لماذا يرفض عمرو خالد وآخرون النقد؟
عزيز محمد أبوخلف
amkhalaf@ksu.edu.sa
14/4/1429 هـ
20/4/2008 مـ
الدعوة إلى الله جهد مشكور لا بد من تقديره، لكن الغريب في أمر الدعاة اعتقادهم بأنهم على صواب مطلق فيما يقولونه، أي لا يمكن ان تكون أفكارهم غير صحيحة. ولهذا فهم ينكرون على أي واحد يتوجه اليهم بالنقد. والنقد هو فن يميز به الناقد الكلام الجيد من الكلام الرديء، والصحيح من الفاسد. لكن الانسان بطبعه يأنف النقد، ويفسره على انه تحد له، أو ان الناقد عدو له. وليس الأمر كذلك، فالنقد لا يهتم فقط بالعيوب، بل يشير إلى الانسجام كما يشير إلى التناقض، والى الصواب كما يشير إلى الخطأ.
عمرو خالد
كتبت عدة مقالات عن الداعية عمرو خالد، وعن حالة الأمة الاسلامية، تساءلت فيها وحاولت ان أجيب، كما فعل غيري، عن سبب شقاوتنا وتخلفنا. عمرو خالد حاول ان يدافع عن الرسول في حديث ناقصات عقل ودين، ففسر ذلك، كما فعل غيره من العلماء قبله، بأنه هزار أو مداعبة من الرسول للنساء يوم العيد. وفي بحثي لموضوع العقل والتفكير، لفت ذلك انتباهي، فتساءلت عن السبب الذي دفع عمرو خالد إلى القول بنظرية الهزار هذه. فطرحت عدة تساؤلات:
· ما هو مفهوم العقل عند عمرو خالد، وما صحة الأحاديث التي احتج بها؟
* ما معنى العقل في الحديث؟
· ورد في حديث آخر ان الرسول يمازح ولا يقول الا حقاً، فسألنا عمرو خالد: هل ما قاله الرسول من ان النساء ناقصات عقل ودين، هو حق أم ليس بحق؟ وهو سؤال مشروع، ينتقد الانسجام في التفكير، لأن الرسول قال ذلك، وقال حديث ناقصات عقل ودين، فكيف نوفق بين ذلك.
بدلاً من ان يرد عمرو خالد وأتباعه على هذه الاسئلة توجهوا إلى كيل السباب والتهم، وكان كل من يراسلني أطرح عليه هذه الأسئلة، وللأسف لم أتلق أي جواب مقنع منهم.
الأشاعرة
وجدت مقالاتنا أيضاً تفاعلاً من قبل جماعة إسلامية هي الأشاعرة، وقد نوقشت هذه المقالات في منتداهم في الأردن. الأشاعرة جماعة قديمة انشق مؤسسهم، وهو أبو الحسن الأشعري، عن فرقة سابقة هي المعتزلة. المعتزلة فرقة اعتزلت التيار الديني السائد في ذلك الوقت، واعتمدت على تفكيرها الخاص لتقرير مسائل الدين. الأشعري ظل معتزلياً حوالي عشرين سنة، ثم انشق عليهم وأعاد الاعتبار للشرع، ولكنه لم يوصد الباب أمام مرجعية التفكير الخاص، واعتمد الذين أتوا من بعده العقل بشكل أوسع منه. الموضوع الذي بحث فيه هؤلاء يسمى علم الكلام، وقد ظلت الأمة الاسلامية تدور في هذا الجدل قروناً من الزمان وانشغلت عن التقدم العلمي. هؤلاء لم يعجبهم نقدنا لهم والذي تمثل في الآتي:
· يقولون ان الشيء يتكون من ذرات صغيرة جداً، هذه الذرة تسمى الجوهر الفرد، لكن هذه الذرة وجودها أشبه بالخيال. فقلنا لهم قارنوا لنا هذا الجوهر الفرد مع ذرة الكيمياء أو أجزاء الذرة كالالكترون والبروتون وغيرها، أو مع الوتر الفائق الذي تقول به الفيزياء النظرية.
· قالوا الشيء هو المادة وهو الجسم وما يقوم به، أي الجوهر والعرض. الطاقة، كالصوت والضوء والحرارة، بحسب هذا التقسيم عرض يقوم بالجسم. لكن العلم الحديث يقول ان الموجات الكهرومغناطيسية كالضوء تسير في الفراغ المطلق، من الشمس إلى ان تصل الينا على الأرض، كما تسير في الجو الأرضي وتتنقل بين الاجهزة. فكيف يصير حال ذلك التقسيم إلى جوهر وعرض؟
· اعتمدوا منطق أرسطو، وهو طريقة في التفكير تجمع بين عبارات معينة، ينتج عنها معلومة أخرى من بين ثناياها. مثل ان نقول الأشعري انسان، وكل انسان فان، فالأشعري فان. لم نأت بجديد من خارج العبارات، كما يفعل العلم التجريبي مثلاً. قلنا لهم العلم الحديث تجاوز منطق أرسطو، وظهرت منطقات جديدة مثل المنطق التوجيهي، ومنطق الضباب وغيرها. فما الموقف من ذلك؟ يقولون الغرب لم يأت بجديد لم يقل به أسلافنا، ولا داعي للتغيير.
النبهانيون والمعتزلة الجدد
هناك جماعات أخرى مثل التحريريين والمعتزلة الجدد، اعتمدوا من حيث العقل على تعريف للشيخ النبهاني قال انه استفاده من الشيوعيين والفكر الحديث وله ما يؤيده في القرآن، مفاده ان العقل هو ربط الإحساس بالواقع في الدماغ مع معلومات سابقة. بناء على هذا التعريف أقام هؤلاء فكرهم، وحاكموا فكر غيرهم، وصادروا عليه، ففكر المتكلمين من معتزلة وأشاعرة وغيرهم، وكذلك الفلسفة القديمة غير عقلي لأنه يبحث في غير الواقع. قلنا هذا التعريف يشبه مفهوم الفلسفة النقدية عند الفيلسوف كانط الذي جمع بين قوانين العقل وتجارب العلم، وقال ان المعرفة تتكون بتفاعل الحدس مع معلومات الفاهمة. غضب هؤلاء واعتبروا ان هذا التشبيه إهانة لشيخهم ولفكرهم! وكأن من يأخذ بفلسفة كانط فقد أتى إثماً كبيراً. لكن ألا يقدح هذا في فهمهم ومحاكماتهم لغيرهم؟
تلك بعض الأمثلة على أثر النقد في نفوس المسلمين. هؤلاء وغيرهم يفهمون النقد على انه هو النقض، مع ان الأول يهدف للبناء والتقدم، والثاني يهدف إلى التدمير والتأخر. حتى ان هؤلاء الدعاة قد استخدموا عبارات لا تليق بمن يدعو إلى الله ان يتلفظ بها. أتباع عمرو خالد قالوا، مثلاً، ان هذا أكاديمي مغمور يطلب الشهرة على أكتاف عمرو خالد، وقالوا هذا يتصيد الأخطاء، مع ان المقالة فيها مدح لعمرو خالد كما فيها النقد. الأشاعرة قالوا هذا غر جاهل، يريد ان يتطاول على السادة العلماء، ولو أعاد قراءة ما كتب لما كتبه. والتحريريون قالوا هذا جهول وسطحي يتعالم، وسمسار وعميل، وكلاماً آخر نترفع عن ذكره، وذلك كعادتهم في وصف الناس والحكام والمجتمعات بأنهم عملاء يعيشون في دار الكفر. لكن هذه كلية أرسطية احتاجوا معها ان يستثنوا أنفسهم، فصارت كلية منقوضة بهم، فهم الوحيدون الذين لا ينطبق عليهم وصف العميل.
روابط المقالات

تعليق