الفهم
وتلك إشارة إلى إثبات إذا علم ذلك فالاستواء صفة كانت له سبحانه في قدمه لكن لم يظهر حكمها إلا عند خلق العرش كما أن الحساب صفة قديمة له لا يظهر حكمه إلا في الآخرة وكذلك التجلي في الآخرة لا يظهر حكمه إلا في محله.......انتهى
هذه الحلقة الثانية من الكلام فى سلسلة جعلت لها عنواناً المتشابه وظلمات الوهابية
وفى هذه الحلقة (الثانية) من السلسلة أتكلم فيها على الاستواء و ضابط الكلام مرجعه الصحيح التحاكم الواضح والصريح لكتاب الله سبحانه وتعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم والتدبر السليم لكتاب الله وهذه أمور تزعم هذه الفرقة (السلفية الوهابية) أنها تسير عليها سيراً دقيقاً وأنها تتدبر كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم التدبر الصحيح والسليم وأن غيرها من الفرق بعيداً عن هذاالتدبر وهذا التحاكم وأبعد ما يكون عن تدبر الوحى المنزل من عند الله وما أسهل الدعاوى وما أيسر الزعم وهذه الدعاوى لابد لها من بينة حقيقية تدلل على ذلك الزعم وتؤيده وإلا أصبحت هى فى حقيقتها دعوى من دعاوى المنافقين الذين يزعمون التحاكم لشرع الله وحكمه فإذا ما جاء الشرع بخلاف ما يشتهون وبعيداً عما يدعون رأيتهم يتسللون لواذاً وهروباً وتخفياً تحت دعاوى كثيرة منها أن ما يقال هذا ليس فهم السلف ويزداد نفاقه ويشتد فينقل كلام بعض العلماء ليوحى بمذهبه متقدماً بكلام الرجال على الصريح من الأحكام.
ويدير كلامات نفاقه هذا تحريف وهذا تبديل وهذا تعطيل وكأننا لابد لنا أن نترك الصريح الواضح من كتاب ربنا وسنة رسولنا تحت زعم فهم السلف وخلف دعوى باطلة وهى فى حقيقتها رد لأحكام الله وشرعه وقد بينت فى السلسلة الأولى (النزول وظلمات الوهابية) من هذه السلاسل حقيقة هذا الأمر وكيف ذهبوا فيها إلى رد الصريح من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم تحت هذا الزعم وهذه الدعاوى التى هى فى حقيقتها دعوى منافقة تستتر ظاهراً بالتحاكم لشرع الله وتتخفى وراء ذلك للدفاع عن مذهبها وحسب حتى وصل الأمر كما بينت لكم فى السلسلة الأولى لضرب عرض الحائط بكل أصول الدين الأخرى للقول بحديث النزول على الظاهر بزعم أن ما يقولون هومن باب الفهم الصحيح والتدبر الواعى لشرع الله وحتى وصل الأمر لرد الحديث النبوى القائل بنزول المَلَك
فمع عدم النظر لأصول الدين الأخرى فى الكلام على النص تم رد كل النصوص الشرعية الأصولية فى الكلام وهذا هو التدبر عندهم وهذا هو الفهم ولافهم غير ذلك وليت هذا الفهم الذى يدعونه فهم السلف بل هو فهم من انحرف عن مسار السلف وطريق السلف بدلالات بينة من كتاب الله وسنة رسوله وأول من قال بفهم هذه الفرقة الوهابية من العلماء هو ابن خزيمة(ويُقال تاب منه )وتابعه وعلى ذلك طائفة منهم الدارمى و ابن تيمية(ويُقال أيضا تاب) وابن القيم وآخرهم محمد بن عبد الوهاب النجدى.
وحتى لا نطيل الكلام بدون بينة نبدأ بالأدلة الصريحة الواضحة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ونتبع ذلك بكلام العلماء الأكابر
أقول أولاً:
وردت الأوامر الصريحة فى الكتاب والسنة بالوصف لربنا تبارك وتعالى من خلال الأسماء الحسنى وتواترت الأدلة الصريحة على ذلك
{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }الشورى11
تقول لك أن الله تبارك وتعالى لا مثيل له من كل الوجوه وأن طريقك لوصف الله الأسماء الحسنى
وأكدت ذلك الأوامر الصريحة
قال ربنا تبارك وتعالى
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ{1} اللَّهُ الصَّمَدُ{2} لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ{3} وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ{4}
{فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ }
فلا بد لك بصريح التحاكم الواضح الجلى أن تلزم دلالات الأسماء الحسنى فى الوصف والتنزيه وأى خروج عنها لابد أن يتبعه لا محالة مخالفات جمة ومرعبة وإنسلاخ عن الصراط المستقيم والسير على طريق المنسلخ بلعم ابن باعوراء عالم بنى إسرائيل الذى كان يعلم اسم الله الأعظم وانسلخ عن علمه واتبع هواه ومثاله واضح كالشمس فى كتاب الله سبحانه وتعالى ولا أقول ذلك من باب السب والطعن فى أحد لا ولكن هكذا جاء التشريع وهكذا جاءت النصوص وذكرت النصوص القرآنية قصة بلعم وعلمه وإنسلاخه عن أصول علمه وذكرالقرآن القصة لا لنتسلى بها ولتكون لنا سامراً نسمر به ولكن تحذيراً وتنبيهاً صريحا حتى لايسلك عالم من المسلمين سبيل المنسلخ بلعم وبدأ سياق القصة بقوله تعالى(واتل عليهم....الآية) وفى الحديث الصحيح(لتتبعن سنن الذين من قلبكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع .....حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه وراءهم..........الحديث)
وهكذا جاء التذكير وجاءت النصوص للبيان والتحذير لئلا يكون للناس حجة بعد البيان الواضح الجلى
قال الحبر الجليل ابن عباس رضى الله عنهما وذلك فى تفسير الإمام الطبرى
عن ابن جريج، عن عمر بن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس قوله
كالذين من قبلكم)، الآية قال، قال ابن عباس: ما أشبه الليلة بالبارحة!(كالذين من قبلكم)، هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا بهم، لا أعلم إلا أنه قال: والذي نفسي بيده لتَتَّبِعُنَّهم حتى لو دخل الرجل منهم جُحْر ضبٍّ لدخلتموه. (1)قال ابن جريج: وأخبرنا زياد بن سعد، عن محمد بن زيد بن مهاجر، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لتتبعُن سَننَ الذين من قبلكم، شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، وباعًا بباع، حتى لو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه! قالوا: ومن هم، يا رسول الله؟ أهلُ الكتاب! قال: فَمَهْ! (2)وهكذا خطورة الأمر
وكان لابد من هذا التمهيد
والأمر الذى نحن بصدده الآن هو الكلام على الاستواء
والآية تقول
{إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ }الأعراف54 وكذلك النص فى عدة آيات أخر
وقد ورد لنا عن السلف فى فهم الآية كلام التابعى الجليل مجاهد تلميذ العلامة حبر الأمة عبدالله ابن عباس رضى الله عنهما
قال مجاهد استوى بمعنى علا
وهذا مارواه العلامة الإمام البخارى فى كتاب التوحيد من صحيحه الجامع
ومع الضابط السابق الموافق للنص الصريح من كتاب الله من الوصف بالأسماء ودلالتها
استوى بمعنى علا ودلالة ذلك من الأسماء الحسنى العلى والأعلى والمتعال
فالله هو العلى من قبل العرش ومن بعد العرش والعلولمولانا سبحانه صفة ذات
وغيرمرتبط العلولمولانا بمخلوقاته ولامقيد بها
ومن مخلوقاته العرش والزمان والمكان
فهو العلى الظاهر الذى ليس فوقه شىء وهو العلى الباطن الذى ليس دونه شىء
فهو العلى فوق العرش وهو العلى فوق المكان وهو العلى فوق الزمان
لايعلوه شىء وليس تحته شىء لأن هذه الصفات التى جاء بها التوقيف الشرعى
وبينها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بياناً شافياً فلا قول بعد قوله
فهو له سبحانه العلومن كل جهات العلو علواً مطلقاً غير محكوم بمخلوق
وهكذا تعريف سيد البشر صلى الله عليه وآله وسلم لمولاه سبحانه وتعالى
وعند ذلك انتهت القضية فى الكتاب والسنة بفهم السلف
وكلام الإمام مالك فيها معروف ولم يثبت عن السلف مقالة سواها وكثير(وهم الجهمور) من أكابر علماء السلف كانوا يعتبرون الآية من االمتشابه ويردون العلم فيها لله وانتهت قضية الاستواء عند السلف عند ذلك الحد ولم يثبت لنا عنهم مقالات أخرى وهذه المقالة المنقولة عن الإمام مالك ثبت لها طريق عن السيدة الجليلة أم سلمة رضى الله عنها زوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
بل وثبت عن الإمام مالك طرد السائل ولم يثبت عن أحد من كبار علماء السلف الكلام فى ذلك والدلالة واضحة كالشمس على إلتزامهم بصريح الأمر فى الوصف(فسبح باسم ربك العظيم) وأن هناك طريق رهيب ينبغى الحذر منه وهو طريق بلعم ابن باعوراء عالم بنى إسرائيل المنسلخ فلابد من الركون إلى صريح الأمر والحذر ....فحذورا تمام الحذر وسكتوا تمام السكوت وكأن الكلام على المتشابه صحراء قاحلة لا تجد فيها منهم أحداً على الإطلاق وليتهم سكتوا وحسب بل أمروا غيرهم بالسكوت وحضوا عليه وتناصحوا به وكان هو سبيل النجاة عندهم ونجوا به من الإلحاد فى الأسماء الحسنى
نؤيد هذه الأقوال بالآثار الواردة عن المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم وبعض أقوال كبار علماء السلف
كتاب العظمة ( أبو الشيخ 2 /589 لأبى محمد الأصبهانى)
وكذلك فى العلو للعلى الغفار للذهبى 1/110
وكذلك فى فتح البارى للإمام ابن حجر 6/289
بإسناده عن سعيد بن جبير عن الحبرالجليل ابن عباس رضي الله عنهما قال خلق الله عز وجل اللوح المحفوظ كمسيرة مائة عام فقال للقلم قبل ان يخلق الخلق وهو على العرش اكتب علمي في خلقي فجرى الى ما هو كائن الى يوم القيامة .....انتهى
تعليق:
الأثر يقول(وهوعلى العرش) أى كان علياً قبل الخلق لم يستو ويعلو بعد خلق السموات والأرض كما زعمت الوهابية وشيوخها وقالوا الاستواء غير العلو وهذا النص الصريح يثبت أن الاستواء هو العلوالمطلق
وفي كتاب العظمة 2/572
عن عمران حصين رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبلوا البشرى يابني تميم قالوا قد بشرتنا فأعطنا قال أقبلوا البشري يا أهل اليمن قال قد بشرتنا فاقض لنا على هذا الامر كيف كان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كان الله عز وجل على العرش وكان قبل كل شيء وكتب في اللوح كل شيء يكون....انتهى
تعليق:
كان علي العرش وكان قبل كل شىء ولم يلحقه أى تغير ولم تضف له صفة لم تكن من قبل بل له سبحانه الكمال المطلق بذاته .
وهذا هو الكلام النبوى والنص الشرعى فما الرأى؟
وفيه 2/469
حدثنا محمد بن الحسين الطبركي قال حدثنا محمد ابن عيسى الدامغاني حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن اسحاق قال يقول الله تبارك وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ان ربكم الله الذي خلق السموات والارض في ستة ايام ثم استوى على العرش الآية وقال تعالى وهو الذي خلق السموت والارض في ستة ايام وكان عرشه على الماء الآية فكان كما وصف نفسه تبارك وتعالى ذو إذ ليس إلا الماء عليه العرش وعلى العرش الجلال والعزة والسلطان والملك والقدرة والحلم والعلم والرحمة والنعمة الفعال لما يريد الواحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد الاول لم يكن قبله شيء لخلقه الخلق وليس معه شيء غيره الآخر لبقائه بعد الخلق كما كان ليس قبله شيء الظاهر الباطن في علوه على خلقه فليس شيء فوقه الباطن لاحاطته بخلقه فليس دونه شيء القائم الدائم الذي لا يبيد سبحانه وبحمده ابتدع السماوات والارض ولم تكونا بقدرته لم يستعن على ذلك بأحد من خلقه ولم يشركه في شيء من امره بسلطانه القاهر وقوله النافذ الذي يقول به لما اراد ان يكون كن فيكون....انتهى
وفيه أيضا 2 /704
ثم كذلك حدثني عبدالله بن سلم عن احمد بن محمد بن غالب بن خالد الباهلي حدثنا محمد بن ابراهيم بن العلاء حدثنا إسماعيل بن عبدالكريم الصنعاني حدثني عبدالصمد بن معقل عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى قال وجدت في التوراة كان الله ولم يكن شيء قبله في تغيبه عن الخلق ولا يقال كيف كان واين كان وحيث كان لمن كيف الكيف وحيث الحيث وأين الأين فأول شيء خلق من الاشياء أن قال كن فكون عرشه فارتفع العرش على مقدار ما أراد الملك الجبار وسما بالعظمة وتعالى ثم قال كن فكون الكرسي ثم استوى الله عز وجل على العرش قال الله تبارك وتعالى الرحمن على العرش استوى والكيف مجهول والجواب فيه بدعة والسؤال فيه تكلف ثم قال كن فكون لوحا من درة بيضاء حافتيه ياقوتة حمراء عرضه ما بين المشرق والمغرب وطوله ما بين السماء والارض ثم قال للعرش خذ اللوح فأخذه ثم قال جل وعز كن فكون القلم وله ثلثمائة وستون سنا بين كل سن بحر من نور يجري ثم قال للقلم اجر في اللوح فقال يا رب بما أجري قال اجر بعلمي بما هو كائن الى يوم القيامة فجرى القلم بما هو كائن في اللوح الى يوم القيامة......انتهى
فى كتاب العقيدة للإمام أحمد بن حنبل1/108
وكان يقول في معنى الاستواء هو العلو والارتفاع ولم يزل الله تعالى عاليا رفيعا قبل أن يخلق عرشه فهو فوق كل شيء والعالي على كل شيء وإنما خص الله العرش لمعنى فيه مخالف لسائر الأشياء والعرش أفضل الأشياء وأرفعها فامتدح الله نفسه بأنه على العرش أستوى أي عليه علا ولا يجوز أن يقال أستوى بمماسة ولا بملاقاة تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا والله تعالى لم يلحقه تغير ولا تبدل ولا تلحقه الحدود قبل خلق العرش ولا بعد خلق العرش......انتهى
قال الإمام الثعلبى فى تفسيره الجزء2/صـــ263
وقوله سبحانه ثم استوى على العرش ثم هنا لعطف الجمل لا للترتيب لأن الاستواء على العرش قبل رفع السماوات ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء ثم خلق السموات والأرض وقد تقدم القول في هذا وفي معنى الاستواء والمعتقد في هذا أنه سبحانه مستو على العرش على الوجه الذي قاله وبالمعنى الذي أراده استواء منزها عن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال لا يحمله العرش بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته ومقهورون في قبضته كان الله ولا شيء معه كان سبحانه قبل أن يخلق المكان والزمان وهو الآن على ما عليه كان......انتهى
العلوللعلى الغفار..... للذهبى 1/141
فصح عن ابن الماجشون أنه سئل عما جحدت به الجهمية فقال أما بعد فقد فهمت ما سألت عنه فيما تتابعت الجهمية في صفة الرب العظيم الذي فاتت عظمته الوصف والتقدير وكلت الألسن عن تفسير صفته وانحسرت العقول دون معرفة قدره فلم تجد العقول مساغا فرجعت خاسئة حسيرة وإنما أمروا بالنظر والتفكير فيما خلق وإنما يقال كيف لمن لم يكن مرة ثم كان أما من لا يحول ولا يزول ولم يزل وليس له مثل فإنه لا يعلم كيف هو إلا هو إلى أن قال فالدليل على عجز العقول عن تحقيق صفته عجزها عن تحقيق صفه أصغر خلقه .......انتهى
وفى الغنية فى أصول الدين 1/73 للمتولى أبوسعيد عبدالرحمن بن محمد الشافعى
مسالة
الباري سبحانه وتعالى قائم بنفسه
واختلفوا في معناه فقال بعضهم معنى القائم بنفسه المستغني عن المحل فعلى هذه الطريقة الجواهر أيضا قائمة بنفسها لاستغنائها عن المحل فان من الجائز أن يخلق الله تعالى جوهرا واحدا لا يكون مع غيره
وقال الأستاذ أبو إسحاق الاسفراييني القائم بالنفس المستغني من جميع الوجوه
فعلى هذا الجوهر لا يكون قائما بنفسه لحاجته إلى الصانع والمخصص
والغرض من هذا الفصل نفي الحاجة إلى المحل والجهة خلافا للكرامية والحشوية والمشبهة الذين قالوا أن لله جهة فوق
وأطلق بعضهم القول بأنه جالس على العرش مستقر عليه تعالى الله عن قولهم والدليل على أنه مستغني عن المحل إنه لو افتقر إلى المحل لزم أن يكون المحل قديما لأنه قديم أو يكون حادثا كما أن المحل حادث وكلاهما كفر
والدليل عليه أنه لو كان له محل لاتصف المحل به لأن ما قام بمحل يتصف به المحل ألا ترى أن السواد إذا قام بمحل يتصف به المحل حتى يسمى المحل أسودا والعلم إذا قام بمحل يسمى عالما وإذا كان هو صفة المحل لم يجز أن يكون قادرا عالما لأن الصفة لا تقبل الصفة والأحكام التي هي موجبات المعاني كالعلم لا يجوز أن يكون قادرا والقدرة لا يجوز أن تكون عالمة وسنبين أن الباري تعالى حيا عالما قادرا إلى غير ذلك
والدليل عليه أنه لو كان على العرش على ما زعموا(أى جالس على العرش) لكان لا يخلو أما أن يكون مثل العرش أو أصغر منه أو أكبر وفي جميع ذلك إثبات التقدير والحد والنهاية وهو كفر...انتهى
واكتفى بهذه النقول لو شئت لنقلت الكثير ولكن لاأريد التوسع فى المقالة واترك التوسع فى النقل للرسالة الثالثة(القذف الشديد لإلجام وإسكات الملحد العنيد) إن شاء الله
وأما الأقوال التى نقلت عن علماء القرون الخيرية بأن الله فوق العرش كانوا لايقصدون بها التحيز ولا الجهة ولاتقييد ذاته بذات العرش كما يزعم الوهابية بل كان غالب القول عندهم هو الرد على الجهمية القائلين بأن الله فى كل مكان فكان قولهم رداً على الجهمية وإثبات أن الله تبارك وتعالى بائن من خلقه تماماً وأنه ليس فى ذاته سبحانه شىء من خلقه ولاهو حل فى شىء من مخلوقاته
وأنه عالياً على كل شىء من قبل ومن بعد ولما كان العرش أعلى الخلق اختصه بذكر العلو لبيان أنه على ماسواه أعلى وأجل لا لبيان أنه متحيزاً حالاً فيه جالساً عليه كما زعمت الوهابية
ولذلك تلقى كل العلماء كلام الشيخ الطحاوى فى العقيدة الطحاوية بما يشبه الإجماع ولم نجد لأحد منهم إنكاراً لهذا الكلام فى وصف ربه تبارك وتعالى والذى يسطر بأحرف من نور
تعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات لاتحويه الجهات الست كسائر المبتدعات
قال أيضاً رحمه الله وهومحيط يكل شىء وفوقه وقد أعجزعن الإحاطة خلقه
وهو سبحانه له الكمال المطلق من قبل العرش ومن بعد العرش وهوسبحانه العلى الأعلى المتعال وخلق العرش لم يضف له عظمة لم تكن له من قبل بل هو العظيم سبحانه له الكمال المطلق والعظمة التامة
ولم يضف له العرش علوا لم يكن له من قبل كما زعمت الوهابية وعلماؤهم فى أنه علا بعد الخلق
بل هو القدوس المنزه عن كل نقص الحى القيوم الذى لا تأخذه سنة ولانوم فى إشارة واضحة من أعظم آى القران أنه لا يتغير ولاتجرى عليه أحكام المتغيرات مطلقاً ولايخضع سبحانه لمقضيات وأحكام مخلوقاته من زمان ومكان. ولا يحكم ذاته سبحانه لوازم المخلوقات وإلا لو قامت بذاته ما يجرى على خلقه ما كان لقوله سبحانه (ليس كمثله شىء) أى معنى وكان نفى المشابهة محصوراً فقط فى عدم تشابه ذاته بذات مخلوقاته مع خضوع ذاته سبحانه لمخلوقاته ولوازم هذه المخلوقات (زمان ومكان) وهذا من أبطل الباطل ولذلك كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يدعو ربه متوسلاً بصفات الكمال التى لا تكون لسواه ولايشترك فيها معه أحد من خلقه مطلقاً حتى لومن باب المعنى اللغوى فقط كان يقول صلى الله عليه وآله وسلم
فيما روى الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده عن عائشة أم المؤمنين نحو هذا فقال : حدثنا عقبة حدثنا يونس حدثنا السري بن إسماعيل عن الشعبي عن مسروق عن عائشة أنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بفراشه فيفرش له مستقبل القبلة فإذا أوى إليه توسد كفه اليمنى ثم همس ما يدرى ما يقول فإذا كان في آخر الليل رفع صوته فقال : [ اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم إله كل شيء ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان فالق الحب والنوى أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته اللهم أنت الأول الذي ليس قبلك شيء وأنت الآخر الذي ليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عنا الدين وأغننا من الفقر ]........انتهى
وكذا رواه الإمام مسلم بنحوه وغيره من الأئمة الكبار
وهذا التأويل النبوى الصريح لدلالة الاسماء الاربعة يقول لنا أن الله تبارك وتعالى خارج مخلوقاته تماماً وليس حالاً فى شىء منها ولايخضع لأحكامها مطلقاً
ولذلك قال الشيخ عبد القاهر التميمى فى كتبه الفرق بين الفرق 1/ 333 فى وصف ربنا تبارك وتعالى قال:
واجمعوا على أنه لايحويه مكان ولايجرى عليه زمان
وقال:
إن الله خلق العرش إظهاراً لقدرته لا مكاناً لذاته وقد كان ولا مكان وهوالآن على ماكان
وهذه المقالة الدالة الجامعة لكل صفات العظمة الموافقة لتأويل النبى الكريم للأسماء الاول والآخر والظاهر والباطن
واختم بكلام الإمام الجوينى وانظر
رسالة الاستواء والفوقية للإمام الجوينى
الجزء الأول صــ64
أن الله عز وجل كان ولا مكان ولا عرش ولا ماء ولا فضاء ولا هواء ولا خلاء ولا ملأ وأنه كان منفردا في قدمه وأزليته هو متوحد في فردانيته وهو سبحانه وتعالى في تلك الفردانية لا يوصف بأنه فوق كذا إذ لا شيء غيره هو سابق للتحت والفوق اللذين هما جهتا العالم وهما لازمتان لها والرب تعالى في تلك الفردانية منزه عن لوازم الحدث وصفاته فلما اقتضت الإرادة المقدسة بخلق الأكوان المحدثة المخلوقة المحدودة ذات الجهات اقتضت الإرادة المقدسة على أن يكون الكون له جهات من العلو والسفل وهو سبحانه منزه عن صفات الحدث فكون الأكوان وجعل لها جهتا العلو والسفل واقتضت الحكمة الإلهية أن يكون الكون في جملة التحت لكونه مربوبا مخلوقا واقتضت العظمة الربانية أن يكون هو فوق الكون باعتبار الكون لا باعتبار فردانيته إذ لا فوق فيها ولا تحت ولكن الرب سبحانه وتعالى كما كان في قدمه وأزليته وفردانيته لم تحدث له في ذاته ولا في صفاته ما لم يكن له في قدمه وأزليته فهو الآن كما كان لكن لما حدث المربوب المخلوق والجهات والحدود ذو الخلا والملا وذو الفوقية والتحتية كان مقتضى حكم عظمة الربوبية أن يكون فوق ملكه وأن تكون المملكة تحته باعتبار الحدوث من الكون لا باعتبار القدم من المكون فإذا أشير إليه يستحيل أن يشار إليه من جهة التحتية أو من جهة اليمنى أو من جهة اليسرى بل لا يليق أن يشار إليه إلا من جهة العلو والفوقية ثم الإشارة هي بحسب الكون وحدوثه وتسفله فالإشارة تقع على أعلى جزء من الكون حقيقة وتقع على عظمة الإله تعالى كما يليق به لا كما تقع على الحقيقة المعقولة عندنا في أعلا جزء من الكون فإنها إشارة إلى جسم وتلك إشارة إلى إثبات إذا علم ذلك فالاستواء صفة كانت له سبحانه في قدمه لكن لم يظهر حكمها إلا عند خلق العرش كما أن الحساب صفة قديمة له لا يظهر حكمه إلا في الآخرة وكذلك التجلي في الآخرة لا يظهر حكمه إلا في محله
تنبيه إذا علم ذلك فالأمر الذي تهرب المتأولة منه حيث أولوا الفوقية بفوقية المرتبة والاستواء بالاستيلاء فنحن أشد الناس هربا من ذلك وتنزيها للباري تعالى عن الحد الذي يحصره فلا يجد بحد يحصره بل يحد تتميز به عظمته وذاته ليس مخلوقاته والإشارة إلى الجهة إنما هو بحسب الكون وتسفله إذ لا يمكن الإشارة إليه إلا هكذا وهو في قدمه سبحانه منزه عن صفات الحدوث وليس في القدم فوقية ولا تحتية وإن من هو محصور في التحت لا يمكنه معرفة باريه إلا من فوقه فتقع الإشارة على العرش حقيقة إشارة معقولة وتنتهي الجهات عند العرش ويبقى ما وراءه لا يدركه العقل ولا يكفيه بكيفية الوهم فتقع الإشارة عليه كما يليق به مجملا ثابتا لا مكيفا ولا ممثلا وجه من البيان الرب ثابت الوجود ثابت الذات له ذات مقدسة متميزة عن مخلوقاته تجلى للأبصار يوم القيامة ويحاسب العالم فلا يجهل ثبوت ذاته وتميزها عن مخلوقاته فإذا ثبت ذلك فقد أوجد الأكوان في محل وحيز وهو سبحانه في قدمه منزه عن المحل والحيز فيستحيل شرعا وعقلا عند حدوث العالم أن يحمل فيه أو يختلط به لأن القديم لا يحل في الحادث وليس هو محلا للحوادث فلزم أن يكون باينا عنه وإذا كان باينا عنه يستحيل أن يكون العالم في جهة الفوق وأن يكون ربه سبحانه في جهة التحت هذا محال شرعا وعقلا فيلزم أن يكون العالم في جهة الفوق فوقه بالفوقية اللائقة به التي لا تكيف ولا تمثل بل تعلم من حيث الجملة والثبوت لا من حيث التمثيل والتكييف وقد سبق الكلام في أن الإشارة إلى الجهة إنما هو باعتبارنا لأنا في محل وحد وحيز والقدم لا فوق فيه ولا تحته ولا بد من معرفة الموجد وقد ثبت بينونته عن مخلوقاته واستحال علوها عليه فلا يمكن معرفته والإشارة بالدعاء إليه إلا من جهة الفوق لأنها أنسب الجهات إليه وهو غير محصور فيها هو كما كان في قدمه وأزليته فإذا أراد المحدث أن يشير إلى القديم فلا يمكنه ذلك إلا بالإشارة إلى الجهة الفوقية لأن المشير في محل له فوق وتحت والمشار إليه قديم باعتبار قدمه لا فوق هناك ولا تحت وباعتبار حدوثنا وتسفلنا هو فوقنا فإذا أشرنا إليه تقع الإشارة عليه كما يليق به لا كما نتوهمه في الفوقية المنسوبة إلى الأجسام لكننا نعلمها من جهة الإجمال والثبوت لا من جهة التمثيل والتكييف والله الموفق للصواب ومن عرف هيئة العالم ومركزه من علم الهيئة وأنه ليس له إلا جهتا العلو والسفل ثم اعتقد بينونة خالقه عن العالم فمن لوازم البينونة أن يكون فوقه لأن جميع جهات العالم فوق وليس السفل إلا المركز وهو الوسط....انتهى
تعليق: ما أعظم ما قال الشيخ وانظر روائع الفهم
وتلك إشارة إلى إثبات إذا علم ذلك فالاستواء صفة كانت له سبحانه في قدمه لكن لم يظهر حكمها إلا عند خلق العرش كما أن الحساب صفة قديمة له لا يظهر حكمه إلا في الآخرة وكذلك التجلي في الآخرة لا يظهر حكمه إلا في محله.......انتهى
تعليق