بين الخلاء والعدم المحض...وخلط بعض الفيزيائيين بينهما
هناك خلط ظاهر بين مفهوم الخلاء ومفهوم العدم عند بعض الفيزيائيين المعاصرين، وخصوصا القائلين منهم بتحدب حصل في العدم كان سببا في نشأة الكون....
النقطة الأولى: يرجع مفهوم الخلاء إلى تصور المكان خاليا من أي جسم أو مادة تشغله، وهو فرض افترضه بعض المتكلمين والفلاسفة السابقين ، ووافقهم عليه من وافقهم، في محلين اثنين: الأول: داخل العالم، والثاني خارج العالم. وهاتان مسألتان اثنتان خلفا لمن يتصورهما واحدة، لا فرق في الحكم بينهما، ليس الآن محل تفصيل فيها.
يتبين من هذا التصور للخلاء أنه ليس عدما محضا، بل هو افتراض وجود شيء مجرد عن المادة، على بعض الأقوال، والخلاء شيء وجودي خال عن الأجسام (المادة بلغة أكثر المعاصرين) وذلك عند القائلين بالبعد المجرد.
النقطة الثانية: أما العدم، فهو ليس مساويا للخلاء فهو نفي محض، وهو رفع للوجود المفروض بجميع أشكاله، فالعدم المحض رفع تام لكل ما يسمى بالوجود الأصيل أو العارض.
ولو رجعنا إلى ما يقوله بعض الفيزيائيين من أن سبب حصول الانفجار العظيم هو تحدب حصل في العدم (ومن هؤلاء الفيزيائيين الدكتور هشام غصيب الميال بشدة للفكر الماركسي، والدكتور محمد باسل الطائي كما قرره في بعض محاضراته)...وهؤلاء يتكلمون عن العدم، وهم في الواقع يتكلمون عن الفراغ أو الخلاء، فيسمون الخلاء عدما، ثم يزعمون أن هناك اتصالا بينهما وجدلية ذاتية بينهما! فلنستمع إلى د. هشام غصيب يقول: "فالوجود والعدم يشتركان في كون طاقتهما الكلية صفراً. كذلك فإن للخلاء طاقة كما للمادة. ويمكن أن يكون هناك أنواع كثيرة من العدم، تماماً كما إن هناك أنواعاً كثيرة من الوجودات وحالات الوجود. وينشأ الوجود عفوياً من العدم، ويمكن أن يعود عفوياً إلى العدم. فالعدم غير مستقر. لذلك لا بد أن ينهار إلى وجود". ويقول: "فإنه يمكن للكون بوصفه كلا أن ينشأ من العدم (الخلاء) ذبذبة كمية" ويقول: "من ثم، وبمعنى من المعاني، فإن العدم غير مستقر، ويتحلل إلى وجود. وهي فكرة مذهلة بحق. فالوجود لا يحتاج إلى فاعلية خارجية لإيجاده. فعدم استقرار العدم يضمن نشوء الوجود من العدم".
فها نحن نرى الآن العدمَ غير مستقر وينشأ عن العدم ذبذبة!! ويمكن أن يتحول إلى الوجود بدون فاعلية خارجية، وهذا في الحقيقة أمر مستغرب، ويحق لنا أن نستغربه، بل ينبغي ذلك! لأنه يقلب المفاهيم، ويغالط فيها، إذ يجعل الوجود عدما، والعدم وجوداً....في حقيقة هذا القول وجوهره.
ومن المحتمل أن د. هشام غصيب يميل إلى ذلك لأنه يريد الفرار من فكرة الاعتراف بوجود فاعل خارج عن نطاق الكون (وهو مساوٍ للعدم+الوجود عند هشام غصيب)...
وقد لا يرضى بعض المؤمنين بالإله أن يقال إن العدم يخرج إلى الوجود بدون فاعل، ولكنه يرتضي أن العدم يشتمل فعلا على إمكانية وقوى كامنة فيه، ويتصور العدم وعاءً يخرج منه بعض مكوناته إلى الوجود، وتنتقل أحينا أخرى من وعاء الوجود إلى العدم، بحيث يبقى المجموع الكلي منهما ثابتاً...ثم قد يحيل هذا الانتقال كله إلى فاعل مختار! ولكن تبقى أصول الفكرة متحدة مع الملاحدة الذين ينفون الصانع...ولا نرى من يقرر أن العدم وجوديٌّ بقادر على أن يقف أمام افتراضات الملاحدة إذا وافقهم في جميع هذه المقدمات الغريبة.
إذا كان المراد من العدم الذي يتكلمون عنه هو الخلاء (الوجودي) فلمَ يسمونه عدما، ويجعلونه صالحا لإصدار الوجود بعد ذلك....!! إن وراء ذلك تصورات أيديولوجية لا علمية تجريبية ولا نظرية محضة، بل وراءه غاية متعينة وراء وراء!!
فليتكلموا إذن على الخلاء المحض. لا على العدم المحض....وحينئذ يتعرضون للوقوع فيما يخالف النظرية النسبية التي تنفي استقلال المكان عن الزمان وهما عن المادة، بل تجعل جميع ذلك كلا واحدا ممتزجا معاً كما هو معلوم.
ولنستمع مرة أخرى للدكتور هشام غصيب يقول: "إن العدم المطلق لهو الحد إذ يتقلص الزمكان إلى نقطة. فالزمكان يتغير باستمرار بنيوياً، وليس هناك ما هو ضروري ودائم فيه. من ثم، لم يعد العدم المطلق غير قابل للتصور"...
العدم المطلق هو نقطة!
ومن قبل قال العدم هو الخلاء!!؟ والخلاء قطعا ليس مجرد نقطة...!!
ومن الضروري أن النقطة ليست خلاء وفراغاً!؟؟؟
ولو سألناه : ما هي النقطة؟ هل هي أمر وجودي أو عدم محض (أي نفي لكل وجود مادي وزماني ومكاني...الخ هذه الأسئلة المشروعة تماماً....فما يكون جوابه!
إذا اختار الجواب الأول، فهو ليس عدما محضا إذن بل هو نقطة وجودية. فكيف يقال عليها إنها عدم محض!! وما سبب وجودها إن لم تكن ضرورية الوجود!!
وإذا اختار الجواب الثاني، رجعنا إلى ما كنا لفتنا النظر إليه من الخلط في المفاهيم الذي يقترب إلى التخبط الغريب...هل النفي المحض يولّد الوجود بلا فاعل خارجي كما يزعم هشام غصيب؟
إن هذا الأمر راجع في نظري إلى العدمية الصرفة، والقول بالمصادفة والعبثية في الوجود....فإنه
-إذا كان خروج الوجود من العدم بقوانين ضرورية لازمة، فإن كل شيء واجب ضروري، وهو منافٍ لما يزعمونه من قوانين الكم الاحتمالية، حسب تفسيراتهم التي قد لا نقبلها كما يسوقها بعضهم... وهذا أيضاً رجوع إلى أقوال الفلاسفة القدماء بصورة أو أخرى بالعلية والمعلول (ولكن في حالتنا قول بعلية العدم المحض للوجود) وهو ما لم يقل به أحد قبلُ....وقد تهكموا كثيرا على أقوال الفلاسفة القائلين بالعلية الوجودية كثيراً، حتى صار كثير منهم في هذا العصر مخالفين لما قرره أولئك...
-وإذا كان الخروج المشار إليه بغير قوانين ثابتة ولا ضرورية بل يحصل بلا ضرورة ولا اطراد، أي بمجرد المصادفة والاعتباط، فهو قول بالعبثية في هذا الوجود والعدم....وهدم لأهم أسس العلم وهو السببية والاطراد....
وهو في نظري لا تعدو أن تكون محاولة جديدة ليتمكن الملاحدة من عدم الاضطرار للاعتراف بالفاعل المختار الذي يُظهر الوجود لا من شيء، ولا نقول : يخرجه من لا شيء، بناء على أن العدم شيء، كما يزعمه بعض المعاصرين، لأن هذا يعني أن اللاشيء شيءٌ ....وهو تناقض ينبغي أن نجل عقولنا عنه...
ويرجع السؤال مرة أخرى على بعض الاحتمالات: عن علة وجود الفراغ المحض، في حال كونه وجودياً....وعن علة وجود النقطة التي هي أصل الزمكان والمادة والتي يسميها بعضهم بالعدم المحض.....هل هي قديمة أو حادثة....وعلى القولين يلزمه الإتيان بالدليل الواضح على زعمه.....فإن كانت قديمة فينبغي البرهنة على ذلك...وإن كانت حادثة فينبغي بيان كيف أن حادثا حدث وحدَه بلا محدِث غيره....!!؟؟
وهذا كما نرى هو أصل السؤال المبحوث عنه في علم الكلام وفي الفلسفة واللاهوت والبحوث الفكرية المعاصرة.... وهو السؤال المحوري الذي يدور عليه الجنس البشري نفياً وإثباتا...
هناك خلط ظاهر بين مفهوم الخلاء ومفهوم العدم عند بعض الفيزيائيين المعاصرين، وخصوصا القائلين منهم بتحدب حصل في العدم كان سببا في نشأة الكون....
النقطة الأولى: يرجع مفهوم الخلاء إلى تصور المكان خاليا من أي جسم أو مادة تشغله، وهو فرض افترضه بعض المتكلمين والفلاسفة السابقين ، ووافقهم عليه من وافقهم، في محلين اثنين: الأول: داخل العالم، والثاني خارج العالم. وهاتان مسألتان اثنتان خلفا لمن يتصورهما واحدة، لا فرق في الحكم بينهما، ليس الآن محل تفصيل فيها.
يتبين من هذا التصور للخلاء أنه ليس عدما محضا، بل هو افتراض وجود شيء مجرد عن المادة، على بعض الأقوال، والخلاء شيء وجودي خال عن الأجسام (المادة بلغة أكثر المعاصرين) وذلك عند القائلين بالبعد المجرد.
النقطة الثانية: أما العدم، فهو ليس مساويا للخلاء فهو نفي محض، وهو رفع للوجود المفروض بجميع أشكاله، فالعدم المحض رفع تام لكل ما يسمى بالوجود الأصيل أو العارض.
ولو رجعنا إلى ما يقوله بعض الفيزيائيين من أن سبب حصول الانفجار العظيم هو تحدب حصل في العدم (ومن هؤلاء الفيزيائيين الدكتور هشام غصيب الميال بشدة للفكر الماركسي، والدكتور محمد باسل الطائي كما قرره في بعض محاضراته)...وهؤلاء يتكلمون عن العدم، وهم في الواقع يتكلمون عن الفراغ أو الخلاء، فيسمون الخلاء عدما، ثم يزعمون أن هناك اتصالا بينهما وجدلية ذاتية بينهما! فلنستمع إلى د. هشام غصيب يقول: "فالوجود والعدم يشتركان في كون طاقتهما الكلية صفراً. كذلك فإن للخلاء طاقة كما للمادة. ويمكن أن يكون هناك أنواع كثيرة من العدم، تماماً كما إن هناك أنواعاً كثيرة من الوجودات وحالات الوجود. وينشأ الوجود عفوياً من العدم، ويمكن أن يعود عفوياً إلى العدم. فالعدم غير مستقر. لذلك لا بد أن ينهار إلى وجود". ويقول: "فإنه يمكن للكون بوصفه كلا أن ينشأ من العدم (الخلاء) ذبذبة كمية" ويقول: "من ثم، وبمعنى من المعاني، فإن العدم غير مستقر، ويتحلل إلى وجود. وهي فكرة مذهلة بحق. فالوجود لا يحتاج إلى فاعلية خارجية لإيجاده. فعدم استقرار العدم يضمن نشوء الوجود من العدم".
فها نحن نرى الآن العدمَ غير مستقر وينشأ عن العدم ذبذبة!! ويمكن أن يتحول إلى الوجود بدون فاعلية خارجية، وهذا في الحقيقة أمر مستغرب، ويحق لنا أن نستغربه، بل ينبغي ذلك! لأنه يقلب المفاهيم، ويغالط فيها، إذ يجعل الوجود عدما، والعدم وجوداً....في حقيقة هذا القول وجوهره.
ومن المحتمل أن د. هشام غصيب يميل إلى ذلك لأنه يريد الفرار من فكرة الاعتراف بوجود فاعل خارج عن نطاق الكون (وهو مساوٍ للعدم+الوجود عند هشام غصيب)...
وقد لا يرضى بعض المؤمنين بالإله أن يقال إن العدم يخرج إلى الوجود بدون فاعل، ولكنه يرتضي أن العدم يشتمل فعلا على إمكانية وقوى كامنة فيه، ويتصور العدم وعاءً يخرج منه بعض مكوناته إلى الوجود، وتنتقل أحينا أخرى من وعاء الوجود إلى العدم، بحيث يبقى المجموع الكلي منهما ثابتاً...ثم قد يحيل هذا الانتقال كله إلى فاعل مختار! ولكن تبقى أصول الفكرة متحدة مع الملاحدة الذين ينفون الصانع...ولا نرى من يقرر أن العدم وجوديٌّ بقادر على أن يقف أمام افتراضات الملاحدة إذا وافقهم في جميع هذه المقدمات الغريبة.
إذا كان المراد من العدم الذي يتكلمون عنه هو الخلاء (الوجودي) فلمَ يسمونه عدما، ويجعلونه صالحا لإصدار الوجود بعد ذلك....!! إن وراء ذلك تصورات أيديولوجية لا علمية تجريبية ولا نظرية محضة، بل وراءه غاية متعينة وراء وراء!!
فليتكلموا إذن على الخلاء المحض. لا على العدم المحض....وحينئذ يتعرضون للوقوع فيما يخالف النظرية النسبية التي تنفي استقلال المكان عن الزمان وهما عن المادة، بل تجعل جميع ذلك كلا واحدا ممتزجا معاً كما هو معلوم.
ولنستمع مرة أخرى للدكتور هشام غصيب يقول: "إن العدم المطلق لهو الحد إذ يتقلص الزمكان إلى نقطة. فالزمكان يتغير باستمرار بنيوياً، وليس هناك ما هو ضروري ودائم فيه. من ثم، لم يعد العدم المطلق غير قابل للتصور"...
العدم المطلق هو نقطة!
ومن قبل قال العدم هو الخلاء!!؟ والخلاء قطعا ليس مجرد نقطة...!!
ومن الضروري أن النقطة ليست خلاء وفراغاً!؟؟؟
ولو سألناه : ما هي النقطة؟ هل هي أمر وجودي أو عدم محض (أي نفي لكل وجود مادي وزماني ومكاني...الخ هذه الأسئلة المشروعة تماماً....فما يكون جوابه!
إذا اختار الجواب الأول، فهو ليس عدما محضا إذن بل هو نقطة وجودية. فكيف يقال عليها إنها عدم محض!! وما سبب وجودها إن لم تكن ضرورية الوجود!!
وإذا اختار الجواب الثاني، رجعنا إلى ما كنا لفتنا النظر إليه من الخلط في المفاهيم الذي يقترب إلى التخبط الغريب...هل النفي المحض يولّد الوجود بلا فاعل خارجي كما يزعم هشام غصيب؟
إن هذا الأمر راجع في نظري إلى العدمية الصرفة، والقول بالمصادفة والعبثية في الوجود....فإنه
-إذا كان خروج الوجود من العدم بقوانين ضرورية لازمة، فإن كل شيء واجب ضروري، وهو منافٍ لما يزعمونه من قوانين الكم الاحتمالية، حسب تفسيراتهم التي قد لا نقبلها كما يسوقها بعضهم... وهذا أيضاً رجوع إلى أقوال الفلاسفة القدماء بصورة أو أخرى بالعلية والمعلول (ولكن في حالتنا قول بعلية العدم المحض للوجود) وهو ما لم يقل به أحد قبلُ....وقد تهكموا كثيرا على أقوال الفلاسفة القائلين بالعلية الوجودية كثيراً، حتى صار كثير منهم في هذا العصر مخالفين لما قرره أولئك...
-وإذا كان الخروج المشار إليه بغير قوانين ثابتة ولا ضرورية بل يحصل بلا ضرورة ولا اطراد، أي بمجرد المصادفة والاعتباط، فهو قول بالعبثية في هذا الوجود والعدم....وهدم لأهم أسس العلم وهو السببية والاطراد....
وهو في نظري لا تعدو أن تكون محاولة جديدة ليتمكن الملاحدة من عدم الاضطرار للاعتراف بالفاعل المختار الذي يُظهر الوجود لا من شيء، ولا نقول : يخرجه من لا شيء، بناء على أن العدم شيء، كما يزعمه بعض المعاصرين، لأن هذا يعني أن اللاشيء شيءٌ ....وهو تناقض ينبغي أن نجل عقولنا عنه...
ويرجع السؤال مرة أخرى على بعض الاحتمالات: عن علة وجود الفراغ المحض، في حال كونه وجودياً....وعن علة وجود النقطة التي هي أصل الزمكان والمادة والتي يسميها بعضهم بالعدم المحض.....هل هي قديمة أو حادثة....وعلى القولين يلزمه الإتيان بالدليل الواضح على زعمه.....فإن كانت قديمة فينبغي البرهنة على ذلك...وإن كانت حادثة فينبغي بيان كيف أن حادثا حدث وحدَه بلا محدِث غيره....!!؟؟
وهذا كما نرى هو أصل السؤال المبحوث عنه في علم الكلام وفي الفلسفة واللاهوت والبحوث الفكرية المعاصرة.... وهو السؤال المحوري الذي يدور عليه الجنس البشري نفياً وإثباتا...
تعليق