قذف الإمام الرازي بالكفر والشرك
وردّ هذه الفرية
وردّ هذه الفرية
بسم الله الرحمن الرحيم
الحد لله معز الحق وناصره , ومذل الباطل وقاصره , والصلاة والسلام على خير الأنام , الذي قال : (العلماء ورثة الأنبياء) , وبعد :
فقد جرت العادة الإلهية فيمن جعله مفتاحًا للخير مغلاقًا للشر أن يواجه الكثير من الأعداء والخصوم , وقد يكون منشأ هذه العداوة مجرد الحسد وقد يكون خصومة مذهبية , وقد يجتمع الأمران معًا كما هو الحال في خصوم الإمام الرازي:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه *** فالقوم أعداء له وخصوم
وقد تشتد العداوة في مثل من ابتلي بهذا المرض إلى أن يسلب خصمه كل فضيلة ويرميه بكل رذيلة , وتتفاوت تلك العداوة بمقدار مخافة الحاسد المبغض من ربه تعالى ومراقبته له , فكلما زادت خشيته من مولاه جل وعز كان تحامله على خصمه أقل , وكلما كان بعيدًا عن مراقبة ربه كان أكثر اتهامًا وافتراء على خصمه ..
إلا أن فرط العداوة للإمام الرازي قد وصلت ببعض خصومه إلى أن يرموه بالشرك والردة عن دين الإسلام!!! والعجيب أنّ هذه الكذبة الصلعاء لم يأت بها أحدٌ من خصوم الإمام المعاصرين , سواء كانوا من المعتزلة أو الرافضة أو المرجئة أو الباطنية أو الفلاسفة أو غيرهم من أعداء الإمام على كثرتهم وتعدد مذاهبهم , حتى جاء ابن تيمية بعد عقود ليبوء بإثم هذه الفرية العظيمة والبلية الجسيمة!! , ولله در الإمام تاج الدين السبكي الذي يقول في طبقات الشافعية في فضح المجسمة 1/192 : ( .. وفي المبتدعة لا سيما المجسمة زيادة لا توجد في غيرهم ، وهو أنهم يرون الكذب لنصرة مذهبهم ، والشهادة على من يخالفهم في العقيدة بما يسوءه في نفسه وماله بالكذب تأييدا لاعتقادهم ، ويزداد حنقهم وتقربهم إلى الله بالكذب عليه بمقدار زيادته في النيل منهم ، فهؤلاء لا يحل لمسلم أن يعتبر كلامهم ... وقد تزايد الحال بالخطابية وهم المجسمة في زماننا هذا ، فصاروا يرون الكذب على مخالفيهم في العقيدة لا سيما القائم عليهم ، بكل ما يسوءه في نفسه وماله) .
وقد تلقف بعض أتباع ابن تيمية هذه البلية دون مخافة من ربهم تبارك وتعالى , فاتهموا الإمام الرازي بالكفر والشرك والردة عن الإسلام , فتصدى لرد فريتهم وتزييفها شيخنا العلامة السعيد في سلسلة دروسه في شرح أساس التقديس , وقد رأيت على صفحته على الفيسبوك صورة للفصل السادس من السر المكتوم , فكتبت عليها تعليقًا في براءة الإمام الرازي من تلك التهمة الجوفاء مع الإشارة إلى درس الشيخ , فكتب لي الشيخ الشيخ السعيد ما نصه :
(ويا ليتك تعيد صياغة موضوع مختصر حول هذه المسألة وتشير إلى الدرس وتنشر ذلك كله بصورة موثقة لائقة في منتدى الأصلين لكي يستفيد منها طلاب المعرفة....وتضع رابط درس شرح أساس التقديس....)
فأحببتُ أن أكتب هذا امتاثلًا لأمر الشيخ وابتغاء للثواب من الله تعالى , مع اعتذاري من الشيخ لصدور الموضوع بصورة مستعجلة غير لائقة , وما ذاك إلا لشدة الانشغال وكثرة البلبال , "والعذر عند كرام الناس مقبول" ..
إذا توافرت الدواعي والهمم على نقل أمر ولم يُنقل دلّ ذلك على كذبه
لا بد من ذكر ترجمة للإمام الرازي ليعرف القادحون في دينه عمّن يتكلمون ومن يكفّرون , وإليكم بعض نصوص الأئمة في ترجمة هذا الإمام :
1- قال الإمام تاج الدين السبكي في طبقاته في ترجمة الإمام الرازي (8/83) :
(محمَّد بن عُمَر بن الحسن بن الحسين التَّيميّ البَكريّ، الإمام فخر الدين الرازي، ابن خطيب الري إمام المتكلمين ذو الباع الواسع في تعليق العلوم، والاجتماع بالشاسع من حقائق المنطوق والمفهوم، والارتفاع قدراً على الرفاق وهل يجري من الأقدار إلا الأمر المحتوم.
بحر ليس للبحر ما عنده من الجواهر، وحَبْرٌ سما على السماء وأين للسماء مثل ما له من الزواهر، وروضة عِلمٍ تستقل الرياض نفسها أن تحاكي ما لديه من الأزاهر.
انتظمت بقدره العظيم عقود الملة الإسلامية، وابتسمت بدره النظيم ثغور الثغور المحمدية، تنوع في المباحث وفنونها وترفع فلم يرض إلا بنكت تسحر ببيونها، وأتى بجنات طلعها هضيم، وكلمات يقسم الدهر أن الملحد بعدها لا يقدر أن يضيم.
وله شعار أوى الأشعري من سننه إلى ركن شديد، واعتزل المعتزلي علما أنه ما يلفط من قول إلا لديه رقيب عتيد.
وخاض من العلوم في بحار عميقة، وراض النفس في دفع أهل البدع وسلوك الطريقة.
أما الكلام فكل ساكت خلفه، وكيف لا وهو الإمام رد على طوائف المبتدعة وهدَّ قواعدهم، حين رفض النفس للرفض، وشاع دمار الشيعة، وجاء إلى المعتزلة فاغتال الغيلانية، وأوصل الواصلية النقمات الواصبية، وجعل العمرية أعبداً لطلحة والزبير، وقالت الهذلية لا تنتهي قدرة الله على خير وصبر، وأيقنت النظامية بأنه أذاق بعضهم بأس بعض وفرق شملهم وصيرهم قطعاً، وعبست البشرية لما جعل معتزلهم سبعا وهشم الهشامية والبهشمية بالحجة الموضحة، وقصم الكعبية فصارت تحت الأرجل مجرحة، وعلمت الجبائية مذ قطعها أن الإسلام يجب ما قبله، وانهزم جيش الأحيدية فما عاد منهم إلا من عاد إلى القبلة، وعرج على الخوارج فدخلوا تحت الطاعة، وعلمت الأزارقة منهم أن فتكات أبيضه المحمدية، ونار أسمره الأحمدية، لا قبل لهم بها ولا استطاعة، وقالت الميمونية: اليمن من الله والشر، وخنست الأخنسية وما فيهم إلا من تحيز إلى فئة وفر.
والتفت إلى الروافض فقالت الزيدية: ضرب عمرو وخالد وبكر زيداً، وقالت الإمامية هذا الإمام ومن حاد عنه فقد جاء شيئا إداً.
وأيقنت السليمانية أن جنها حبس في القناني، وقالت الأزلية هذا الذي قدر الله في الأزل أن يكون فرداً وعوذه بالسبع المثاني.
وقال المنتظرون: هذا الإمام وهذا اليوم الموعود، وجعلت الكيسانية في ظلال كيسه وسجل عليهم بالطاعة في يوم مشهود.
ونظر إلى الجبرية شزراً، فمشى كل منهم على كره الهوينا كأنه جاء جبراً.
وعلمت النجارية أن صنعها لا يقابل هذا العظيم النجار، ونادت الضرارية لا ضرر في الإسلام ولا ضرار.
وتطلع على القدرية فعبس كل منهم وبسر، ثم أقبل واستصغر، وكان من الذباب أقل وأحقر، فقتل كيف قدر.
وانعطف إلى المرجئة وما أرجأهم، وجعل العدمية منه خالدية في الهون وساءهم بنارهم.
ودعا الحلولية فحل عليهم ما هو أشد من المنية، وأصبحت الباطنية تأخذ أقواله ولا تتعدى مذهب الظاهرية.
وأما النصارى واليهود فأصبحوا جميعا وقلوبهم شتى ونفوسهم حيارى، ورأيت الفريقين سكارى وما هم بسكارى، وما من نصراني رآه إلا وقال: أيها الفرد لا نقول بالتثليث بين يديك، ولا يهودي إلا سلم وقال: إنا هدنا إليك.
هذا ما يتعلق بعقائد العقائد وفرائد القلائد.
وأما علوم الحكماء فلقد تدرع بجلبابها وتلفع بأثوابها، وتسرع في طلبها حتى دخل من كل أبوابها، وأقسم الفيلسوف إنه لذو قدر عظيم، وقال المنصف في كلامه: هذا من لدن حكيم، وآلى ابن سينا بالطور إليه من أن قدره دون هذا المقدار، وعلم أن كلامه المنثور وكتابه المنظوم يكاد سنا برقهما يذهب بالأبصار، وفهم صاحب أقليدس أنه اجتهد، في الكواكب وأطلعها سوافر وجد، حتى أبرزها في ظلام الضلال غرر نهار لا يتمسك بعصم الكوافر.
وأما الشرعيات تفسيراً وفقهاً وأصولاً وغيرها فكان بحراً لا يجارى، وبدراً إلا أن هداه يشرق نهاراً.
هذا هو العَلَم، كيف يليق أن يتغافل المؤمن عن هذا وهذا هو ذو الذهن، الذي كان أسرع إلى كل دقيق نفاذاً، وهذا هو الحجة الثابتة على قاضي العقل والشرع، وهذه هي الحجة التي يثبت فيها الأصل ويتفرع الفرع.
ما القاضي عنده إلا خصم، هذا الجلل إن ماثله إلا ممن تلبس بما لم يعط ولم يقف عند حد له ولا رسم.
وما البصري إلا فاقد بصره، وإن رام لحاق نظره فقد فقد نظر العين.
ولا أبو المعالي إلا ممن يقال له: هذا الإمام المطلق إن كنت إمام الحرمين.....) .
2- وقال اليافعي في كتابه ( مراة الجنان ) :
( الامام الكبير العلامة النحرير الاصولي المتكلم المناظر المفسر , فاق أهل زمانه في الأصلين والمعقولات وعلم الأوائل , صنف التصانيف المفيدة في فنون عديدة منها ( تفسير القران الكريم ) جمع فيه من الغرائب والعجائب ما يطرب كل طالب).
3- وقال الداوودي في طبقات المفسرين :
(الإمام العلامة سلطان المتكلمين في زمانه , المفسر المتكلم إمام وقته في العلوم العقلية , وأحد الأئمة في العلوم الشرعية , وأحد المبعوثين على رأس المائة السادسة لتجديد الدين) .
4- وعده السيوطي مجدد القرن السادس كما قرره كثير من الأئمة , فقال في منظومة المجددين :
(والسادس الفخر الإمام الرازي *** والرافـــعــــي مثلــــــه يوازي)
- فانظر كيف قرظه المترجمون , وبيّنوا أنه مجدد المئة السادسة , فمثله ليس نكرة في العلم , وليس شخصًا مغمورًا لا يدري به أحد , إذ إن الإمام الرازي كان عَلَمًا من أعلام السنة منذ صغره , حتى أنّ كتابه المحصول في أصول الفقه الذي استغنى الطلبة به عما سواه , كان الإمام قد ألفه وله من العمر ما يقارب الثلاثين عامًا!!
- وكان الناس ينتظرون ويترقبون كلّ ما يكتبه الإمام , ولم يكن أتباعه مهتمين بكتبه فحسب بل كان خصومه يتابعون ما يكتب , لأنّ أهل السنة كانوا يعولون على مؤلفاته في الرد على الخصوم والمذاهب المخالفة , وكان خصومه يترقبون له كلّ زلة وغلطة ليشنعوا بها عليه , فهل من المعقول أن يصنّف كتابًا في السحر معتقدًا بما فيه ويقوم بعبادة الكواكب ثم يسكت خصومه عن ذلك وهم أفرح الناس بتكفيره؟!! إنّ المطّلع على كثرة أعداء الشيخ وحسّاده يقطع باستحالة هذا الاحتمال وبطلانه .
- ثم إن الإمام الرازي كان محاطًا بمجموعة من العلماء الكبار من أهل المذاهب الأربعة ومن الشافعية خصوصًا , وكان طلابه قد بلغوا الألوف , وكانوا يرافقونه في حله وترحاله للاستفادة من علومه وأقواله , فهل يقبل عاقل أن يكون الإمام قد كفر وارتد عن دين الإسلام ولم ينكر عليه أحد منهم ولم ينقل ذلك؟!!! فمثل هذا الحدث من أعظم الأمور المنفرة لهم عنه , ومع ذلك فما ازداد العلماء والطلاب له إلا حبًا وثناء حتى توفاه الله تعالى ..
- وقد نقلت إلينا كتب التراجم تفاصيل دقيقة عن حياته , وضبطوا مراحل طلبه وأسفاره ومناظراته والمشاهير الذين لقيهم وخصومه الذين نال منهم ونالوا منه.., بل ونقل تراجم أبناءه وبناته وممن تزوجن وماذا حصل لهن , لكنّ أحدًا منهم لم ينقل أنّ الإمام الرازي قد عبد الكواكب مدة من حياته!!! فنقلُ مثل هذا الحدث العظيم عن عَلَم من أكبر أعلام الشافعية وأهل السنة أولى من نقل أي حادثة وقعت في حياة الإمام , لأنه مما تتوافر الدواعي والهمم على نقله ...
- ويبدو أنّ من قذَفَ الإمام بعبادة الكواكب فترة من حياته , توهموا أنّه كان منقطعًا عن العالم ليس له صلة بالمسلمين , فلا يدري عنهم ولا يدرون عنه , مع أنّ الإمام الرازي كان من أعظم الوعاظ والخطباء في أوانه كما كان أبوه ضياء الدين , وكان الألوف يحضرون مجالس وعظه فيبكي ويبكي الحاضرون ويرتفع النحيب , وكانت مواعظه الشغل الشاغل لأهل الري وهراة لبراعته وتأثيره في القلوب , حتى توفي في عيد الفطر وأصبح الناس باكين حزينين , فهل هناك منصف يخشى الله والدار الآخرة يتهم مثل هذا الرجل بالردة والشرك فترة من حياته؟!

تعليق