تفنيد الاعتداد
بغرائب ابن خويزمنداد
منقول من منتدى روص الرياحين وهو بحث مهم خاصة للمالكية
تأليف
الأزهري
عفا الله عنه
1424هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي يقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، والصلاة والسلام على من جاءت شرعته بحد السارق والمارق ، وعلى آله وصحبه وبعد ..
فمنذ أن كتب أحد المبتدعة كتابه في الطعن على أهل السنة، والحشوية مغرمون بالنقل من كتابه، على كثرة عاطله وباطله، وزيفه وخلله، وإن من الباطل الذي أكثر أهل الحشو من نقله عنه : كلمة منسوبة لأحد علماء المالكية يقال له ابن خويزمنداد، ففرحوا بها ـ وأساؤوا فهمها ـ وتركوا سائر أئمة المالكية وعلماءهم لا يقيمون لهم وزنا !!
وقد تجدد من أحد أهل الحشو نقل كلام ابن خويزمنداد هذا، فكان لا بد من مقال يوضح الأمر ويزيل الإشكال، حتى لا يضلوا العوام، فننقل كلام هذا الحشوي ثم ننقضه عليه بحول الله تعالى وطوله لا بحولنا ولا بقوتنا، متوكلين عليه تعالى فنقول :
قالت الحشوية :
روى حافظ المغرب وعلمها الفذ ابن عبد البر بسنده عن فقيه المالكية بالمشرق ابن خويز منداذ أنه قال في كتاب الشهادات شرحاً لقول مالك : لا تجوز شهادة أهل البدع والأهواء ،
وقال :
(( أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام، فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع أشعرياً كان أو غير أشعري، ولا تقبل له شهادة في الإسلام أبداً ، ويهجر ويؤدب على بدعته، فإن تمادى عليها استتيب منها ))اهـ.
هذا ما نقله الحشوي، فما هي مصداقية هذا القول وذلكم الادعاء يا ترى ؟؟.
سنناقش هذا النقل في مباحث:
الأول : التعريف بابن خويزمنداد.
الثاني : مدى صحة القول المعزو إليه.
الثالث : معنى القول المعزو إليه.
الرابع : موقف ابن عبد البر من كلام ابن خويزمنداد.
الخامس : موقف علماء المالكية عموما.
السادس : مفهوم هذا القول عند الحشوية وبيان تناقضهم.
ثم الخاتمة.
المبحث الأول (التعريف بابن خويزمنداد)
ترجمته في ترتيب المدارك للقاضي عياض2/606
(( أبو بكر بن خويزمنداد رحمه الله ))
ويقال خوين منداد، إذ كذا كناه أبو إسحق الشيرازي، وسماه محمد بن أحمد بن عبد الله. ورأيت على كتبه تكنيته بأبي عبدالله، وفي نسبته : محمد بن أحمد بن علي بن إسحق، وقال الشيرازي أيضا : تفقه بالأبهري.
وسمع الحديث، يروي عن أبي [ بكر بن ] داسة، وأبي الحسن التمار، وأبي الحسن المصيصي، وأبي إسحق التجيبي، وأبي العباس الأصم، وله كتاب كبير في الخلاف، وكتاب في أصول الفقه، وأحكام القرآن،
وعنده شواذ عن مالك، وله اختيارات وتأويلات على المذهب في الفقه والأصول لم [ يعرج ] عليها حذاق المذهب، كقوله في بعض ما خالفه فيه من الأصول :
أن العبيد لا يدخلون في خطاب الأحرار
[ وإن خبر الواحد ] يوجب العلم،
وفي بعض مسائل الفقه حكايته عن المذهب : أن التيمم يرفع الحدث،
وأنه لا يعتق على الرجل سوى الآباء والأبناء،
ولم يكن بالجيد النظر، ولا بالقوي الفقه،
وقد تكلم فيه أبو الوليد الباجي، قال : إني لم أسمع له في علماء العراق بذكر.
وكان يجانب الكلام جملة، وينافر أهله، حتى تعدى ذلك إلى منافرته المتكلمين من أهل السنة، وحكم على الكل بأنهم من أهل الأهواء الذين قال مالك في مناكحتهم وشهادتهم وإمامتهم وعيادتهم وجنائزهم ما قال . رحمه الله )) اهـ.
ترجمته عند الذهبي والحافظ ابن حجر في لسان الميزان5/329
(( محمد بن علي بن إسحاق بن خويزمنداد ويقال خوازمنداد الفقيه المالكي البصري يكنى أبا عبد الله، هذا الذي رجحه عياض، وأما الشيخ أبو إسحاق فقال في الطبقات: محمد بن أحمد بن عبد الله بن خوازمنداد، يكنى أبا بكر، تفقه بأبي بكر الأبهري، وسمع من أبي بكر بن داسة، وأبي إسحاق الهجيمي، وغيرهما،
وصنف كتبا كثيرة منها: كتابه الكبير في الخلاف، وكتابه في أصول الفقه، وكتابه في أحكام القرآن، وعنده شواذ عن مالك، واختيارات وتأويلات لم يعرج عليها حذاق المذهب، كقوله:
إن العبيد لا يدخلون في خطاب الأحرار
وإن خبر الواحد مفيد العلم
وإنه لا يعتق على الرجل سوى الآباء والأبناء.
وقد تكلم فيه أبو الوليد الباجي،
ولم يكن بالجيد النظر، ولا بالقوي في الفقه،
وكان يزعم أن مذهب مالك أنه لا يشهد جنازة متكلم، ولا يجوز شهادتهم، ولا مناكحتهم، ولا أمانتهم، وطعن ابن عبد البر فيه أيضا، وكان في أواخر المائة الرابعة ))اهـ.
ترجمته عند الإمام الشيرازي في الطبقات ص157
(( ومنهم أبو بكر محمد بن أحمد بن عبدالله المعروف بابن كواز، تفقه بأبي بكر الأبهري، وله كتاب كبير في مسائل الخلاف، وكتاب في أصول الفقه، وله أحكام القرآن )) اهـ.
ومع ما ترى من اختلاف في اسم ابن خويزمنداد عند الشيرازي ـ حتى كأنه شخص آخر ـ إلا أن عياضا يؤكد على أن الشيرازي قد ذكره في طبقاته، ولولا هذا لظننته شخصا آخر، وكذلك الذهبي قال في تاريخ الإسلام في وفيات 390هـ ما نصه : (( وذكره أبو إسحق في الطبقات فقال فيه المعروف بابن كواز )) اهـ .
وذِكْر وفاته عند الذهبي في وفيات سنة 390هـ تقديري كما يتضح من اللسان.
[ فائدة في ضبط خويزمنداد ]:
قال الفيروزآبادي في القاموس المحيط 1/291 ط دار الحديث :
(( وخُوَيْزِمَنْدادُ بضم الخاء وكسر الزاي وفتح الميم وسكون النون والد الإمام أبي بكر المالكي الأصولي )) اهـ.
هذا ما ذكره المترجمون لابن خويزمنداد، وليس عند الذهبي ولا الصفدي ولا ابن فرحون في الديباج ولا ابن مخلوف في شجرة النور ولا غيرهم زيادة على الذي هنا.
فإن قال قائل :
فما تقولون فيما قاله القاضي عياض في مقدمة ترتيب المدارك ونصه1/51 :
(( وكذلك ذكر ـ [يقصد الإمام الباجي] ـ في ابن خويزمنداد وهو في شهرته وكثرة تصانيفه ـ حيث لا يذكر ـ أنه مجهول، وقال أن أحداً من أئمتنا البغداديين لم يذكروه، وهذا الشيرازي قد ذكره في كتابه، وهذا أبو محمد عبد الوهاب يحكي عنه ويقول فيه : قال أبو عبد الله البصري..))اهـ.
أفلا يتعارض القول بشهرته هنا مع ما تقدم في ترجمته ؟؟.
قلنا : هذا لا يتعارض مع ما تقدم ذكره في ترجمته، فالقاضي عياض الذي قال ما قال في المقدمة، هو الذي ترجم لابن خويزمنداد بما تقدم، فهو صاحب القولين، ولا تعارض بينهما، لأن كلام عياض في المقدمة هو اعتراض على دعوى (جهالة) ابن خويزمنداد، بينما كلامه في الترجمة فيما بعد لا علاقة له بدعوى الجهالة، بل بكون ابن خويزمنداد وإن كان معروفا ومذكورا لكنه قليل الشأن، خفيف الوزن، عفا ذكره، واندثر خبره، وانطفأت شهرته، وليس في ترجمته ما يعليه ويرفعه إلى درجة كبار أئمة المذهب، هذا مقصود عياض
ألا ترى أن عياضا قال : (حيث لا يذكر ـ أنه مجهول) ! يريد الاعتراض على دعوى الجهالة لعدم العلم بذكره، وأن كون الإمام الباجي لم يسمع لابن خويزمنداد بذكر لا يعني أنه مجهول، فبين عياض أنه مذكور عند الشيرازي وعبد الوهاب المالكي، فليس من عفا ذكره، وزالت شهرته بالمجهول ضرورة، هذا مراد عياض كما هو واضح،
وانظر ترجمة أبي سعيد القزويني في الترتيب2/604 ففيه ما يؤيد هذا، وليس دفع الجهالة عن ابن خويزمنداد بنافعه شيئا، لأنه وإن كان غير مجهول إلا أن عياضا وغيره بينوا أنه ضعيف الفقه والنظر، كثير الشذوذ والمخالفة، وقد زال ذكره حتى جهله الباجي.
فهل من أجل هذا الضعف ذكره الذهبي والحافظ ابن حجر في اللسان أم من أجل الجهالة تقديما لقول الباجي فيه؟؟
الظاهر عندي أنه من أجل ضعفه لا جهالته.
فإن قال قائل:
ما قولكم في كلام العلامة محمد بن عبدالرحمن الغزي الشافعي المتوفى سنة 1167هـ في ديوان الإسلام ونصه : (( ابن خويزمنداد: محمد بن أحمد بن عبد الله، الإمام العلامة شيخ المالكية أبو بكر البغدادي، له مصنفات في الفقه والأصول توفي سنة 390 )) اهـ .
فالجواب : هذا فيه عدة ملاحظات منها أن شيخ مشايخنا الإمام الغزي من متأخري مشايخ الشام جدا، وقصاراه النقل، فكأنه أحب أن يمطط الترجمة بالألقاب الشائعة في عصره، فلم يسلم من المبالغة، وإلا فإن ابن خويزمنداد بصري وليس بغداديا، كما أن وفاته هذه تقديرية باتفاق، ولم يذكرها أحد على التحقيق،
وأما وصفه بالإمام العلامة شيخ المالكية فلا مستند له ولا قائل به من معتمدي مذهب مالك، فهم الفيصل في هذا الشأن، ولكن الشيخ لم ينفرد بتلقيب ابن خويزمنداد بالإمامة، فقد تقدم نحوه عن الفيروزآبادي الشافعي صاحب القاموس، وهذا ابن تيمية يفعل ذلك أيضا بلا مستند فيقول ابن تيمية في الفتاوى الكبرى 5/ 248 :
(( محمد بن خويزمنداد إمام المالكية في وقته في العراق )) اهـ.
وهذا كلام لا أصل له، فأصحاب الرجل من المالكية أعرف بصاحبهم من غيرهم، فهؤلاء فقهاء مذهب مالك والمصنفون في الطبقات قد تقدم كلامهم، فمن أين لابن تيمية أو غيره أن يزيد عليهم، وما حجته فيما ذكر ولا سبيل له أصلا للتعرف على منزلة ابن خويزمنداد إلا من خلال كتب تراجم المالكية أصلا كترتيب المدارك،
أم سيكون ابن تيمية أعلم بالرجل من ابن عبد البر أو أبي الوليد الباجي أو القاضي عياض ونحوهم ؟؟!!
وعبارة الذهبي والصفدي أنه من أئمة المالكية في العراق أحسن بكثير من عبارة ابن تيمية وأقرب إلى الواقع، وأدق من ذلك قول القرطبي عنه أنه من (علمائنا) يعني المالكية.
أمثلة تؤكد شذوذات ابن خويزمنداد :
وإذا كان ابن خويزمنداد قد ذكر ونعت بالشذوذ عن المذهب في مسائل شتى مع ضعف الفقه فلنذكر أمثلة تؤيد ذلك:
قال القرطبي في تفسيره 6/105 :
(( قال أبو عمر بن عبد البر ما أعرف كيف أقدم ابن خويزمنداد على أن جعل الصحيح من المذهب ما ذكر وعلى خلاف جمهور السلف وعامة الفقهاء وجماعة المالكيين!! .. ))اهـ .
وعبارة الإمام العيني في عمدة القاري 4/12 :
(( قال أبو عمر : كيف أقدم على أن جعل هذا صحيحا وعلى خلافه جمهور السلف وعامة الفقهاء وجماعة المالكيين !! ))اهـ.
وقال القرطبي في تفسيره 8/173 :
(( قاله ابن خويزمنداد وحكاه عن المذهب وهذا لا ينبغي أن يعول عليه )) اهـ.
ولما عزى ابن خويزمنداد لمالك أن خبر الواحد يفيد العلم :
(( نازعه فيه المازري بعدم وجود نص له فيه )) اهـ.
كما في تدريب الراوي 1/75
وقال الحافظ ابن حجر في الفتح 2/223 عن رفع اليدين مع التكبير في المواطن الثلاثة:
((وحكاه ابن خويزمنداد عن مالك وهو شاذ )) اهـ .
وقال الحافظ 4/122 :
((ونقل ابن خويزمنداد عن الشافعي مسألة ابن سريج، والمعروف عن الشافعي ما عليه الجمهور))اهـ.
وقال ابن حزم في (الأصول والفروع) على عادته في طول اللسان ص150 :
(( وقد أدى السخف والضعف والجهل بحدود الكلام ممن يقع في نفسه أنه هو عالم وهو المعروف بخويزمنداد المالكي أن جعل للجمادات تمييزا ))اهـ.
وقال في (الإحكام) 4/441 :
((وقد ذكر رجل من المالكيين [ من أهل البصرة] يلقب [يعرف بابن ] خويزمنداد أن للحجارة عقلا!! ولعل تمييزه يقرب من تمييزها، وقد شبه الله قوما زاغوا عن الحق بالأنعام وصدق تعالى [إذ قضى] أنهم أضل سبيلا [منها] .. )) اهـ . وقد تناوله بالطعن في غير هذين الموضعين أيضا على عادته.
[ الخلاصة ]:
يظهر الآن من خلال هذه الترجمات عدة أمور يعنينا منها التالي :
1 ـ الاختلاف في اسمه.
2 ـ الاختلاف في كنيته.
3 ـ عدم تحديد تاريخ وفاته.
4 ـ عنده شذوذات عن مالك.
5 ـ له اختيارات وتأويلات لم يعول عليها محققو المذهب.
6 ـ لم يكن بالجيد النظر ولا بالقوي الفقه.
7 ـ تكلم فيه أبو الوليد الباجي ولم يسمع له بذكر في علماء العراق.
8 ـ تعصبه على متكلمي أهل السنة.
9 ـ طعن عليه ابن عبدالبر .
ومن هنا يتضح أن ابن خويزمنداد لا يعدو أن يكون أحد علماء المالكية بالعراق، وأنه ليست له تلك القيمة الكبيرة عند المالكية، وليس بالذي يعول على كلامه، فيهجر كلام أئمة المذهب من أجل خلافاته وشذوذاته،
ومن ثم فإن ما ينقل عنه من شذوذ ـ كالنقل الآتي ـ مما لا قيمة له سواء صح عنه أم لم يصح، لكننا مضطرون للتعريج على مدى صحة النقل عنه لاستيفاء المباحث.
المبحث الثاني ( مدى صحة القول المعزو إليه )
نظرنا في هذا المبحث منحصر في مطلبين:
الأول : في مصدر هذا النقل.
الثاني : في مدى صحة نسبته لابن خويزمنداد في ذلك المصدر.
الأول : مصدر النقل عن ابن خويزمنداد
ربما تقف على النص المنقول عن ابن خويزمنداد في أكثر من كتاب، ككتب ابن تيمية، أو(صون المنطق) للسيوطي، أو مفتاح السعادة لطاش كبرى زاده، أو غيرها، وأغلبهم قد نقله من كتاب (جامع بيان العلم وفضله) لأبي عمر يوسف بن عبد البر النمري القرطبي المتوفى سنة 463هـ،
أو نقله عن ناقل عنه، حتى أن ظاهر كلام ابن تيمية يفهم منه أن ابن عبد البر هو المصدر الأوحد لكلام ابن خويزمنداد !
بدليل أن الإمام أبا حامد الغزالي لما نقل في قواعد العقائد من كتابه (إحياء علوم الدين) قول مالك إذ قال أبو حامد (إتحاف السادة المتقين)2/76:
(( وقال مالك رحمه الله أيضا : لا تجوز شهادة أهل البدع والأهواء .. ))اهـ.
لما نقل أبو حامد هذا ـ دون أن يعزوه إلى مصدر ـ جاء ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل 7/156 فقال تعليقا على نقل أبي حامد السالف :
(( وقد نقل من ذلك ما نقله من كتاب أبي عمر بن عبد البر الذي سماه فضل العلم وأهله وما يلزمهم في تأديته وحمله ...))
وقال أيضا:
(( هكذا ذكره عنه ابن عبد البر ومنه نقل ذلك أبو حامد لكن كنى عن التصريح بذلك)) اهـ.
فلم يحتط ابن تيمية لنفسه أن يقول قائل : لعل أبا حامد نقل ما نقل من غير كتاب ابن عبدالبر!.
فأشبه هذا الصنيع من ابن تيمية أن النقل المذكور منقول عن ابن عبدالبر حيثما وجدته من كتاب تقدم أو تأخر، وفيه نظر سيأتي بيانه.
وهذا ابن تيمية ينقل النص مستشهدا به فيعزوه أيضا لابن عبدالبر، قال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى 5/ 248 :
(( قال محمد بن خويزمنداد إمام المالكية في وقته في العراق في الكلام الذي ذكره عنه أبو عمر ابن عبد البر قال : أهل البدع والأهواء عند مالك وأصحابه الذين ترد شهادتهم هم أهل الكلام قال : فكل متكلم فهو عندهم من أهل الأهواء والبدع عند مالك وأصحابه وكل متكلم فهو عندهم من أهل الأهواء أشعرياً كان أو غير أشعري)) اهـ.
وابن القيم لم يشذ عن شيخه في شيء كما في الصواعق المرسلة 4/1270 فلا حاجة لتكرير النقل.
فإذا تقرر هذا، وتبين أن كتاب ابن عبد البر المترجم بـ(جامع بيان العلم وفضله) هو المصدر لأغلب النقلة لهذا النص عن ابن خويزمنداد، فهل يعني هذا أن ابن عبد البر متفرد بالنقل عنه والوقوف على كتابه، وأننا لا نجد سبيلا إليه إلا ويكون منقولا عن ابن عبد البر؟!!
نعم هذا ما يفهم من عبارة ابن تيمية المتقدمة حيث قطع بأن أبا حامد الغزالي إنما نقله عن ابن عبد البر ولم يضع أي احتمال لكون الغزالي نقله عن غيره أو أنه اطلع على كتاب ابن خويزمنداد نفسه فنقل منه!
لكن في هذا نظر كما قلنا، فأي بعد في أن يقف غير ابن عبد البر على كتاب ابن خويزمنداد فينقل منه؟؟
وإذا كان ابن خويزمنداد قد قال ذلك في كتاب من كتبه فلا ينبغي الجزم بأن كل ناقل إنما نقله عن ابن عبد البر،
فقد رأيت الإمام العلامة الفقيه ابن حجر الهيتمي الشافعي نقل كلام ابن خويزمنداد في الفتاوى الحديثية بصورة أتم مما عند ابن عبد البر، وسيأتي التفصيل.
المطلب الثاني : في مدى صحة نسبته لابن خويزمنداد في مصدره
بعد الفحص والتنقيب لم أجد النص المذكور منقولا من كلام ابن خويزمنداد مباشرة إلا في موضعين اثنين، أحدهما كتاب (جامع بيان العلم وفضله) لابن عبدالبر كما مر، وثانيهما كتاب (الفتاوى الحديثية) للفقيه الهيتمي، ولا أزعم أن النص لا يوجد في غيرهما، ولكن هذا ما تيسر لنا الآن، فننظر في هذين النصين ونتكلم على كل واحد منهما على حدة، ونبدأ بنقل ابن عبدالبر:
النص عند ابن عبدالبر:
هو في موضع واحد فقط من كتاب جامع بيان العلم وفضله، وهذه صورة الموضع المقصود [ طبعة دار الكتب الإسلامية ـ القاهرة ـ ط2 ـ 1402هـ ص416 ـ 417 ] :
(( أخبرنا إسماعيل بن عبد الرحمن قال حدثنا إبراهيم بن بكر قال سمعت أبا عبدالله محمد بن أحمد بن إسحق بن خويزمنداد المصري المالكي قال في كتاب الإجارات من كتابه في الخلاف قال مالك :
لا تجوز الإجارات في شيء من كتب الأهواء والبدع والتنجيم ـ وذكر كتبا ـ ثم قال :
وكتب أهل الأهواء والبدع عند أصحابنا هي كتب أصحاب الكلام من المعتزلة وغيرهم، وتفسخ الإجارة في ذلك، قال : وكذلك كتب القضاء بالنجوم وعزايم الجن وما أشبه ذلك.
وقال في كتاب الشهادات في تأويل قول مالك : (لا تجوز شهادة أهل البدع وأهل الأهواء)
قال : أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام، فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع أشعريا كان أو غير أشعري، ولا تقبل له شهادة في الإسلام أبدا، ويهجر ويؤدب على بدعته، فإن تمادى عليها استتيب منها ))اهـ.
سنغض الطرف ابتداء عن تحريف كلمة (البصري) إلى (المصري) في هذه الطبعة، فإن التركيز على ذلك ليس بذي قيمة، ولنلج فيما يجدي فنقول :
إن ابن عبد البر يسوق النص هنا بإسناده، هذا الإسناد الذي عناه الدكتور سفر الحوالي ـ وغيره ـ حينما قال في (منهج الأشاعرة) ص70 :
(( روى حافظ المغرب وعلمها الفذ ابن عبد البر بسنده عن فقيه المالكية .. ))اهـ.
ها نحن ذا أمام السند الذي يعنيه الدكتور سفر الحوالي، ومن المعلوم أن كلمة (بسنده)!! في تعبير الدكتور سفر لها مدلولها وأهميتها، فهو يلمح إلى أن ابن عبد البر لم يلق الكلام على عواهنه، بل رواه مسندا شأن أهل الحديث في الحرص على الاتصال،
وقد قال السلف :
(الإسناد من الدين، ولولاه لقال من شاء ما شاء)
فمن غير الإنصاف أن نتجاوز هذا الإسناد الذي ساقه ابن عبد البر وجعله سلما للنقل عن ابن خويزمنداد دون أن نعطيه ما يليق به من الاهتمام على رسم أهل الحديث الذين يعتزي إليهم ابن عبد البر نفسه،
ولا من العدل أن نهمل لفتة الدكتور سفر الحديثية الأثرية حينما قال : (بسنده)!
إذن فلنلق نظرة على هذا الإسناد ..
يقول ابن عبدالبر : (( أخبرنا إسماعيل بن عبد الرحمن قال حدثنا إبراهيم بن بكر قال سمعت..)) اهـ.
يتوسط بين ابن عبد البر وابن خويزمنداد في هذا الإسناد رجلان :
أما الأول الذي هو شيخ ابن عبدالبر فقد عرفناه فهو :
إسماعيل بن عبد الرحمن بن علي بن محمد بن أحمد القرشي الزمعي ثم العامري المصري المتوفى سنة 421هـ،
قال عنه الحميدي في جذوة المقتبس 1/251
وابن بشكوال في الصلة 1/176
والضبي في بغية الملتمس 1/282 :
(ثقة مأمون).
وأما الثاني الذي هو شيخ إسماعيل القرشي العامري وتلميذ ابن خويز منداد في الإسناد فهو :
إبراهيم بن بكر بن عمران بن عبد العزيز اللخمي الألبيري، يكنى أبا إسحق، ويعرف أيضا بإبراهيم بن بكر الموصلي،
رحل إلى المشرق ودخل العراق فلقي الأبهري وسمع منه، وسمع بالموصل من أبي الفتح الأزدي ورجع الأندلس وحدث بأشياء، وتوفي بإشبيلية سنة 385هـ،
ذكره ابن الفرضي في تاريخ علماء الأندلس 1/54،
والحميدي في جذوة المقتبس1/237،
وابن بشكوال في الصلة1/168،
ولم يذكروا فيه جرحا ولا تعديلا،
وذكره الضبي في بغية الملتمس 1/263
ففرق بين إبراهيم بن بكر الموصلي وإبراهيم بن بكر بن عمران الألبيري!!
ولم يذكر في أحدهما جرحا ولا تعديلا، ولم أقف على ذكر له في غير هذه المصادر.
فهذا الإسناد لا يمكننا الحكم بصحته ما لم نسمع كلمة توثيق لإبراهيم بن بكر، فهو الآن في حد مجهول الحال عندنا، ولا يصحح أهل الحديث خبرا يرويه مجهول الحال لا سيما في المتأخرين، وما ذكره الضبي من التفريق مقلق بعض الشيء، ويزيدنا قلقا أن وفاة إبراهيم بن بكر متقدمة على وفاة ابن خويزمنداد حسبما تفيده التواريخ! فمن كان لديه خبر عن وثاقة هذا الرجل فليفدنا به، وليس لنا الآن الحكم بصحة هذا النقل عن ابن خويزمنداد أصلا مادام في الإسناد إليه من نجهل ـ نحن ـ حاله.
فالنتيجة ـ عندنا ـ الآن من هذا المطلب أن الإسناد لا يصح فلا يثبت النص المذكور عن ابن خويزمنداد ـ عندنا ـ حتى نقف على توثيق ذي الحال المجهول، لاسيما ـ ونحن ـ أمام نقل يتفرد به هذا المجهول، ولا نجد له أثرا عند غيره بسند آخر يعضده ـ اللهم إلا ما سيأتي عن ابن الهيتمي ـ بل ولم نقف على كتاب معروف لابن خويزمنداد يصرح فيه بذلك، فما حيلتنا إذن غير ترك التعويل على هذا النص ..
النص عند ابن حجر الهيتمي:
وقفنا على نص كلام ابن خويزمنداد بصورة أخرى غير التي عند ابن عبد البر وبشكل أوفى وأكثر دقة، وجدناه عند الفقيه ابن حجر الهيتمي الشافعي في كتابه (الفتاوى الحديثية)
ص275 ـ طبعة إحياء التراث ـ بيروت ـ قال :
(( وأما تعليم الحجج الكلامية والقيام بها للرد على المخالفين فهو فرض كفاية، اللهم إلا إن وقعت حادثة وتوقف دفع المخالف فيها على تعلم ما يتعلق بها من علم الكلام أو آلاته فيجب عينا على من تأهل لذلك تعلمه للرد على المخالفين.
فإن قلت : كيف هذا مع قول ابن خويزمنداد : كتب الكلام لا يجوز تملكها، والإجارة فيها باطلة، ومتى وجدت وجب إتلافها بالغسل والحرق ومثله كتب الأغاني واللهو وشعر السخفاء من المتأخرين وكتب الفلاسفة والعزائم، ـ وعدَّى ذلك إلى كتب اللغة والنحو وبين ما فيهما من خوض أهلهما فيهما في أمور لا يعلمون صحتها ـ ثم قال :
وكتب الكلام فيها الضلالة والبدع والإلحاد في أسماء الله وصفاته، والكفر بتأويل القرآن وتحريفه عن موضعه، فلا يجوز بقاؤها في ديار المسلمين لئلا تضل الجاهل،
فإن قيل : بعضها حق لأنكم لا بد لاحقون ببعض أقسام أهل الكلام؟
فجوابه: إن هذا خطأ علينا لأنا لا ننسب إلى الكلام ولا أهله ونحن منهم براء، ولو تشاغل سني بالكلام لكان مبتدعا، والسني هو المنتسب للسلف الصالح، وكلهم زجروا عن الخوض في مثل هذا، والخائضون في هذا من سائر أهل البدع، ويكفي في الخروج إلى البدعة مسألة واحدة فكيف وقد أوقروا ظهورهم وأجمعوا نفوسهم. انتهى كلام ابن خويزمنداد. ))اهـ.
هذا ما نقله العلامة ابن حجر الهيتمي في فتاواه، ويظهر منه أن النص منقول عن مصدر آخر غير ابن عبد البر، فهذا هنا سياقه أتم وأدق كما ترى، والاختلاف بينه وبين النص الذي عند ابن عبد البر واضح، لكنه لم يسق له سندا، ولم يذكر لنا الهيتمي المرجع الذي نقل منه، ومهما يكن فلن يكون المصدر المنقول عنه هو كتاب ابن عبد البر لما لا يخفى.
لكن الهيتمي قال بعد أن ذكر كلام ابن خويزمنداد ما نصه:
(( قلت : قال ابن برزة شارح (إرشاد) إمام الحرمين : هذا النقل عنه باطل، فإن صح عنه فالحق حجة عليه .. )) اهـ.
(ابن برزة) تحرفت عن (ابن بزيزة) ! وقد ذكره الهيتمي على الصحيح في موضع آخر من فتاواه صفحة 152 فقال : ((ابن بزيزة)) اهـ.
و(بزيزة) على وزن (سفينة) كما في إيضاح المكنون 1/581، وهو :
أبو محمد عبد العزيز بن إبراهيم القرشي التميمي التونسي عرف بابن بزيزة، الإمام العلامة المحصل المحقق الفهامة الحافظ للفقه والحديث والشعر والأدب الحبر الصوفي من أعيان أئمة المذهب المالكي المعتمدين، وكان في درجة الاجتهاد،
له تآليف منها (الإسعاد في شرح الإرشاد) .. توفي سنة 662 أو 663هـ. انظر شجرة النور الزكية ص190 وإيضاح المكنون 1/581.
فيجوز أن يكون الهيتمي نقل نص ابن خويزمنداد من هذا الشارح ويكون ابن بزيزة هو المطلع على كلام ابن خويزمنداد، ومهما يكن فهذا العلامة المالكي أيضا قد أحاط علما بما قاله ابن خويزمنداد كما يظهر من كلامه في شرح الإرشاد الذي نقل منه الهيتمي، ويحكم ابن بزيزة ـ وهو أحد أئمة المالكية المعتمدين ـ على هذا المنقول عن ابن خويزمنداد بالبطلان عنه، وأنه على فرض صحته فلا عبرة به ولا حجة فيه.
نعم قد يقول قائل : لم لا يكون اشتهار ابن خويزمنداد بمجانبة الكلام وأهله مؤيدا لصحة هذا النقل ؟!.
فالجواب : نعم هذا صحيح، لكن من أين لنا أن هذه الشهرة ليست مبنية على هذا النص المنقول عنه بعينه؟! فقد يجوز أن يكون هذا النص هو منشأ ذلكم التصور عنه، ومن أين لنا أن ذلكم التصور عنه لا يكون مبنيا على أشياء أخرى لم تبلغنا غير هذا النص؟.
بغرائب ابن خويزمنداد
منقول من منتدى روص الرياحين وهو بحث مهم خاصة للمالكية
تأليف
الأزهري
عفا الله عنه
1424هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي يقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، والصلاة والسلام على من جاءت شرعته بحد السارق والمارق ، وعلى آله وصحبه وبعد ..
فمنذ أن كتب أحد المبتدعة كتابه في الطعن على أهل السنة، والحشوية مغرمون بالنقل من كتابه، على كثرة عاطله وباطله، وزيفه وخلله، وإن من الباطل الذي أكثر أهل الحشو من نقله عنه : كلمة منسوبة لأحد علماء المالكية يقال له ابن خويزمنداد، ففرحوا بها ـ وأساؤوا فهمها ـ وتركوا سائر أئمة المالكية وعلماءهم لا يقيمون لهم وزنا !!
وقد تجدد من أحد أهل الحشو نقل كلام ابن خويزمنداد هذا، فكان لا بد من مقال يوضح الأمر ويزيل الإشكال، حتى لا يضلوا العوام، فننقل كلام هذا الحشوي ثم ننقضه عليه بحول الله تعالى وطوله لا بحولنا ولا بقوتنا، متوكلين عليه تعالى فنقول :
قالت الحشوية :
روى حافظ المغرب وعلمها الفذ ابن عبد البر بسنده عن فقيه المالكية بالمشرق ابن خويز منداذ أنه قال في كتاب الشهادات شرحاً لقول مالك : لا تجوز شهادة أهل البدع والأهواء ،
وقال :
(( أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام، فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع أشعرياً كان أو غير أشعري، ولا تقبل له شهادة في الإسلام أبداً ، ويهجر ويؤدب على بدعته، فإن تمادى عليها استتيب منها ))اهـ.
هذا ما نقله الحشوي، فما هي مصداقية هذا القول وذلكم الادعاء يا ترى ؟؟.
سنناقش هذا النقل في مباحث:
الأول : التعريف بابن خويزمنداد.
الثاني : مدى صحة القول المعزو إليه.
الثالث : معنى القول المعزو إليه.
الرابع : موقف ابن عبد البر من كلام ابن خويزمنداد.
الخامس : موقف علماء المالكية عموما.
السادس : مفهوم هذا القول عند الحشوية وبيان تناقضهم.
ثم الخاتمة.
المبحث الأول (التعريف بابن خويزمنداد)
ترجمته في ترتيب المدارك للقاضي عياض2/606
(( أبو بكر بن خويزمنداد رحمه الله ))
ويقال خوين منداد، إذ كذا كناه أبو إسحق الشيرازي، وسماه محمد بن أحمد بن عبد الله. ورأيت على كتبه تكنيته بأبي عبدالله، وفي نسبته : محمد بن أحمد بن علي بن إسحق، وقال الشيرازي أيضا : تفقه بالأبهري.
وسمع الحديث، يروي عن أبي [ بكر بن ] داسة، وأبي الحسن التمار، وأبي الحسن المصيصي، وأبي إسحق التجيبي، وأبي العباس الأصم، وله كتاب كبير في الخلاف، وكتاب في أصول الفقه، وأحكام القرآن،
وعنده شواذ عن مالك، وله اختيارات وتأويلات على المذهب في الفقه والأصول لم [ يعرج ] عليها حذاق المذهب، كقوله في بعض ما خالفه فيه من الأصول :
أن العبيد لا يدخلون في خطاب الأحرار
[ وإن خبر الواحد ] يوجب العلم،
وفي بعض مسائل الفقه حكايته عن المذهب : أن التيمم يرفع الحدث،
وأنه لا يعتق على الرجل سوى الآباء والأبناء،
ولم يكن بالجيد النظر، ولا بالقوي الفقه،
وقد تكلم فيه أبو الوليد الباجي، قال : إني لم أسمع له في علماء العراق بذكر.
وكان يجانب الكلام جملة، وينافر أهله، حتى تعدى ذلك إلى منافرته المتكلمين من أهل السنة، وحكم على الكل بأنهم من أهل الأهواء الذين قال مالك في مناكحتهم وشهادتهم وإمامتهم وعيادتهم وجنائزهم ما قال . رحمه الله )) اهـ.
ترجمته عند الذهبي والحافظ ابن حجر في لسان الميزان5/329
(( محمد بن علي بن إسحاق بن خويزمنداد ويقال خوازمنداد الفقيه المالكي البصري يكنى أبا عبد الله، هذا الذي رجحه عياض، وأما الشيخ أبو إسحاق فقال في الطبقات: محمد بن أحمد بن عبد الله بن خوازمنداد، يكنى أبا بكر، تفقه بأبي بكر الأبهري، وسمع من أبي بكر بن داسة، وأبي إسحاق الهجيمي، وغيرهما،
وصنف كتبا كثيرة منها: كتابه الكبير في الخلاف، وكتابه في أصول الفقه، وكتابه في أحكام القرآن، وعنده شواذ عن مالك، واختيارات وتأويلات لم يعرج عليها حذاق المذهب، كقوله:
إن العبيد لا يدخلون في خطاب الأحرار
وإن خبر الواحد مفيد العلم
وإنه لا يعتق على الرجل سوى الآباء والأبناء.
وقد تكلم فيه أبو الوليد الباجي،
ولم يكن بالجيد النظر، ولا بالقوي في الفقه،
وكان يزعم أن مذهب مالك أنه لا يشهد جنازة متكلم، ولا يجوز شهادتهم، ولا مناكحتهم، ولا أمانتهم، وطعن ابن عبد البر فيه أيضا، وكان في أواخر المائة الرابعة ))اهـ.
ترجمته عند الإمام الشيرازي في الطبقات ص157
(( ومنهم أبو بكر محمد بن أحمد بن عبدالله المعروف بابن كواز، تفقه بأبي بكر الأبهري، وله كتاب كبير في مسائل الخلاف، وكتاب في أصول الفقه، وله أحكام القرآن )) اهـ.
ومع ما ترى من اختلاف في اسم ابن خويزمنداد عند الشيرازي ـ حتى كأنه شخص آخر ـ إلا أن عياضا يؤكد على أن الشيرازي قد ذكره في طبقاته، ولولا هذا لظننته شخصا آخر، وكذلك الذهبي قال في تاريخ الإسلام في وفيات 390هـ ما نصه : (( وذكره أبو إسحق في الطبقات فقال فيه المعروف بابن كواز )) اهـ .
وذِكْر وفاته عند الذهبي في وفيات سنة 390هـ تقديري كما يتضح من اللسان.
[ فائدة في ضبط خويزمنداد ]:
قال الفيروزآبادي في القاموس المحيط 1/291 ط دار الحديث :
(( وخُوَيْزِمَنْدادُ بضم الخاء وكسر الزاي وفتح الميم وسكون النون والد الإمام أبي بكر المالكي الأصولي )) اهـ.
هذا ما ذكره المترجمون لابن خويزمنداد، وليس عند الذهبي ولا الصفدي ولا ابن فرحون في الديباج ولا ابن مخلوف في شجرة النور ولا غيرهم زيادة على الذي هنا.
فإن قال قائل :
فما تقولون فيما قاله القاضي عياض في مقدمة ترتيب المدارك ونصه1/51 :
(( وكذلك ذكر ـ [يقصد الإمام الباجي] ـ في ابن خويزمنداد وهو في شهرته وكثرة تصانيفه ـ حيث لا يذكر ـ أنه مجهول، وقال أن أحداً من أئمتنا البغداديين لم يذكروه، وهذا الشيرازي قد ذكره في كتابه، وهذا أبو محمد عبد الوهاب يحكي عنه ويقول فيه : قال أبو عبد الله البصري..))اهـ.
أفلا يتعارض القول بشهرته هنا مع ما تقدم في ترجمته ؟؟.
قلنا : هذا لا يتعارض مع ما تقدم ذكره في ترجمته، فالقاضي عياض الذي قال ما قال في المقدمة، هو الذي ترجم لابن خويزمنداد بما تقدم، فهو صاحب القولين، ولا تعارض بينهما، لأن كلام عياض في المقدمة هو اعتراض على دعوى (جهالة) ابن خويزمنداد، بينما كلامه في الترجمة فيما بعد لا علاقة له بدعوى الجهالة، بل بكون ابن خويزمنداد وإن كان معروفا ومذكورا لكنه قليل الشأن، خفيف الوزن، عفا ذكره، واندثر خبره، وانطفأت شهرته، وليس في ترجمته ما يعليه ويرفعه إلى درجة كبار أئمة المذهب، هذا مقصود عياض
ألا ترى أن عياضا قال : (حيث لا يذكر ـ أنه مجهول) ! يريد الاعتراض على دعوى الجهالة لعدم العلم بذكره، وأن كون الإمام الباجي لم يسمع لابن خويزمنداد بذكر لا يعني أنه مجهول، فبين عياض أنه مذكور عند الشيرازي وعبد الوهاب المالكي، فليس من عفا ذكره، وزالت شهرته بالمجهول ضرورة، هذا مراد عياض كما هو واضح،
وانظر ترجمة أبي سعيد القزويني في الترتيب2/604 ففيه ما يؤيد هذا، وليس دفع الجهالة عن ابن خويزمنداد بنافعه شيئا، لأنه وإن كان غير مجهول إلا أن عياضا وغيره بينوا أنه ضعيف الفقه والنظر، كثير الشذوذ والمخالفة، وقد زال ذكره حتى جهله الباجي.
فهل من أجل هذا الضعف ذكره الذهبي والحافظ ابن حجر في اللسان أم من أجل الجهالة تقديما لقول الباجي فيه؟؟
الظاهر عندي أنه من أجل ضعفه لا جهالته.
فإن قال قائل:
ما قولكم في كلام العلامة محمد بن عبدالرحمن الغزي الشافعي المتوفى سنة 1167هـ في ديوان الإسلام ونصه : (( ابن خويزمنداد: محمد بن أحمد بن عبد الله، الإمام العلامة شيخ المالكية أبو بكر البغدادي، له مصنفات في الفقه والأصول توفي سنة 390 )) اهـ .
فالجواب : هذا فيه عدة ملاحظات منها أن شيخ مشايخنا الإمام الغزي من متأخري مشايخ الشام جدا، وقصاراه النقل، فكأنه أحب أن يمطط الترجمة بالألقاب الشائعة في عصره، فلم يسلم من المبالغة، وإلا فإن ابن خويزمنداد بصري وليس بغداديا، كما أن وفاته هذه تقديرية باتفاق، ولم يذكرها أحد على التحقيق،
وأما وصفه بالإمام العلامة شيخ المالكية فلا مستند له ولا قائل به من معتمدي مذهب مالك، فهم الفيصل في هذا الشأن، ولكن الشيخ لم ينفرد بتلقيب ابن خويزمنداد بالإمامة، فقد تقدم نحوه عن الفيروزآبادي الشافعي صاحب القاموس، وهذا ابن تيمية يفعل ذلك أيضا بلا مستند فيقول ابن تيمية في الفتاوى الكبرى 5/ 248 :
(( محمد بن خويزمنداد إمام المالكية في وقته في العراق )) اهـ.
وهذا كلام لا أصل له، فأصحاب الرجل من المالكية أعرف بصاحبهم من غيرهم، فهؤلاء فقهاء مذهب مالك والمصنفون في الطبقات قد تقدم كلامهم، فمن أين لابن تيمية أو غيره أن يزيد عليهم، وما حجته فيما ذكر ولا سبيل له أصلا للتعرف على منزلة ابن خويزمنداد إلا من خلال كتب تراجم المالكية أصلا كترتيب المدارك،
أم سيكون ابن تيمية أعلم بالرجل من ابن عبد البر أو أبي الوليد الباجي أو القاضي عياض ونحوهم ؟؟!!
وعبارة الذهبي والصفدي أنه من أئمة المالكية في العراق أحسن بكثير من عبارة ابن تيمية وأقرب إلى الواقع، وأدق من ذلك قول القرطبي عنه أنه من (علمائنا) يعني المالكية.
أمثلة تؤكد شذوذات ابن خويزمنداد :
وإذا كان ابن خويزمنداد قد ذكر ونعت بالشذوذ عن المذهب في مسائل شتى مع ضعف الفقه فلنذكر أمثلة تؤيد ذلك:
قال القرطبي في تفسيره 6/105 :
(( قال أبو عمر بن عبد البر ما أعرف كيف أقدم ابن خويزمنداد على أن جعل الصحيح من المذهب ما ذكر وعلى خلاف جمهور السلف وعامة الفقهاء وجماعة المالكيين!! .. ))اهـ .
وعبارة الإمام العيني في عمدة القاري 4/12 :
(( قال أبو عمر : كيف أقدم على أن جعل هذا صحيحا وعلى خلافه جمهور السلف وعامة الفقهاء وجماعة المالكيين !! ))اهـ.
وقال القرطبي في تفسيره 8/173 :
(( قاله ابن خويزمنداد وحكاه عن المذهب وهذا لا ينبغي أن يعول عليه )) اهـ.
ولما عزى ابن خويزمنداد لمالك أن خبر الواحد يفيد العلم :
(( نازعه فيه المازري بعدم وجود نص له فيه )) اهـ.
كما في تدريب الراوي 1/75
وقال الحافظ ابن حجر في الفتح 2/223 عن رفع اليدين مع التكبير في المواطن الثلاثة:
((وحكاه ابن خويزمنداد عن مالك وهو شاذ )) اهـ .
وقال الحافظ 4/122 :
((ونقل ابن خويزمنداد عن الشافعي مسألة ابن سريج، والمعروف عن الشافعي ما عليه الجمهور))اهـ.
وقال ابن حزم في (الأصول والفروع) على عادته في طول اللسان ص150 :
(( وقد أدى السخف والضعف والجهل بحدود الكلام ممن يقع في نفسه أنه هو عالم وهو المعروف بخويزمنداد المالكي أن جعل للجمادات تمييزا ))اهـ.
وقال في (الإحكام) 4/441 :
((وقد ذكر رجل من المالكيين [ من أهل البصرة] يلقب [يعرف بابن ] خويزمنداد أن للحجارة عقلا!! ولعل تمييزه يقرب من تمييزها، وقد شبه الله قوما زاغوا عن الحق بالأنعام وصدق تعالى [إذ قضى] أنهم أضل سبيلا [منها] .. )) اهـ . وقد تناوله بالطعن في غير هذين الموضعين أيضا على عادته.
[ الخلاصة ]:
يظهر الآن من خلال هذه الترجمات عدة أمور يعنينا منها التالي :
1 ـ الاختلاف في اسمه.
2 ـ الاختلاف في كنيته.
3 ـ عدم تحديد تاريخ وفاته.
4 ـ عنده شذوذات عن مالك.
5 ـ له اختيارات وتأويلات لم يعول عليها محققو المذهب.
6 ـ لم يكن بالجيد النظر ولا بالقوي الفقه.
7 ـ تكلم فيه أبو الوليد الباجي ولم يسمع له بذكر في علماء العراق.
8 ـ تعصبه على متكلمي أهل السنة.
9 ـ طعن عليه ابن عبدالبر .
ومن هنا يتضح أن ابن خويزمنداد لا يعدو أن يكون أحد علماء المالكية بالعراق، وأنه ليست له تلك القيمة الكبيرة عند المالكية، وليس بالذي يعول على كلامه، فيهجر كلام أئمة المذهب من أجل خلافاته وشذوذاته،
ومن ثم فإن ما ينقل عنه من شذوذ ـ كالنقل الآتي ـ مما لا قيمة له سواء صح عنه أم لم يصح، لكننا مضطرون للتعريج على مدى صحة النقل عنه لاستيفاء المباحث.
المبحث الثاني ( مدى صحة القول المعزو إليه )
نظرنا في هذا المبحث منحصر في مطلبين:
الأول : في مصدر هذا النقل.
الثاني : في مدى صحة نسبته لابن خويزمنداد في ذلك المصدر.
الأول : مصدر النقل عن ابن خويزمنداد
ربما تقف على النص المنقول عن ابن خويزمنداد في أكثر من كتاب، ككتب ابن تيمية، أو(صون المنطق) للسيوطي، أو مفتاح السعادة لطاش كبرى زاده، أو غيرها، وأغلبهم قد نقله من كتاب (جامع بيان العلم وفضله) لأبي عمر يوسف بن عبد البر النمري القرطبي المتوفى سنة 463هـ،
أو نقله عن ناقل عنه، حتى أن ظاهر كلام ابن تيمية يفهم منه أن ابن عبد البر هو المصدر الأوحد لكلام ابن خويزمنداد !
بدليل أن الإمام أبا حامد الغزالي لما نقل في قواعد العقائد من كتابه (إحياء علوم الدين) قول مالك إذ قال أبو حامد (إتحاف السادة المتقين)2/76:
(( وقال مالك رحمه الله أيضا : لا تجوز شهادة أهل البدع والأهواء .. ))اهـ.
لما نقل أبو حامد هذا ـ دون أن يعزوه إلى مصدر ـ جاء ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل 7/156 فقال تعليقا على نقل أبي حامد السالف :
(( وقد نقل من ذلك ما نقله من كتاب أبي عمر بن عبد البر الذي سماه فضل العلم وأهله وما يلزمهم في تأديته وحمله ...))
وقال أيضا:
(( هكذا ذكره عنه ابن عبد البر ومنه نقل ذلك أبو حامد لكن كنى عن التصريح بذلك)) اهـ.
فلم يحتط ابن تيمية لنفسه أن يقول قائل : لعل أبا حامد نقل ما نقل من غير كتاب ابن عبدالبر!.
فأشبه هذا الصنيع من ابن تيمية أن النقل المذكور منقول عن ابن عبدالبر حيثما وجدته من كتاب تقدم أو تأخر، وفيه نظر سيأتي بيانه.
وهذا ابن تيمية ينقل النص مستشهدا به فيعزوه أيضا لابن عبدالبر، قال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى 5/ 248 :
(( قال محمد بن خويزمنداد إمام المالكية في وقته في العراق في الكلام الذي ذكره عنه أبو عمر ابن عبد البر قال : أهل البدع والأهواء عند مالك وأصحابه الذين ترد شهادتهم هم أهل الكلام قال : فكل متكلم فهو عندهم من أهل الأهواء والبدع عند مالك وأصحابه وكل متكلم فهو عندهم من أهل الأهواء أشعرياً كان أو غير أشعري)) اهـ.
وابن القيم لم يشذ عن شيخه في شيء كما في الصواعق المرسلة 4/1270 فلا حاجة لتكرير النقل.
فإذا تقرر هذا، وتبين أن كتاب ابن عبد البر المترجم بـ(جامع بيان العلم وفضله) هو المصدر لأغلب النقلة لهذا النص عن ابن خويزمنداد، فهل يعني هذا أن ابن عبد البر متفرد بالنقل عنه والوقوف على كتابه، وأننا لا نجد سبيلا إليه إلا ويكون منقولا عن ابن عبد البر؟!!
نعم هذا ما يفهم من عبارة ابن تيمية المتقدمة حيث قطع بأن أبا حامد الغزالي إنما نقله عن ابن عبد البر ولم يضع أي احتمال لكون الغزالي نقله عن غيره أو أنه اطلع على كتاب ابن خويزمنداد نفسه فنقل منه!
لكن في هذا نظر كما قلنا، فأي بعد في أن يقف غير ابن عبد البر على كتاب ابن خويزمنداد فينقل منه؟؟
وإذا كان ابن خويزمنداد قد قال ذلك في كتاب من كتبه فلا ينبغي الجزم بأن كل ناقل إنما نقله عن ابن عبد البر،
فقد رأيت الإمام العلامة الفقيه ابن حجر الهيتمي الشافعي نقل كلام ابن خويزمنداد في الفتاوى الحديثية بصورة أتم مما عند ابن عبد البر، وسيأتي التفصيل.
المطلب الثاني : في مدى صحة نسبته لابن خويزمنداد في مصدره
بعد الفحص والتنقيب لم أجد النص المذكور منقولا من كلام ابن خويزمنداد مباشرة إلا في موضعين اثنين، أحدهما كتاب (جامع بيان العلم وفضله) لابن عبدالبر كما مر، وثانيهما كتاب (الفتاوى الحديثية) للفقيه الهيتمي، ولا أزعم أن النص لا يوجد في غيرهما، ولكن هذا ما تيسر لنا الآن، فننظر في هذين النصين ونتكلم على كل واحد منهما على حدة، ونبدأ بنقل ابن عبدالبر:
النص عند ابن عبدالبر:
هو في موضع واحد فقط من كتاب جامع بيان العلم وفضله، وهذه صورة الموضع المقصود [ طبعة دار الكتب الإسلامية ـ القاهرة ـ ط2 ـ 1402هـ ص416 ـ 417 ] :
(( أخبرنا إسماعيل بن عبد الرحمن قال حدثنا إبراهيم بن بكر قال سمعت أبا عبدالله محمد بن أحمد بن إسحق بن خويزمنداد المصري المالكي قال في كتاب الإجارات من كتابه في الخلاف قال مالك :
لا تجوز الإجارات في شيء من كتب الأهواء والبدع والتنجيم ـ وذكر كتبا ـ ثم قال :
وكتب أهل الأهواء والبدع عند أصحابنا هي كتب أصحاب الكلام من المعتزلة وغيرهم، وتفسخ الإجارة في ذلك، قال : وكذلك كتب القضاء بالنجوم وعزايم الجن وما أشبه ذلك.
وقال في كتاب الشهادات في تأويل قول مالك : (لا تجوز شهادة أهل البدع وأهل الأهواء)
قال : أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام، فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع أشعريا كان أو غير أشعري، ولا تقبل له شهادة في الإسلام أبدا، ويهجر ويؤدب على بدعته، فإن تمادى عليها استتيب منها ))اهـ.
سنغض الطرف ابتداء عن تحريف كلمة (البصري) إلى (المصري) في هذه الطبعة، فإن التركيز على ذلك ليس بذي قيمة، ولنلج فيما يجدي فنقول :
إن ابن عبد البر يسوق النص هنا بإسناده، هذا الإسناد الذي عناه الدكتور سفر الحوالي ـ وغيره ـ حينما قال في (منهج الأشاعرة) ص70 :
(( روى حافظ المغرب وعلمها الفذ ابن عبد البر بسنده عن فقيه المالكية .. ))اهـ.
ها نحن ذا أمام السند الذي يعنيه الدكتور سفر الحوالي، ومن المعلوم أن كلمة (بسنده)!! في تعبير الدكتور سفر لها مدلولها وأهميتها، فهو يلمح إلى أن ابن عبد البر لم يلق الكلام على عواهنه، بل رواه مسندا شأن أهل الحديث في الحرص على الاتصال،
وقد قال السلف :
(الإسناد من الدين، ولولاه لقال من شاء ما شاء)
فمن غير الإنصاف أن نتجاوز هذا الإسناد الذي ساقه ابن عبد البر وجعله سلما للنقل عن ابن خويزمنداد دون أن نعطيه ما يليق به من الاهتمام على رسم أهل الحديث الذين يعتزي إليهم ابن عبد البر نفسه،
ولا من العدل أن نهمل لفتة الدكتور سفر الحديثية الأثرية حينما قال : (بسنده)!
إذن فلنلق نظرة على هذا الإسناد ..
يقول ابن عبدالبر : (( أخبرنا إسماعيل بن عبد الرحمن قال حدثنا إبراهيم بن بكر قال سمعت..)) اهـ.
يتوسط بين ابن عبد البر وابن خويزمنداد في هذا الإسناد رجلان :
أما الأول الذي هو شيخ ابن عبدالبر فقد عرفناه فهو :
إسماعيل بن عبد الرحمن بن علي بن محمد بن أحمد القرشي الزمعي ثم العامري المصري المتوفى سنة 421هـ،
قال عنه الحميدي في جذوة المقتبس 1/251
وابن بشكوال في الصلة 1/176
والضبي في بغية الملتمس 1/282 :
(ثقة مأمون).
وأما الثاني الذي هو شيخ إسماعيل القرشي العامري وتلميذ ابن خويز منداد في الإسناد فهو :
إبراهيم بن بكر بن عمران بن عبد العزيز اللخمي الألبيري، يكنى أبا إسحق، ويعرف أيضا بإبراهيم بن بكر الموصلي،
رحل إلى المشرق ودخل العراق فلقي الأبهري وسمع منه، وسمع بالموصل من أبي الفتح الأزدي ورجع الأندلس وحدث بأشياء، وتوفي بإشبيلية سنة 385هـ،
ذكره ابن الفرضي في تاريخ علماء الأندلس 1/54،
والحميدي في جذوة المقتبس1/237،
وابن بشكوال في الصلة1/168،
ولم يذكروا فيه جرحا ولا تعديلا،
وذكره الضبي في بغية الملتمس 1/263
ففرق بين إبراهيم بن بكر الموصلي وإبراهيم بن بكر بن عمران الألبيري!!
ولم يذكر في أحدهما جرحا ولا تعديلا، ولم أقف على ذكر له في غير هذه المصادر.
فهذا الإسناد لا يمكننا الحكم بصحته ما لم نسمع كلمة توثيق لإبراهيم بن بكر، فهو الآن في حد مجهول الحال عندنا، ولا يصحح أهل الحديث خبرا يرويه مجهول الحال لا سيما في المتأخرين، وما ذكره الضبي من التفريق مقلق بعض الشيء، ويزيدنا قلقا أن وفاة إبراهيم بن بكر متقدمة على وفاة ابن خويزمنداد حسبما تفيده التواريخ! فمن كان لديه خبر عن وثاقة هذا الرجل فليفدنا به، وليس لنا الآن الحكم بصحة هذا النقل عن ابن خويزمنداد أصلا مادام في الإسناد إليه من نجهل ـ نحن ـ حاله.
فالنتيجة ـ عندنا ـ الآن من هذا المطلب أن الإسناد لا يصح فلا يثبت النص المذكور عن ابن خويزمنداد ـ عندنا ـ حتى نقف على توثيق ذي الحال المجهول، لاسيما ـ ونحن ـ أمام نقل يتفرد به هذا المجهول، ولا نجد له أثرا عند غيره بسند آخر يعضده ـ اللهم إلا ما سيأتي عن ابن الهيتمي ـ بل ولم نقف على كتاب معروف لابن خويزمنداد يصرح فيه بذلك، فما حيلتنا إذن غير ترك التعويل على هذا النص ..
النص عند ابن حجر الهيتمي:
وقفنا على نص كلام ابن خويزمنداد بصورة أخرى غير التي عند ابن عبد البر وبشكل أوفى وأكثر دقة، وجدناه عند الفقيه ابن حجر الهيتمي الشافعي في كتابه (الفتاوى الحديثية)
ص275 ـ طبعة إحياء التراث ـ بيروت ـ قال :
(( وأما تعليم الحجج الكلامية والقيام بها للرد على المخالفين فهو فرض كفاية، اللهم إلا إن وقعت حادثة وتوقف دفع المخالف فيها على تعلم ما يتعلق بها من علم الكلام أو آلاته فيجب عينا على من تأهل لذلك تعلمه للرد على المخالفين.
فإن قلت : كيف هذا مع قول ابن خويزمنداد : كتب الكلام لا يجوز تملكها، والإجارة فيها باطلة، ومتى وجدت وجب إتلافها بالغسل والحرق ومثله كتب الأغاني واللهو وشعر السخفاء من المتأخرين وكتب الفلاسفة والعزائم، ـ وعدَّى ذلك إلى كتب اللغة والنحو وبين ما فيهما من خوض أهلهما فيهما في أمور لا يعلمون صحتها ـ ثم قال :
وكتب الكلام فيها الضلالة والبدع والإلحاد في أسماء الله وصفاته، والكفر بتأويل القرآن وتحريفه عن موضعه، فلا يجوز بقاؤها في ديار المسلمين لئلا تضل الجاهل،
فإن قيل : بعضها حق لأنكم لا بد لاحقون ببعض أقسام أهل الكلام؟
فجوابه: إن هذا خطأ علينا لأنا لا ننسب إلى الكلام ولا أهله ونحن منهم براء، ولو تشاغل سني بالكلام لكان مبتدعا، والسني هو المنتسب للسلف الصالح، وكلهم زجروا عن الخوض في مثل هذا، والخائضون في هذا من سائر أهل البدع، ويكفي في الخروج إلى البدعة مسألة واحدة فكيف وقد أوقروا ظهورهم وأجمعوا نفوسهم. انتهى كلام ابن خويزمنداد. ))اهـ.
هذا ما نقله العلامة ابن حجر الهيتمي في فتاواه، ويظهر منه أن النص منقول عن مصدر آخر غير ابن عبد البر، فهذا هنا سياقه أتم وأدق كما ترى، والاختلاف بينه وبين النص الذي عند ابن عبد البر واضح، لكنه لم يسق له سندا، ولم يذكر لنا الهيتمي المرجع الذي نقل منه، ومهما يكن فلن يكون المصدر المنقول عنه هو كتاب ابن عبد البر لما لا يخفى.
لكن الهيتمي قال بعد أن ذكر كلام ابن خويزمنداد ما نصه:
(( قلت : قال ابن برزة شارح (إرشاد) إمام الحرمين : هذا النقل عنه باطل، فإن صح عنه فالحق حجة عليه .. )) اهـ.
(ابن برزة) تحرفت عن (ابن بزيزة) ! وقد ذكره الهيتمي على الصحيح في موضع آخر من فتاواه صفحة 152 فقال : ((ابن بزيزة)) اهـ.
و(بزيزة) على وزن (سفينة) كما في إيضاح المكنون 1/581، وهو :
أبو محمد عبد العزيز بن إبراهيم القرشي التميمي التونسي عرف بابن بزيزة، الإمام العلامة المحصل المحقق الفهامة الحافظ للفقه والحديث والشعر والأدب الحبر الصوفي من أعيان أئمة المذهب المالكي المعتمدين، وكان في درجة الاجتهاد،
له تآليف منها (الإسعاد في شرح الإرشاد) .. توفي سنة 662 أو 663هـ. انظر شجرة النور الزكية ص190 وإيضاح المكنون 1/581.
فيجوز أن يكون الهيتمي نقل نص ابن خويزمنداد من هذا الشارح ويكون ابن بزيزة هو المطلع على كلام ابن خويزمنداد، ومهما يكن فهذا العلامة المالكي أيضا قد أحاط علما بما قاله ابن خويزمنداد كما يظهر من كلامه في شرح الإرشاد الذي نقل منه الهيتمي، ويحكم ابن بزيزة ـ وهو أحد أئمة المالكية المعتمدين ـ على هذا المنقول عن ابن خويزمنداد بالبطلان عنه، وأنه على فرض صحته فلا عبرة به ولا حجة فيه.
نعم قد يقول قائل : لم لا يكون اشتهار ابن خويزمنداد بمجانبة الكلام وأهله مؤيدا لصحة هذا النقل ؟!.
فالجواب : نعم هذا صحيح، لكن من أين لنا أن هذه الشهرة ليست مبنية على هذا النص المنقول عنه بعينه؟! فقد يجوز أن يكون هذا النص هو منشأ ذلكم التصور عنه، ومن أين لنا أن ذلكم التصور عنه لا يكون مبنيا على أشياء أخرى لم تبلغنا غير هذا النص؟.
تعليق