الرد الوافر لابن ناصر الدين ليس برد
وهو باطل بأربعة عشر وجهاً
وهو باطل بأربعة عشر وجهاً
فإن قيل: إن المحدث ابن ناصر الدين الدمشقي المتوفى سنة 842 قد ألَّفَ مجلدا سماه «الرد الوافر على من زعم أن ابن تيمية شيخ الإسلام كافر»، دافع فيه عن ابن تيمية، ونفى عنه ما يذم به، وسرد فيه ستا وثمانين عالما كل قد أطرى على ابن تيمية !!
قلت: ليس برد فضلا عن كونه وافراً، وهو باطل بأربعة عشر وجها:
الأول: خلوه من الركنين الأهمين، وهما المردود عليه وموضوع الرد، والتسمية واسم الراد لا يفيد شيئا.
الثاني: تركه للركنين الأهمين يدل على أنه ليس بعالم ولا يعرف معنى الرد.
الثالث: سرده في صدره طبقات المعدلين والمجرحين من الصدر الأول إلى الذهبي التي هي خارجة عن موضوع كتابه يدل على ذلك.
الرابع: إطراؤه على الذهبي بقوله: "إمام الجرح والتعديل والمعتمد عليه في المدح والقدح، وأنه كان عالما بالتفريع والتأصيل، فقيها في النظريات، له دربة بمذاهب الأئمة وأرباب المقالات"، خارج أيضا عن موضوع كتابه دال على غباوته.
وقد صدق في إمامة الذهبي ولكنها في أحد الشقين، الجرح، وما كان الذهبي يعرف الفروع ولا الأصول فضلا عن كونه عالما بالتفريع والتأصيل، وما كان يعرف مطلق النظريات فضلا عن كونه فقيها فيها، وما كان له دربة بمذهب إمامه المطلبي فضلا عن دربته بمذاهب الأئمة الآخرين، فضلا عن دربته بمقالات أصحاب المقالات.
الخامس: إن وقف على ما قاله ابن الوردي والتاج السبكي وغيرهما في الذهبي من أنه طعن في المعاصرين له والسابقين عليه من فحول علماء الإسلام للهوى والمخالفة في الرأي، فمدحه له تعصب ممقوت باطل، وإن لم يقف عليه فمدحه مبني على جهل مركب، وكلاهما مصيبة.
السادس: هذا العدد الذي زعم أنهم مدحوا ابن تيمية وسموه شيخ الإسلام مفتعل من المفتتنين به.
السابع: لو صح عنهم كلهم أنهم مدحوه وسموه بذلك، لا يجديه شيئا، لأنه تحلية، والتحلية لا تكون إلا بعد التخلية، فيحمل إطراؤهم له على أول أمره لما كان متسترا بالسلف متظاهرا بالتنسك والعفة، ولما انكشف حاله رجع بعضٌ ممن كان أطراه، فذمه ، كابن الزملكاني وأبي حيان، ولا يجدي ابن ناصر شيئا لأنه لا يلاقي موضوع كتابه، فكان عليه أن يذكر كلام المردود عليه الذي كفر به العلماء الذين سموه شيخ الإسلام، ويحلله تحليلا علميا يظهر به فساده للألبَّاء، ثم بعد ذلك يسرد العلماء الذين سموه بذلك إن شاء.
أما صنيعه هذا فهو دال على جهله، مفيد للمكفر لابن تيمية ولمن على رأيه فيه، غير مفيد للذين ينتظرون ويفهمون معنى الرد، لأنه ما زاد على أن قال لهم: الذين كفرهم فلان لتسميتهم ابن تيمية شيخ الإسلام هم فلان وفلان إلى أخرهم، فتحقق بهذا أن كتابه محشو بشيئين: طبقات المعدِّلين والمجرِّحين، وأسماء الذين مدحوا ابن تيمية، ولا رد فيه أصلاً فالرد في واد وهو في واد آخر.
الثامن: ما هو مفتعل قطعا من المفتتنين بالحرّاني، إدخاله الإمام ابن دقيق العيد في المثنين عليه، وهو باطل من وجهين:
الأول: ابن دقيق العيد توفي سنة ثلاث وسبعمائة، وابن تيمية إنما دخل مصر سنة خمس وسبعمائة.
الثاني: أن الكلام الذي زعم المفتعل مدح ابن دقيق العيد به ابن تيمية، بعضه مؤداه إلى الكفر، وبعضه أقرب إلى ذم ابن تيمية من مدحه، مما يدل على منتهى غباوة المُفتَعِل؛ وهاهو:
"ما كنت أظن أن الله بقي يخلق مثلك"، وركاكة هذا الكلام في المبنى وفساده في المعنى يدركهما كل من له إلمام بالعلم. ولا ريب أنه صريح في تعجيز القدرة الإلهية، لأن معناه نفي ظنه خلق الله مثل فلان، ونفي ظنه ذلك تعجيز للقدرة الإلهية، وتعجيز القدرة الإلهية كفر، فيستحيل صدور مثل هذا الكلام من أي عالم فضلا عن الإمام ابن دقيق العيد الذي تَسنَّم فنون العلم.
وزعم المُفتَعِل أيضا أن ابن دقيق العيد سئل بعد انقضاء المجلس عن ابن تيمية فقال: "هو رجل حفظه"، فقيل له: فهلا تكلمت معه؟ فقال: "هذا رجل يحب الكلام وأنا أحب السكوت"، هذا الكلام أقرب إلى ذم ابن تيمية من مدحه، لأن الحفظة معناها كثير الحفظ، ولا يلزم من كثرة حفظه قوة علمه وفهمه، والذي يحب الكلام يهذر، والمهذار يغلط كثيرا ولا بد، والذي يحب السكوت صوابه أكثر من خطئه في العادة المستمرة، رحم الله عبداً قال خيرا فغَنم أو سكت فسلم .
وزعم أيضا أن ابن دقيق العيد قال: "لما اجتمعت بابن تيمية رأيت رجلا العلوم كلها بين عينيه يأخذ منها ما يريد ويدع ما يريد"، وهذا باطل مستحيل صدوره من ابن دقيق العيد، فابن تيمية لا يعرف إلا علم الحديث على مجازفته في الطعن في الأحاديث التي لا توافق هواه وسوء فهمه لها، وغيره من العلوم إنما هو متهجم عليه.
قال التاج السبكي في طبقاته في ترجمة ابن دقيق العيد: " إنه كان لا يزيد في القول لجميع الناس، الكبير والصغير، الأمير والمأمور، على (يا إنسان) ما عدا الباجي وابن الرفعة، فإنه كان يقول للأول (يا إمام)، للثاني (يا فقيه)".
التاسع: يكذبه - وإن لم يطلع على كتب ابن تيمية - قيام علماء دمشق عليه مرارا وافحامهم له وتضليلهم له وتسجيل ذلك عليه الذي سارت به الركبان واشتهر اشتهار الغزالة، فمحال جهله له، فهو تيمي قطعاً.
العاشر: يكذبه أيضا ما سجله وأثبته من مصائب ابن تيمية العلامة تقي الدين الحصني في كتابه «دفع شبه من شبَّه وتمرد ونسب ذلك إلى السيد الجليل أحمد».
الحادي عشر: يكذبه أيضا كتب ابن تيمية التي طبعت الآن، فمن تجرد عن العاطفة وتحلى بالإنصاف وطالعها كلها، يجد فيها المصائب التي نسبها العلماء إليه.
الثاني عشر: المكفِّرُ كفَّرَ ابن تيمية لما اطلع على كلامه، وكفر كل من سماه شيخ الإسلام، وابن ناصر الدين اشتغل بالقشور وأهمل لباب الموضوع وروحه، ولقد كان الواجب عليه أولا أن يذكر كلام ابن تيمية الذي كفَّرَهُ به المُكَفِّر، ويحلله تحليلا علميا يبين به فساد فهم المُكَفِّر له به بيانا شافيا، وثانيا يبين به أن الذين سموه شيخ الإسلام محقون في هذه التسمية.
الثالث عشر: المُكَفِّر لابن تيمية ولمن سماه شيخ الإسلام، كان مع ابن ناصر الدين في دمشق، توطنها بعد القاهرة، وكان كلما عرض عليه كلام ابن تيمية كفَّرَهُ بمرأى ومسمع من ابن ناصر، فكان الواجب عليه للمدافعة عن الحرّاني أن يذهب إليه ويناظره في الكلام الذي كفَّرَ به ابن تيمية، حتى يفحمه ويبين للناس جهله وتطرفه، وهو ابن البلد، والمُكَفِّر غريب طارئ عليها، ولا يطلب الطعن والنزال في الخلاء ووراء الجدران فعدوله عن كبح تطرفه بالمناظرة إلى سرد طبقات المعدلين وسرد أسماء المادحين للحرّاني الخَارجَين عن موضوع الكتاب، دليل على جبنه وإفلاسه من العلم.
الرابع عشر: لو كانت عقيدة ابن تيمية على نهج أهل الحق صحيحة مستقيمة، وكتبه خالية من التلبيس ومخالفة أهل الحق، نظيفة سليمة، ومدحه أهل الأرض جميعا، ما نفعه ذلك شيئا، لأن مدحهم له لا يضمن له الصواب في الأقوال، والاستقامة في الأعمال، وثبات قلبه على الإيمان في سائر الأزمان والأحوال، والخلو من الأخلاق الذميمة المردية لغير الأنبياء من الرجال، بل مدحهم له قطع عنقه بالإعجاب الذي عن عيوب نفسه أصمَّه وأعماه، والازدراء لعباد الله الذي في مهوى هواه أرداه.
وقد أثنى الصحابة يوم أحد على قزمان بالشجاعة، فقال لهم عليه الصلاة والسلام: "إنه من أهل النار"، فتعجبوا من ذلك، فلما قال لقومه لما بشروه بالجنة:"انها جنة من حرمل وقتل نفسه"، تحققوا صدقه عليه الصلاة والسلام.
وقال الصحابة يوم خيبر لعبده صلى الله عليه وسلم الذي قتل: "هنيئا له الجنة" فقال صلى الله تعالى عليه وسلم: " كلا، إن العباءة التي غلَّها لتشتعل عليه نارا".
ومرَّ صلى الله تعالى عليه وسلم على أبي هريرة ورجل من الانصار والرَّجَّال بن عنفوة الحنفي، فقال لهم: "ضرس أحدكم في جهنم مثل جبل أحد" وكان الرَّجَّال قدم في وفد بني حنيفة، فأسلم وحفظ سور كثيرة من القرآن، قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: " فما زلت أنا وصاحبي الأنصاري خائفين من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغنا أن الرَّجَّال ارتد عن الإسلام واتبع مسيلمة الكذاب".
المُكَفِّر لابن تيمية ولمن سماه شيخ الإسلام
هو علاء الدين البخاري تلميذ العلامة السعد التفتازاني
والمُكَفِّر لابن تيمية ولمن سماه شيخ الإسلام هو علاء الدين البخاري تلميذ العلامة السعد التفتازاني المتوفى بدمشق الشام سنة إحدى وأربعين وثمانمائة.هو علاء الدين البخاري تلميذ العلامة السعد التفتازاني
تكفير العلاء البخاري أيضا لمحي الدين ابن عربي
قال السخاوي في «الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع» في ترجمته: "وكان ممن يقبح ابن عربي ويكفره وكل من يقول بمقاله وينهى عن النظر في كتبه"، ووصفه بالزهد وأنه كانت له منزلة كبيرة عند السلطان، قال:" وشرع في إبراز ذلك - أي تكفير ابن عربي - ووافقه أكثر من حضر إلا البساطي فإنه قال: إنما ينكر الناس عليه ظاهر الألفاظ التي يقولها، وإلا ليس في كلامه ما ينكر إذا حمل لفظه على معنى صحيح بضرب من التأويل، وانتشر الكلام بين الحاضرين في ذلك .قال شيخنا وكنت مائلا مع العلاء، وأن من أظهر لنا كلاما يقتضي الكفر لا نقره عليه، وكان من جملة كلام العلاء الإنكار على من يعتقد الوحدة المطلقة، ومن جملة كلام البساطي: أنتم ما تعرفون الوحدة المطلقة، فاستشاط العلاء غضبا وصاح: أنت معزول ولو لم يعزلك السلطان، - أي من القضاء لأن البساطي كان أحد القضاة الأربعة - بل قيل إنه قال له صريحا كفرت".
ثم قال السخاوي أنه دار بين شيخه ابن حجر والبساطي بعض كلام - ولم يبينه - وأن البساطي تبرأ من مقالة ابن عربي وكفر من يعتقدها وذكر كلاما كثيرا حاصله أن العلاء وابن حجر كانت لهما منزلة عند السلطان قهرا بها البساطي - .
ثم ذكر أن العلاء انتقل إلى دمشق الشام فتوطنها وحصلت له بها حوادث، منها أنه كان يسأل عن مقالات ابن تيمية التي انفرد بها، فيجيب بما يظهر له من الخطأ فيها وينفر عنه قلبه، إلى أن استحكم أمره عنده فصرح بتبديعه ثم بتكفيره، ثم صار يصرح في مجلسه بأن من أطلق على ابن تيمية انه شيخ الاسلام فهو بهذا الاطلاق كافر، واشتهر ذلك فانتدب حافظ الشام ابن ناصر الدين لجمع كتابا سماه «الوافر على من زعم أن ابن تيمية شيخ الإسلام كافر»، وقال في اخر ترجمته: وكان يقول: "ابن تيمية كافر، وابن عربي كافر".
استسمان السخاوي لكتاب ابن ناصر الدين دليل على أنه مثله
واستسمان السخاوي لكتاب ابن ناصر الدين دليل على أنه مثله، ومن يطلع على كتابه «الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع» يجده قد طعن في كل فاضل محقق، وممن طعن فيهم شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، وأما السيوطي فقد جرَّده من الفضائل ووسمه بالرذائل، وقد علم العقلاء تبريز السيوطي عليه بالتفنن في العلوم وكثرة التأليف .*********
انتهى الكلام بجواهره ودرره فليخجل أدعياء العلم اليوم !!
براءة الأشعرين، الشيخ محمد العربي التباني ، ج2 ، ص 61 ، 67 .
[poem font="Simplified Arabic,7,red,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
وقالوا في الهجاء عليك إثم = وليس الإثم إلا في المديح
لأني إن مدحت مدحت زوراً = وأهجو حين أهجو بالصحيح [/poem]
تعليق