بسم الله الرحمن الرحيم
أنقل هنا كلام للأستاذ محمود شاكر رحمه الله تعالى من مقدمته لأسرار البلاغة للإمام عبد القاهر الجرجاني رحمه الله تعالى ط. دار المدني جدة 1991
/ 17 /
ورحم الله الشيخ رشيد رضا
فقد كنت في صدر شبابي وفي إبان طلبي العلم حين قرأت مقدمة الشيخ رشيد لأسرار البلاغة ، ورأيت ما فيها من الغمز في عمل السكاكي ثم الطعن الشديد في كتب السعد التفتازاني وحواشيه على تلخيص المفتاح للخطيب القزويني ، حتى سماها الرسوم الميتة التي سماها الجهل علما ، واو كما قال فراعني يومئذ ما يقوله الشيخ في السعد التفتازاني الذي أثنى عليه كل من ترجم له ، حتى قالوا : انتهت إليه علوم البلاغة في المشرق ، ولكني حملت ذلك على أنه أراد الرواج لكتابه الذي طبعه ، وهو أسرار البلاغة للإمام الجرجاني ، وظننت أنها زلة تغتفر للشيخ رحمه الله .
ومع ذلك فقد داعني ما كتبه عن كتب السعد أن أنظر فيها وأقرأها ، فوجدت أنه قد ظلم السعد ظلما بينا ، لأن الرجل كان يكتب لأهل زمانه ، وما ألفوا من العبارة عن علمهم ، وأنه فيه من النظر الدقيق في البلاغة قدرا لا يستهين به أحد يحمل في نفسه قدرا من الإنصاف .
ومضت سنون ، حتى دخلت الجامعة ، وسمعت ما يقوله الدكتور طه في كتابه في الشعر الجاهلي الذي رج حياتي رجا شديدا زلزل نفسي ، فعزمت على أن أعيد النظر في كتب السلف المتقدمين ، ويومئذ عرفت كتاب التلخيص في علوم البلاغة الذي شرحه الأستاذ الجليل عبد الرحمن البرقوقي فرأيته في مقدمته يغمز في عمل السكاكي ثم يقول أيضا في الحواشي على تلخيص المفتاح للخطيب القزويني مثل ما قال الشيخ رشيد ، يقول البرقوقي :
"
ظهر حوالي ذلك قوم درجوا من عش الفلسفة ، فوضعوا على الكتاب الشروح والحواشي ، وسلكوا بهذا العلم مسلكا تنكره اللغة ويستهجنه / 18 / البلغاء ، فأغمضوا عن أسرار البلاغة ، وتشبثوا بالفلسفة ، حمى بينهم وطيس المناظرة ، حتى أتوا على الذماء الباقي من هذا العلم ، وحتى أضحى وقد انهالت دعائمه ، وتنكرت معالمه :
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ** أنيس ولم يسمر يمكة سامر
ثم يذكر الشيخ محمد عبده وفضله ويقول : أتى على ذلك حين من الدهر ... حتى أتيح له في هذا العصر إمام تولى الله تأديبه ... وأوحى إليه صالح العلم ، وأيده بآيات الحق ، إمام أرسله الله رحمة للغة والدين ... من النفوس جذور الباطل ... فما هو إلا أن سطع فينا نور هذين الكوكبين ( يعني كتاب أسرار البلاغة ، وكتاب دلائل الإعجاز ) حتى استبان لنا سوء ما كنا نعتسف فيه ، ورحمنا أنفسا أنصبناها في غير طائل ، ومطايا من العمر أنضيناها في سبيل الباطل )1 "
قرأت هذا وأنا في حومة الصراع التي نسبت في نفسي ، بما أحدثه كلم الدكتور بكتابه في الشعر الجاهلي وما سمعته منه يومئذ ، فلم أزل أسائل نفسي وأسائل الكبار الذين أدركوا ذلك الزمان قبل أن أولد ، فعلمت منهم أن ما قاله الشيخان إنما هو ترديد لما كان يقوله الشيخ محمد عبده في دروسه ومجالسه ، في ذم الكتب التي كان طلبة العلم في الأزهر يدرسونها ، فتلقفوا عنه هذا الطعن بالتسليم دون فحص أو نظر .
وهذه الخصلة وحدها ليست من خصال أهل العلم ، إنما هي تشدق وثرثرة ، كل امرئ قادر على أن يتبجح بها وبتباهى ، وقبل كل شيء ، فهي في حقيقتها صد صريح / 19 / عن هذه الكتب ، يورث الازدراء ويغرى بالانصراف عما فيها ، ويحمل على تحقير أصحابها .
وفتح هذا الباب ولم يغلق إلى هذا اليوم .
كان هذا ومضة برق في ظلام لفني فيه كلام الدكتور طه . فشغلت نفسي فترة في الأمر كيف جاء على لسان هذين الشيخين ؟
ولم ؟
وكنت يومئذ حديث التخرج في القسم العلمي في المدرسة الخديوية . فنظرت فيه على هذا الوجه
أولا : الشيخ محمد عبده ولد سنة 1266 هـ ، وتوفي سنة 1323 هـ ( 1849 - 1905 ) ولما كان مناصرا لثورة عرابي سجنه الإنجليز ، ثم نفوه وهو في الرابعة والثلاثين من عمره إلى بيروت سنة 1300 هـ ( 1882 م ) ، وبعد ذلك عاد إلى مصر سنة 1306 هـ ( 1888 م ) ويومئذ ذاع صيته ، وتحلق الناس حوله . وبعدئذ أيضا نشب الخلاف بينه وبين علماء الأزهر واحتدم ، وتطايرت الكلمات على لسانه في ذمهم وذم كتبهم ، وأظن أن ذلك كان قد بدأ سنة 1309 هـ ( 1891 م ) على الأقل ، إلى أن توفي رحمه الله في سنة 1322 هـ ( 1905 م ) أي نحو أربع عشرة سنة .
ثانيا : الشيخ محمد رشيد رضا ولد سنة 1282 هـ وتوفي سنة 1354 هـ ( 1865 - 1935 م ) وكانت بينه وبين الشيخ عبده مراسلات قليلة أيام نفيه إلى بيروت ، ثم ترك الشام ونزل مصر سنة 1315 هـ ( 1897 م ) وهو في الثالثة والثلاثين من عمره ، فشهد هذه المعركة بين شيوخ الأزهر والشيخ محمد عبده نحو ثمان سنوات ، وسمع منه ما سمع ، وكتب مقدمة أسرار البلاغة سنة 1320 هـ ( 1902 م ) أي بعد مقدمه إلى مصر بخمس سنوات .
/ 20 /
ثالثا : الشيخ عبد الرحمن البرقوقي ولد سنة 1293 هـ وتوفي سنة 1363 هـ ( 1876 - 1944 م ) قرأ في الأزهر على شيخنا سيد بن علي المرصفي ، ولم يتم دراسته في الأزهر ، وكان حين نشبت المعركة بين الشيخ عبده وعلماء الأزهر في السادسة عشرة من عمره ، شابا نابها محبا للآداب ، وكان ممن تحلق حول الشيخ عبده من طلبة الأزهر . فسمع ما سمع من اشيخ حتى توفي سنة 1323 هـ ( 1905 م ) ، وكان يومئذ في الثلاثين من عمره ، وفي سنة 1322 هـ ( 1904 م ) طبع كتابه شرح التلخيص في علوم البلاغة ، وقرظه الشيخ عبده في تلك السنة ، ثم توفي الشيخ سنة 1323 هـ كما مر آنفا ، وضمن التقريظ غمزا شديدا في شراح التلخيص ، وفيمن يدرسه من علماء الأزهر فقال :
" شرحه كثير من الناظرين في الفن ، وتعلق الأغلب بلفظه ، ولم ينظروا في الغاية من وضعه ، فصرفوا الوقت فيه ، وفاتتهم البلاغة نفسها بجميع مقاصدها ، فلا هم يحسنون إذا كتبوا ، ولا هم يقنعون إذا خطبوا ، ولا هم يحسنون الاستماع إذا خوطبوا ، كما هو معروف لأنفسهم ، ولكل من يعرفهم "
فأنت ترى فيما أظن أن ما قاله الشيخان ما هو إلا ترديد لما كان يقوله الشيخ عبده في معركته مع الأزهر ، في ذم كتبهم والغض منها ، والكلام المكتوب كما تراه في تقريظ شرح التلخيص للبرقوقي غير الكلام الذي كان يدور في المعركة باللسان ، وبالتجريح ، وبالانتقاص ، والصد عن شروح التلخيص ، وبخاصة حواشي السعد التفتازاني الذي انتهت إليه معرفة علوم البلاغة في المشرق كما قال مترجموه ، وأحسنوا الثناء عليه وعلى ما كتب / 21 / .
ولم يقتصر ذم الشيخ عبده على كتب البلاغة وحدها ، بل تناول الطعن الجارح كل الكتب التي كانت تدرس في الأزهر على اختلاف أنواعها ، من بلاغة وفقه ونحو وبقية علوم العربية والدين ، وذاع هذا الطعن ، وتناقلته ألسنة المحيطين به من صغار طلبة الأزهر ، وطلبة المدارس وغيرهم من الطوائف ، فكان هذا أول صدع في تراث الأمة العربية الإسلامية ، وأول دعوة لإسقاط تاريخ طويل من التاليف وما كتبه علماء الأمة المتأخرون ، إسقاطا كاملا يتداوله الشباب بألسنتهم ، مستقرا في نفوسهم وهم في غضارة الشباب ، لا يطيقون التمييز بين الخطأ والصواب ، وليس عندهم من العلم ما يعينهم على الفصل في المعركة التي دارت بين شيوخ الأزهر والشيخ محمد عبده ، وليس في أيديهم سوى ما قاله الشيخ في التجريح والطعن الذي صدهم صدا كاملا أيضا عن هذه الكتب ، وأورثهم الاستهانة بها ، والاستهانة داء وبيل يطمس الطرق المؤدية إلى العلم والفهم .
كلمت جارحة ، وزلات لسان على حين غضب ، لا يدري الناطق بها ما عواقبها ، وقد قال الشاعر القديم :
جراحات السنان لها التئام ** ولا يلتام ما جرح اللسان
( يلتام: يلتئم )
وقد كان ما قاله الشاعر ، وبقي الجرح يتسع وينزف إلى هذا اليوم .
لم تكد هذه الجراحات تستشري قليلا قليلا ، حتى جاء ما هو أدهى وأعظم بلاء . جاء من رجل نشأ في الأزهر بعد أن جاء من الصعيد سنة 1320 هـ ( 1902 م ) في الثالثة عشرة من عمره ، وذلك قبل وفاة الشيخ محمد عبده سنة 1323 هـ ( 1905 م ) ، فلم يسمع منه شيئا ، بل سمع / 22 / ما كانت تتناقله الألسنة الطاعنة في كتب الازهر باستهانة وبلا مبالاة ، فوقرت الاستهانة في أعماق نفسه . ولم تستمر دراسته في الأزهر أكثر من أربع سنوات ، ثم فارق الأزهر قبل سنة 1326 هـ ( 1908 م ) فالتحق بالجامعة المصرية التي كانت قد أنشئت في هذه السنة .
كان فتى ذكيا أديبا محبا للظهور والشهرة ، فنال الدكتوراة من الجامعة المصرية سنة 1332 هـ ( 1914 م ) ثم سافر إلى فرسنا وحاز الدكتوراة من السربون سنة 1336 هـ ( 1918 م ) وعاد إلى مصر وأقام بها حتى أنشئت جامعة فؤاد الأول ( جامعة القاهرة ) فعُين بها أستاذا للأدب العربي سنة 1344 هـ ( 1925 م ) وذلك عند أول إنشاء هذه الجامعة ، وهو يومئذ في السادسة والثلاثين من عمره ، ذلك هو أستاذنا وأستاذ جيلنا الدكتور طه حسن .
كنا طلبة صغارا ، قد جاءوا من المدارس الثانوية ، مفرغين تفريغا كاملا من أصول ثقافة أمتهم ، من ماضيهم كله ، من علومه وآدابه وتاريخه وفنونه ، ومن الثقافة الإسلامية العربية الواضحة في كتب أسلافهم ، لا علم لأحد منم بهذه الكتب . وذلك بفضل نظام المدارس المصرية التي تولى وضعه القسيس المبشر العاتي دنلوب ، والذي لا يزال ساري المفعول إلى هذه اليوم ( سنة 1991 م )
فوجئنا جميعا بالدكتور طه ، وبصوته الجهير ، وبألفاظه العذبة ، وبحسن تعبيره عن مقاصده ، ثم بإنكاره صحة الشعر الجاهلي ، والذي لم يسمع به أكثرنا ، بل جلنا ، وهو يحدثنا عن نظريته فيه ، وأن:
" الكثرة المطلقة مما نسميه شعرا جاهليا ليست من الجاهلية في شيء ، فهي مختلقة بعد ظهور الإسلام ، فهي إسلامية تمثل حياة المسلمين وميولهم وأهواءهم أكثر مما تمثل حياة الجاهليين ، وأكاد لا أشك في أن ما بقي من الشعر الجاهلي / 23 / الصحيح قليل جدا ، لا يمثل شيئا ولا يدل على شيء ، ولا ينبغي الاعماد عليه في استخراج الصورة الأدبية الصحيح لهذا العصر الجاهلي ، وأنا أقدر النتائج الخطيرة لهذه النظرية ، ولكني مع ذلك لا أتردد في إثباتها وإذاعتها ، ولا أضعف عن أن أعلم إليك ، وإلى غيرك من القراء ، أن ما تقرؤه على أنه شعر امرئ القيس أو طرفة أو ابن كلثوم أو عنترة ليس من هؤلاء الناس في شيء ، وإنما هو انتحال الرواة ، أو اختلاق الأعراب ، أو صنعة النحاة ، أو تكلف القصاص ، أو اختراع المفسرين والمحدثين والمتكلمين " ( في الشعر الجاهلي : 7 )
وانتهى بنا الدكتور طه إلى قوله : " نحن مطمئنون إلى مذهبنا ، مقتنعون بأن الشعر الجاهلي أو كثرة هذا الشعر الجاهلي لا تمثل شيئا ، ولا تدل على شيء ، إلا ما قدمنا من العبث والكذب والانتحال " ( في الشعر الجاهلي : 183 )
وأعد قراءة هذا لكل تحس بما فيه من الزهو والغرور .
وأنا وحدي من بين جميع زملائي تجرعت الغيظ بحتا ، ووقعت في ظلام يفضي إلى ظلام ، وفي حيرة تجرني إلى حيرة ، وهالني هذا الطعن الجازم في علماء أمتي ، وفي رواتها ، وفي نحاتها ، وفي مفسري القرآن ، ورواة الحديث .
وبقيت أتلدد يمينا وشمالا زمنا متطاولا ، حتى جاءت ومضة البرق التي أضاءت لي الطريق ( أنظر ما سلف : 19 )
وحملتني على أن أتقصى فضية طعن الشيخ محمد عبده وتلاميذه في كتب العلم التي تدرس في الأزهر كما أسلفت آنفا ، فأيقنت أن الذي هون على الدكتور طه أن يأتي بنظريته في الطعن في الشعر الجاهلي وفي علماء الأمة هو ما تأثر به من سماع ما تناقلته ألسنة المحيطين بالشيخ عبده من الطعن في كتب البلاغة وعلمائها الكبار باستهانة وبلا مبالاة ، فوقرت هذه الاستهانة في أعماق قلبه ، ونضحت نضحها في كل صفحة من صفحات كتابه في الشعر الجاهلي
/ 24 /
ولم تمض عشر سنوات أي في سنة 1935 حتى كان الدكتور طه أول من فزع من أثر هذه النظرية في أبنائه الذين خرجهم في الجامعة ، فبدأ ينشر في جريدة الجهاد سنة 1936 مقالات كان محصلها أنه قد رجع رجوعا كاملا عن نظريته في الشعر الجاهلي ، ثم حدثني هو نفسه بأنه قد رجع عن هذه الأقوال ، ولكنه على عادة الأساتذة الكبار في ذلك الوقت يخطئون في العلن ، ويتبرأون من خطئهم في السر ، وسقطت نظرية الشعر الجاهلي وحُسم أمرها ، ولكن الاستهانة ظلت سارية الأثر إلى هذا اليوم .
بل بقى من كتابه في الشعر الجاهلي مذهبه الذي دافع عنه في أول كتابه ، والذي وصفه بقوله : " أما هذا المذهب ( يعني الشك ) فيقلب العلم القديم رأسا على عقب ، وأخشى إن لم يمح أكثره ، أن يمحو منه شيئا كثيرا " ( في الشعر الجاهلي : 3 )
وأن هذا المذهب له نتائج عظيمة جليلة الخطر ، وأنه أقرب إلى الثورة ، وحسبك من أصحابه " أنهم يشكون فيما كان الناس يرونه يقينا ، وقد يجحدون ما أجمع الناس على أنه حق لا شك فيه ، وليس حظ هذا المذهب منتهيا عند هذا الحد ، بل هو يجاوزه إلى حدود أخرى أبعد منه مدى وأعظم أثرا ، فهم ينتهون إلى تغيير التاريخ ، أو ما اتفق الناس على أنه تاريخ " ( في الشهر الجاهلي : 6 ) ، وهذا كله ثرثة جارفة ، واستطالة وزهو وطقطقة لسان ، لا غير .
يتبع ...
أنقل هنا كلام للأستاذ محمود شاكر رحمه الله تعالى من مقدمته لأسرار البلاغة للإمام عبد القاهر الجرجاني رحمه الله تعالى ط. دار المدني جدة 1991
/ 17 /
ورحم الله الشيخ رشيد رضا
فقد كنت في صدر شبابي وفي إبان طلبي العلم حين قرأت مقدمة الشيخ رشيد لأسرار البلاغة ، ورأيت ما فيها من الغمز في عمل السكاكي ثم الطعن الشديد في كتب السعد التفتازاني وحواشيه على تلخيص المفتاح للخطيب القزويني ، حتى سماها الرسوم الميتة التي سماها الجهل علما ، واو كما قال فراعني يومئذ ما يقوله الشيخ في السعد التفتازاني الذي أثنى عليه كل من ترجم له ، حتى قالوا : انتهت إليه علوم البلاغة في المشرق ، ولكني حملت ذلك على أنه أراد الرواج لكتابه الذي طبعه ، وهو أسرار البلاغة للإمام الجرجاني ، وظننت أنها زلة تغتفر للشيخ رحمه الله .
ومع ذلك فقد داعني ما كتبه عن كتب السعد أن أنظر فيها وأقرأها ، فوجدت أنه قد ظلم السعد ظلما بينا ، لأن الرجل كان يكتب لأهل زمانه ، وما ألفوا من العبارة عن علمهم ، وأنه فيه من النظر الدقيق في البلاغة قدرا لا يستهين به أحد يحمل في نفسه قدرا من الإنصاف .
ومضت سنون ، حتى دخلت الجامعة ، وسمعت ما يقوله الدكتور طه في كتابه في الشعر الجاهلي الذي رج حياتي رجا شديدا زلزل نفسي ، فعزمت على أن أعيد النظر في كتب السلف المتقدمين ، ويومئذ عرفت كتاب التلخيص في علوم البلاغة الذي شرحه الأستاذ الجليل عبد الرحمن البرقوقي فرأيته في مقدمته يغمز في عمل السكاكي ثم يقول أيضا في الحواشي على تلخيص المفتاح للخطيب القزويني مثل ما قال الشيخ رشيد ، يقول البرقوقي :
"
ظهر حوالي ذلك قوم درجوا من عش الفلسفة ، فوضعوا على الكتاب الشروح والحواشي ، وسلكوا بهذا العلم مسلكا تنكره اللغة ويستهجنه / 18 / البلغاء ، فأغمضوا عن أسرار البلاغة ، وتشبثوا بالفلسفة ، حمى بينهم وطيس المناظرة ، حتى أتوا على الذماء الباقي من هذا العلم ، وحتى أضحى وقد انهالت دعائمه ، وتنكرت معالمه :
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ** أنيس ولم يسمر يمكة سامر
ثم يذكر الشيخ محمد عبده وفضله ويقول : أتى على ذلك حين من الدهر ... حتى أتيح له في هذا العصر إمام تولى الله تأديبه ... وأوحى إليه صالح العلم ، وأيده بآيات الحق ، إمام أرسله الله رحمة للغة والدين ... من النفوس جذور الباطل ... فما هو إلا أن سطع فينا نور هذين الكوكبين ( يعني كتاب أسرار البلاغة ، وكتاب دلائل الإعجاز ) حتى استبان لنا سوء ما كنا نعتسف فيه ، ورحمنا أنفسا أنصبناها في غير طائل ، ومطايا من العمر أنضيناها في سبيل الباطل )1 "
قرأت هذا وأنا في حومة الصراع التي نسبت في نفسي ، بما أحدثه كلم الدكتور بكتابه في الشعر الجاهلي وما سمعته منه يومئذ ، فلم أزل أسائل نفسي وأسائل الكبار الذين أدركوا ذلك الزمان قبل أن أولد ، فعلمت منهم أن ما قاله الشيخان إنما هو ترديد لما كان يقوله الشيخ محمد عبده في دروسه ومجالسه ، في ذم الكتب التي كان طلبة العلم في الأزهر يدرسونها ، فتلقفوا عنه هذا الطعن بالتسليم دون فحص أو نظر .
وهذه الخصلة وحدها ليست من خصال أهل العلم ، إنما هي تشدق وثرثرة ، كل امرئ قادر على أن يتبجح بها وبتباهى ، وقبل كل شيء ، فهي في حقيقتها صد صريح / 19 / عن هذه الكتب ، يورث الازدراء ويغرى بالانصراف عما فيها ، ويحمل على تحقير أصحابها .
وفتح هذا الباب ولم يغلق إلى هذا اليوم .
كان هذا ومضة برق في ظلام لفني فيه كلام الدكتور طه . فشغلت نفسي فترة في الأمر كيف جاء على لسان هذين الشيخين ؟
ولم ؟
وكنت يومئذ حديث التخرج في القسم العلمي في المدرسة الخديوية . فنظرت فيه على هذا الوجه
أولا : الشيخ محمد عبده ولد سنة 1266 هـ ، وتوفي سنة 1323 هـ ( 1849 - 1905 ) ولما كان مناصرا لثورة عرابي سجنه الإنجليز ، ثم نفوه وهو في الرابعة والثلاثين من عمره إلى بيروت سنة 1300 هـ ( 1882 م ) ، وبعد ذلك عاد إلى مصر سنة 1306 هـ ( 1888 م ) ويومئذ ذاع صيته ، وتحلق الناس حوله . وبعدئذ أيضا نشب الخلاف بينه وبين علماء الأزهر واحتدم ، وتطايرت الكلمات على لسانه في ذمهم وذم كتبهم ، وأظن أن ذلك كان قد بدأ سنة 1309 هـ ( 1891 م ) على الأقل ، إلى أن توفي رحمه الله في سنة 1322 هـ ( 1905 م ) أي نحو أربع عشرة سنة .
ثانيا : الشيخ محمد رشيد رضا ولد سنة 1282 هـ وتوفي سنة 1354 هـ ( 1865 - 1935 م ) وكانت بينه وبين الشيخ عبده مراسلات قليلة أيام نفيه إلى بيروت ، ثم ترك الشام ونزل مصر سنة 1315 هـ ( 1897 م ) وهو في الثالثة والثلاثين من عمره ، فشهد هذه المعركة بين شيوخ الأزهر والشيخ محمد عبده نحو ثمان سنوات ، وسمع منه ما سمع ، وكتب مقدمة أسرار البلاغة سنة 1320 هـ ( 1902 م ) أي بعد مقدمه إلى مصر بخمس سنوات .
/ 20 /
ثالثا : الشيخ عبد الرحمن البرقوقي ولد سنة 1293 هـ وتوفي سنة 1363 هـ ( 1876 - 1944 م ) قرأ في الأزهر على شيخنا سيد بن علي المرصفي ، ولم يتم دراسته في الأزهر ، وكان حين نشبت المعركة بين الشيخ عبده وعلماء الأزهر في السادسة عشرة من عمره ، شابا نابها محبا للآداب ، وكان ممن تحلق حول الشيخ عبده من طلبة الأزهر . فسمع ما سمع من اشيخ حتى توفي سنة 1323 هـ ( 1905 م ) ، وكان يومئذ في الثلاثين من عمره ، وفي سنة 1322 هـ ( 1904 م ) طبع كتابه شرح التلخيص في علوم البلاغة ، وقرظه الشيخ عبده في تلك السنة ، ثم توفي الشيخ سنة 1323 هـ كما مر آنفا ، وضمن التقريظ غمزا شديدا في شراح التلخيص ، وفيمن يدرسه من علماء الأزهر فقال :
" شرحه كثير من الناظرين في الفن ، وتعلق الأغلب بلفظه ، ولم ينظروا في الغاية من وضعه ، فصرفوا الوقت فيه ، وفاتتهم البلاغة نفسها بجميع مقاصدها ، فلا هم يحسنون إذا كتبوا ، ولا هم يقنعون إذا خطبوا ، ولا هم يحسنون الاستماع إذا خوطبوا ، كما هو معروف لأنفسهم ، ولكل من يعرفهم "
فأنت ترى فيما أظن أن ما قاله الشيخان ما هو إلا ترديد لما كان يقوله الشيخ عبده في معركته مع الأزهر ، في ذم كتبهم والغض منها ، والكلام المكتوب كما تراه في تقريظ شرح التلخيص للبرقوقي غير الكلام الذي كان يدور في المعركة باللسان ، وبالتجريح ، وبالانتقاص ، والصد عن شروح التلخيص ، وبخاصة حواشي السعد التفتازاني الذي انتهت إليه معرفة علوم البلاغة في المشرق كما قال مترجموه ، وأحسنوا الثناء عليه وعلى ما كتب / 21 / .
ولم يقتصر ذم الشيخ عبده على كتب البلاغة وحدها ، بل تناول الطعن الجارح كل الكتب التي كانت تدرس في الأزهر على اختلاف أنواعها ، من بلاغة وفقه ونحو وبقية علوم العربية والدين ، وذاع هذا الطعن ، وتناقلته ألسنة المحيطين به من صغار طلبة الأزهر ، وطلبة المدارس وغيرهم من الطوائف ، فكان هذا أول صدع في تراث الأمة العربية الإسلامية ، وأول دعوة لإسقاط تاريخ طويل من التاليف وما كتبه علماء الأمة المتأخرون ، إسقاطا كاملا يتداوله الشباب بألسنتهم ، مستقرا في نفوسهم وهم في غضارة الشباب ، لا يطيقون التمييز بين الخطأ والصواب ، وليس عندهم من العلم ما يعينهم على الفصل في المعركة التي دارت بين شيوخ الأزهر والشيخ محمد عبده ، وليس في أيديهم سوى ما قاله الشيخ في التجريح والطعن الذي صدهم صدا كاملا أيضا عن هذه الكتب ، وأورثهم الاستهانة بها ، والاستهانة داء وبيل يطمس الطرق المؤدية إلى العلم والفهم .
كلمت جارحة ، وزلات لسان على حين غضب ، لا يدري الناطق بها ما عواقبها ، وقد قال الشاعر القديم :
جراحات السنان لها التئام ** ولا يلتام ما جرح اللسان
( يلتام: يلتئم )
وقد كان ما قاله الشاعر ، وبقي الجرح يتسع وينزف إلى هذا اليوم .
لم تكد هذه الجراحات تستشري قليلا قليلا ، حتى جاء ما هو أدهى وأعظم بلاء . جاء من رجل نشأ في الأزهر بعد أن جاء من الصعيد سنة 1320 هـ ( 1902 م ) في الثالثة عشرة من عمره ، وذلك قبل وفاة الشيخ محمد عبده سنة 1323 هـ ( 1905 م ) ، فلم يسمع منه شيئا ، بل سمع / 22 / ما كانت تتناقله الألسنة الطاعنة في كتب الازهر باستهانة وبلا مبالاة ، فوقرت الاستهانة في أعماق نفسه . ولم تستمر دراسته في الأزهر أكثر من أربع سنوات ، ثم فارق الأزهر قبل سنة 1326 هـ ( 1908 م ) فالتحق بالجامعة المصرية التي كانت قد أنشئت في هذه السنة .
كان فتى ذكيا أديبا محبا للظهور والشهرة ، فنال الدكتوراة من الجامعة المصرية سنة 1332 هـ ( 1914 م ) ثم سافر إلى فرسنا وحاز الدكتوراة من السربون سنة 1336 هـ ( 1918 م ) وعاد إلى مصر وأقام بها حتى أنشئت جامعة فؤاد الأول ( جامعة القاهرة ) فعُين بها أستاذا للأدب العربي سنة 1344 هـ ( 1925 م ) وذلك عند أول إنشاء هذه الجامعة ، وهو يومئذ في السادسة والثلاثين من عمره ، ذلك هو أستاذنا وأستاذ جيلنا الدكتور طه حسن .
كنا طلبة صغارا ، قد جاءوا من المدارس الثانوية ، مفرغين تفريغا كاملا من أصول ثقافة أمتهم ، من ماضيهم كله ، من علومه وآدابه وتاريخه وفنونه ، ومن الثقافة الإسلامية العربية الواضحة في كتب أسلافهم ، لا علم لأحد منم بهذه الكتب . وذلك بفضل نظام المدارس المصرية التي تولى وضعه القسيس المبشر العاتي دنلوب ، والذي لا يزال ساري المفعول إلى هذه اليوم ( سنة 1991 م )
فوجئنا جميعا بالدكتور طه ، وبصوته الجهير ، وبألفاظه العذبة ، وبحسن تعبيره عن مقاصده ، ثم بإنكاره صحة الشعر الجاهلي ، والذي لم يسمع به أكثرنا ، بل جلنا ، وهو يحدثنا عن نظريته فيه ، وأن:
" الكثرة المطلقة مما نسميه شعرا جاهليا ليست من الجاهلية في شيء ، فهي مختلقة بعد ظهور الإسلام ، فهي إسلامية تمثل حياة المسلمين وميولهم وأهواءهم أكثر مما تمثل حياة الجاهليين ، وأكاد لا أشك في أن ما بقي من الشعر الجاهلي / 23 / الصحيح قليل جدا ، لا يمثل شيئا ولا يدل على شيء ، ولا ينبغي الاعماد عليه في استخراج الصورة الأدبية الصحيح لهذا العصر الجاهلي ، وأنا أقدر النتائج الخطيرة لهذه النظرية ، ولكني مع ذلك لا أتردد في إثباتها وإذاعتها ، ولا أضعف عن أن أعلم إليك ، وإلى غيرك من القراء ، أن ما تقرؤه على أنه شعر امرئ القيس أو طرفة أو ابن كلثوم أو عنترة ليس من هؤلاء الناس في شيء ، وإنما هو انتحال الرواة ، أو اختلاق الأعراب ، أو صنعة النحاة ، أو تكلف القصاص ، أو اختراع المفسرين والمحدثين والمتكلمين " ( في الشعر الجاهلي : 7 )
وانتهى بنا الدكتور طه إلى قوله : " نحن مطمئنون إلى مذهبنا ، مقتنعون بأن الشعر الجاهلي أو كثرة هذا الشعر الجاهلي لا تمثل شيئا ، ولا تدل على شيء ، إلا ما قدمنا من العبث والكذب والانتحال " ( في الشعر الجاهلي : 183 )
وأعد قراءة هذا لكل تحس بما فيه من الزهو والغرور .
وأنا وحدي من بين جميع زملائي تجرعت الغيظ بحتا ، ووقعت في ظلام يفضي إلى ظلام ، وفي حيرة تجرني إلى حيرة ، وهالني هذا الطعن الجازم في علماء أمتي ، وفي رواتها ، وفي نحاتها ، وفي مفسري القرآن ، ورواة الحديث .
وبقيت أتلدد يمينا وشمالا زمنا متطاولا ، حتى جاءت ومضة البرق التي أضاءت لي الطريق ( أنظر ما سلف : 19 )
وحملتني على أن أتقصى فضية طعن الشيخ محمد عبده وتلاميذه في كتب العلم التي تدرس في الأزهر كما أسلفت آنفا ، فأيقنت أن الذي هون على الدكتور طه أن يأتي بنظريته في الطعن في الشعر الجاهلي وفي علماء الأمة هو ما تأثر به من سماع ما تناقلته ألسنة المحيطين بالشيخ عبده من الطعن في كتب البلاغة وعلمائها الكبار باستهانة وبلا مبالاة ، فوقرت هذه الاستهانة في أعماق قلبه ، ونضحت نضحها في كل صفحة من صفحات كتابه في الشعر الجاهلي
/ 24 /
ولم تمض عشر سنوات أي في سنة 1935 حتى كان الدكتور طه أول من فزع من أثر هذه النظرية في أبنائه الذين خرجهم في الجامعة ، فبدأ ينشر في جريدة الجهاد سنة 1936 مقالات كان محصلها أنه قد رجع رجوعا كاملا عن نظريته في الشعر الجاهلي ، ثم حدثني هو نفسه بأنه قد رجع عن هذه الأقوال ، ولكنه على عادة الأساتذة الكبار في ذلك الوقت يخطئون في العلن ، ويتبرأون من خطئهم في السر ، وسقطت نظرية الشعر الجاهلي وحُسم أمرها ، ولكن الاستهانة ظلت سارية الأثر إلى هذا اليوم .
بل بقى من كتابه في الشعر الجاهلي مذهبه الذي دافع عنه في أول كتابه ، والذي وصفه بقوله : " أما هذا المذهب ( يعني الشك ) فيقلب العلم القديم رأسا على عقب ، وأخشى إن لم يمح أكثره ، أن يمحو منه شيئا كثيرا " ( في الشعر الجاهلي : 3 )
وأن هذا المذهب له نتائج عظيمة جليلة الخطر ، وأنه أقرب إلى الثورة ، وحسبك من أصحابه " أنهم يشكون فيما كان الناس يرونه يقينا ، وقد يجحدون ما أجمع الناس على أنه حق لا شك فيه ، وليس حظ هذا المذهب منتهيا عند هذا الحد ، بل هو يجاوزه إلى حدود أخرى أبعد منه مدى وأعظم أثرا ، فهم ينتهون إلى تغيير التاريخ ، أو ما اتفق الناس على أنه تاريخ " ( في الشهر الجاهلي : 6 ) ، وهذا كله ثرثة جارفة ، واستطالة وزهو وطقطقة لسان ، لا غير .
يتبع ...
تعليق