محمد عبده وداء الاستهانة بقلم الأستاذ محمود شاكر رحمه الله تعالى

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أشرف سهيل
    طالب علم
    • Aug 2006
    • 1843

    #1

    محمد عبده وداء الاستهانة بقلم الأستاذ محمود شاكر رحمه الله تعالى

    بسم الله الرحمن الرحيم

    أنقل هنا كلام للأستاذ محمود شاكر رحمه الله تعالى من مقدمته لأسرار البلاغة للإمام عبد القاهر الجرجاني رحمه الله تعالى ط. دار المدني جدة 1991

    / 17 /
    ورحم الله الشيخ رشيد رضا
    فقد كنت في صدر شبابي وفي إبان طلبي العلم حين قرأت مقدمة الشيخ رشيد لأسرار البلاغة ، ورأيت ما فيها من الغمز في عمل السكاكي ثم الطعن الشديد في كتب السعد التفتازاني وحواشيه على تلخيص المفتاح للخطيب القزويني ، حتى سماها الرسوم الميتة التي سماها الجهل علما ، واو كما قال فراعني يومئذ ما يقوله الشيخ في السعد التفتازاني الذي أثنى عليه كل من ترجم له ، حتى قالوا : انتهت إليه علوم البلاغة في المشرق ، ولكني حملت ذلك على أنه أراد الرواج لكتابه الذي طبعه ، وهو أسرار البلاغة للإمام الجرجاني ، وظننت أنها زلة تغتفر للشيخ رحمه الله .

    ومع ذلك فقد داعني ما كتبه عن كتب السعد أن أنظر فيها وأقرأها ، فوجدت أنه قد ظلم السعد ظلما بينا ، لأن الرجل كان يكتب لأهل زمانه ، وما ألفوا من العبارة عن علمهم ، وأنه فيه من النظر الدقيق في البلاغة قدرا لا يستهين به أحد يحمل في نفسه قدرا من الإنصاف .

    ومضت سنون ، حتى دخلت الجامعة ، وسمعت ما يقوله الدكتور طه في كتابه في الشعر الجاهلي الذي رج حياتي رجا شديدا زلزل نفسي ، فعزمت على أن أعيد النظر في كتب السلف المتقدمين ، ويومئذ عرفت كتاب التلخيص في علوم البلاغة الذي شرحه الأستاذ الجليل عبد الرحمن البرقوقي فرأيته في مقدمته يغمز في عمل السكاكي ثم يقول أيضا في الحواشي على تلخيص المفتاح للخطيب القزويني مثل ما قال الشيخ رشيد ، يقول البرقوقي :
    "
    ظهر حوالي ذلك قوم درجوا من عش الفلسفة ، فوضعوا على الكتاب الشروح والحواشي ، وسلكوا بهذا العلم مسلكا تنكره اللغة ويستهجنه / 18 / البلغاء ، فأغمضوا عن أسرار البلاغة ، وتشبثوا بالفلسفة ، حمى بينهم وطيس المناظرة ، حتى أتوا على الذماء الباقي من هذا العلم ، وحتى أضحى وقد انهالت دعائمه ، وتنكرت معالمه :
    كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ** أنيس ولم يسمر يمكة سامر

    ثم يذكر الشيخ محمد عبده وفضله ويقول : أتى على ذلك حين من الدهر ... حتى أتيح له في هذا العصر إمام تولى الله تأديبه ... وأوحى إليه صالح العلم ، وأيده بآيات الحق ، إمام أرسله الله رحمة للغة والدين ... من النفوس جذور الباطل ... فما هو إلا أن سطع فينا نور هذين الكوكبين ( يعني كتاب أسرار البلاغة ، وكتاب دلائل الإعجاز ) حتى استبان لنا سوء ما كنا نعتسف فيه ، ورحمنا أنفسا أنصبناها في غير طائل ، ومطايا من العمر أنضيناها في سبيل الباطل )1 "

    قرأت هذا وأنا في حومة الصراع التي نسبت في نفسي ، بما أحدثه كلم الدكتور بكتابه في الشعر الجاهلي وما سمعته منه يومئذ ، فلم أزل أسائل نفسي وأسائل الكبار الذين أدركوا ذلك الزمان قبل أن أولد ، فعلمت منهم أن ما قاله الشيخان إنما هو ترديد لما كان يقوله الشيخ محمد عبده في دروسه ومجالسه ، في ذم الكتب التي كان طلبة العلم في الأزهر يدرسونها ، فتلقفوا عنه هذا الطعن بالتسليم دون فحص أو نظر .
    وهذه الخصلة وحدها ليست من خصال أهل العلم ، إنما هي تشدق وثرثرة ، كل امرئ قادر على أن يتبجح بها وبتباهى ، وقبل كل شيء ، فهي في حقيقتها صد صريح
    / 19 / عن هذه الكتب ، يورث الازدراء ويغرى بالانصراف عما فيها ، ويحمل على تحقير أصحابها .
    وفتح هذا الباب ولم يغلق إلى هذا اليوم .


    كان هذا ومضة برق في ظلام لفني فيه كلام الدكتور طه . فشغلت نفسي فترة في الأمر كيف جاء على لسان هذين الشيخين ؟
    ولم ؟
    وكنت يومئذ حديث التخرج في القسم العلمي في المدرسة الخديوية . فنظرت فيه على هذا الوجه

    أولا : الشيخ محمد عبده ولد سنة 1266 هـ ، وتوفي سنة 1323 هـ ( 1849 - 1905 ) ولما كان مناصرا لثورة عرابي سجنه الإنجليز ، ثم نفوه وهو في الرابعة والثلاثين من عمره إلى بيروت سنة 1300 هـ ( 1882 م ) ، وبعد ذلك عاد إلى مصر سنة 1306 هـ ( 1888 م ) ويومئذ ذاع صيته ، وتحلق الناس حوله . وبعدئذ أيضا نشب الخلاف بينه وبين علماء الأزهر واحتدم ، وتطايرت الكلمات على لسانه في ذمهم وذم كتبهم ، وأظن أن ذلك كان قد بدأ سنة 1309 هـ ( 1891 م ) على الأقل ، إلى أن توفي رحمه الله في سنة 1322 هـ ( 1905 م ) أي نحو أربع عشرة سنة .

    ثانيا : الشيخ محمد رشيد رضا ولد سنة 1282 هـ وتوفي سنة 1354 هـ ( 1865 - 1935 م ) وكانت بينه وبين الشيخ عبده مراسلات قليلة أيام نفيه إلى بيروت ، ثم ترك الشام ونزل مصر سنة 1315 هـ ( 1897 م ) وهو في الثالثة والثلاثين من عمره ، فشهد هذه المعركة بين شيوخ الأزهر والشيخ محمد عبده نحو ثمان سنوات ، وسمع منه ما سمع ، وكتب مقدمة أسرار البلاغة سنة 1320 هـ ( 1902 م ) أي بعد مقدمه إلى مصر بخمس سنوات .

    / 20 /
    ثالثا : الشيخ عبد الرحمن البرقوقي ولد سنة 1293 هـ وتوفي سنة 1363 هـ ( 1876 - 1944 م ) قرأ في الأزهر على شيخنا سيد بن علي المرصفي ، ولم يتم دراسته في الأزهر ، وكان حين نشبت المعركة بين الشيخ عبده وعلماء الأزهر في السادسة عشرة من عمره ، شابا نابها محبا للآداب ، وكان ممن تحلق حول الشيخ عبده من طلبة الأزهر . فسمع ما سمع من اشيخ حتى توفي سنة 1323 هـ ( 1905 م ) ، وكان يومئذ في الثلاثين من عمره ، وفي سنة 1322 هـ ( 1904 م ) طبع كتابه شرح التلخيص في علوم البلاغة ، وقرظه الشيخ عبده في تلك السنة ، ثم توفي الشيخ سنة 1323 هـ كما مر آنفا ، وضمن التقريظ غمزا شديدا في شراح التلخيص ، وفيمن يدرسه من علماء الأزهر فقال :
    " شرحه كثير من الناظرين في الفن ، وتعلق الأغلب بلفظه ، ولم ينظروا في الغاية من وضعه ، فصرفوا الوقت فيه ، وفاتتهم البلاغة نفسها بجميع مقاصدها ، فلا هم يحسنون إذا كتبوا ، ولا هم يقنعون إذا خطبوا ، ولا هم يحسنون الاستماع إذا خوطبوا ، كما هو معروف لأنفسهم ، ولكل من يعرفهم "

    فأنت ترى فيما أظن أن ما قاله الشيخان ما هو إلا ترديد لما كان يقوله الشيخ عبده في معركته مع الأزهر ، في ذم كتبهم والغض منها ، والكلام المكتوب كما تراه في تقريظ شرح التلخيص للبرقوقي غير الكلام الذي كان يدور في المعركة باللسان ، وبالتجريح ، وبالانتقاص ، والصد عن شروح التلخيص ، وبخاصة حواشي السعد التفتازاني الذي انتهت إليه معرفة علوم البلاغة في المشرق كما قال مترجموه ، وأحسنوا الثناء عليه وعلى ما كتب / 21 / .

    ولم يقتصر ذم الشيخ عبده على كتب البلاغة وحدها ، بل تناول الطعن الجارح كل الكتب التي كانت تدرس في الأزهر على اختلاف أنواعها ، من بلاغة وفقه ونحو وبقية علوم العربية والدين ، وذاع هذا الطعن ، وتناقلته ألسنة المحيطين به من صغار طلبة الأزهر ، وطلبة المدارس وغيرهم من الطوائف ، فكان هذا أول صدع في تراث الأمة العربية الإسلامية ، وأول دعوة لإسقاط تاريخ طويل من التاليف وما كتبه علماء الأمة المتأخرون ، إسقاطا كاملا يتداوله الشباب بألسنتهم ، مستقرا في نفوسهم وهم في غضارة الشباب ، لا يطيقون التمييز بين الخطأ والصواب ، وليس عندهم من العلم ما يعينهم على الفصل في المعركة التي دارت بين شيوخ الأزهر والشيخ محمد عبده ، وليس في أيديهم سوى ما قاله الشيخ في التجريح والطعن الذي صدهم صدا كاملا أيضا عن هذه الكتب ، وأورثهم الاستهانة بها ، والاستهانة داء وبيل يطمس الطرق المؤدية إلى العلم والفهم .

    كلمت جارحة ، وزلات لسان على حين غضب ، لا يدري الناطق بها ما عواقبها ، وقد قال الشاعر القديم :
    جراحات السنان لها التئام ** ولا يلتام ما جرح اللسان

    ( يلتام: يلتئم )
    وقد كان ما قاله الشاعر ، وبقي الجرح يتسع وينزف إلى هذا اليوم .



    لم تكد هذه الجراحات تستشري قليلا قليلا ، حتى جاء ما هو أدهى وأعظم بلاء . جاء من رجل نشأ في الأزهر بعد أن جاء من الصعيد سنة 1320 هـ ( 1902 م ) في الثالثة عشرة من عمره ، وذلك قبل وفاة الشيخ محمد عبده سنة 1323 هـ ( 1905 م ) ، فلم يسمع منه شيئا ، بل سمع / 22 / ما كانت تتناقله الألسنة الطاعنة في كتب الازهر باستهانة وبلا مبالاة ، فوقرت الاستهانة في أعماق نفسه . ولم تستمر دراسته في الأزهر أكثر من أربع سنوات ، ثم فارق الأزهر قبل سنة 1326 هـ ( 1908 م ) فالتحق بالجامعة المصرية التي كانت قد أنشئت في هذه السنة .
    كان فتى ذكيا أديبا محبا للظهور والشهرة ، فنال الدكتوراة من الجامعة المصرية سنة 1332 هـ ( 1914 م ) ثم سافر إلى فرسنا وحاز الدكتوراة من السربون سنة 1336 هـ ( 1918 م ) وعاد إلى مصر وأقام بها حتى أنشئت جامعة فؤاد الأول ( جامعة القاهرة ) فعُين بها أستاذا للأدب العربي سنة 1344 هـ ( 1925 م ) وذلك عند أول إنشاء هذه الجامعة ، وهو يومئذ في السادسة والثلاثين من عمره ، ذلك هو أستاذنا وأستاذ جيلنا الدكتور طه حسن .

    كنا طلبة صغارا ، قد جاءوا من المدارس الثانوية ، مفرغين تفريغا كاملا من أصول ثقافة أمتهم ، من ماضيهم كله ، من علومه وآدابه وتاريخه وفنونه ، ومن الثقافة الإسلامية العربية الواضحة في كتب أسلافهم ، لا علم لأحد منم بهذه الكتب . وذلك بفضل نظام المدارس المصرية التي تولى وضعه القسيس المبشر العاتي دنلوب ، والذي لا يزال ساري المفعول إلى هذه اليوم ( سنة 1991 م )

    فوجئنا جميعا بالدكتور طه ، وبصوته الجهير ، وبألفاظه العذبة ، وبحسن تعبيره عن مقاصده ، ثم بإنكاره صحة الشعر الجاهلي ، والذي لم يسمع به أكثرنا ، بل جلنا ، وهو يحدثنا عن نظريته فيه ، وأن:
    " الكثرة المطلقة مما نسميه شعرا جاهليا ليست من الجاهلية في شيء ، فهي مختلقة بعد ظهور الإسلام ، فهي إسلامية تمثل حياة المسلمين وميولهم وأهواءهم أكثر مما تمثل حياة الجاهليين ، وأكاد لا أشك في أن ما بقي من الشعر الجاهلي / 23 / الصحيح قليل جدا ، لا يمثل شيئا ولا يدل على شيء ، ولا ينبغي الاعماد عليه في استخراج الصورة الأدبية الصحيح لهذا العصر الجاهلي ، وأنا أقدر النتائج الخطيرة لهذه النظرية ، ولكني مع ذلك لا أتردد في إثباتها وإذاعتها ، ولا أضعف عن أن أعلم إليك ، وإلى غيرك من القراء ، أن ما تقرؤه على أنه شعر امرئ القيس أو طرفة أو ابن كلثوم أو عنترة ليس من هؤلاء الناس في شيء ، وإنما هو انتحال الرواة ، أو اختلاق الأعراب ، أو صنعة النحاة ، أو تكلف القصاص ، أو اختراع المفسرين والمحدثين والمتكلمين " ( في الشعر الجاهلي : 7 )

    وانتهى بنا الدكتور طه إلى قوله : " نحن مطمئنون إلى مذهبنا ، مقتنعون بأن الشعر الجاهلي أو كثرة هذا الشعر الجاهلي لا تمثل شيئا ، ولا تدل على شيء ، إلا ما قدمنا من العبث والكذب والانتحال " ( في الشعر الجاهلي : 183 )
    وأعد قراءة هذا لكل تحس بما فيه من الزهو والغرور .

    وأنا وحدي من بين جميع زملائي تجرعت الغيظ بحتا ، ووقعت في ظلام يفضي إلى ظلام ، وفي حيرة تجرني إلى حيرة ، وهالني هذا الطعن الجازم في علماء أمتي ، وفي رواتها ، وفي نحاتها ، وفي مفسري القرآن ، ورواة الحديث .
    وبقيت أتلدد يمينا وشمالا زمنا متطاولا ، حتى جاءت ومضة البرق التي أضاءت لي الطريق ( أنظر ما سلف : 19 )

    وحملتني على أن أتقصى فضية طعن الشيخ محمد عبده وتلاميذه في كتب العلم التي تدرس في الأزهر كما أسلفت آنفا ، فأيقنت أن الذي هون على الدكتور طه أن يأتي بنظريته في الطعن في الشعر الجاهلي وفي علماء الأمة هو ما تأثر به من سماع ما تناقلته ألسنة المحيطين بالشيخ عبده من الطعن في كتب البلاغة وعلمائها الكبار باستهانة وبلا مبالاة ، فوقرت هذه الاستهانة في أعماق قلبه ، ونضحت نضحها في كل صفحة من صفحات كتابه في الشعر الجاهلي

    / 24 /

    ولم تمض عشر سنوات أي في سنة 1935 حتى كان الدكتور طه أول من فزع من أثر هذه النظرية في أبنائه الذين خرجهم في الجامعة ، فبدأ ينشر في جريدة الجهاد سنة 1936 مقالات كان محصلها أنه قد رجع رجوعا كاملا عن نظريته في الشعر الجاهلي ، ثم حدثني هو نفسه بأنه قد رجع عن هذه الأقوال ، ولكنه على عادة الأساتذة الكبار في ذلك الوقت يخطئون في العلن ، ويتبرأون من خطئهم في السر ، وسقطت نظرية الشعر الجاهلي وحُسم أمرها ، ولكن الاستهانة ظلت سارية الأثر إلى هذا اليوم .

    بل بقى من كتابه في الشعر الجاهلي مذهبه الذي دافع عنه في أول كتابه ، والذي وصفه بقوله : " أما هذا المذهب ( يعني الشك ) فيقلب العلم القديم رأسا على عقب ، وأخشى إن لم يمح أكثره ، أن يمحو منه شيئا كثيرا " ( في الشعر الجاهلي : 3 )
    وأن هذا المذهب له نتائج عظيمة جليلة الخطر ، وأنه أقرب إلى الثورة ، وحسبك من أصحابه " أنهم يشكون فيما كان الناس يرونه يقينا ، وقد يجحدون ما أجمع الناس على أنه حق لا شك فيه ، وليس حظ هذا المذهب منتهيا عند هذا الحد ، بل هو يجاوزه إلى حدود أخرى أبعد منه مدى وأعظم أثرا ، فهم ينتهون إلى تغيير التاريخ ، أو ما اتفق الناس على أنه تاريخ " ( في الشهر الجاهلي : 6 ) ، وهذا كله ثرثة جارفة ، واستطالة وزهو وطقطقة لسان ، لا غير .


    يتبع ...
    اللهمَّ أخرِجْنَا مِنْ ظُلُمَاتِ الوَهْمِ ، وأكْرِمْنَا بِنُورِ الفَهْمِ ، وافْتَحْ عَلَيْنَا بِمَعْرِفَةِ العِلْمِ ، وحَسِّنْ أخْلَاقَنَا بالحِلْمِ ، وسَهِّلْ لنَا أبْوَابَ فَضْلِكَ ، وانشُرْ عَلَيْنَا مِنْ خَزَائنِ رَحْمَتِكَ يا أرْحَمَ الرَّاحِمِين
  • أشرف سهيل
    طالب علم
    • Aug 2006
    • 1843

    #2
    ذهبت نظرية الدكتور طه في الشعر الجاهلي بددا ؛ لأنها لم تقم على أساس صحيح من العلم والنظر ، ولم يبق من كتابه إلا شيئان :

    الأول : ما طفح به كتاب في الشعر الجاهلي من الاستهزاء والسخرية والاستهانة بعقول القدماء من أسلافنا ، والحط من أقدارهم ، والغض مما خلفوه من كتب ومن علم ، ومن حصيلة جهودهم وإخلاصهم / 25 / في التثبت والمعرفة ، وهذا كله مفض إلى طرح هذا الذي تركوه لنا وراء ظهورنا ، وإلى الإعراض عنه بلا تبين ولا نظر ، وهذا هو الداء الوبيل .

    الثاني : التحريض السافر لشباب مفرغين من أصول ثقافتهم الممتد تاريخها على مدى ثلاثة عشر قرنا على العبث بهذه الأصول ، والكذب عليها بحصائد الألسنة التي لا تستمد بيانها من عقل مستنير يتورع عن الخوض في أمور لا يعرفها حق المعرفة ، وهذا أيضا وبيل آخر يسرع إسراع النار في هشيم النبت .

    وقد اكتسب الدكتور طه الاستهانة والاستخفاف مما سمعه من حديث جرى على الألسنة في زمان المعركة بين شيوخ الأزهر والشيخ محمد عبده ولاتميذه من بعده .
    وأما التحريض على تغيير التاريخ وما اتفق الناس على أنه تاريخ ثم ما دعا إليه من مذهب يؤدي إلى أن ينقلب العلم القديم رأسا على عقب وأن يمحى من هذا العلم القديم أكثره أو ان يمحى منه شيء كثير فهذا هو تجديد الدكتور طه الذي دعانا نحن الصغار إليه .
    ومرة أخرى أقول :
    جراحات السنان لها التِئام ** ولا يلتام ما جرح اللسان

    وإنما قصصت هذا التاريخ الطويل ؛ لأنه تاريخ لداء الاستهانة وقلة المبالاة الذي سرى إلى الناس ، ولأنه يكشف لنا بوضوح أسباب فساد حياتنا الأدبية التي نعيشها اليوم . وهي حياة فاسدة ؛ لأن أساتذتنا الكبار استهانوا بما يقولون ، وتركوا ألسنتهم تطول وترعى في مرتع وخيم .

    واستهانتهم هذه لم تقتصر جنايتها على العلم أو الأدب ، أو التاريخ ، أو الدين ، بل جنت أيضا على الحياة السياسية التي جاءت بعد ثورة مصر سنة 1919 ، بل استشرت أيضا حتى جنت على ما هو أعظم ، جنت على / 26 / عامة الناس في حياتهم اليومية ، وأعمالهم التي يزاولونها بأيديهم وعقولهم ليكسبوا بها رزق أيامهم وقوت أنفسهم وقوت عيالهم .
    كانت لاستهانة شرارة خفية تحت الرماد ، وإذا بها اليوم نار ساطعة يستطير لهيبها يمينا وشمالا ، وصدق الشاعر الذي يقول :
    ومعظم النار من مستصغر الشرر

    آه ! لقد مضى على الأمة العربية الإسلامية نحو من ثلاثة عشر قرنا لم نسمع في خلالها دعوة تحرض طلبة العلم على إسقاط كتب برمتها من حسابهم ، وتحثهم على رفضها وترك النظر فيها ، ولذلك قلت آنفا : إن الذي جرى على لسان الشيخ محمد عبده في أوائل القرن الرابع عشر في حركته مع شيوخ الأزهر طلبا لإصلاح التعليم في الأزهر كان أول صدع في ثرات الأمة العربية الإسلامية ، ثم تلقف كلامه تلامذته فرددوه ترديدا متواصلا ، وجاء ذلك بينا فيما كتبه الشيخ رشيد رضا والشيخ البرقوقي في شأن الكتب التي كانت تدرس في الأزهر في علم البلاغة كالحواشي التي كتبها إمام عصره في البلاغة السعد التفتازاني في أواخر القرن الثامن ( 712 - 791 هـ ) على تلخيص المفتاح للسكاكي للخطيب القزويني من أئمة علماء البلاغة في أوائل القرن الثامن ( 666 - 739 هـ ) . وكان ما قالوه جميعا كما رأيت يحمل قدرا بالغ الشناعة من الاستهانة بعقول الماضين من العلماء وأقدارهم ، وليس شعري ما قولون إذن في عروس الأفراح شرح تلخيص المفتاح للبهاء السبكي ( 719 - 793 ) ، وفي ابن يعقوب المغربي في مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح ( ... ) ، وفي حاشية الدسوقي على شرح السعد ( ... - 1230 هـ ) !!

    لقد كانت هذه الكتب جميعا منذ السكاكي إلى الدسوقي تقعيدا / 27 / لبعض ما كتبه عبد القاهر في كتابيه في البلاغة ، فهو أول من أسس علم البلاغة تأسيسا بالغ الدقة ، ومن طلب البلاغة منهما وحدهما فقد وقع في بحر تتلاطم أمواجه ، راكبه على غرر الغرق ، والذي يضمن لراكبه النجاة هم الذين قعدوا قواعد علم البلاغة وكتبوا الكتب والحواشي وضمنوها دررا لا يعرض عنها إلى جاهل ، ولا يذمها ويحث الناس على الإعراض عنها إلا من استهان بالعلم والعلماء ، ولا يحصل طالب العلم من ذمهم إلا الاستهانة دون العلم .

    وكتابا عبد القاهر أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز أصلان جليلان لم يسبقهما سابق ممن كتب في البلاغة ، وهما ككتاب سيبويه ، بل أشد صعوبة ، فمن أراد اليوم أن يردَّ الناس عن كتب المبرِّد ومن بَعده إلى ابن عقيل ، إلى ابن هشامٍ ، إلى الأشمونيّ ، ويحثَّهم على الاستمداد النحوِ من سيبويه وحده ، فقد أغراهم بأن يلقوا بأنفسهم في بحر لُجِّيّ لا يرى راكبُهُ شاطئًا يأوي إليه، وما هو إلا الغرق لا غير .

    كتاب سيبويه لا يُعلِّمُ طالبَ العلم النَّحوَ إلا إذا مهَّد الطريق ابنُ عقيل وابن هشام والأشموني ، وإلا فقد قذف نفسه في المهالك .
    كلُّ من دعا طُلَّاب العلمِ إلى الإعراض عن الكُتُب التي قعَّدت القواعد، ومحَّصت الكتب التي تُعدُّ أصلًا في علمٍ لم يسبقهم إلى مثله سابق كسيبويه وعبدالقاهر ، وحثَّهم على الرجوع إلى الأصل وحدَه دون استعانة بمن قعَّدوا قواعد هذا العلم وقتلوه بحثًا وتنقيبا ، فقد استهان بعقول هؤلاء الأئمة العظام الذين خدموا العلم بإخلاص وورع جيلًا بعد جيل وعوَّد طلبة العلم أن يستهينوا ويستخفُّوا بالعلم نفسه ، وهذا هو البلاء الماحقُ لكلِّ فضيلة في طالب العلم ، ويخرجه من حيز التواضع في طلب العلم إلى حيز الغرور والتبجح والاستطالة بعلم ليسوا منه في قبيل ولا دبير .


    يتبع ...
    اللهمَّ أخرِجْنَا مِنْ ظُلُمَاتِ الوَهْمِ ، وأكْرِمْنَا بِنُورِ الفَهْمِ ، وافْتَحْ عَلَيْنَا بِمَعْرِفَةِ العِلْمِ ، وحَسِّنْ أخْلَاقَنَا بالحِلْمِ ، وسَهِّلْ لنَا أبْوَابَ فَضْلِكَ ، وانشُرْ عَلَيْنَا مِنْ خَزَائنِ رَحْمَتِكَ يا أرْحَمَ الرَّاحِمِين

    تعليق

    • أشرف سهيل
      طالب علم
      • Aug 2006
      • 1843

      #3
      / 28 /

      لم تمض عشرون سنة على ما ردده الشيخ رشيد والشيخ البرقوقي من الاستهانة بالعلماء المتأخرين وكتبهم حتى جاء الدكتور طه حاملا كل الاستهانة والاستخفاف بعلوم المتقدمين جملة واحدة ، وحث طلبة صغارا في الجامعة على أن يأخذوا بمذهبه الجديد الذي " يقلب العلم القديم رأسا على عقب " ، والذي " يخشى إن لم يمح أكثره أن يمحو شيئا كثيرا منه " و " أن يشكوا فيما كان الناس يرونه يقينا ، وأن يجحدوا ما أجمع الناس على أنه حق لا شك فيه ، لا بل أن يجاوزوا هذا الحد إلى حدود أخرى أبعد منه مدى وأعظم أثرا ، فقهم قد ينتهون بهذا المذهب إلى تغيير التاريخ ، أو ما اتفق الناس على أنه تاريخ " ( الشعر الجاهلي : 6 )

      وقد كان ما دعا إليه الدكتور طه وأكثر منه ، وفعلت الاستهانة فعلها المتمادي في الأجيال الناشئة على يديه ، كما نشأ هو على يدي الشيخ رشيد والبرقوقي ، وإذا بنا نرى اليوم أساتذة لا يقفون بجرأتهم على السكاكي والسعد التفتازاني ، بل يتعدون هذا إلى منشىء علم البلاغة نفسه ، فيعلمون اليوم طلبتهم الصغار أن بلاغة عبد القاهر ما هي إلا عجوز شمطاء ، أو أن اذي يلجأ إلى البلاغة العربية القديمة هو كالمريض الذي يلجأ إلى حلاق القرية ليداويه ، معرضا عن الطبيب الممارس المؤهل لعلاج المرضى !!
      ورحم الله الشيخ رشيد والشيخ البرقوقي ، فهذا جزاء ما حمله كلامهما من الاستهانة بأقدار العلماء وكتبهم .


      بل كانت ثمرة الاستهانة أن يقف أستاذ في أيامنا هذه يعلم النحو ويقول للطلبة الصغار مزهوا بعلمه :
      كنت أحب أن يجلس سيبويه بينكم ليتعلم مني النحو !!

      وأساتذة آخرون يقولون للصغار من الطلبة :
      إنما أفسد نحو العربية سيبويه وابن عقيل وابن هشام وأشرابهم بما كتبوا وبما ألفوا !!

      ويقول أساتذة آخرون : إن الذي أفسد موسيقى الشعر العربي هو الخليل بن أحمد ومن جاء بعده من علماء العروض !!

      / 29 /
      بل بلغت الاستهانة مبلغها في الدين بعدما نشأ ما يسمونه بالجامعات الإسلامية فيتكلم متكلم في القرآن وفي الحديث بألفاظ حفظها عن شيوخه لا يدري ما هي ، ولا يرد ، بل يكذب أحاديث البخاري ومسلم بأنها من أحاديث الآحاد بجرأة وغطرسة !!

      بل جاء بعدهم أطفال الجامعات الإسلامية فيقول في القرآن والحديث والفقه بما شاء هو ، ويرد ما قاله مالك ، وأبو حنيفة ، والشافعي ، ابن حنبل ، ويقول : نحن رجال وهم رجال !!

      بل تعدى ذلك إلى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا للفظ نفسه ، فيقول : نحن رجال وهم رجال

      أي بلاء حدث في زماننا هذا ؟

      إنما هو وباء الاستهانة بكل شيء .

      وباء تفشى في مصر بل تجاوزها ، ورحم الله أبا العلاء المعري ، وذكر وباء نزل بمصر وغيرها فقال :
      ما خص مصرا وبا وحدها ** بل كائن في كل أرض وبأ
      ( وبأ بالقصر : هو الوباء بالمد )

      انطفأ سراج العلم وسراج الخلق ، وبقيت العقول في ظلمات بعضها فوق بعض .

      أي نكبة نزلت بعلوم هذه الأمة العربية الإسلامية على يد الصغار في حقيقتهم ، الكبار في مراتبهم التي أنزلتهم إياها تصاريف الزمان ، فأطلقوا ألسنتهم في مواريث أربعة عشر قرنا بالاستهانة والقدح والازدراء ، وغفر الله للشريف الرضي حيث قال دفاعا عن نفسه ، والدفاع عن علم أمتنا أولى بما قال :

      وإن مقام مثلي في الأعادي ** مقام البدر تنبحه الكلاب
      رومني بالعيوب ملفقات ** وقد علموا بأني لا أعاب
      ولما لم يلاقوا في عيبا ** كسوني من عيوبهم وعابوا

      ولا حول ولا قوة إلا بالله ، وهو بعباده لطيف خبير ، وهو القادر / 30 / على أن يرد من زاغ عن الطريق إلى الجادة ، وأن يعيذه من شرور نفسه وفلتات لسانة .

      نفثة مصدور ، ولابد للمصدور أن ينفث

      ( المصدور : الذي يشتكي وجعا في صدره )
      اهـ
      اللهمَّ أخرِجْنَا مِنْ ظُلُمَاتِ الوَهْمِ ، وأكْرِمْنَا بِنُورِ الفَهْمِ ، وافْتَحْ عَلَيْنَا بِمَعْرِفَةِ العِلْمِ ، وحَسِّنْ أخْلَاقَنَا بالحِلْمِ ، وسَهِّلْ لنَا أبْوَابَ فَضْلِكَ ، وانشُرْ عَلَيْنَا مِنْ خَزَائنِ رَحْمَتِكَ يا أرْحَمَ الرَّاحِمِين

      تعليق

      • محمد يوسف رشيد
        طالب علم
        • Sep 2003
        • 601

        #4
        لي عودة للقراءة التفصيلية، إذ تبدو نفاسة النقل وتطابقها على المحل المرام بدقة.

        وفقك الله

        تعليق

        • أشرف سهيل
          طالب علم
          • Aug 2006
          • 1843

          #5
          وهذا نموذج !


          في حوار له في مجلس إدارة الأزهر مع زميله الشيخ محمد البحيري،
          قال له البحيري: إننا نعلمهم كما تعلمنا،
          فقال له الأستاذ محمد عبده: وهذا ما أخاف منه!!
          فقال له زميله: ألم تتعلم أنت في الأزهر، وقد بلغت من مراقي العلم وصرت فيه العلم الفرد؟

          فأجابه الأستاذ عبده: إذا كان لي حظ من العلم الصحيح الذي تذكر، فإنني لم أحصله إلا بعد أن مكثت عشر سنين أكنس من دماغي ما علق فيه من وساخة الأزهر، وهو إلى الآن لم يبلغ ما أريد له من النظافة؟!!

          وقال : «سئمت الاستمرار على ما يألفون، واندفعت إلى طلب شيء مما لا يعرفون، فعثرت على ما لم يكونوا يعثرون عليه، وناديت بأحسن ما وجدت ودعوت إليه، وارتفع صوتي بالدعوة إلى أمرين عظيمين:
          الأول : تحرير الفكر من قيد التقليد
          الثاني : إصلاح أساليب اللغة العربية».

          اهـ

          http://www.aslein.net/showthread.php?t=13921&page=2
          اللهمَّ أخرِجْنَا مِنْ ظُلُمَاتِ الوَهْمِ ، وأكْرِمْنَا بِنُورِ الفَهْمِ ، وافْتَحْ عَلَيْنَا بِمَعْرِفَةِ العِلْمِ ، وحَسِّنْ أخْلَاقَنَا بالحِلْمِ ، وسَهِّلْ لنَا أبْوَابَ فَضْلِكَ ، وانشُرْ عَلَيْنَا مِنْ خَزَائنِ رَحْمَتِكَ يا أرْحَمَ الرَّاحِمِين

          تعليق

          يعمل...