الحمد لله رب العالمين
من كتاب:
(وَالإِمَامُ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَبُو بَكْرٍ رَضيَ اللهُ عَنْهُ) الصديق الذي صدَّقَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم في النبوّة بلا تَلَعثُمٍ، وفي المعراج بلا تَرَدُّدٍ. ثبتت إمامتُه وخلافته بإجماع الصحابة ومتابعتهم.
والإمامة: رئاسةٌ عامة في الدنيا والدين بحيث يجب اتباعُه على كافة الأمم، ولا يحصل ذلك إلا لمن كان خليفة للرسول باتباعه في جميع أموره كلها، كأبي بكرٍ وعُمرَ وعثمان وعليّ رضي الله عنهم، ولهذا قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكا عضوضا» أي كثير الظلم على الرعية، فمعاوية ومن بعده لا يكونون خلفاء، بل ملوكًا وأمراء لأنه استشهد عليٌّ ـ رضي الله عنه ـ على رأس ثلاثين سنة من وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وشرائط الإمامة تسعة:
ـ الأوَّل: الاجتهادُ في أصول الدين وفروعه؛ ليتمكن من إيراد الدلائل وحَلِّ الشكوك والحُكمِ والفتوى في وقائع الناس.
ـ والثاني: الرأيُ والتدبير؛ لتدبير أمور الحرب والسّلم وسائر الأمور السياسية.
ـ الثالث: الشجاعةُ؛ ليقوى على الذبِّ عن حريم الإسلام ولا يضعف قَلبُه عن إقامة الحدود.
ـ الرابع: العدالة؛ لأنه متصرِّف في رقاب الناس وأموالهم وأبعاضهم. ويندرج في هذه الصفات بالطريق الأولى الإسلام.
ـ الخامس: العقل.
ـ السادس: البلوغ.
ـ السابع: الذكورة.
ـ الثامن: الحرية.
ـ التاسع: كونه قُرَشيًّا لقوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «الأئمة من قريش» .
ولا يشترط أن يكون هاشميا خلافا للشيعة، ولا أن يكون عالِمًا بجميع مسائل الدين خلافا للإمامية، ولا العصمة خلافًا للإمامية والإسماعلية لأنّ الإجماع على صحة إمامة أبي بكر، ولا يجبُ له شيءٌ مما ذكروه من الخصال الثلاثة، ولا يقال إنه ما كان معصوما، إذ الإجماع على نفي وجوب عصمته، لا على عصمته، ونعوذ بالله أن نقول أنه غير معصوم.
ونَصْبُ الإمام واجبٌ على الأمة شرعًا لوجهين:
ـ الأول: أنه تواتر إجماع المسلمين في الصدر الأول بعد وفاة النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ على امتناع خُلُوِّ الوقت عن إمام.
ـ الثاني: أن فيه دَفْعُ ضَرَرٍ مَظنُونٍ، ودَفعُ الضَّرَر واجِبٌ إجماعًا لأنا نعلم عِلمًا ضروريا أن مقصود الشارع فيما شرع إنما هو رعاية مصالح العباد معاشًا ومعادًا، وذلك لا يتم إلا بالإمام من قبل الشارع يرجعون إليه فيما يعنّ لهم، وأنهم مع اختلاف الأهواء وتشتت الآراء وما بينهم من الشحناء قلّما ينقاد بعضهم لبعض، فيفضي ذلك إلى التنازع والتواثب، وربما أدى إلى هلاكهم جميعا، وتشهد التجربة والفتن القائمة عند موت الولاة إلى نصب آخر بحيث لو تمادى لعُطِّلَت المعايشُ وصار كل واحد مشغولاً بحفظ مالِه ونفسه تحت قائم السيف، وذلك يؤدي إلى رفع الدين وهلاك جميع المسلمين، والإضرارُ اللازمُ من تَرْكِ نَصبِه أكثر بكثير من الإضرار اللازم من نَصْبِه، ودَفعُ الضرر الأعظم عند التعارض واجب إجماعًا.
اعلم أنّ الإمامة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست حقًّا لعليّ رضي الله عنه كما زعمت الشيعة، ولا لعباس رضي الله عنه وإلا لنازعاه كما نازع عليٌّ معاوية، والعادةُ أيضا تقضي بالمنازعة في مثل ذلك؛ ولأن تَرْكَ المنازعة والرِّضَا بما لا يكون حَقًّا مُخِلٌّ بعلُوِّ المنصب في الدين، مع أنّ علِيًّا رضي الله عنه كان غاية في الشجاعة ونهاية في الشهامة وفرط القوة وكمال القدرة على أخذ الخلافة لأنّ فاطمة ـ رضي الله عنها ـ مع علُوِّ منصبها ورفعة شأنها كانت زوجةً له، وكان الحسن والحسين ـ رضي الله عنهما ـ مع رتبة رفعتهما ابنيه، وكان العباس عمُّ النبي مع قدر عُلوِّه متفِقًا معه، والزبير مع كمال شجاعته وفرط قوته مُعاونًا له، وكذا أكثر صناديد قريش وأتباعهم معه، وكان أبو بكر رضي الله عنه لا عسكر ولا شوكة ولا مال ولا أُهبة ولا عدة له، فلمّا لم ينازِعاه ورضيا بإمامته وانقادا لمطاوعته ودخلا في بيعته عُلم أنّ الإمامة حقٌّ له.
(ثَبَتَ إِمَامَتُهُ بِالإِجْمَاعِ) عُقَيبَ ثبوتها بالبيعة والاختيار لأنها تحصل بالبيعة والاختيار، ولا يُفتَقَر إلى الإجماع من جميع أهل الحل والعقد؛ إذ لم يقم دليل عليه من العقل والسمع، بل الواحدُ والاثنان من أهل الحل والعقد كافٍ في ثبوتها ووجوب اتباع الإمام على الناس لعلمنا أنّ الصحابة مع صلابتهم في الدين وشدة محافظتهم على أمور الشرع ـ كما هو حقها ـ اكتفوا بذلك، كعَقْدِ عمر لأبي بكر وعَبد الرحمن بن عوف لعُثمان ـ رضي الله عنهم ـ، ولم يشترط إجماع من في المدينة فضلاً عن إجماع الأمة، ولم يُنكِر عليه أحد.
(وَلَمْ يَنُصَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى إِمَامَةِ أَحَدٍ)، وفوَّض أمرها إلى الأمّة؛ لأنه لو نصَّ لتوَفَّر الدواعي على نقله؛ إذ لا يُمكِن سَترُ أمثال ذلك عادةً.
وقوله عليه الصلاة والسلام: «اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر» ليس نصًّا عليها، وقولُه لعليّ رضي الله عنه: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي» لا يدل على كونه خليفةً له بعد وفاته، بل المراد أنه خليفة له حين غيبته في غزوة تبوك كما كان هارون خليفة لموسى حين غيبته عن قومه. ولو وُجدَ نصٌّ في حقه لوجب عليه مَنْعُ غيره بالتمسُّك بالنصِّ وعدم الرضا لأنّ الرضا بالظلم ظلم، ومن ادعى النصَّ في حقِّ عليٍّ نسَبَهُ إلى العَجْزِ والتهاوُنِ في أمور الدين.
(ثُمَّ عُمَرَ الفَارُوقُ) الذي فرَّق بين الحق والباطل، ثبتت إمامتُه وخلافته باستخلاف أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنهما ـ لأنه لمّا آيس من حياته دعا عثمان وأملى عليه كتاب عهده لعُمَر ـ رضي الله عنهم ـ، فلمّا كتب ختم الصحيفة وأخرجها إلى الناس، وأمرهم أن يبايعوا لمن فيها، فبايعوا حتى مرّت بعليٍّ ـ رضي الله عنه ـ فقال: بايعنا لمن فيها وإن كان عُمَر.
وبالجملة وقع الاتفاق على خلافته، ومدة خلافتهما ثلاث عشرة سنة، منها سنتان وثلاثة أشهر وعشرة أيام لأبي بكر، والباقي لعُمر، وهو أول من سمي بأمير المؤمنين، وأمّا أبو بكر فإن الصحابة وعَلِيًّا كانوا يقولون له: يا خليفة رسول الله، وهذا دليل على حَقِّيَّةِ خلافته لأنه تعالى قال في حقهم: ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾[الحشر:8].
(ثُمَّ) الإمامُ الحَقُّ بعد عُمَر (عُثْمَانَ ذُو النُّورَيْنِ)؛ لأنه لمّا استشهد عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ ترك الخلافة شورى بين ستةٍ: عثمان، وعليّ، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص؛ ثم فوَّض الأمر خمستُهم إلى عبد الرحمن بن عوف ورَضُوا بحُكمِه، فاختار عثمان ـ رضي الله عنهم ـ، وبايعه بمحضر من الصحابة فبايعوه وانقادوا لأوامره فكان إجماعًا. وزمان خلافته اثنتا عشرة سنة.
(ثُمَّ) الإمام الحقّ بعد عثمان: (عَلِيٌّ المُرْتَضَى) ـ رضي الله عنهما ـ؛ لأنه لمّا استُشهِد عثمان ولم يَستخلِف أحدًا أجمع الصحابة على إمامة عليٍّ ـ رضي الله عنه ـ فبايعوه. وما وقع من المخالفات والمحاربات لم يكن عن نزاع في خلافته، بل عن خطإ في الاجتهاد.
(وَالأَفْضَلِيَّةُ بِهَذَا التَّرْتِيبِ) المذكور في الإمامة؛ لأنّ التقديم في خلافة الرسول صلى الله عليه وسلم يدلّ على الأفضلية، ولقوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18)﴾[الليل] لأنها نزلت في أبي بكر، فهو أتقى، ومن هو أتقى فهو أكرم عند الله لقوله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾[الحجرات:13]، والأكرم عند الله هو الأفضل، ولقوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «والله ما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على رجل أفضل من أبي بكر» ، وقوله: «وما ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يتقدم عليه غيره»، وتقديمه في الصلاة مع أنها أفضل العبادات، ولهذا قال عليٌّ ـ رضي الله عنه ـ: قدَّمَكَ رسولُ الله في أمر ديننا أفلا نقدّمك في أمر دنيانا. وقوله صلى الله عليه وسلم: «خير أمتي أبو بكر، ثم عمر»، وقوله: «لو كنت متخذا خليلا دون ربي لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن هو شريكي في ديني وصاحب الذي أوجبت له صحبتي في الغار وخليفتي في أمتي» .
ولم يصحّ ما يدل على أفضلية عليّ ـ كرّم الله وجهه ـ مُطلَقًا أو في كثرة الثواب، بل في العلم والقرابة وبعض خصاله المختصة به.
وقد اجترئ الروافض في اختراع الأحاديث وافترائها مما يدل على أفضليته، ومع ذلك لا تعارِضُ النصوصَ القاطعة الدالة على أفضلية أبي بكر لأنّ الحُكمَ بالأفضلية مقطوعٌ به عند السَّلَف من المجتهدين، وإنما الظن في الطريق، وإنما لم يفد القطعُ عند المتأخرين كالمصنِّف وغيره لأنهم ليسوا بمجتهدين، لكنه يجب عليهم وعلينا تقليدهم في القطع بذلك دون التردد والتوقف لأنه يُخِل في الدين ويورث الضغين.
(وَمَعْنَى الأَفْضَل أَنَّهُ أَكْثَرُ ثَوَابًا عِنْدَ اللهِ بِمَا كَسَبَ مِنْ خَيْرٍ، لاَ أَنَّهُ أَعْلَمُ وَأَشْرَفُ نَسَبًا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ) من أنه أشجع وأسخى، لا شك أنّ كثرة الثواب أمر خفيٌّ لكونه تفضلاً وإحسانًا من الله في الدار الآخرة، لكن ثبت أن عبادة أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ ظاهرة بالجوارح كانت أكثر، وباطنة في القلب كانت أقوى وأكمل لقوله صلى الله عليه وسلم: «ما فضل أبو بكر عليكم بكثرة صوم ولا صلاة، ولكن فضل عليكم بشيء وقر في صدره» ، فيكون أكثر ثوابًا من غيره، فيكون أفضل منهم.
ومن المعلوم في كتب السير أنا أبا بكر لمّا أسلم اشتغل بالدعوة إلى الله نيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم على يده عثمان بن عفان، وطلحة بن عبد الله، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعثمان بن مظعون فتقوّى بهم الإسلام، وكان دائما في منازعة الكفار وإعلاء دين الله في حياة النبي وبعد وفاته، ولا يخفى أنّ التصدي لأمر الخلافة والقيام بمصالح الناس وضبط أمور معاشهم ومعادهم أكثر ثوابا من الاشتغال بتكميل النفس والمداومة على وظائف الطاعات وآداء العبادات لما روي عنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «عدل ساعة خير من عبادة ستين سنة» ، فمن كان امتداد زمان خلافته أكثر كان ثوابه أكثر، وامتداد زمان خلافة عمر وعثمان كل واحد منهما أكثر من زمان خلافة ـ علي رضي الله عنهم ـ.
وأيضا الوقائع العظيمة النافعة في إظهار الدين وتشييد قواعد ملة سيد المرسلين مثل فتح فارس والروم وتمهيد قواعد العدل والإحسان وهدم مباني الكفر والطغيان أكثرها وقع في زمان خلافة عمر وعثمان، فهما أكثر ثوابًا عند الله من عليٍّ بما كسبا من خير في امتداد زمانهما في الخلافة فكانا أفضل منه، وأبو بكر أفضل منهما اتفاقا، فكان أفضل منه أيضا ـ رضي الله عنهم ـ.
واعلم أنّ تعظيمَ الصحابة كلهم والكفَّ عن القدح والطعن فيهم واجبٌ؛ لأن الله عظَّمَهم وأثنَى عليهم، والرسول صلى الله عليه وسلم قد أحبهم وأثنى عليهم في أحاديث كثيرة ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ، وما وقع بينهم من المحاربات والمنازعات فله محامل حسنة وتأويلات شرعية، والطعنُ فيهم إن كان مما يخالِفُ الأدلة القطعية فكُفرٌ، كقذف عائشة ـ رضي الله عنها ـ، وإلا فبدعة وفسق.
ثم إن من تأمل سِيَرهُم ووقف على مآثرِهم وجدّهم في الدين وبذلهم أموالهم وأنفسهم في نصرة الله ورسوله لم يتخالجه شكٌّ في عظم شأنهم وبراءتهم عمّا ينسب إليهم المبطلون من المطاعن، ومنَعه ذلك عن الطعن فيهم، ورأى ذلك مجانبا للإيمان.
ونشهد للعشَرة الذين بشَّرهُم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، قال: «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وأبو عبيدة الجراح في الجنة» .
وكذا نشهد بالجنة لفاطمة والحسن والحسين ـ رضي الله عنهم ـ كما ورد في الحديث الصحيح أن «فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، وأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة» .
وسائر الصحابة لا يُذكَرون إلا بخيرٍ، ويرجى لهم أكثر ما يرجى لغيرهم من المؤمنين.
ولا نشهد بالجنة ولا بالنار لأحد بعينه، بل نشهد بأن المؤمنين من أهل الجنة والكافرين من أهل النار.
من كتاب:
شَـرْحُ
العَقَائِـدِ العَضُـدِيَّةِ
تأليف الشيخ
حسين بن شهاب الدين الكيلاني
(842 / 889 هـ)
العَقَائِـدِ العَضُـدِيَّةِ
تأليف الشيخ
حسين بن شهاب الدين الكيلاني
(842 / 889 هـ)
(وَالإِمَامُ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَبُو بَكْرٍ رَضيَ اللهُ عَنْهُ) الصديق الذي صدَّقَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم في النبوّة بلا تَلَعثُمٍ، وفي المعراج بلا تَرَدُّدٍ. ثبتت إمامتُه وخلافته بإجماع الصحابة ومتابعتهم.
والإمامة: رئاسةٌ عامة في الدنيا والدين بحيث يجب اتباعُه على كافة الأمم، ولا يحصل ذلك إلا لمن كان خليفة للرسول باتباعه في جميع أموره كلها، كأبي بكرٍ وعُمرَ وعثمان وعليّ رضي الله عنهم، ولهذا قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكا عضوضا» أي كثير الظلم على الرعية، فمعاوية ومن بعده لا يكونون خلفاء، بل ملوكًا وأمراء لأنه استشهد عليٌّ ـ رضي الله عنه ـ على رأس ثلاثين سنة من وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وشرائط الإمامة تسعة:
ـ الأوَّل: الاجتهادُ في أصول الدين وفروعه؛ ليتمكن من إيراد الدلائل وحَلِّ الشكوك والحُكمِ والفتوى في وقائع الناس.
ـ والثاني: الرأيُ والتدبير؛ لتدبير أمور الحرب والسّلم وسائر الأمور السياسية.
ـ الثالث: الشجاعةُ؛ ليقوى على الذبِّ عن حريم الإسلام ولا يضعف قَلبُه عن إقامة الحدود.
ـ الرابع: العدالة؛ لأنه متصرِّف في رقاب الناس وأموالهم وأبعاضهم. ويندرج في هذه الصفات بالطريق الأولى الإسلام.
ـ الخامس: العقل.
ـ السادس: البلوغ.
ـ السابع: الذكورة.
ـ الثامن: الحرية.
ـ التاسع: كونه قُرَشيًّا لقوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «الأئمة من قريش» .
ولا يشترط أن يكون هاشميا خلافا للشيعة، ولا أن يكون عالِمًا بجميع مسائل الدين خلافا للإمامية، ولا العصمة خلافًا للإمامية والإسماعلية لأنّ الإجماع على صحة إمامة أبي بكر، ولا يجبُ له شيءٌ مما ذكروه من الخصال الثلاثة، ولا يقال إنه ما كان معصوما، إذ الإجماع على نفي وجوب عصمته، لا على عصمته، ونعوذ بالله أن نقول أنه غير معصوم.
ونَصْبُ الإمام واجبٌ على الأمة شرعًا لوجهين:
ـ الأول: أنه تواتر إجماع المسلمين في الصدر الأول بعد وفاة النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ على امتناع خُلُوِّ الوقت عن إمام.
ـ الثاني: أن فيه دَفْعُ ضَرَرٍ مَظنُونٍ، ودَفعُ الضَّرَر واجِبٌ إجماعًا لأنا نعلم عِلمًا ضروريا أن مقصود الشارع فيما شرع إنما هو رعاية مصالح العباد معاشًا ومعادًا، وذلك لا يتم إلا بالإمام من قبل الشارع يرجعون إليه فيما يعنّ لهم، وأنهم مع اختلاف الأهواء وتشتت الآراء وما بينهم من الشحناء قلّما ينقاد بعضهم لبعض، فيفضي ذلك إلى التنازع والتواثب، وربما أدى إلى هلاكهم جميعا، وتشهد التجربة والفتن القائمة عند موت الولاة إلى نصب آخر بحيث لو تمادى لعُطِّلَت المعايشُ وصار كل واحد مشغولاً بحفظ مالِه ونفسه تحت قائم السيف، وذلك يؤدي إلى رفع الدين وهلاك جميع المسلمين، والإضرارُ اللازمُ من تَرْكِ نَصبِه أكثر بكثير من الإضرار اللازم من نَصْبِه، ودَفعُ الضرر الأعظم عند التعارض واجب إجماعًا.
اعلم أنّ الإمامة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست حقًّا لعليّ رضي الله عنه كما زعمت الشيعة، ولا لعباس رضي الله عنه وإلا لنازعاه كما نازع عليٌّ معاوية، والعادةُ أيضا تقضي بالمنازعة في مثل ذلك؛ ولأن تَرْكَ المنازعة والرِّضَا بما لا يكون حَقًّا مُخِلٌّ بعلُوِّ المنصب في الدين، مع أنّ علِيًّا رضي الله عنه كان غاية في الشجاعة ونهاية في الشهامة وفرط القوة وكمال القدرة على أخذ الخلافة لأنّ فاطمة ـ رضي الله عنها ـ مع علُوِّ منصبها ورفعة شأنها كانت زوجةً له، وكان الحسن والحسين ـ رضي الله عنهما ـ مع رتبة رفعتهما ابنيه، وكان العباس عمُّ النبي مع قدر عُلوِّه متفِقًا معه، والزبير مع كمال شجاعته وفرط قوته مُعاونًا له، وكذا أكثر صناديد قريش وأتباعهم معه، وكان أبو بكر رضي الله عنه لا عسكر ولا شوكة ولا مال ولا أُهبة ولا عدة له، فلمّا لم ينازِعاه ورضيا بإمامته وانقادا لمطاوعته ودخلا في بيعته عُلم أنّ الإمامة حقٌّ له.
(ثَبَتَ إِمَامَتُهُ بِالإِجْمَاعِ) عُقَيبَ ثبوتها بالبيعة والاختيار لأنها تحصل بالبيعة والاختيار، ولا يُفتَقَر إلى الإجماع من جميع أهل الحل والعقد؛ إذ لم يقم دليل عليه من العقل والسمع، بل الواحدُ والاثنان من أهل الحل والعقد كافٍ في ثبوتها ووجوب اتباع الإمام على الناس لعلمنا أنّ الصحابة مع صلابتهم في الدين وشدة محافظتهم على أمور الشرع ـ كما هو حقها ـ اكتفوا بذلك، كعَقْدِ عمر لأبي بكر وعَبد الرحمن بن عوف لعُثمان ـ رضي الله عنهم ـ، ولم يشترط إجماع من في المدينة فضلاً عن إجماع الأمة، ولم يُنكِر عليه أحد.
(وَلَمْ يَنُصَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى إِمَامَةِ أَحَدٍ)، وفوَّض أمرها إلى الأمّة؛ لأنه لو نصَّ لتوَفَّر الدواعي على نقله؛ إذ لا يُمكِن سَترُ أمثال ذلك عادةً.
وقوله عليه الصلاة والسلام: «اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر» ليس نصًّا عليها، وقولُه لعليّ رضي الله عنه: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي» لا يدل على كونه خليفةً له بعد وفاته، بل المراد أنه خليفة له حين غيبته في غزوة تبوك كما كان هارون خليفة لموسى حين غيبته عن قومه. ولو وُجدَ نصٌّ في حقه لوجب عليه مَنْعُ غيره بالتمسُّك بالنصِّ وعدم الرضا لأنّ الرضا بالظلم ظلم، ومن ادعى النصَّ في حقِّ عليٍّ نسَبَهُ إلى العَجْزِ والتهاوُنِ في أمور الدين.
(ثُمَّ عُمَرَ الفَارُوقُ) الذي فرَّق بين الحق والباطل، ثبتت إمامتُه وخلافته باستخلاف أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنهما ـ لأنه لمّا آيس من حياته دعا عثمان وأملى عليه كتاب عهده لعُمَر ـ رضي الله عنهم ـ، فلمّا كتب ختم الصحيفة وأخرجها إلى الناس، وأمرهم أن يبايعوا لمن فيها، فبايعوا حتى مرّت بعليٍّ ـ رضي الله عنه ـ فقال: بايعنا لمن فيها وإن كان عُمَر.
وبالجملة وقع الاتفاق على خلافته، ومدة خلافتهما ثلاث عشرة سنة، منها سنتان وثلاثة أشهر وعشرة أيام لأبي بكر، والباقي لعُمر، وهو أول من سمي بأمير المؤمنين، وأمّا أبو بكر فإن الصحابة وعَلِيًّا كانوا يقولون له: يا خليفة رسول الله، وهذا دليل على حَقِّيَّةِ خلافته لأنه تعالى قال في حقهم: ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾[الحشر:8].
(ثُمَّ) الإمامُ الحَقُّ بعد عُمَر (عُثْمَانَ ذُو النُّورَيْنِ)؛ لأنه لمّا استشهد عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ ترك الخلافة شورى بين ستةٍ: عثمان، وعليّ، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص؛ ثم فوَّض الأمر خمستُهم إلى عبد الرحمن بن عوف ورَضُوا بحُكمِه، فاختار عثمان ـ رضي الله عنهم ـ، وبايعه بمحضر من الصحابة فبايعوه وانقادوا لأوامره فكان إجماعًا. وزمان خلافته اثنتا عشرة سنة.
(ثُمَّ) الإمام الحقّ بعد عثمان: (عَلِيٌّ المُرْتَضَى) ـ رضي الله عنهما ـ؛ لأنه لمّا استُشهِد عثمان ولم يَستخلِف أحدًا أجمع الصحابة على إمامة عليٍّ ـ رضي الله عنه ـ فبايعوه. وما وقع من المخالفات والمحاربات لم يكن عن نزاع في خلافته، بل عن خطإ في الاجتهاد.
(وَالأَفْضَلِيَّةُ بِهَذَا التَّرْتِيبِ) المذكور في الإمامة؛ لأنّ التقديم في خلافة الرسول صلى الله عليه وسلم يدلّ على الأفضلية، ولقوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18)﴾[الليل] لأنها نزلت في أبي بكر، فهو أتقى، ومن هو أتقى فهو أكرم عند الله لقوله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾[الحجرات:13]، والأكرم عند الله هو الأفضل، ولقوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «والله ما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على رجل أفضل من أبي بكر» ، وقوله: «وما ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يتقدم عليه غيره»، وتقديمه في الصلاة مع أنها أفضل العبادات، ولهذا قال عليٌّ ـ رضي الله عنه ـ: قدَّمَكَ رسولُ الله في أمر ديننا أفلا نقدّمك في أمر دنيانا. وقوله صلى الله عليه وسلم: «خير أمتي أبو بكر، ثم عمر»، وقوله: «لو كنت متخذا خليلا دون ربي لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن هو شريكي في ديني وصاحب الذي أوجبت له صحبتي في الغار وخليفتي في أمتي» .
ولم يصحّ ما يدل على أفضلية عليّ ـ كرّم الله وجهه ـ مُطلَقًا أو في كثرة الثواب، بل في العلم والقرابة وبعض خصاله المختصة به.
وقد اجترئ الروافض في اختراع الأحاديث وافترائها مما يدل على أفضليته، ومع ذلك لا تعارِضُ النصوصَ القاطعة الدالة على أفضلية أبي بكر لأنّ الحُكمَ بالأفضلية مقطوعٌ به عند السَّلَف من المجتهدين، وإنما الظن في الطريق، وإنما لم يفد القطعُ عند المتأخرين كالمصنِّف وغيره لأنهم ليسوا بمجتهدين، لكنه يجب عليهم وعلينا تقليدهم في القطع بذلك دون التردد والتوقف لأنه يُخِل في الدين ويورث الضغين.
(وَمَعْنَى الأَفْضَل أَنَّهُ أَكْثَرُ ثَوَابًا عِنْدَ اللهِ بِمَا كَسَبَ مِنْ خَيْرٍ، لاَ أَنَّهُ أَعْلَمُ وَأَشْرَفُ نَسَبًا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ) من أنه أشجع وأسخى، لا شك أنّ كثرة الثواب أمر خفيٌّ لكونه تفضلاً وإحسانًا من الله في الدار الآخرة، لكن ثبت أن عبادة أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ ظاهرة بالجوارح كانت أكثر، وباطنة في القلب كانت أقوى وأكمل لقوله صلى الله عليه وسلم: «ما فضل أبو بكر عليكم بكثرة صوم ولا صلاة، ولكن فضل عليكم بشيء وقر في صدره» ، فيكون أكثر ثوابًا من غيره، فيكون أفضل منهم.
ومن المعلوم في كتب السير أنا أبا بكر لمّا أسلم اشتغل بالدعوة إلى الله نيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم على يده عثمان بن عفان، وطلحة بن عبد الله، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعثمان بن مظعون فتقوّى بهم الإسلام، وكان دائما في منازعة الكفار وإعلاء دين الله في حياة النبي وبعد وفاته، ولا يخفى أنّ التصدي لأمر الخلافة والقيام بمصالح الناس وضبط أمور معاشهم ومعادهم أكثر ثوابا من الاشتغال بتكميل النفس والمداومة على وظائف الطاعات وآداء العبادات لما روي عنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «عدل ساعة خير من عبادة ستين سنة» ، فمن كان امتداد زمان خلافته أكثر كان ثوابه أكثر، وامتداد زمان خلافة عمر وعثمان كل واحد منهما أكثر من زمان خلافة ـ علي رضي الله عنهم ـ.
وأيضا الوقائع العظيمة النافعة في إظهار الدين وتشييد قواعد ملة سيد المرسلين مثل فتح فارس والروم وتمهيد قواعد العدل والإحسان وهدم مباني الكفر والطغيان أكثرها وقع في زمان خلافة عمر وعثمان، فهما أكثر ثوابًا عند الله من عليٍّ بما كسبا من خير في امتداد زمانهما في الخلافة فكانا أفضل منه، وأبو بكر أفضل منهما اتفاقا، فكان أفضل منه أيضا ـ رضي الله عنهم ـ.
واعلم أنّ تعظيمَ الصحابة كلهم والكفَّ عن القدح والطعن فيهم واجبٌ؛ لأن الله عظَّمَهم وأثنَى عليهم، والرسول صلى الله عليه وسلم قد أحبهم وأثنى عليهم في أحاديث كثيرة ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ، وما وقع بينهم من المحاربات والمنازعات فله محامل حسنة وتأويلات شرعية، والطعنُ فيهم إن كان مما يخالِفُ الأدلة القطعية فكُفرٌ، كقذف عائشة ـ رضي الله عنها ـ، وإلا فبدعة وفسق.
ثم إن من تأمل سِيَرهُم ووقف على مآثرِهم وجدّهم في الدين وبذلهم أموالهم وأنفسهم في نصرة الله ورسوله لم يتخالجه شكٌّ في عظم شأنهم وبراءتهم عمّا ينسب إليهم المبطلون من المطاعن، ومنَعه ذلك عن الطعن فيهم، ورأى ذلك مجانبا للإيمان.
ونشهد للعشَرة الذين بشَّرهُم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، قال: «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وأبو عبيدة الجراح في الجنة» .
وكذا نشهد بالجنة لفاطمة والحسن والحسين ـ رضي الله عنهم ـ كما ورد في الحديث الصحيح أن «فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، وأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة» .
وسائر الصحابة لا يُذكَرون إلا بخيرٍ، ويرجى لهم أكثر ما يرجى لغيرهم من المؤمنين.
ولا نشهد بالجنة ولا بالنار لأحد بعينه، بل نشهد بأن المؤمنين من أهل الجنة والكافرين من أهل النار.
تعليق