الدولة الدينية والدولة المدنية
تأملات في المفاهيم والنتائج
كتبه
سعيد فودة
تأملات في المفاهيم والنتائج
كتبه
سعيد فودة
مفهوم الدولة على وجه الإجمال:
الدولة تتألف إجمالا من ثلاثة أركان : مساحة من الأرض أو الإقليم المعين، والشعب، ونظم معينة تطبق على الناس القاطنين بها، من هيئة مسؤولة عن ذلك، بناء على قوانين معينة معتبرة من تلك الهيئة أو الناس.
فالشق المتعلق بالأرض المسكونة، وسيادة الناس عليها، ووجود نظم، مطلق نظم يحتكم إليها هؤلاء الناس، ووجود هيئة هي الحاكم أو الرئيس ومساعدوه وسائر الموظفين في مختلف مراتبهم الذين يقومون على الاعتناء بتطبيق النظام والقوانين المعتبرة، هذه الأركان موجودة في كل ما يسمى دولة في العالم.
فما الذي يميز الدولة المدنية، عن الدولة الدينية. وما الذي يميز الدولة الفاضلة عن الدولة الظالمة....
أولا: مفهوم الدولة الفاضلة أو العادلة
العدل هو إعطاء كل ذي حقٍّ حقه، والدولة العادلة هي التي تحرص في قوانينها وتطبيق تلك القوانين على تنفيذ ذلك المفهوم من العدل. وكل دولة لا تحرص على ذلك نظريا أو عمليا فهي دولة غير عادلة، بل هي دولة ظالمة.
وليس البحث الآن في منشأ الحقّ، وحدوده، وكيفية تعيينه، فهذا له موضع آخر.
ثانياً: الدولة المستبدة
هي كل دولة يستبد فيها بتنفيذ الحكم شخصٌ أو مجموعة من الأشخاص يصرفون الأموال لصالح مجموعة خاصة دون غيرها بدون وجه حق ولا استحقاق. ويقومون بحماية ذلك التصرف الجائر بشتى الطرق، سواء كانت طرقا سلمية أو غير سلمية، أو مخابراتية أو بوليسية، أو غير ذلك من التصرفات التي تؤدي إلى حصر الرزق في أيدي مجموعة معينة، وإلى منع الحق عن أصحابه.
وللدولة المستبدة أشكال: منها بوليسية، منها عسكرية، ومنها عشائرية، ومنها قانونية، ومنها غير ذلك.
وقد يستغرب أن نقول إن من أشكال الدولة المستبدة الدولةَ القانونيةَ، ولكن ذلك لا ينبغي أن يُوقِعَ في الاستغراب، لأنَّ مفهوم القانون في هذا الزمان صار بِمَعْزِلٍ عن العَدْلِ، والمعتبر في درء الظلم والجَور إنما هو العدلُ لا مجردُ القانون، فما يطلق عليه اسم قانون الآن صار أمرا اعتباريا يمكن أن يصدق على الظلم في بعض الأحيان، ويمكن أن يصدق على غير الظلم، فليس كل ما يسمى بالقانون، فهو بالضرورة عدلاً.
فالمرجع في مناقشة جدوى ما يُسَمَّى الآن بدولة القانون، ليس مجرد نسبتها إلى القانون، بل في مناقشة عين القانون المنسوبة هي إليه، هل هو قانون يحقق العدل والإنصاف بين البشر، أم هو قانون ويؤسس للظلم والانحراف، ويؤصل لحماية المنحرفين عن الجادة المستغلين لحقوق لبشر. فنحن لا نغتر إذن بمجرد إطلاق وصف دولة القانون لنقول بعد ذلك: إنها دولة عادلة.
وكذلك: فقد يكون بعض الناس يستبدون بالحكم دون غيرهم، ولكنهم يُوصلون العدلَ إلى أصحابه ما داموا في الحكم، ولا يظلمون أحداً، وهذا الأمر لا ينبغي أن يستغرب منه، فليس هناك تلازم عقلي ولا عاديٌّ بين انحصار السلطة التنفيذية في أيدي بعض الناس، وبين صيرورة هؤلاء الناس ظالمين جائرين غاصبين للحقوق.
ثالثا: مفهوم الدولة الدينية
الدولة بقيد وصفها بالدينية، يمكن أن تنطلق على أكثر من مصداق:
فبعض هذه المصاديق ما يمكن أن يُسَمَّى بدولة الأكليروس، أو الناس الذين يدعون أنهم لا يحكمون إلا بوحي إلهي خاصِّ في كل جزئية من الجزئيات الحادثة، وهؤلاء قد يدعون أنهم يُوحَى إليهم أو يكشف لهم عن الأحكام الخاصة بكل قضية من القضايا المطروحة بين أيديهم بوحي خاص من عند الله، يريدون بذلك أن يغطوا أحكامهم وأعمالهم بالقداسة والتنزه عن الانحراف، وإبعاد الانتقاد عليهممن الناس.
وبعض ما قد يسمى بالدولة الدينية هو : الدولة التي تحرص على استمداد الأحكام من دين معين، بدون أن يدعي المستمدون والمستنبطون أنهم يوحى إليهم بوحي مباشر على النحو السابق، وبدون ادعاء العصمة في الاستنباط، ولكنهم يصرحون أن المرجع في الأحكام ينبغي أن يكون هو شريعة ذلك الدين التي تنسب إليه هذه الدولة أو تلك.
وشتَّان ما بين:
-الدولة الدينية بمعنى هيئة الأكليروس التي تزعم العصمة في استمداد الأحكام وفي تطبيقها أيضاً، وتدعي الإلهامَ من رب العباد في كل أمرٍ. وأكثر المنفرين من الدولة الدينية يعتمدون في تنفيرهم الناس منها على هذا الشكل لها، ثم يحاولون تعميمه على كل ما سواه، وهو أسلوب من أساليب المغالطات لا يخفى على المتأمل.
-وبين الدولة الدينية بالمعنى الثاني وهو الذي يقول: إن هناك أصولا وبعض الأحكام الكلية التي تأكدنا من ثبوتها في الدين، فالدولة أحكاما ونظما ينبغي ألا تخرج عنها، بل ينبغي أن تعمل بها، وتؤسس عليها، ويقول هؤلاء: إننا لا نقول إن تطبيقنا لهذه الأحكام والتأسيس عليها لا يكون إلا بأمر ووحي إلهيٍّ، بل هو اجتهاد بشريٌّ، قد يصيب وقد يخطئ.
فالنزاع-إن وقع-مع الأولى فسيكون في دعواهم العصمة في الجزئيات والكليات، وفي التطبيق والتفريع والتأصيل.
وأما النزاع مع الثانية، فإن كان فسيكون في تلك الأصول التي يزعمون أنها دينية أولا، ثم يزعمون أنها تؤدي إلى العدل في اعتقادهم. أما ما وراء ذلك فإنهم يستوون مع غيرهم من الدول التي تصرح بأنها دول وضعية مطلقاً لا دينية، في الأصول والأحكام وفي التطبيق لهذه الأحكام. وذلك يعني أنَّ النزاع في هذا المقام سيكون مع الذين يعارضون الأسس التي يقوم عليها الدين مثلاً، ولا يؤمنون بالأحكام الشرعية الفرعية، ويقولون بعدم لزومها، أو بعدم جدواها أو صلاحيتها. وقد يقع النزاع أيضا مع بعض المنتسبين للإسلام الذين يعتقدون أن الدولة لا ينبغي أن يكون لها علاقة بالدين من قريب أو بعيد.
الدولة الإسلامية
الدولة الإسلامية لا تختلف عن غيرها من الدول إلا في أنها تقول: إن هناك أحكاما معينة (قلت أو كثرت) لا ينبغي تجاوزها، ولا ينبغي إهمال العمل بها، لأن هذه الأحكام لا يقول العدل الممكن في الحياة الدنيا إلا بناء عليها، ولا يتوصل الإنسان إلى نفي الظلم من بين الناس إلا بالبناء عليها.
فلا يشكُّ أحد من المطلعين على حقيقة الدولة الإسلامية أنها تعنى بالحقوق المدنية، ولكنها تصوغها وتقيدها وتؤسسها على الأصول الكلية والقواعد المرعية في الإسلام. أما أن يقال إن الدولة الإسلامية دولة لا علاقة لها الحقوق المدنية، ولا ترعى واجبات الناس ولا ما لهم عليها، وما لهم بين بعضهم لبعض، فهذا القول من أبعد الأوصاف للدولة الإسلامية.
فالأحكام التي تحتكم إليها الدولة الإسلامية: قسمان:
الأول منها هو تلك الأحكام الثابتة المقطوع بها المشار إليها (نحو تحريم الربا، وتحريم الزنا، والسرقة، والقتل، وتحريم أنواع معينة من البيوع، وتنظيم العلاقات الاجتماعية على وجه معين دون غيره من الوجوه الممكنة بين البشر، ...وغيرها).
والثاني من هذه الأحكام ما لا نملك فيه إلا أصولا كلية، أما التفريعات الجزئية فينبغي أن تبنى على تلك الأصول (التي منها المصلحة ترجح على المفسدة، التنظيمات الحادثة بين الناس، كترتيبات أمور السير، وتوزيع المياه والكهرباء...ونحو ذلك من الأمور التي يمكن أن تختلف باختلاف الزمان والمكان) فقد أجاز الشرع فيها للفقهاء ولأصحاب الدولة أن يروا في ذلك رأيهم بناء على القواعد الكلية المعتبرة في الشريعة، وبحيث لا يؤدي التطبيق الجزئي العملي إلى مخالفة أصول كلية ثابتة، ولا أحكام مصرح بها أو مقطوع بها في الشريعة.
ولو دققنا قليلا في الميزات التي تتميز بها الدولة الإسلامية عن غيرها، فهي واحدة لا غير: وهي تلك الأحكام الثابتة في الشريعة الإسلامية، والاصول الكلية الح ترمة في الدين الإسلامي والتي منها أن نشأ الأحكام لا يكون إلا عن طريق القواعد والأصول المقبولة في الإسلام، وهي التي لا بدَّ من الاحتكام إليها، وعدم تجاوزها، أو تجاوز ما ينبني عليها من الأحكام المفرَّعة على القسم الأول التابع له، ولا بُدَّ من اعتبارها أساساً في الدولة المؤَسَّسة، لا تتبدل ولا تتغير، إن أُريدَ لهذه الدولة أن تتسمَّى بالدولة الإسلامية، وتحقق أركانها.
وهذا الأمر في نظري- ينبغي أن يكون منصوصا عليه في الدساتير المكتوبة أو المحفوظة المتعاهَد عليها عند تأسيس الدولة الإسلامية، أما لو اتفق على أمرٍ آخر مغاير لذلك، كأن يقال: إن تلك الأحكام لا ينبغي أن تحترم إلا ما دام الناس راضين بها، فالحاصل إذن تعليقُ إيجاب العمل بتلك الأحكام على رضا الناس واختيارهم لها، سواء كان رضا مؤقتا أو دائماً، أَو نُصَّ على أن الناس لو اختاروا غير تلك الأحكام، ورفضوها كلها أو قسماً منها، فلا ينبغي أن تكون تلك الأحكام محترمة ولا معمولا بها ولا معتنى بها، ولا مرجوعا إليها إلا ما دام الاعترافُ بها من الناس، فإن تغير الاعتراف تغير الرجوع والاعتبار. فهذه الدولة التي هذا شأنها لا يمكن أن تكون إسلامية، بل هي من نوع آخر سنبينه.
فيمكن أن نقول إذن: إن الدولة إن أريد لها أن تكون إسلامية، أو يُطْلَقَ عليها أنها دولة إسلامية، ينبغي أن يكون تطبيق تلك الأحكام على النحو المذكور مقصوداً لذاته، مصرحا به في النصوص المؤسِّسَةِ لتلك الدولة، وبغير ذلك فلا ينبغي لتلك الدولة أن تسمى باسم الدولة الإسلامية، ولا يصحُّ أن تَقَيَّد بذلك القيد. فإن قيد الإسلامية يعني: "أن منشأ الأحكام لا يكون إلا من الإسلام أو من مصدر اعتبره الإسلام تبعا للإسلام ولشريعة الإسلام"، فلا ينبغي أن تعتبر الشريعة الإسلاميةُ تابعةً لغيرها من الشرائع، أو موضوعةً في رتبةٍ ثانية، أو ثالثة أو خامسة أو سادسة في ترتيب الأخذ للأحكام. فأيُّ دولة نَصَّتْ في دستورها أو قوانينها أن المرجع للاستمداد من القوانين هو أمر غير الشريعة الإسلامية، وجعلت الشريعة ثانيةً أو ثالثة أو غيرَ ذلك من المراتب والدرجات، فالذي أراه أن لا يصحَّ إطلاق وصف (الإسلامية) عليها وتقييدها به.
فمن وافق في تَصَرُّفِهِ حُكْماً إسلامياً، من غير أن يكون قاصدا لهذا الحكم، ومن دون أن يعلن عن نفسه أنه مسلم أصلا، فكيف نقول إن تصرفه في ذلك إسلاميٌّ، أو أنّ تقيُّدَه مطابق للإسلام؟ فضلاً عن أن يقال: إنه ملتزم بالإسلام! والحالُ أنَّ الإسلام ليس مقصودا له، ولا مراعىً عنده، ولا ملاحظاً في فعله الناشيء.
فقيد الالتزام بالأحكام الإسلامية عن قصد ينبغي أن يكون قيدا مُعتبراً في مفهوم الدولة الإسلامية، فكل دولة لا يكون فيها هذا القيد معتبراً، أو يكون فيها مهملا هملاً، أو يكون فيها قيد منافٍ له، أو يكون معتبرا ثانيا أو ثالثا بعْدَ غيرِهِ الأصيلِ، فليست بدولة إسلامية بل لها تصنيف آخر، وذلك بحسب الحقيقة التي التزمت بها.
تعليق