[ALIGN=JUSTIFY]السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته:
لقد نقل إلي أحد الإخوة سؤالا وإشكالا عن البعض حاصله، أن ما ذكرته في تهذيب شرح السنوسية من مفهوم الأزل يستلزم أن الله تعالى في الزمان، تعالى الله عن ذلك.
وأقول له ليس الأمر كذلك ، وتوضيح ذلك كما يلي:
حول مفهوم الزمان
الزمان لا يمكن أن يتصوره الإنسان إلا بتصور التغيرات، وهذه التغيرات إما أن تكون حركات أينية كالانتقال من مكان إلى مكان، أو غيرها كالتغيرات في الكيف كتغير اللون من الأبيض إلى البرتقالي إلى الأحمر مثلا، أو الوضع كدوران الشيء حول نفسه.
والتغيرات إما أن تكون حقيقية خارجية أو تقديرية.
ومعنى التغيرات الخارجية أنها محققة في الخارج، أي لها مصداق تصدق عليه، كمثال حركة الكواكب، فهي تغيرات حركية خارجية، فالإنسان يشتق من ملاحظة هذه التغيرات مفهوما يسميه الزمان. وهذا المفهوم أخذه الإنسان من الخارج ، فهو مفهوم انتزاعي. وتلاحظ أنه لا وجود لشيء اسمه الزمان في الخارج بنفسه إنه عبارة عن انتزاع ذهني ناتج عن ملاحظة التغيرات.
وأما التغيرات المقدَّرة، فمثالها، أن تلاحظ أمرا خارجيا لا يتغير أو لا تلاحظ أنت تغيره، ولكنك تقيسه إلى ما هو متغير فتقول إن هذا الأمر الثابت مرَّ عليه زمان معين، وهذا الزمان يكون مأخوذا بالتقدير الذهني من تغيرات أخرى. فأنت تقيس ما لا تلاحظ تغيره بالنسبة إلى ما تلاحظ تغيره. وتسمي الزمان المنسوب إلى الأمر الثابت الخارجي زمانا تقديريا.
ومن الأمثله الجلية على ذلك، ما يلي:
إن هذا العالم الذي خلقه الله تعالى ، له بداية في الوجود، ووجود هذا العالم لم يسبقه زمان، مطلقا، لأننا قلنا إن الزمان مأخوذ من ملاحظة التغيرات، وقبل العالم كان الله تعالى ولم يكن شيء غيره، والله تعالى ليس متغيرا، ولا تطرأ عليه الحوادث، فلا زمان حقيقيا خارجيا قبل هذا العالم. ولكن الناس لغلبة الوهم على أذهانهم وعقولهم، فإنهم عندما يشتقون الزمان من ملاحظة التغيرات الحاصلة في هذا العالم، أثناء وجوده، وحال استمراره. ويلاحظون أن للعالم بداية، فإنهم يفترضون بوهمهم وجود مدة لا بداية لها من الأزمان قبل هذا العالم. ويكون هذا الفرض بواسطة عكس الزمان الحاصل في أذهانهم حال ملاحظة وجود العالم المتغير، إلى ما قبل وجود العالم المتغير.
فيصير الحاصل في أذهنتهم ، أن العالم قد سبقه أزمنة لا بداية لها ولا أول لها، لم يكن فيها شيئا موجودا، ثم أوجده الله تعالى في زمان معين من هذه الأزمنة.
وهذا التصور الخاطئ في الحقيقة هو أصل الخطأ الذي وقع فيه ابن تيمية في قوله بالتسلسل في القدم،وفي كثير من إشكالاته على الأشاعرة كما في قوله مثلا للسادة الأشاعرة: أنتم عطلتم الله تعالى عن الخلق أزمانا لا بداية لها، ثم قلتم إنه صار خالقا. كذا قال. ومعلوم أن ها الإشكال وارد عند من أقر بوجود الزمان الذي لا بداية له. أما من نفاه اصلا فلا يرد عليه مطلقا.
وهذا التصور الخاطئ للزمان أصل وقوع الفلاسفة في القول بالقدم الزماني للعالم.
وهذا التصور في الحقيقة خاطئ مطلقا، لأنه لا يوجد أزمنة لا بداية لها، لما ذكرناه من أن الزمان مشتق فقط من الحركات التي لم توجد إلا مع وجود هذا العالم الحادث. وأما ما يفرضه الإنسان قبل العالم من أزمنة متطاولة فإنما هو فعل الوهم لا العقل. فلا يحتج به ولا يلتفت إليه.
إذن هذا هو منشا الزمان الذي يقدره الإنسان قبل وجود العالم، ويسمى عند العلماء بالزمان المقدَّر، وأما الزمان المحقق فهو الزمان المستمر مع وجود العالم حتى الآن.
والله تعالى ليس في زمان، ولا يقدر وجوده بزمان مطلقا، لأن وجوده لا بداية له، ولا تطرأ عليه التغيرات.
وإذا كان الامر كذلك فلماذا نقول إن الله تعالى أزلي:
الآن جئنا إلى مفهوم الأزل، فنقول:
الأزل له مفهومان، الأول لا يلاحظ فيه الزمان لا المقدر ولا المحقق. والثاني يلاحظ فيه الزمان المقدر.
قال القاضي الأحمد نكري صاحب كتاب دستور العلماء(1/57):"الأزل عبارة عن عدم الأولية أو استمرار الوجود في أزمنة مقدرة غير متناهية في جانب الماضي، والأول أعم من الثاني لصدق الأول في الأعدام أيضا بخلاف الثاني، فإنه لا يتحقق إلا في الموجودات القديمة كما لا يخفى. ."اهـ
فالمفهوم الأول للأزل هو إذن: عدم الاولية.
والثاني: هو استمرار الوجود في أزمنة مقدرة غير متناهية في جانب الماضي.
ومن الظاهر أن لا إشكال بناء على ذلك أن يقال إن الله تعالى أزلي. خاصة بعدما بينا المراد بالزمان المقدر.
ثم قال صاحب دستور العلماء في نفس الصفحة :"فللأزلي معنيان الأول أعم من الثاني لشموله الأعدام دون الثاني، والأزلي بالمعنى الثاني يساوي القديم أو يرادفه، وإنما قال في أزمنة مقدرة ليشمل أزليته تعالى وأزلية صفاته فإنه تعالى وصفاته موجودة حيث لا زمان."اهـ
ثم قال صاحب دستور العلماء:" الأزلي له معنيان
أحدهما ما لا أول له سواء كان موجودا أو معدوما، فهو ما لا أول لوجوده أو عدمه.
وثانيهما ما استمر وجوده في ازمنة مقدرة غير متناهية في جانب الماضي .
والمعنى الأول أعم من الثاني كما لا يخفى."اهـ
ومن الظاهر أن إطلاق الأزلي على الله تعالى، يصح عند اعتبار الأزمنة مقدرة، أي لا تحقق لها خارجا. بل هي مجرد اعتبار ذهني محض. ولولا ذلك لم يجز إطلاقها عليه تعالى.
و قال الكفوي في الكليات ص81:"ولما كان لفظ الأزلي يفيد الانتساب إلى الأزل، وكان يوهم أن الأزل شيء حصل ذات الله فيه -وهو باطل-، إذ لو كان الأمر كذلك لكانت ذات الله مفتقرة إلى ذلك الشيء ومحتاجة إليه وهو محال. فقلنا: المراد به وجود لا أول له البتة، فلم يزل سبحانه أي لم يكن زمان محقق أو مقدر ولم يمض إلا، ووجود الباري مقارن له، فهذا معنى الأزلية والقدم.
ولا يزال أي لا يأتي زمان في المستقبل إلا ووجوده مقارن له، وهذا معنى الأبدية والدوام."اهـ
فلاحظ معنى إطلاق الأزلي على الله تعالى بهذا الوجه، فمعناه أنك مهما قدرت من زمان سواء في الماضي أو المستقبل فالله تعالى موجود معه، لا موجود في ضمنه ولا على معنى أن الزمان ظرف لوجود الله تعالى.
فالزمان منفي عن الله تعالى مطلقا، كما مرَّ.
والمحذور إنما أن تقول أن الله تعالى موجود في ضمن الزمان، وليس بباطل أن تقول: إن العالم الزماني مصاحب لوجود الله تعالى مدة وجود العالم. فلا نتصور العالم موجودا إلا ويجب أن نصدق بوجود الله تعالى معه، ولا عكس.
ولعل البعض يستغرب من مصطلح الزمان التقديري والزمان المحقق، وما ذلك إلا لقلة معرفته وجهله بالعلوم. وقد بينا لكم جملة صالحة من أصل هذا الاصطلاح.
والمسألة بعد ذلك مبنية على بيان مفاهيم هذه الاصطلاحات.
والعجب من البعض عندما يتشبثون بأفهامهم السقيمة، ويتعلقون بقصور عقولهم فيفهمون من قول بعض العلماء الأفاضل بأن "الأزل عبارة عن استمرار الوجود في أزمنة مقدرة...الخ"، أن الله تعالى في زمان.
ولا يتصور هؤلاء أن هناك فرقا بين الزمان المقدر وبين الزمان المحقق كما ذكرناه سابقا.
وقد صرح بهذا التعريف للأزل محققو العلماء ومنهم أئمة اعلام لا يذكر علماء أهل هذا العصر إذا ذكر، وهو الشريف الجرجاني فقال في تعريفاته في أول صفحة منها:"الأبد هو استمرار الوجود في أزمنة مقدرة غير متناهية في جانب المستقبل. كما أن الأزل استمرار الوجود في أزمنة مقدرة غير متناهية في جانب الماضي."اهـ
ثم ذكر أن الأبد هو الشيء الذي لا نهاية له. ويمكن القول أن الأزل هو الذي لا بداية له.
بالإضافة إلى ما نقلناه عن غيره.
وكيف ينسب لمن قال بذلك التعريف أن الله تعالى في زمان، وهو يصرح في كتبه أن الله تعالى منزه عن الزمان، ألا يستحيي هؤلاء فيراجعون أنفسهم قبل أن يتهموا غيرهم من العلماء. فسبحان الله تعالى، صار تنزيه أنفسهم عن الجهل وهم غارقون فيه، أولى من محاولة الفهم عن علمائنا، ولا يهم هؤلاء المنحرفين أن يصرحوا بنحو هذا القول ولا يهمهم أن يدرجوا محققي علماء الأمة في هذا الحكم الجائر لمجرد أهواء شخصية لهم ومجرد حسد صادر من أنفسهم.
وقد استغربت كثيرا عندما قيل لي أن بعض المساكين من المتسلقة على هذه العلوم الشريفة نسب لي في كتاب تهذيب السنوسية أنني أقول أن الله تعالى في زمان، وذلك لمجرد ذكر هذا التعريف المشار إليه للأزل. ولم يعرف هذا المسكين أن هذا التعريف منقول عن علمائنا المحققين. وقد نقلت هذا التعريف أثناء نقل كلام للعلامة المارغني في حاشية تهذيب شرح السنوسية ص31، ونسب هذا المعترض لنفس العلامة المارغني نفس التهمة الحمقاء ، ظانا لجهله، أنه لم يقل بذلك إلا هو.
مع العلم أنني نقلت عن نفس العلامة المارغني في ص35 قول:"البقاء هو عدم الآخرية للوجود، فمعنى الله باق لا آخر لوجوده، أي ليس لوجوده انقضاء وانتهاء فهو سبحانه لا يلحق العدم وجوده، .....وأما معناه أي معنى البقاء- بالنسبة إلى الحادث فهو استمرار الوجود مع جواز لحوق العدم."اهـ
ثم قلت تعليقا بعد ذلك في نهاية الحاشية المذكورة في ص36 من تهذيب شرح السنوسية:"بقاء الحادث زماني، وبقاء القديم ليس زمانيا، أي بقاء الحادث إنما يكون على التقضي والاستمرار، بخلاف بقاء الله تعالى لأنه لا يطرأ عليه حال بعد حال، إذ لا يجوز عليه التغير أصلا.(س)"
وهذا صريح إلى الغاية في نفي الزمان والتغير عن الله تعالى.
فلا يظهر لي إلا أن هذا المعترض مجرد مشاغب لا يقصد إلا المغلطة.
ثم كيف يتجرأ أن ينسب لي أنني أقول بأن الله تعالى في زمان، وأنا أصرح بنفي الزمان عن الله تعالى في نفس كتاب تهذيب شرح السنوسية في المتن في ص33:"والقدم مطلقا ثلاثة أقسام قدم ذات وقدم زمان وقد إضافي، فالقدم الذاتي قدم الله تعالى أي قدم ذاته وصفاته، والزماني كقدم أمس على اليوم، والإضافي كقدم الأبوة على البنوة ، فالزماني والإضافي مستحيلان على الله تعالى، فلو قلت إن الله قديم بالزمان للزمك طروء الحوادث عليه، وقدم الزمان قطعا، وجواز التسلسل في القدم، وكل هذا باطل."اهـ
فهل يريد نصا أوضح من هذه النصوص في نفي الزمان عن الله تعالى.
وهل نحتاج نحن لنفي لأدلة لكي نثبت أننا ننفي الزمان عن الله تعالى، كيف يقال ذلك وقد اشتهر عند القاصي والداني أننا نقيم الادلة تباعا على نفي الزمان عنه جل شأنه، ونبطل كونه في مكان، ونخالف المجسمة علانية في ذلك كله، ومن قال بقولهم. فسبحان الله تعالى.
والحاصل من كل هذا أن قولنا إن الله تعالى أزلي، لا يستلزم إثبات كونه تعالى في زمان مطلقا. بل يستلزم كونه لا أول له.
ولا يوجد في الخارج زمان لا أول له، بل كل هذا عبارة عن وهم قام في أذهان المجسمة أتباع ابن تيمية، والفلاسفة الذين قالوا بالقدم الزماني للعالم، مع قولهم بان العالم محتاج في الوجود لله تعالى. فقالوا بالقدم الزماني والحدوث الذاتي للعالم، وهو قول غير مستقيم، كما بينه علماؤنا في موضعه.
وقد بينت في كتاب الكاشف الصغير، أن ابن تيمية المجسم في قوله بالقدم النوعي المستلزم للقدم الزماني للعالم اتبع الفلاسفة، وأنه اتبع الفلاسفة أيضا في قوله بأن صفات الله تعالى كالكلام والإرادة وغيرها عبارة عن حوادث قائمة بذاته تعالى منذ الأزل، فقال بالقدم النوعي في صفات الله تعالى أيضا. ويلزمه القول بقدم الزمان قطعا. وهذا الإلزام لا يمكنه الانفكاك عنه. إلا أن الفلاسفة لم يتجرأوا على القول بأن الحوادث قائمة بذات الله تعالى كما صرح هو، فكانوا أقل شرا منه في ذلك.
وهذا الذي اعترض على الفقرة السابقة في تهذيب شرح السنوسية وفهم منها ما فهم، ألم يرَ أنا قلنا في نفس التهذيب وفي الحاشية أيضا في ص33 ناقلين عن الإمام التفتازاني قوله :"والأزلي ما لا أول له عدميا كان أو وجوديا قائما بنفسه أو بالذات العلية...الخ"اهـ، فهذا التعريف يبين أن الأزل له مفهوم آخر ليس مبنيا على الزمان التقديري، وكان ينبغي عندذاك أن يحاول أن يبذلك جهدا أكثر في الفهم، فيعرف وحده أن للعدم مفهومين اثنين باعتبارين.
فإن لم يرَ هذا النقل وباشر بالاعتراض، فهذا دليل عدم أهليته للكلام، واستهانته بالعلماء الأعلام!! وهذا فيه ما فيه.... وإن رآه، فنقول له ألا يجب عليك الافتراض أولا أن هذه التعريفات المنقولة عن العلماء الأعلام لها أساس من الفكر والنظر، وأنها مبنية على اعتبارات معينة كان الأولى بك قبل الاعتراض والمباشرة في الاتهام أن تحاول فهمها.
ومع ذلك فها نحن قد وضحنا هذا المقام لعل في ذلك فائدة للجميع.
والله تعالى هو الموفق[/ALIGN]
لقد نقل إلي أحد الإخوة سؤالا وإشكالا عن البعض حاصله، أن ما ذكرته في تهذيب شرح السنوسية من مفهوم الأزل يستلزم أن الله تعالى في الزمان، تعالى الله عن ذلك.
وأقول له ليس الأمر كذلك ، وتوضيح ذلك كما يلي:
حول مفهوم الزمان
الزمان لا يمكن أن يتصوره الإنسان إلا بتصور التغيرات، وهذه التغيرات إما أن تكون حركات أينية كالانتقال من مكان إلى مكان، أو غيرها كالتغيرات في الكيف كتغير اللون من الأبيض إلى البرتقالي إلى الأحمر مثلا، أو الوضع كدوران الشيء حول نفسه.
والتغيرات إما أن تكون حقيقية خارجية أو تقديرية.
ومعنى التغيرات الخارجية أنها محققة في الخارج، أي لها مصداق تصدق عليه، كمثال حركة الكواكب، فهي تغيرات حركية خارجية، فالإنسان يشتق من ملاحظة هذه التغيرات مفهوما يسميه الزمان. وهذا المفهوم أخذه الإنسان من الخارج ، فهو مفهوم انتزاعي. وتلاحظ أنه لا وجود لشيء اسمه الزمان في الخارج بنفسه إنه عبارة عن انتزاع ذهني ناتج عن ملاحظة التغيرات.
وأما التغيرات المقدَّرة، فمثالها، أن تلاحظ أمرا خارجيا لا يتغير أو لا تلاحظ أنت تغيره، ولكنك تقيسه إلى ما هو متغير فتقول إن هذا الأمر الثابت مرَّ عليه زمان معين، وهذا الزمان يكون مأخوذا بالتقدير الذهني من تغيرات أخرى. فأنت تقيس ما لا تلاحظ تغيره بالنسبة إلى ما تلاحظ تغيره. وتسمي الزمان المنسوب إلى الأمر الثابت الخارجي زمانا تقديريا.
ومن الأمثله الجلية على ذلك، ما يلي:
إن هذا العالم الذي خلقه الله تعالى ، له بداية في الوجود، ووجود هذا العالم لم يسبقه زمان، مطلقا، لأننا قلنا إن الزمان مأخوذ من ملاحظة التغيرات، وقبل العالم كان الله تعالى ولم يكن شيء غيره، والله تعالى ليس متغيرا، ولا تطرأ عليه الحوادث، فلا زمان حقيقيا خارجيا قبل هذا العالم. ولكن الناس لغلبة الوهم على أذهانهم وعقولهم، فإنهم عندما يشتقون الزمان من ملاحظة التغيرات الحاصلة في هذا العالم، أثناء وجوده، وحال استمراره. ويلاحظون أن للعالم بداية، فإنهم يفترضون بوهمهم وجود مدة لا بداية لها من الأزمان قبل هذا العالم. ويكون هذا الفرض بواسطة عكس الزمان الحاصل في أذهانهم حال ملاحظة وجود العالم المتغير، إلى ما قبل وجود العالم المتغير.
فيصير الحاصل في أذهنتهم ، أن العالم قد سبقه أزمنة لا بداية لها ولا أول لها، لم يكن فيها شيئا موجودا، ثم أوجده الله تعالى في زمان معين من هذه الأزمنة.
وهذا التصور الخاطئ في الحقيقة هو أصل الخطأ الذي وقع فيه ابن تيمية في قوله بالتسلسل في القدم،وفي كثير من إشكالاته على الأشاعرة كما في قوله مثلا للسادة الأشاعرة: أنتم عطلتم الله تعالى عن الخلق أزمانا لا بداية لها، ثم قلتم إنه صار خالقا. كذا قال. ومعلوم أن ها الإشكال وارد عند من أقر بوجود الزمان الذي لا بداية له. أما من نفاه اصلا فلا يرد عليه مطلقا.
وهذا التصور الخاطئ للزمان أصل وقوع الفلاسفة في القول بالقدم الزماني للعالم.
وهذا التصور في الحقيقة خاطئ مطلقا، لأنه لا يوجد أزمنة لا بداية لها، لما ذكرناه من أن الزمان مشتق فقط من الحركات التي لم توجد إلا مع وجود هذا العالم الحادث. وأما ما يفرضه الإنسان قبل العالم من أزمنة متطاولة فإنما هو فعل الوهم لا العقل. فلا يحتج به ولا يلتفت إليه.
إذن هذا هو منشا الزمان الذي يقدره الإنسان قبل وجود العالم، ويسمى عند العلماء بالزمان المقدَّر، وأما الزمان المحقق فهو الزمان المستمر مع وجود العالم حتى الآن.
والله تعالى ليس في زمان، ولا يقدر وجوده بزمان مطلقا، لأن وجوده لا بداية له، ولا تطرأ عليه التغيرات.
وإذا كان الامر كذلك فلماذا نقول إن الله تعالى أزلي:
الآن جئنا إلى مفهوم الأزل، فنقول:
الأزل له مفهومان، الأول لا يلاحظ فيه الزمان لا المقدر ولا المحقق. والثاني يلاحظ فيه الزمان المقدر.
قال القاضي الأحمد نكري صاحب كتاب دستور العلماء(1/57):"الأزل عبارة عن عدم الأولية أو استمرار الوجود في أزمنة مقدرة غير متناهية في جانب الماضي، والأول أعم من الثاني لصدق الأول في الأعدام أيضا بخلاف الثاني، فإنه لا يتحقق إلا في الموجودات القديمة كما لا يخفى. ."اهـ
فالمفهوم الأول للأزل هو إذن: عدم الاولية.
والثاني: هو استمرار الوجود في أزمنة مقدرة غير متناهية في جانب الماضي.
ومن الظاهر أن لا إشكال بناء على ذلك أن يقال إن الله تعالى أزلي. خاصة بعدما بينا المراد بالزمان المقدر.
ثم قال صاحب دستور العلماء في نفس الصفحة :"فللأزلي معنيان الأول أعم من الثاني لشموله الأعدام دون الثاني، والأزلي بالمعنى الثاني يساوي القديم أو يرادفه، وإنما قال في أزمنة مقدرة ليشمل أزليته تعالى وأزلية صفاته فإنه تعالى وصفاته موجودة حيث لا زمان."اهـ
ثم قال صاحب دستور العلماء:" الأزلي له معنيان
أحدهما ما لا أول له سواء كان موجودا أو معدوما، فهو ما لا أول لوجوده أو عدمه.
وثانيهما ما استمر وجوده في ازمنة مقدرة غير متناهية في جانب الماضي .
والمعنى الأول أعم من الثاني كما لا يخفى."اهـ
ومن الظاهر أن إطلاق الأزلي على الله تعالى، يصح عند اعتبار الأزمنة مقدرة، أي لا تحقق لها خارجا. بل هي مجرد اعتبار ذهني محض. ولولا ذلك لم يجز إطلاقها عليه تعالى.
و قال الكفوي في الكليات ص81:"ولما كان لفظ الأزلي يفيد الانتساب إلى الأزل، وكان يوهم أن الأزل شيء حصل ذات الله فيه -وهو باطل-، إذ لو كان الأمر كذلك لكانت ذات الله مفتقرة إلى ذلك الشيء ومحتاجة إليه وهو محال. فقلنا: المراد به وجود لا أول له البتة، فلم يزل سبحانه أي لم يكن زمان محقق أو مقدر ولم يمض إلا، ووجود الباري مقارن له، فهذا معنى الأزلية والقدم.
ولا يزال أي لا يأتي زمان في المستقبل إلا ووجوده مقارن له، وهذا معنى الأبدية والدوام."اهـ
فلاحظ معنى إطلاق الأزلي على الله تعالى بهذا الوجه، فمعناه أنك مهما قدرت من زمان سواء في الماضي أو المستقبل فالله تعالى موجود معه، لا موجود في ضمنه ولا على معنى أن الزمان ظرف لوجود الله تعالى.
فالزمان منفي عن الله تعالى مطلقا، كما مرَّ.
والمحذور إنما أن تقول أن الله تعالى موجود في ضمن الزمان، وليس بباطل أن تقول: إن العالم الزماني مصاحب لوجود الله تعالى مدة وجود العالم. فلا نتصور العالم موجودا إلا ويجب أن نصدق بوجود الله تعالى معه، ولا عكس.
ولعل البعض يستغرب من مصطلح الزمان التقديري والزمان المحقق، وما ذلك إلا لقلة معرفته وجهله بالعلوم. وقد بينا لكم جملة صالحة من أصل هذا الاصطلاح.
والمسألة بعد ذلك مبنية على بيان مفاهيم هذه الاصطلاحات.
والعجب من البعض عندما يتشبثون بأفهامهم السقيمة، ويتعلقون بقصور عقولهم فيفهمون من قول بعض العلماء الأفاضل بأن "الأزل عبارة عن استمرار الوجود في أزمنة مقدرة...الخ"، أن الله تعالى في زمان.
ولا يتصور هؤلاء أن هناك فرقا بين الزمان المقدر وبين الزمان المحقق كما ذكرناه سابقا.
وقد صرح بهذا التعريف للأزل محققو العلماء ومنهم أئمة اعلام لا يذكر علماء أهل هذا العصر إذا ذكر، وهو الشريف الجرجاني فقال في تعريفاته في أول صفحة منها:"الأبد هو استمرار الوجود في أزمنة مقدرة غير متناهية في جانب المستقبل. كما أن الأزل استمرار الوجود في أزمنة مقدرة غير متناهية في جانب الماضي."اهـ
ثم ذكر أن الأبد هو الشيء الذي لا نهاية له. ويمكن القول أن الأزل هو الذي لا بداية له.
بالإضافة إلى ما نقلناه عن غيره.
وكيف ينسب لمن قال بذلك التعريف أن الله تعالى في زمان، وهو يصرح في كتبه أن الله تعالى منزه عن الزمان، ألا يستحيي هؤلاء فيراجعون أنفسهم قبل أن يتهموا غيرهم من العلماء. فسبحان الله تعالى، صار تنزيه أنفسهم عن الجهل وهم غارقون فيه، أولى من محاولة الفهم عن علمائنا، ولا يهم هؤلاء المنحرفين أن يصرحوا بنحو هذا القول ولا يهمهم أن يدرجوا محققي علماء الأمة في هذا الحكم الجائر لمجرد أهواء شخصية لهم ومجرد حسد صادر من أنفسهم.
وقد استغربت كثيرا عندما قيل لي أن بعض المساكين من المتسلقة على هذه العلوم الشريفة نسب لي في كتاب تهذيب السنوسية أنني أقول أن الله تعالى في زمان، وذلك لمجرد ذكر هذا التعريف المشار إليه للأزل. ولم يعرف هذا المسكين أن هذا التعريف منقول عن علمائنا المحققين. وقد نقلت هذا التعريف أثناء نقل كلام للعلامة المارغني في حاشية تهذيب شرح السنوسية ص31، ونسب هذا المعترض لنفس العلامة المارغني نفس التهمة الحمقاء ، ظانا لجهله، أنه لم يقل بذلك إلا هو.
مع العلم أنني نقلت عن نفس العلامة المارغني في ص35 قول:"البقاء هو عدم الآخرية للوجود، فمعنى الله باق لا آخر لوجوده، أي ليس لوجوده انقضاء وانتهاء فهو سبحانه لا يلحق العدم وجوده، .....وأما معناه أي معنى البقاء- بالنسبة إلى الحادث فهو استمرار الوجود مع جواز لحوق العدم."اهـ
ثم قلت تعليقا بعد ذلك في نهاية الحاشية المذكورة في ص36 من تهذيب شرح السنوسية:"بقاء الحادث زماني، وبقاء القديم ليس زمانيا، أي بقاء الحادث إنما يكون على التقضي والاستمرار، بخلاف بقاء الله تعالى لأنه لا يطرأ عليه حال بعد حال، إذ لا يجوز عليه التغير أصلا.(س)"
وهذا صريح إلى الغاية في نفي الزمان والتغير عن الله تعالى.
فلا يظهر لي إلا أن هذا المعترض مجرد مشاغب لا يقصد إلا المغلطة.
ثم كيف يتجرأ أن ينسب لي أنني أقول بأن الله تعالى في زمان، وأنا أصرح بنفي الزمان عن الله تعالى في نفس كتاب تهذيب شرح السنوسية في المتن في ص33:"والقدم مطلقا ثلاثة أقسام قدم ذات وقدم زمان وقد إضافي، فالقدم الذاتي قدم الله تعالى أي قدم ذاته وصفاته، والزماني كقدم أمس على اليوم، والإضافي كقدم الأبوة على البنوة ، فالزماني والإضافي مستحيلان على الله تعالى، فلو قلت إن الله قديم بالزمان للزمك طروء الحوادث عليه، وقدم الزمان قطعا، وجواز التسلسل في القدم، وكل هذا باطل."اهـ
فهل يريد نصا أوضح من هذه النصوص في نفي الزمان عن الله تعالى.
وهل نحتاج نحن لنفي لأدلة لكي نثبت أننا ننفي الزمان عن الله تعالى، كيف يقال ذلك وقد اشتهر عند القاصي والداني أننا نقيم الادلة تباعا على نفي الزمان عنه جل شأنه، ونبطل كونه في مكان، ونخالف المجسمة علانية في ذلك كله، ومن قال بقولهم. فسبحان الله تعالى.
والحاصل من كل هذا أن قولنا إن الله تعالى أزلي، لا يستلزم إثبات كونه تعالى في زمان مطلقا. بل يستلزم كونه لا أول له.
ولا يوجد في الخارج زمان لا أول له، بل كل هذا عبارة عن وهم قام في أذهان المجسمة أتباع ابن تيمية، والفلاسفة الذين قالوا بالقدم الزماني للعالم، مع قولهم بان العالم محتاج في الوجود لله تعالى. فقالوا بالقدم الزماني والحدوث الذاتي للعالم، وهو قول غير مستقيم، كما بينه علماؤنا في موضعه.
وقد بينت في كتاب الكاشف الصغير، أن ابن تيمية المجسم في قوله بالقدم النوعي المستلزم للقدم الزماني للعالم اتبع الفلاسفة، وأنه اتبع الفلاسفة أيضا في قوله بأن صفات الله تعالى كالكلام والإرادة وغيرها عبارة عن حوادث قائمة بذاته تعالى منذ الأزل، فقال بالقدم النوعي في صفات الله تعالى أيضا. ويلزمه القول بقدم الزمان قطعا. وهذا الإلزام لا يمكنه الانفكاك عنه. إلا أن الفلاسفة لم يتجرأوا على القول بأن الحوادث قائمة بذات الله تعالى كما صرح هو، فكانوا أقل شرا منه في ذلك.
وهذا الذي اعترض على الفقرة السابقة في تهذيب شرح السنوسية وفهم منها ما فهم، ألم يرَ أنا قلنا في نفس التهذيب وفي الحاشية أيضا في ص33 ناقلين عن الإمام التفتازاني قوله :"والأزلي ما لا أول له عدميا كان أو وجوديا قائما بنفسه أو بالذات العلية...الخ"اهـ، فهذا التعريف يبين أن الأزل له مفهوم آخر ليس مبنيا على الزمان التقديري، وكان ينبغي عندذاك أن يحاول أن يبذلك جهدا أكثر في الفهم، فيعرف وحده أن للعدم مفهومين اثنين باعتبارين.
فإن لم يرَ هذا النقل وباشر بالاعتراض، فهذا دليل عدم أهليته للكلام، واستهانته بالعلماء الأعلام!! وهذا فيه ما فيه.... وإن رآه، فنقول له ألا يجب عليك الافتراض أولا أن هذه التعريفات المنقولة عن العلماء الأعلام لها أساس من الفكر والنظر، وأنها مبنية على اعتبارات معينة كان الأولى بك قبل الاعتراض والمباشرة في الاتهام أن تحاول فهمها.
ومع ذلك فها نحن قد وضحنا هذا المقام لعل في ذلك فائدة للجميع.
والله تعالى هو الموفق[/ALIGN]
تعليق