الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على سيدنا محمد إمام المرسلين
درء التعارض يعتبر من أكبر كتب ابن تيمية وأهمها على الإطلاق بالنسبة له ولأتباعه لما حواه من مباحث فلسفية وكلامية دقيقة، استند فيها أساسا على كتب أئمة أهل السنة الأشعرية، فحاول مناقشتها وضرب بعضها ببعض، وكعادته لبيان تناقضها في زعمه، وربما أطلق في حقها دعاوى أخطر من مجرد التناقض، بل قد حصل ذلك فعلا صراحة وضمنا في كلامه مرات منها في أول الكتاب حيث شبههم بالنصارى بل جعل النصارى أحسن حاصلا منهم، ولا يخفى ما فيه من قلة الأدب.
ودرء التعارض كتاب جدير في أيامنا هذه بالنقد والفحص، وبيان ما حواه من خلل وحَيْدٍ عن المنهج العلمي والنظر الفكري الصحيح المؤديان إلى الحق، فكثيرا ما سلك ابن تيمية في كتابه هذا مسلك التشنيع والتهويل بلا موجب، وكثيرا ما حاول إيهام القارئ أن خصومه يخالفون مخالفة مطلقة مدلول كتاب الله تعالى وسنة رسوله، وهي مسالك يظهر أنها كانت مقصودة في منهج ابن تيمية في سائر كتبه استغلالا منه لعاطفة القراء تجاه الكتاب والسنة ولضعف العلوم العقلية في زمانه وقلة رواجها بين عوام الناس عامة وطلبة العلوم الشرعية خاصة.
وقد حاول ابن تيمية في هذا الكتاب نقض قاعدة اعتمدها الفخر الرازي في التعامل مع النصوص الشرعية والقواعد العقلية، ولذلك صدره بذكرها، ثم شرع في مقصوده بشتى الوسائل والطرق.
وأول ما افتتح به ابن تيمية كتابه هو ذكر القاعدة المذكورة، وفي الحقيقة بعد التأمل فيما أورده منها نلاحظ أنه لم يحسن عرض القاعدة، قصدا منه بلا شك، وكان الأجدر به أن يوردها بحسب ما تقتضيه الأمانة العلمية، لكنه لم يفعل، فلنتأمل سوية:
قال ابن تيمية:
فصل
قول القائل: إذا تعارضت الأدلة السمعية والعقلية، أو السمع والعقل، أو النقل والعقل، أو الظواهر النقلية والقواطع العقلية، أو نحو ذلك من العبارات:
ـ فإما أن يجمع بينهما وهو محال لأنه جمع بين النقيضين.
ـ وإما أن يردا جميعا.
ـ وإما أن يقدم السمع، وهو محال ؛ لأن العقل أصل النقل، فلو قدمناه عليه كان ذلك قدحا في العقل الذي هو أصل النقل، والقدح في أصل الشيء قدح فيه، فكان تقديم النقل قدحا في النقل والعقل جميعا.
فوجب تقديم العقل.
ثم النقل إما أن يتأول، وإما أن يفوض.
وأما إذا تعارضا تعارض الضدين امتنع الجمع بينهما، ولم يمتنع ارتفاعهما.
وهذا الكلام قد جعله الرازي وأتباعه قانونا كليا فيما يستدل به من كتب الله تعالى وكلام أنبيائه عليهم السلام وما لا يستدل به، ولهذا ردوا الاستدلال بما جاءت به الأنبياء والمرسلون في صفات الله تعالى وغير ذلك من الأمور التي أنبأوا بها وظن هؤلاء أن العقل يعارضها.
هذا هو عرض ابن تيمية للقاعدة التي حاول هدمها، فلم يهدمها حقيقة ولكن هدم ما تخيله منها فحسب، وهو عرض مشوّه مبتور ينسجم مع منهجه في الرد على الأئمة الأشعرية، ويظهر ذلك جليا في انتقاله من العرض الفاسد إلى اتهام الفخر الرازي برد مدلول ما جاء به القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم، وهي دعوى خطيرة جدا سيما في حق الإمام الرازي، لكن على كل حال هو منهج امتزج به قلم ابن تيمية امتزاج الروح بالبدن، وحتى لو فرضنا أنه تاب منه آخر حياته فإن أتباعه تأثروا بمنهجه الفاسد وربما فاقوه كذبا وبهتانا.
وقبل أن نأتي بعرض الإمام الفخر الرازي لهذه القاعدة ننبه على مغالطات حواها عرض ابن تيمية للقاعدة:
ـ فمنها أنه لم يعرّف الأدلة العقلية ولا الأدلة السميعة، ولقائل أن يقول لا حاجة له بذلك فإنه أمر معروف، فالجواب أن ذلك ضروري في هذا المقام، فإن الحكم على الشيء ردا أو قبولا فرع عن كونه معقولا، فكان عليه أن يذكر مقصوده بالأدلة العقلية والنقلية، سيما في هذا المقام، وهي تعريفات تختلف من مدرسة إلى أخرى، وفيها الحق وفيها الباطل.
ـ منها أنه استعمل لفظ التعارض بين عين الأدلة النقلية والنقلية، وهذه عبارة فاسدة لأنه لا تعارض بين مدلولات العقل الصحيح والنقل الصريح في نفس الأمر، لكن الكلام دائر حول توهم التعارض أو استشعار التعارض، وهذا التوهم والاستشعار واقع في أذهان بعض المكلفين فحسب، لا في نفس الأمر، ولا في الأذهان السوية، وسيأتي ما يؤكد ذلك من عبارة الفخر الرازي. فاستعمال ابن تيمية لكلمة التعارض بين العقل والنقل فاسد مقصود منه التشنيع على صاحب القاعدة بتقويله ما لم يقله ولم يقصده.
ـ ادعى ابن تيمية أن الفخر وضع هذا القانون من كيسه ليحاكم به نصوص الشرع، وهذا قلب للحقائق لأن القاعدة المذكورة مستندة إلى النصوص الشرعية أساسا، ذلك أن الشرع هو الذي أوجب علينا اعتماد الأدلة العقلية بعد أن خلق الله تعالى فينا مبادئها، كما أن الشرع هو الذي ورد بنصوص قطيعة الدلالة على المراد وأخرى ظنية الدلالة عليه، وحكم بإرجاع المظنون إلى المقطوع به عند توهم التعارض، ولحِكَم عديدة لا يعلم أكثرها إلا الله وحده كانت نصوص الشرع منقسمة إلى المحكم والمتشابه، أي النصوص القطعية والظواهر المحتملة، فلولا وجود ضابط للتعامل مع أنواع الأدلة النقلية لاختلطت الأمور وانتفت التفرقة بين أهل الزيغ وأهل الحق، وغير ذلك من الحِكَم العظيمة، والحاصل أنه القاعدة أو القانون المذكور أساسه الشرع الحكيم، وهو مستنبط من استقراء شبة تام للأدلة الشرعية مع مساعدة القواطع العقلية الصحيحةن فلا وجه لادعاء أنها قاعدة يقصد بها التحكم في الأدلة الشرعية والتلاعب بمدلولاتها إلا لمن يريد التشنيع بغير وجه الحق فقط.
ـ ومنها أن ابن تيمية زاد في ذكر القاعدة قوله: (وأما إذا تعارضا تعارض الضدين امتنع الجمع بينهما، ولم يمتنع ارتفاعهما) وهذا غير مذكور ولا يعقل أصلا، فلم يقل أحد باعتقاد الضدين في مدلول نص شرعي والعمل بمقتضاه على ما فيه من التضاد، فإقحامه هذا القسم مجرد تشغيب.
ـ ومنها أن ابن تيمية بعد أن ذكر هذه القاعدة مبتورة مشوهة اتهم الفخر الرازي على وجه الخصوص بردّ الاستدلال بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، يعني وكأن النبي صلى الله عليه وسلم جاء بالنصوص الشرعية في مسألة الصفات مثلا، ثم فصلّ وبيّن وجه دلالتها بوجه استدلالي صريح واضح على المراد منها بحيث لا يلتبس وجه دلالة الأدلة على المدلولات إلا على مكابر جاحد، وهذا لم يقع، فما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم في الصفات المتنازع فيها أدلة فحسب، أما بيان مدلولاتها تفصيلا وتعيينا، وبيان وجه دلالتها على تلك المدلولات، فهذا ما تنازع فيه أهل الحق أهل السنة والجماعة مع الفرق الضالة من المجسمة والمعتزلة وهلم جرا إلى يومنا هذا، ولو كان الرسول صلى الله عليه وسلم أتى بالأدلة والاستدلالات أي بيان وجه دلالة الأدلة على المدلولات التي هي الصفات المتنازع فيها ونص على ذلك نصا صريحا لما وقع نزاع أصلا بين الأمة. فعبارة ابن تيمية فاسدة يقصد بها التشنيع فحسب، ليس ذلك من شيم أهل الحق.
وسأختم هذا التعليق السريع بإيراد كلام الفخر الرازي في أساس التقديس عند تعرضه لهذه القاعدة، فقد قال:
اعلم أن الدلائل القطعية العقلية إذا قامت على ثبوت شيء، ثم وجدنا أدلة نقلية يشعر ظاهرها بخلاف ذلك، فهناك لا يخلو الحال من أحد أمور أربعة:
1 ـ إما أن يصدق مقتضى العقل والنقل فيلزم تصديق النقيضين، وهو محال.
2 ـ وإما أن نبطلهما فيلزم تكذيب النقيضين، وهو محال.
3 ـ وإما أن نكذب الظواهر النقلية، ونصدّق الدلائل العقلية.
4 ـ وإما أن نصدق الظواهر النقلية ونكذب الدلائل العقلية، وذلك باطل؛ لأنه لا يمكننا أن نعرف صحة الظواهر النقلية . إلا إذا عرفنا بالدلائل العقلية إثبات الصانع، وصفاته، وكيفية دلالة المعجزة على صدق الرسول، وظهور المعجزات على يد محمد صلى الله عليه وسلم، ولو ساغ القدح في الدلائل العقلية القطعية صار العقل متهماً غير مقبول القول، ولو كان كذلك لخرج عن أن يكون مقبول القول في هذه الأصول. وإذا لم تثبت هذه الأصول خرجت الدلائل النقلية عن كونها مفيدة.
فثبت أن القدح في العقل لتصحيح النقل يفضي إلى القدح في العقل والنقل معاً. وإنه باطل.
ولما بطلت الأقسام الأربعة لم يبق إلا أن يقطع بمقتضى الدلائل العقلية القاطعة بأن هذه الدلائل النقلية إما أن يقال أنها غير صحيحة، أو يقال: إنها صحيحة إلا أن المراد منها غير ظواهرها.
ثم إن جوزنا التأويل اشتغلنا على سبيل التبرع بذكر تلك التأويلات على التفصيل، وإن لم تجوز التأويل فوضنا العلم بها إلى الله تعالى. فهذا هو القانون الكلي المرجوع إليه في جميع المتشابهات، وبالله التوفيق. اهـ
فتأمل في دقة تعبير الفخر الرازي، حيث قال: (يشعر ظاهرها) أي يوهم في بعض الأذهان معاني غير صحيحة، فالتعارض حاصل فقط في الأذهان المتوهمة، وليس التعارض واقعا حاصلا في نفس الأمر بين الأدلة الشرعية والأدلة العقلية حتى يحكم بإبطال الأدلة الشرعية في نفس الأمر كما يحاول ابن تيمية إيهام ذلك لمجرد التشنيع فقط لا لطلب الحق.
فكلام الإمام الرازي مبني فقط على ردّ ما يمكن أن يتوهمه المجسم أو المعطل من الأدلة الشرعية، لا أن الأدلة الشرعية على وضوح دلالتها وصحتها في نفس الأمر يجب ردها إذا توهمنا معارضتها للادلة العقلية، فهو بعيد كل البعد عن مراد الإمام، لكن جعله ابن تيمية مراد الفخر من القاعدة، وهذا عين الظلم.
وأما قول الفخر فيما بعد: (إما أن يقال أنها غير صحيحة) وعنى بذلك ما كان نصا في المحال فهو بحكم الاستقراء غير صحيح لأن الأدلة الشرعية لا تكون نصا صريحا لا يحتمل أكثر من معنى في أمر مستحيل، كأن يرد مثلا: ذات الله في جهة فوق جالس على العرش. فورود مثل هذا مستحيل، وإن ادعى أحد وروده فهو باطل، أما ورود بعض الأدلة الشرعية بما يحتمل أكثر من معنى، منها الصحيح الذي يصح مرادا، ومنها غير الصحيح الذي لا يصح مرادا، مع أن المتن قطعي الثبوت، فهذا ممكن وموجود ولا ينكره أحد، والكلام إنما هو في إرادة أحد المعاني المحتملة من غيرها، وإرادة ما يناقض الأدلة العقلية الصحيحة والنقلية القطعية الصريحة غير معقول وغير صحيح، وهذا ما تفيده القاعدة أو القانون المذكور. وبالله تعالى التوفيق.
والصلاة والسلام على سيدنا محمد إمام المرسلين
درء التعارض يعتبر من أكبر كتب ابن تيمية وأهمها على الإطلاق بالنسبة له ولأتباعه لما حواه من مباحث فلسفية وكلامية دقيقة، استند فيها أساسا على كتب أئمة أهل السنة الأشعرية، فحاول مناقشتها وضرب بعضها ببعض، وكعادته لبيان تناقضها في زعمه، وربما أطلق في حقها دعاوى أخطر من مجرد التناقض، بل قد حصل ذلك فعلا صراحة وضمنا في كلامه مرات منها في أول الكتاب حيث شبههم بالنصارى بل جعل النصارى أحسن حاصلا منهم، ولا يخفى ما فيه من قلة الأدب.
ودرء التعارض كتاب جدير في أيامنا هذه بالنقد والفحص، وبيان ما حواه من خلل وحَيْدٍ عن المنهج العلمي والنظر الفكري الصحيح المؤديان إلى الحق، فكثيرا ما سلك ابن تيمية في كتابه هذا مسلك التشنيع والتهويل بلا موجب، وكثيرا ما حاول إيهام القارئ أن خصومه يخالفون مخالفة مطلقة مدلول كتاب الله تعالى وسنة رسوله، وهي مسالك يظهر أنها كانت مقصودة في منهج ابن تيمية في سائر كتبه استغلالا منه لعاطفة القراء تجاه الكتاب والسنة ولضعف العلوم العقلية في زمانه وقلة رواجها بين عوام الناس عامة وطلبة العلوم الشرعية خاصة.
وقد حاول ابن تيمية في هذا الكتاب نقض قاعدة اعتمدها الفخر الرازي في التعامل مع النصوص الشرعية والقواعد العقلية، ولذلك صدره بذكرها، ثم شرع في مقصوده بشتى الوسائل والطرق.
وأول ما افتتح به ابن تيمية كتابه هو ذكر القاعدة المذكورة، وفي الحقيقة بعد التأمل فيما أورده منها نلاحظ أنه لم يحسن عرض القاعدة، قصدا منه بلا شك، وكان الأجدر به أن يوردها بحسب ما تقتضيه الأمانة العلمية، لكنه لم يفعل، فلنتأمل سوية:
قال ابن تيمية:
فصل
قول القائل: إذا تعارضت الأدلة السمعية والعقلية، أو السمع والعقل، أو النقل والعقل، أو الظواهر النقلية والقواطع العقلية، أو نحو ذلك من العبارات:
ـ فإما أن يجمع بينهما وهو محال لأنه جمع بين النقيضين.
ـ وإما أن يردا جميعا.
ـ وإما أن يقدم السمع، وهو محال ؛ لأن العقل أصل النقل، فلو قدمناه عليه كان ذلك قدحا في العقل الذي هو أصل النقل، والقدح في أصل الشيء قدح فيه، فكان تقديم النقل قدحا في النقل والعقل جميعا.
فوجب تقديم العقل.
ثم النقل إما أن يتأول، وإما أن يفوض.
وأما إذا تعارضا تعارض الضدين امتنع الجمع بينهما، ولم يمتنع ارتفاعهما.
وهذا الكلام قد جعله الرازي وأتباعه قانونا كليا فيما يستدل به من كتب الله تعالى وكلام أنبيائه عليهم السلام وما لا يستدل به، ولهذا ردوا الاستدلال بما جاءت به الأنبياء والمرسلون في صفات الله تعالى وغير ذلك من الأمور التي أنبأوا بها وظن هؤلاء أن العقل يعارضها.
هذا هو عرض ابن تيمية للقاعدة التي حاول هدمها، فلم يهدمها حقيقة ولكن هدم ما تخيله منها فحسب، وهو عرض مشوّه مبتور ينسجم مع منهجه في الرد على الأئمة الأشعرية، ويظهر ذلك جليا في انتقاله من العرض الفاسد إلى اتهام الفخر الرازي برد مدلول ما جاء به القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم، وهي دعوى خطيرة جدا سيما في حق الإمام الرازي، لكن على كل حال هو منهج امتزج به قلم ابن تيمية امتزاج الروح بالبدن، وحتى لو فرضنا أنه تاب منه آخر حياته فإن أتباعه تأثروا بمنهجه الفاسد وربما فاقوه كذبا وبهتانا.
وقبل أن نأتي بعرض الإمام الفخر الرازي لهذه القاعدة ننبه على مغالطات حواها عرض ابن تيمية للقاعدة:
ـ فمنها أنه لم يعرّف الأدلة العقلية ولا الأدلة السميعة، ولقائل أن يقول لا حاجة له بذلك فإنه أمر معروف، فالجواب أن ذلك ضروري في هذا المقام، فإن الحكم على الشيء ردا أو قبولا فرع عن كونه معقولا، فكان عليه أن يذكر مقصوده بالأدلة العقلية والنقلية، سيما في هذا المقام، وهي تعريفات تختلف من مدرسة إلى أخرى، وفيها الحق وفيها الباطل.
ـ منها أنه استعمل لفظ التعارض بين عين الأدلة النقلية والنقلية، وهذه عبارة فاسدة لأنه لا تعارض بين مدلولات العقل الصحيح والنقل الصريح في نفس الأمر، لكن الكلام دائر حول توهم التعارض أو استشعار التعارض، وهذا التوهم والاستشعار واقع في أذهان بعض المكلفين فحسب، لا في نفس الأمر، ولا في الأذهان السوية، وسيأتي ما يؤكد ذلك من عبارة الفخر الرازي. فاستعمال ابن تيمية لكلمة التعارض بين العقل والنقل فاسد مقصود منه التشنيع على صاحب القاعدة بتقويله ما لم يقله ولم يقصده.
ـ ادعى ابن تيمية أن الفخر وضع هذا القانون من كيسه ليحاكم به نصوص الشرع، وهذا قلب للحقائق لأن القاعدة المذكورة مستندة إلى النصوص الشرعية أساسا، ذلك أن الشرع هو الذي أوجب علينا اعتماد الأدلة العقلية بعد أن خلق الله تعالى فينا مبادئها، كما أن الشرع هو الذي ورد بنصوص قطيعة الدلالة على المراد وأخرى ظنية الدلالة عليه، وحكم بإرجاع المظنون إلى المقطوع به عند توهم التعارض، ولحِكَم عديدة لا يعلم أكثرها إلا الله وحده كانت نصوص الشرع منقسمة إلى المحكم والمتشابه، أي النصوص القطعية والظواهر المحتملة، فلولا وجود ضابط للتعامل مع أنواع الأدلة النقلية لاختلطت الأمور وانتفت التفرقة بين أهل الزيغ وأهل الحق، وغير ذلك من الحِكَم العظيمة، والحاصل أنه القاعدة أو القانون المذكور أساسه الشرع الحكيم، وهو مستنبط من استقراء شبة تام للأدلة الشرعية مع مساعدة القواطع العقلية الصحيحةن فلا وجه لادعاء أنها قاعدة يقصد بها التحكم في الأدلة الشرعية والتلاعب بمدلولاتها إلا لمن يريد التشنيع بغير وجه الحق فقط.
ـ ومنها أن ابن تيمية زاد في ذكر القاعدة قوله: (وأما إذا تعارضا تعارض الضدين امتنع الجمع بينهما، ولم يمتنع ارتفاعهما) وهذا غير مذكور ولا يعقل أصلا، فلم يقل أحد باعتقاد الضدين في مدلول نص شرعي والعمل بمقتضاه على ما فيه من التضاد، فإقحامه هذا القسم مجرد تشغيب.
ـ ومنها أن ابن تيمية بعد أن ذكر هذه القاعدة مبتورة مشوهة اتهم الفخر الرازي على وجه الخصوص بردّ الاستدلال بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، يعني وكأن النبي صلى الله عليه وسلم جاء بالنصوص الشرعية في مسألة الصفات مثلا، ثم فصلّ وبيّن وجه دلالتها بوجه استدلالي صريح واضح على المراد منها بحيث لا يلتبس وجه دلالة الأدلة على المدلولات إلا على مكابر جاحد، وهذا لم يقع، فما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم في الصفات المتنازع فيها أدلة فحسب، أما بيان مدلولاتها تفصيلا وتعيينا، وبيان وجه دلالتها على تلك المدلولات، فهذا ما تنازع فيه أهل الحق أهل السنة والجماعة مع الفرق الضالة من المجسمة والمعتزلة وهلم جرا إلى يومنا هذا، ولو كان الرسول صلى الله عليه وسلم أتى بالأدلة والاستدلالات أي بيان وجه دلالة الأدلة على المدلولات التي هي الصفات المتنازع فيها ونص على ذلك نصا صريحا لما وقع نزاع أصلا بين الأمة. فعبارة ابن تيمية فاسدة يقصد بها التشنيع فحسب، ليس ذلك من شيم أهل الحق.
وسأختم هذا التعليق السريع بإيراد كلام الفخر الرازي في أساس التقديس عند تعرضه لهذه القاعدة، فقد قال:
اعلم أن الدلائل القطعية العقلية إذا قامت على ثبوت شيء، ثم وجدنا أدلة نقلية يشعر ظاهرها بخلاف ذلك، فهناك لا يخلو الحال من أحد أمور أربعة:
1 ـ إما أن يصدق مقتضى العقل والنقل فيلزم تصديق النقيضين، وهو محال.
2 ـ وإما أن نبطلهما فيلزم تكذيب النقيضين، وهو محال.
3 ـ وإما أن نكذب الظواهر النقلية، ونصدّق الدلائل العقلية.
4 ـ وإما أن نصدق الظواهر النقلية ونكذب الدلائل العقلية، وذلك باطل؛ لأنه لا يمكننا أن نعرف صحة الظواهر النقلية . إلا إذا عرفنا بالدلائل العقلية إثبات الصانع، وصفاته، وكيفية دلالة المعجزة على صدق الرسول، وظهور المعجزات على يد محمد صلى الله عليه وسلم، ولو ساغ القدح في الدلائل العقلية القطعية صار العقل متهماً غير مقبول القول، ولو كان كذلك لخرج عن أن يكون مقبول القول في هذه الأصول. وإذا لم تثبت هذه الأصول خرجت الدلائل النقلية عن كونها مفيدة.
فثبت أن القدح في العقل لتصحيح النقل يفضي إلى القدح في العقل والنقل معاً. وإنه باطل.
ولما بطلت الأقسام الأربعة لم يبق إلا أن يقطع بمقتضى الدلائل العقلية القاطعة بأن هذه الدلائل النقلية إما أن يقال أنها غير صحيحة، أو يقال: إنها صحيحة إلا أن المراد منها غير ظواهرها.
ثم إن جوزنا التأويل اشتغلنا على سبيل التبرع بذكر تلك التأويلات على التفصيل، وإن لم تجوز التأويل فوضنا العلم بها إلى الله تعالى. فهذا هو القانون الكلي المرجوع إليه في جميع المتشابهات، وبالله التوفيق. اهـ
فتأمل في دقة تعبير الفخر الرازي، حيث قال: (يشعر ظاهرها) أي يوهم في بعض الأذهان معاني غير صحيحة، فالتعارض حاصل فقط في الأذهان المتوهمة، وليس التعارض واقعا حاصلا في نفس الأمر بين الأدلة الشرعية والأدلة العقلية حتى يحكم بإبطال الأدلة الشرعية في نفس الأمر كما يحاول ابن تيمية إيهام ذلك لمجرد التشنيع فقط لا لطلب الحق.
فكلام الإمام الرازي مبني فقط على ردّ ما يمكن أن يتوهمه المجسم أو المعطل من الأدلة الشرعية، لا أن الأدلة الشرعية على وضوح دلالتها وصحتها في نفس الأمر يجب ردها إذا توهمنا معارضتها للادلة العقلية، فهو بعيد كل البعد عن مراد الإمام، لكن جعله ابن تيمية مراد الفخر من القاعدة، وهذا عين الظلم.
وأما قول الفخر فيما بعد: (إما أن يقال أنها غير صحيحة) وعنى بذلك ما كان نصا في المحال فهو بحكم الاستقراء غير صحيح لأن الأدلة الشرعية لا تكون نصا صريحا لا يحتمل أكثر من معنى في أمر مستحيل، كأن يرد مثلا: ذات الله في جهة فوق جالس على العرش. فورود مثل هذا مستحيل، وإن ادعى أحد وروده فهو باطل، أما ورود بعض الأدلة الشرعية بما يحتمل أكثر من معنى، منها الصحيح الذي يصح مرادا، ومنها غير الصحيح الذي لا يصح مرادا، مع أن المتن قطعي الثبوت، فهذا ممكن وموجود ولا ينكره أحد، والكلام إنما هو في إرادة أحد المعاني المحتملة من غيرها، وإرادة ما يناقض الأدلة العقلية الصحيحة والنقلية القطعية الصريحة غير معقول وغير صحيح، وهذا ما تفيده القاعدة أو القانون المذكور. وبالله تعالى التوفيق.
تعليق