الصفات الإلهية بين أهل التنزيه وأهل التشبيه

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عثمان محمد النابلسي
    طالب علم
    • Apr 2008
    • 438

    #1

    الصفات الإلهية بين أهل التنزيه وأهل التشبيه

    الصفات الإلهية
    بين
    أهل التنزيه وأهل التشبيه



    الفصل الأول
    تنزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقات بأي جهة من الجهات


    دلّت القواطع النقلية والعقلية على استحالة وقوع أي وجه من وجوه الشبه بين الخالق تعالى والمخلوقات .

    فمن النقل :
    قوله تعالى : ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)) , ووجه الدلالة :

    - أن اجتماع كلمتي التشبيه ( "الكاف" , و"مثل") في سياق النفي يفيد نفي أدنى مشابهة , فإن التشبيه الذي حُذفت فيه أداة التشبيه يسمى "مؤكدًا" , والتشبيه الذي أرسلت وذكرت فيه الأداة يسمى "مرسلًا" , وكلمّا حذفتَ أدوات التشبيه زاد وجه الشبه , وكلّما أدرجتَ أدوات التشبيه وأرسلتها ضعُف وجه الشبه وقلّ , فوجه الشبه في قولك : (زيدٌ أسدٌ) أقوى من وجه الشبه في قولك : (زيد كالأسد) لأنك أدرجتَ في الثاني أداة التشبيه (الكاف) , ووجه الشبه في قولك : (زيدٌ كالأسد) أقوى من وجه الشبه في قولك : (زيدٌ كــمثل الأسد) لأنك أدرجت أداتي تشبيه في الثاني وهما (الكاف والمثل) , فوجه الشبه في قولك : (زيدٌ كــمثل الأسد) أضعف ما يكون , فإذا أدخلتَ أداة النفي (ليس) على التشبيه المتضمن أضعفَ وجهٍ من وجوه الشبه فقد نفيتَ أدنى مشابهة , فلما دَخَلت أداة النفي (ليس) على التشبيه المشتمل أدنى وجه من وجوه الشبه أفاد ذلك نفي المشابهة من كلّ وجه .

    - وعلى اعتبار زيادة حرف التشبيه (الكاف) تكون الآية قد نفت المماثلة , وعلى اعتبار زيادة أداة التمثيل (مثل) تكون الآية قد نفت المشابهة , وعلى اعتبار ثبوتهما تكون الآية قد نفت المشابهة والمماثلة معًا , فنفت الآية بأداة النفي (ليس) الأمرين جميعًا .

    - وإذا قلتَ : (زيدٌ ليس كالأسد) أفادت أنه لا يشبهه من بعض الوجوه , وإذا قلت : (زيدٌ ليس مثل الأسد) أفادت أنه لا يماثله من جميع الوجوه , لكنّك إذا أردت المبالغة التامة في نفي الاشتراك بينهما بشبه ولو من وجه بعيد قلت : (زيد ليس كمثل الأسد) , مما يفيد نفي المشابهة والمماثلة أيضًاً , فلما أراد الله تعالى نفي المشابهة والمماثلة قال : ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)) .

    - وإذا قلنا بأنّ المثل هنا هو (الصفة) , ففيه تنبيه على أنّه -سبحانه وتعالى- وإن وُصِفَ بكثير مما يوصف به البشر , فإن الاشتراك في الصفات اشتراك لفظي لا حقيقي .

    - وإذا قلنا بأنّ المثل هاهنا هو (الشبيه) , ففيه تنبيه على أنّه -سبحانه وتعالى- لا يشبهه شيء , قال الإمام الكفوي في «الكليات» ص851:
    (وَاعْلَم أَن الْمثل الْمُطلق للشَّيْء هُوَ مَا يُسَاوِيه فِي جَمِيع أَوْصَافه، وَلم يتجاسر أحد من الْخَلَائق على إِثْبَات الْمثل الْمُطلق لله، بل من أثبت لَهُ شَرِيكا ادّعى أَنه كالمثل لَهُ، يَعْنِي يُسَاوِيه فِي بعض صِفَات الإلهية، فالآية ــ يعني قوله تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ــ رد على من زعم التَّسَاوِيَ من وَجه دون وَجه).

    - وكلمة (شيء) في الآية الكريمة جاءت نكرة , وجاءت هذه النكرة في سياق النفي , ومن المعلوم أنّ النكرة في سياق النفي تعمّ , فالآية الكريمة قد نفت جميع وجوه الشبه بين الخالق تعالى والمخلوقات في الذات والصفات والأفعال.

    - أضف إلى ذلك أنّ كلمة (مثل) هي أعم الألفاظ الموضوعة للمشابهة , قال الإمام الفيروزأبادي في "بصائر ذوي التمييز" : (وهو يعني لفظ المثل- أعم الألفاظ الموضوعة للمشابهة , وذلك أن الند يقال فبما يشاركه في الجوهرية فقط , والشكل يقال فيما يشاركه في القدر والمساحة , والشبه يقال فيما يشاركه في الكيفية فقط , والمساوي يقال فيما يشاركه في الكمية فقط , والمثل عام في جميع ذلك , ولهذا لما أراد الله نفي التشبيه من كل وجه خصه بالذكر , فقال تعالى في سورة الشورى : "ليس كمثله شيء") , وذكر مثله الإمام اللغوي الراغب الأصفهاني في مفرداته.

    فالآية دالة على أنّ الله تعالى منزّه عن مشابهة شيء من المخلوقات من كلّ جهة , فيكون الاشتراك بين صفات الله تعالى وصفات المخلوقات هو اشتراك لفظي لا غير .

    ومن العقل :
    ما قاله الإمام البيهقي بأسلوبه البسيط في كتابه "الاعتقاد (ص37):
    (ثم يعلم أن صانع العالم لا يشبه شيئا من العالم لأنه لو أشبه شيئا من المحدثات بجهة من الجهات لأشبهه في الحدوث من تلك الجهة , ومحال أن يكون القديم محدثا أو يكون قديما من جهة حديثا من جهة) .
    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات
  • عثمان محمد النابلسي
    طالب علم
    • Apr 2008
    • 438

    #2


    الفصل الثاني
    الاشتراك بين صفات المخلوق والخالق اشتراك لفظي


    فمما سبق يُعلم عدم وجود أي اشتراك خارجي حقيقي بين صفات الله جل وعز- وبين صفات المخلوقات , والاشتراك بينهما هو, فالماهيتان قد تشتركان في جميع ذاتياتهما فيكون بينها تشابه تام كالتشابه بين الإنسان والإنسان , وقد تشترك الماهياتان في بعض ذاتياتهما كاشتراك الإنسان مع القطة والفرس في جنس قريب وهو الحيوانية , أو اشتراكه مع الصخور في جنس بعيد وهو الجسمية , والاشتراك بين الخالق والمخلوقات في جميع الذاتيات أو بعضها منفي بالأدلة النقلية والعقلية المتكاثرة , ولو شابه الخالق سبحانه شيئًا من المخلوقات في معنى ذاتي لها لاشتركا في الأحكام , فيجب عليه ما يجب عليها لأجل هذا الذاتي ولامتنع عليه ما يمتنع عليها ولجاز عليه ما يجوز عليها لأجله , فيكون سبحانه محدثا أو تكون قديمات , وقد تشترك الماهيتان في أشياء خارجة عن ذاتيهما فيحصل ما نسميه : (اشتراك في معان اعتبارية) , , كاشتراك الماهيتين المختلفتين في نسبة الفعل أو الانفعال أو غير ذلك من النسب , وكاشتراك حقيقته سبحانه وتعالى مع حقائق المخلوقات في الثبوت والتحقق في الخارج ، وهو ما نعبر عنه بالوجود أو الشيئية , وهذا على قول من جعل الوجود اعتباريًا , وهناك من عدّ الوجود صفة يدل الوصف بها على نفس الذات دون معنى زائد عليها , أي أنّ وجود كلّ شيء هو عينه , وبما أنّ حقيقة الذات الإلهية مغايرة لحقيقة ذوات المخلوقات , فهناك اختلاف بين حقيقة وجود المخلوقات ووجود الله تعالى , فيكون الاشتراك بين وجود الخالق والمخلوق لفظيًا لا في حقيقة الوجود , وعلى هذا يكون الاشتراك بين صفات المخلوق وصفات الخالق تعالى اشتراك في أحكام الصفتين ومتعلَّقاتهما فحسب , وليس اشتراكًا في الحقائق أو شيء من الذاتيات .

    وفهم الخطاب والاشتراك في الأسماء ليس متوقفًا على وجود اشتراك خارجي وتواطؤ في المسميات أو شيء من الذاتيات , فإن الاشتراك في الأحكام المترتبة على معنى الاسم هي المصححة لإطلاق الاسم عليه , والاشتراك في الأمور الوجودية يستلزم أن يجوز على كل واحد من المشتركين في هذا القدر المشترك ما يجوز على الآخر وأن يجب له ما يجب له وأن يمتنع عليه ما يمتنع عليه , وإذا اشترك شيئان في لازم لهما فيصح إطلاق الاسم عليهما وإن اختلفت حقائقهما , أي أنّه لا يشترط لإطلاق الاسم الواحد على شيئين وجود الاشتراك في حقيقتهما , بل يكفي الاشتراك في شيء من لوازمهما أو أحكامهما أو تعلقاتهما , فإنّ السمع في اللغة هو : (إيناس الشيء بالأذن من الناس وكل ذي أذن) (ابن فارس 3/102) , فهذه هي حقيقة السمع عند المخلوق , ويلزم منها انكشاف المسموعات وإدراكها , وعرّف أهل السنة صفة السمع لله تعالى بأنها : (صفةٌ تنكشف بها المسموعات) , وإدراكُ المسموعات ليس المعنى الحقيقي للسمع بل هو لازم له , فاشتَرَك سمعُ المخلوق وسمع الخالق لا في أصل المعنى وحقيقته بل في لازمه وهو إدراك المسموعات , مع تباين الحقائق بين السمع والسمع , وإثباتُ الاشتراك في هذا اللازم لم يستلزم الاشتراك والتواطؤ في المسميات , إذ إنّ لازم الصفة ليس أمرًا وجوديًا يقوم بالذات كما هو الحال في قيام الصفة بالذات .
    وكذلك عرّف أهل السنة العلم بأنه : (صفة توجب لمحلها تمييزًا لا يحتمل النقيض) , وهذا التمييز أمرٌ عارض لحقيقة الصفة ومن لوازمها , فليس هناك تواطؤ في الحقيقة الخارجية للصفات التي يحصل بها ذلك التمييز , بل الاشتراك في لازمها .
    والاشتراك في السلوب أيضًا ليس اشتراكًا في أمر وجودي يقوم بالذات , فلا يستلزم الاشتراك بين شيئين في وصف سلبي أن يجوز على كل واحد منهما ما يجوز على الآخر , وأن يجب له ما يجب له , وأن يمتنع عليه ما يمتنع عليه , فإذا قلنا : (إن الله تعالى لا ينام) وقلنا : (إن الملائكة لا تنام) فهذا اشتراك في وصف سلبي لا في أمر ثبوتي , فلا يستلزم الاشتراك في الأحكام ولا يكون الاشتراك فيه تشبيهًا.

    وخلاصة الأمر أنّ الاشتراك بين صفات الخالق تعالى وصفات المخلوق هو اشتراك في أحد اللوازم والاعتباريات والتعلقات أو السلوب , وليس اشتراكًا في حقائق تلك الصفات فلا يعتبر تشبيهًا , إذ التشبيه هو التشريك في الأمور الوجودية وحقيقة الصفات .
    ولذلك عرّف أهل السنة صفات الله تعالى بالرسم واللازم لا بالحد والحقيقة , بخلاف التيمية الذين يثبتون تلك الصفات بعد أن يفهموا نظيرها في المخلوقات! .
    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

    تعليق

    • عثمان محمد النابلسي
      طالب علم
      • Apr 2008
      • 438

      #3


      الفصل الثالث
      الاشتراك في المعنى الكلي وبيان وهم الوهابية



      وقد رأيت بعض الوهابية يقول بأنّ الاشتراك بين صفات الرحمن وصفات الأكوان هو اشتراك في المعنى الكلّي , والمعنى الكلّي ليس له وجود إلا في الأذهان لا في الأعيان , فالاشتراك بين صفات الخالق والمخلوق هو اشتراك ذهني وليس بخارجي , فإذا أثبتوا ((العَيْنَ الحقيقية)) مثلًا لله تعالى وأثبتوها للمخلوقات , فيكون هناك معنى كلّي تشترك فيه ((عَين)) الله تعالى و((عَيْنُ)) المخلوق , وهذا المعنى الكلّي لا وجود له في الخارج بل لا يوجد إلا في الأذهان , وأمّا الأفراد الخارجية فلكلّ شيء وجودٌ يخصّه , ولذلك يرون أنّ إثبات الصفات التي يُسمونها بالعينية على حقيقتها للخالق والمخلوق ليس تشبيهًا , إذ التشبيه هو إثبات الاشتراك الخارجي لا الذهني , وظنّ القوم أنهم بهذا قد حلّوا المعضلة العلمية ودحوا باب خيبر , وتوهموا أنّ هذا يُنجيهم من عقيدة التشبيه بعد إثباتهم الصفات على حقيقتها للخالق والمخلوق!!

      فأقول :
      لقد وقع أولئك المساكين في وحل التشبيه من حيث يدرون أو لا يدرون!! , وذلك لأنّ وجود الكلّي في الأذهان هو (من حيث كلّيتُه) , فالكلّي لا يوجد في الخارج على سبيل العينية , أي أنّ الكُلي من حيث هو كليّ لا وجود له في الخارج بل وجودُه ذهني .

      لكننّا لو سألنا هؤلاء القوم عن منشأ هذا المعنى الكّلي الذهني؟ فما هو مُستنده ومَبدؤه؟

      1- فهل هذا المعنى الكُلّي الذهني قد اخترعه العقل اختراعًا بواسطة الوهم؟ فيفرضُ العَقلُ أمرًا كُلّيا اسمه ((العَيْن الحقيقية)) , ثم يُثبت هذا الأمر الكُلّي الذي افترضه للخالق سبحانه وتعالى؟! ويكون هذا الأمرُ مشتركًا بين الخالق والمخلوق؟ ويكون ذلك المعنى الكلّي المُشترك حاصلٌ قبلَ حصول مصاديقه الخارجيّة وليس تابعًا لما في الخارج؟!

      2- أَمْ أنّ هذا المعنى الكلّيّ له مُستندٌ ومبدأٌ خارجيٌ يستندُ إليه ويُنْتَزَعُ منه؟ فيكونُ دالًّا على ما في الخارج لأنّه منتزعٌ منه أصلًا؟ كأن ينظر الإنسانُ إلى ما يصدق عليه لفظ ((العَيْن الحقيقية)) في الخارج , فيرى ((عَينَ)) الإنسان ويرى ((عَينَ)) الأسد , ويرى ((عَينَ)) الصقر ويرى ((عَينَ)) العصفور , ويرى ((عَينَ)) الفيل ويرى ((عَينَ)) الهرّة , فيلحظ الذهن قَدْرًا متواطئًا بين هذه الأعين , وينتزعُ ممّا يلاحظه خارجًا معنىً كُلّيًا مُشتركًا , ثم يُثبت هذا المعنى الكُلّيّ المُشْتَركَ لله تعالى؟! فتكونُ مصايقُ ذلك المعنى الكلّي حاصلةً قبله؟

      * إن كان مقصودهم بالمعنى الكلّي الأوّل , فسيكون كلامهم في غاية السُّخف والحماقة والتهافت..
      لأنّهم حينئذ أثبتوا للمولى جلّ وعزّ- معنىً فرضيًا اخترعته أذهانهم بواسطة التوهم , فخاضوا في ذات الله تعالى بإثباتهم له أمورًا وهميّة , ومعلوم أنّ هذا المعنى الذهنيّ ليس له مصداق خارجي.. بل هو أمرٌ افترضه الوهم , وإثبات أمرٍ لله تعالى بهذا المعنى قول على الله تعالى بغير علم , فالله تعالى ((لا تبلغه الأوهام)) , فكيف يخاطبنا الله تعالى بأمر متوهم كهذا؟ وكيف يكون هذا معروفًا في لغة العرب؟!
      فكل ما خطر ببالك.. مِن حسن أو بهاء , أو أنس أو ضياء , أو نور أو جمال , أو شخص أو خيال , فالله تعالى بخلاف ذلك , ومن أنكر ما هنالك فهو مشبّه هالك .
      لكنّ كلام ابن تيمية نفسه لا يدلّ على قولِه بالأمرِ الكلّي على هذا النحو .

      ** وإن كان مقصودهم بالمعنى الكُلّيّ هو الثاني وهذا ما يقصده ابن تيمية وتدلّ عليه نصوصه ونصوص أتباعه- , فهذا هو التشبيه بعَينه , لأنّ هذا المعنى الكُلّي الذهنيّ لم يأتِ من مُجرّد التوهم والافتراض , بل هو منتَزَعٌ من الخارج , ومُشتَقٌ مما يَلْحظه الذهن خارجًا , فلولا التواطؤُ والاشتراكُ الخارجيُّ لَمَا اشتق الذّهنُ أمرًا كُليًا , فالاشتراك والتواطؤُ الخارجيُّ هو مَبدأُ المعنى الكُلّي , وإليه يَستند هذا المُشتركُ الذهني , إذ إنّ معنى ((العَيْن)) الكُلّي هو العضو الباصر , فقد قالَ ابن فارس في معجم المقاييس "4/199 ط1 الجيل" :

      [["عين" العين والياء والنون أصلٌ واحدٌ صحيح يدلّ على عُضوٍ به يُبْصَرُ ويُنْظَر]]

      فينظرُ الذهنُ إلى ((عَيْن)) الإنسان و((عَيْن)) الأسد و ((عَيْن)) الصقر و ((عَيْن)) العصفور و ((عَيْن)) الفيل و ((عَيْن)) الهرّة , فيرى اشتركًا خارجيًا بين هذه الأعين وهو أنّ كلًا منها [[ عُضو به يُبْصَرُ ويُنْظَر]] , مع ملاحظته ما تختصُّ به كلّ عينٍ وتتميز عند الإضافة والتخصيص والتقييد , إذ ((عَيْن)) الصقر كبيرة و ((عَيْن)) العصفور صغيرة , و ((عَيْن)) الفيل قد تكون سوداء اللون وعين الهرة قد تكون بُنّية اللون... وهكذا , فكلُّ عينٍ لها كيفيّة خارجيةٌ تُميّزها عن غيرها من الأعين , مع وجود قدرٍ خارجي تشترك فيه مع بقيّة الأعين وهو ما يسميه الوهابية (بأصل المعنى) , أي أنّه يوجد في الخارج قَدرٌ متواطؤ به الاشتراك وقدرٌ متغاير به الامتياز , وهذا القدر المُشترك المتواطؤ بين (الأعين) هو المعنى الحقيقي للفظ ((العَين)) , والمَعنى الحقيقيّ لا وجود له في الخارج مُجرّداً عن الكيفيات , فهو موجود في الفرد الخارجي على سبيل الضمنية لا العينية , أي أن وجود ما به الاشتراك في الخارج ملازم لوجود ما به الامتياز فلا ينفكان عن بعضهما , ولا بد من التنبيه إلى أنّ وجود القدر الجامع المشترك بين الأفراد في الخارج أوضح وأجلى من وجود الكيفيات التي تُميّز كلًا منها , وذلك لأنّ الحس حيثما توجه إلى فرد موجود في الخارج ، فالعقلُ ينظر في طلب ما يميزه عن سائر الأفراد لا محالة , وطلبُ ما يميّزه عن سائِرِ مُشارِكاته فرعٌ عن العلم بالقدر المشترك بين الجميع , ولا بُدّ من كيفيّة تُميّز كلّ (عَيْنٍ) مثلًا عن غيرها من الأعين , ككون العين كبيرة أو صغيرة أو زرقاء أو سوداء أو في الوجه أو في جانبي الرأس الخ... , مع اشتراكها في كون كلّ منها [[ عُضوًا به يُبْصَرُ ويُنْظَر ]]

      وهذه الكيفيّات التي تُميّزُ كلّ (عينٍ) عند الإضافة والتخصيص والتقييد إنما هي تابعةٌ وعارضةٌ لحقيقتها , فلا يَصحّ الاكتفاء بتغاير الكيفيّات الطارئة اللاحقة للمعنى الحقيقي على نفي مُطلق التشبيه , إذ إنّ التغاير في الكيفيّات العارضة ينفي التشبيه المُطلق.. أي التشبيه من كلّ الوجوه , ولا ينفي وجود قَدْرٍ من التشابه في الحقيقة التي بها الاشتراك , على الرغم من أنّ الاشتراك في الحقيقة والقدر الجامع أعظم بكثير من الاشتراك في الكيفيات , فالتخصيص والتقييد والإضافة تنفي التمثيل وهو التشبيه من كلّ الوجوه , ولا تنفي التشبيه من بعض الوجوه وهو التشابه الأعظم الذي هو في الحقيقة , ألا ترى أنّ إضافة ((العَيْن)) إلى الفيل وتقييدها وتخصيصها به تنفي التشبيه المطلق بعين الهرّة , إذ عينُ الفيل كبيرة وعينُ الهرة صغيرة...الخ الكيفيات المتغايرة , بينما لا تنفي التشابهَ في حقيقة ((العَيْن)) بين الفيل والهرّة وهي كونها [[ عُضوًا به يُبْصَرُ ويُنْظَر]] , فعينُ الفيل عضوٌ يُبصرَ بها ويُنظر وكذلك عين الهرّة , وكذلك عينُ الإنسان وعين الأسد وعين الصقر وعين العصفور..الخ , فمن نسب العَين الحقيقيّة لله تعالى فقد شبّه الله تعالى بخلقه في المعنى الحقيقي المشترك وإن نفى التشبيه في الكيفيات اللاحقة , وهكذا في بقية الصفات التي يُسمونها "بصفات الأعيان" , وهذا هو حقيقة التشبيه , ولا ينفعه بعد إثباته المعنى الحقيقي المشترك أن ينفي التشبيه , لأنه يكون حئنئذٍ قد نفى لفظ التشبيه لا معناه , ويكون نفيه للتشبيه منصبًا على الكيفيات التي تكتنف الحقيقة وتلازمها , فما في الخارج هو القدرُ الجامع الملازم للكيفيات , إذ إن الفرد الخارجي ما هو إلا مصداق المعنى المشترك المتلبس بكيفية لاحقة تكتنفه وتميّزه عن غيره من الأفراد التي تشاركه في حقيقته , والأفراد ليس لها تحقق خارجي إلا بتحققه.. فلا تتحصّل إلا بتحصّله فيها على سبيل الضمنية لا العينية..
      وهذا ثابت بالدليل والبرهان , لأن الفرد الخارجي :
      1- إما أن يكون مصداق المعنى الكليّ المشترك دون الكيفيات , أي أنّه موجودٌ في الخارج على سبيل العينية .
      2- وإما أن يكون الفرد الخارجي هو فقط الكيفيات التي لا يوجد إلا مختصًا ومقيدًا بها .
      3- وإما أن يكون الفرد الخارجي هو مصداق المعنى الكلي ملازمًا للكيفيات التي تلحقه وتحتف به , أي أنّ مصداق المعنى الكلي موجود في الخارج على سبيل الضمنيّة .

      والأوّل باطل.. لأنه يستلزم عدم تمايز الأفراد المشتركة في مصداق ذلك المعنى الكلّي عن بعضها البعض , فتكون عندئذ كلّها متماثلة , وهذا مخالف للحس والعيان .

      والثاني باطل.. لأنّ الكيفيات لا تَقَوُّمَ لها بذاتها فلا بد لها من محل , سواء كانت كيفيات كَميّة كالانحناء والفرديّة أو حسّية كالحرارة والبرودة أو نفسانيّة كالألم واللذة أو استعداديّة كاللين والصلابة .

      فتعين الثالث وهو الصواب , فالفرد الخارجي مشتمل على القدر الجامع بين الأفراد وعلى الكيفيات التي تُميّز كل فرد عن غيره , وهذا ثابت بالحس والعيان , والضرورة والوجدان , فإن الحس حيثما توجه إلى فرد موجود في الخارج ، فإنّ العقل ينظر في طلب ما يميزه عن سائر الأفراد التي بينه وبينها قدر جامع , فكلّ فردٍ خارجي لو قُطِعَ النظرُ عن مميزاته والإضافات القائمة به والخصوصيات المكتنفة به ، فسيكون منطبقا على المعنى الكلي الصادق على الأفراد انطباقا يوجب صحة حملها عليه ، فإنّا كما نجد من الفرد بالحس ونحس عنه بالعيان كيفيّات مخصوصة , مكتنفةٍ به مميزةٍ له عما سواه من الأفراد المشاركة له في المعنى الحقيقي ، كذلك نجدُ ونحس منه أمرًا زائدًا عليها جامعًا بينه وبين بقية الأفراد , وكما ندرك من الأفراد الخارجية ما به امتيازها عن بعضها بالحس والعيان , فكذا ندرك ما به اشتراكها بالحس والوجدان ، بحيث لو أخذه العقلُ لا بشرط شيء من كيفياته المكتنفة اللاحقة , واعتبره معرى عن جميع قيوده ومميّزاته كان بعينه هو مصداق المعنى الكلي الذي يُجوّز العقلُ صدقَه على جميع أفراده , ومن أنكر ذلك فقد كذّب حسه وكابر وجدانه فلا يلتفت إليه , وبالتالي فإثبات الاشتراك بين الخالق والمخلوق في هذا الكُلّي المشترك في الأذهان هو إثباتٌ للاشتراك الخارجي , وهذا المعنى الكُلّي وإن كان في الذهن مُغايرًا للكيفيات التي يمكن أن تلحقه , إلا أنّ مصداقه ملازم لها في الخارج لا ينفك عنها ولا تنفكّ عنه , وهذه الكيفيات هي التي تمنع المشاركة والمشابهة المطلقة من جميع الوجوه , وقد صرّح ابن تيمية بذلك في بيان تلبيسه فقال (1/633) :

      (فمن أثبت لله سبحانه وتعالى أمراً من الصفات فإنما أثبته بعد أن فهم نظير ذلك من الموجودات , وأثبت القدر المطلق مع وصفه له بخاصة تمتنع فيها الشركة) .

      فيرى أنّ إثبات الصفات للخالق تعالى مبنيةٌ على قياس ذلك على ما هو موجود في المخلوقات , مع إثبات كيفيات مخالفة لكيفيات المخلوقات تمنع من الشركة والمماثلة , وهذا إثبات للتشابه في حقيقة الصفات بين الخالق والمخلوقات والاختلاف بينها في الكيفيات المانعة من المماثلة .


      يتبع....
      فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
      بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

      تعليق

      • عثمان محمد النابلسي
        طالب علم
        • Apr 2008
        • 438

        #4

        ومن المعلوم أن الألفاظ موضوعة بإزاء حقيقة الشيء لا كيفيته , فمثلًا لفظ ((العَيْن)) موضوع بإزاء حقيقة العين وهو العضو الباصر , لأن لفظ (العَيْن) يَصْدُق على أعينٍ مشترِكة في كونها أعضاءً باصرة لكنّها مختلفة في كيفيّاتها ..
        فإنْ قلنا أنّ لفظ (العَيْن) وُضِع بإزاء الحقيقة وما يلازمها من كيفية ككونها كبيرة مثلا , فيلزم عدم إطلاق لفظ العين على الفرد المتلبس بغير تلك الكيفية -كالعين الصغيرة مثلا- وهو باطل ...
        وإن قلنا أن لفظ (العَيْن) وُضِعَ بإزاء الكيفية اللاحقة كالكِبَرِ مثلا دون الحقيقة , لزم من هذا إطلاق العين على كلّ أمر تكيّف بتلك الكيفية وهو باطل أيضًا ...
        فيبقى الاحتمال الثالث وهو أنّ لفظ ((العَيْن)) موضوع بإزاء الحقيقة وهو هنا العضو الباصر .

        ومما يدلّ على هذا ما أثبتته النظريات التربوية الحديثة , بل يُثبت هذا أيضا ما يراه كل واحد منّا عند تعليم الأطفال , وذلك أنّ الطفل عندما يبدأُ بالنطق , يقوم أهله كأبيه مثلا- بتعليمه عن طريق الإشارة إلى الشيء ثم ذكر اسمه , فمثلا يشيرُ الأبُ إلى عينِ نفسه ثم يقول للطفل : (عيني) , ثم يشير إلى عين الطفل ويردّد كلمة (عيني) , مع أنّ عين الأب تختلف عن عين الطفل في الكيفية , فقد تكون عين الأب بُنّية اللون كبيرةً وتكون عين الطفل زرقاء اللون صغيرة , إلا أن الطفل يفهم وجود قدر مشترك بين العينين , وهذا الأمر المشترك هو المعني الحقيقي للعين وهو كونها العضو الباصر , فإذا رأى الطفلُ عين الهرّة أو البقرة أو الحصان وسُئِلَ عنها فإنه سيجيب بأنّها (عين) , لكنّه إذا سمع والده يقول له : إنّ عين القربة تَقْطُر فأحكم إغلاقها , فسيسأل ويقول : وهل للقربة عين؟ فيقع عنده الالتباس لأنه لا يدرك من العين إلا المعنى الحقيقي الذي لم يُشاهده موجودًا في القربة , ولم يتسع ذهنه بعدُ ليُدرك علاقة المشابهة بين العين الحقيقية وفتحة القربة , ولا يقول عاقل أنّ العين إذا أضيفت إلى الإنسان فقد استعملت في غير معناها الأصلي أو أنها تُجوّز بها عن معناها الحقيقي لمعنى آخر , أو أنها إذا أضيفت للقربة فلم يُتجوّز بها عن معناها الحقيقي لمعنى آخر لعلاقة بين المعنيين , ولا يقول عاقل أنّ لفظ (العين) مجردًا يحتاج إلى قرينة ليُفهم منه العضو الباصر , أو أنّه لا يحتاج إلى قرينة ليُفهم منه فتحة القربة كما يفهم منه العضو الباصر , فإثبات (العين) أو (اليد) أو (الرّجل) أو (الوجه) على حقيقتها ومعناها الأصلي للخالق والمخلوق تشريك بينهما في حقيقة الصفة , وتسوية بين حقيقة صفة الخالق وصفة المخلوق .

        ولا بد من التنبيه إلى أن الوهابية جهلوا أو تجاهلوا أنّ التشابه والاشتراك في الحقيقة وأصل المعنى , أوضحُ وأعظم بكثير من التشابه والاشتراك في الكيفيات , وأنّ التشابه والاشتراك في الكيفيات تشابه ضعيفٌ قليل بالنسبة للتشابه والاشتراك في الحقيقة وأصل المعنى , وذلك لأنّ العقل عندما ينظر في الفرد الخارجي فإنّه ينظر في طلب ما يميّزه عن سائر الأفراد المشتركة معه في الحقيقة وأصل المعنى , وطلبُ ما يميّزه عن سائر الأفراد المشاركة له فرعٌ عن العلم بالحقيقة والقدر الجامع بين جميع الأفراد , فمن أثبت التشابه والاشتراك في الحقيقة وأصل المعنى ونفى التشابه والاشتراك في الكيفيات , فهو في الحقيقة لم ينفِ إلا القدرَ البسيط القليل من التشابه الذي يمنع من المماثلة وهي المشابهة المطلقة , مع إثباته القدر العظيم من المشابهة وهو المشابهة في الحقيقة وأصل المعنى , وهذا التشابه الذي أثبته تشابهٌ عظيم جليّ , أعظم وأجلى بكثير من التشابه في الكيفيات , فالقدر الجامع المشترك أقوى من الكيفيات الفارقة اللاحقة والتابعة له , ولولا قوّة القدر الجامع ووضوحه لما احتجنا إلى قدرٍ فارق لتمييز الأفراد عن بعضها البعض , والقدر الجامع هو أصل الأفراد الخارجية فلا تقوّم لها إلا به ولا تتحصل إلا بتحصّله , فلو قطعنا النظر عن جميع مشخصات الفرد الخارجي وجردناه عن كيفياته , لكان منطبقا على الماهية الصادقة على الكثيرين انطباقا يوجب صحة حملها عليه .

        ثم إنّنا نسأل الوهابية عن هذا المعنى الكلي المشترك الذي يقولون به , فنقول مثلًا : ما هو المعنى الكليّ المشترك لصفة ((العين)) , فإمّا أن يبيّنوا هذا المعنى أو يكتموه ..

        فإن بينوه فلا يخلو بيانه من أمرين :

        أ‌- إما أن يبيّنوه بذكر معناه الوضعي اللغوي فيقعون في التشبيه , ولا ينفعهم بعدها إثبات التفاوت في الكيفيات اللاحقة .
        ب‌- وإما أن يبينوه بغير معناه اللغوي الوضعي , فيقعون في التأويل الذي يسمونه تعطيلًا .

        وإن كتموه فيكون كتمانهم إياه :

        أ‌- إما لعدم معرفتهم به , فيقعون في التفويض الذي يسمونه تجهيلًا , وقد صحّ هذا التفويض عن الإمام أحمد حيث قال في نصوص الصفات : (نؤمن بها ونصدق بها , لا كيف ولا معنى، ولا نرد شيئاً منها، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق ولا نرد على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، ولا نصف اللهَ بأكثرَ مما وصف به نفسه بلا حدٍ ولا غاية "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" , ونقول كما قال ونصفه بما وصف به نفسه لا نتعدى ذلك ولا يبلغه وصف الواصفين نؤمن بالقرآن كله محكمِه ومتشابَهِه ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شُنِّعت ولا نتعدى القرآنَ والحديث) (رواه الخلال بسند صحيح واحتج به ابن تيمية في بيان التلبيس )

        ب‌- وإما لعجزهم وقصورهم عن التعبير عنه , وهذا فضلًا عن كونه نوعًا من التفويض المذموم عندهم- تقيةٌ مخالفة لعقيدة الإسلام الواضحة كالشمس في رابعة النهار , والبعيدة عن الإلغاز والغموض , ومخالفٌ لتصريحهم بوجوب حمل نصوص الصفات على معانيها الوضعية , ومخالف لإيجابهم على الناس معرفة معاني نصوص تلك الصفات , فكيف يوجبون على الناس معرفة أمرٍ هم عاجزون عن إيصاله لهم؟! ولو جاء مسترشد وطلب منهم أن يبينوا له هذا المعنى لصفة ((العين)) فماذا سيقولون؟ هل سيقولون إن هذا المعنى موجود في نفسك وأنت لا تدري!! وما يدريهم أنّ ما في نفسه صحيح أم غير صحيح؟ فلو قالوا لكلّ واحد أنّ المعنى في نفسك ولا نستطيع بيانه فإن الوهم سيذهب في الكثيرين كلّ مذهب , وسيعتقد كلّ واحد غير الآخر ويتوهم أنّ ما يعتقد هو المعنى الصحيح! , فلا يؤمن حينها على السامع من اعتقاد التشبيه والتجسيم , وكيف يؤمن عليه ذلك بعد أن يسمع إثبات ((العينين)) الحقيقيتين المعروفتين من لغة العرب والمتبادرتين إلى ذهن العربي , واللتين يدل عليهما اللفظ في وضع اللغة , واللتين يتم الإبصار بهما؟!!

        وكيف يقولون بعجزهم عن بيان هذا المعنى مع قولهم بأنّ معنى الصفة هو ما ظهر وتبادر إلى الذهن من اللفظ!!, فإن الظاهر المتبادر من لفظ (العين) عند العربي هو العضو الذي به يبصر وينظر , وإرادة الصفة المنزهة عن الجزئية والبعضية من هذا اللفظ لا تكون إلا بقرينة تصرف هذا المعنى المتبادر , والمعنى الذي يؤول إليه اللفظ مع القرينة ليس نفس المعنى الذي يظهر منه ويتبادر دون القرينة (1) , فتكون القرينة صارفة من حمل اللفظ على ظاهره ومعناه المتبادر , ويكون القول بأنّ (العين) صفة ليست بجزء ولا عضو لا لفظًا ولا معنى ثم السكوت عن بيان معناها هو مذهب أهل التفويض بعينه!! , وهو تاويل إجمالي , إلا أنّ الوهابية عندما ينفون الجزئيةَ والعضويةَ عن الصفةِ فإنّ نفيهم منصبٌ على لفظ الجزء والبعض لا حقيقته , فهم ينفون لفظ التجسيم ويقعون في حقيقته , هذا وإن كان خافيًا على بعضهم إلا أن البعض الآخر يعرفه جيدًا ويصرّح بأنّ نفي التبعيض والجارحة والعضو لفظًا ومعنى هو مذهب المفوضة.

        ثم إنهم يقولون عمّن أثبت لله سبحانه وتعالى أمراً من الصفات إنما أثبته بعد أن فهم نظير ذلك من المخلوقات , وأثبت كيفيةً مخالفةً لكيفية المخلوقات تمنع من تمام المشابهة , ومعلوم أنّ هذا النظير من المخلوقات واضح يمكننا التعبير عنه وبيانه وهو العضو والجارحة , فالقول بالعجز عن بيانه محض تهرّب ومراوغة , إذ إننا لم نسألهم عن تلك الكيفيات المانعة من المماثلة .

        أضف إلى ذلك أنّهم يصرحون بحمل بعض تلك الصفات الخبرية على معانيها الوضعية , فيفسرون الاستواء بالاستقرار , ويفسرون النزول بالانتقال من أعلى إلى أسفل , وهذا مخالف لسكوتهم وكتمانهم المزعوم , فهلا سكتوا في جميع المواضع؟!

        ولا أدري هل يمتنع القوم من ترجمة تلك الصفات إلى لغات أخرى بحجة أنّها مركوزة في النفوس وأنهم لا يستطيعون ترجمتها , أم أنهم سيذهبون إلى ترجمة معانيها الحقيقية الوضعية المتبادرة عند العربي إلى تلك اللغة؟

        ت‌- وإما أن يكون كتمانهم خوفًا من فضيحة التشبيه والتجسيم , وهذا مخالف للشجاعة العلمية التي يجب أن يتحلّى بها من يتكلم في هذا المقام .

        وبناءً على ما سبق فإن التيمية يُثبتون المعنى المشترك بين الخالق سبحانه- والمخلوق , ويرون أنّ المعنى الحقيقي ((للعَيْن)) ثابتٌ لله تعالى , وهذا يستلزم بالضرورة إثبات القدر المشترك الخارجي , لكنّهم -وبعد إثباتهم الاشتراك في المعنى الحقيقي بين الخالق والمخلوق- يتوهمون أنهم يَخرجون من المحظور بقولهم أنّ لكل شيء من الأشياء ما يخصّه فلا يوجد إلا مُعينًا مقيّدًا , وقد تبيّن مما سبق أنّ ما يخصّ الفرد الخارجي ويميّزه هو الكيفيات المكتنفة لحقيقته , والتي يُعتبر الاشتراك فيها ضعيفًا بالنسبة للاشتراك في أصل المعنى , فهم ينفون مشاركة الله تعالى للمخلوقات في هذه الكيفيات مع إثباتهم التشارك في المعنى الحقيقي الذي يُسمّونه "بأصل المعنى" , فيُثبتون المعنى الحقيقي المشترك بين جميع الأفراد ويفوّضون الكيفية اللاحقة له عند إضافته إلى الله تعالى , أمّا أهل السنة من السلف الصالح ومن بعدهم فينفون الاشتراك بين الخالق سبحانه- والمخلوق في المعنى الحقيقي , مع نفيهم أصل الكيفية عن الله تعالى , إذ الكيفية عن صفات ربنا منفية , وتفويضُ التيمية للكيفية بعد إثباتهم المعنى الحقيقي المشترك ليس نفيًا إلا للاشتراك المطلق من كلّ الوجوه , لا للتشبيه من وجوه دون وجوه , لذلك إذا قال التيمي : "أنا أثبت لله تعالى عينًا حقيقية ليست كأعين المخلوقين" فلا يقصد نفي التشبيه بين الله تعالى وبين خلقه من جميع الوجوه , بل يَقصد نفي التشبيه في الكيفيات العارضة لحقيقة العين مع إثباته التشبيه الأعظم في تلك الحقيقة , فلا يفيد قولهم : "عَيْنٌ حقيقيةٌ بلا تشبيه" لأنهم قد غاصوا في التشبيه حتى الآباط بإثباتهم التشارك في المعنى الحقيقي , فإثبات الاشتراك في المعنى الحقيقي هو التشبيه الأوضح والأعظم كما سبق , فهذا النفي الذي يُتبعونه للإثبات عند قولهم : "عَيْنٌ حقيقيةٌ بلا تشبيه" ليس نفيًا للتشابه بين حقيقة صفة الباري -سبحانه- وصفات البرية , وإنما هو نفي للاشتراك والتشابه في الكيفيّة , فهو نفي للتمثيل لا التشبيه , ويصرّح الوهابية أنّهم لا ينفون تشبيه الله تعالى بالمخلوق بل ينفون التمثيل! , مع أنّ المصنّفين في المذاهب والفِرَق لم ينقلوا عن أحد من الفرق إثبات التشبيه المطلق من جميع الوجوه , ولم يقولوا عن فرقة المشبهة -التي ذمّها جميع أئمة الإسلام سلفًا وخَلَفًا- بأنّهم أثبتوا التشابه المطلق بين الخالق والمخلوق , بل المشبهة الذين تناولهم الأئمةُ بالذمّ هم الذين أثبتوا التشابه في حقيقة الصفات وأصل معناها بين الله سبحانه وبين خلقه , فقال الإمام الطحاوي في عقيدته : (ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر) , ومع ذلك فإنّ الوهابية يتجاهرون بتشبيه الله تعالى بخلقه ويعترفون بأنهم ينفون التشبيه الذي هو التمثيل لا مطلق التشبيه , ففي فتاوى ابن عثيمين (10/770) :
        (نفي التشبيه على الإطلاق لا يصح ؛ لأن كل موجودين فلا بد أن يكون بينهما قدر مشترك يشتبهان فيه ، ويتميز كل واحد بما يختص به ) .

        وما يميّزه ويختص به هو الكيفية .

        وقال في "شرح عقيد أهل السنة والجماعة" يقصد أنفسهم!- (ص226) :
        ( وإن أردتَ التشبيه المطلق من كلّ وجه فهذا لغو , بمعنى أنّ الله تعالى لا يشابه الخلق في أي شيء فهذا غلط! , لأنه لا بد من الاشتراك في أصل المعنى) .(2)



        ----------------------------------
        1- قال إمام الحرمين في الورقات : (.. والظاهر ما احتمل أمرين أحدهما أظهر من الآخر ، ويؤول الظاهر بالدليل ، ويسمى ظاهراً بالدليل) , فهناك معنى يظهر من اللفظ بمجرده دون إضافات أو قرائن , فظاهر لفظ (العين) هو العضو الذي به يبصر وينظر كما قال ابن فارس , وهناك معنى آخر يظهر بالقرينة والإضافة وهو غير المعنى الذي يظهر بمجرد اللفظ , وهذا المعنى الثاني هو المؤول أو الظاهر بالدليل , وسمي (ظاهرًا بالدليل) لأنه ظهر بسبب الدليل والإضافة والقرينة لا لمجرد اللفظ , فآل أمره إلى هذا المعنى الثاني للقرينة والدليل الذي صرفه عن ظاهره ومعناه الوضعي , فمثلًا إذا سمع العربي كلمة (أسد) ظهر له وتبادر إلى ذهنه السبع المعروف , ولا يظهر له (الرجل الشجاع) من الأسد إلا بقرائن وإضافات , وحمل الأسد على (الرجل الشجاع) يسمى تأويلًا أو ظاهرًا بالدليل وليس ظاهرًا من لفظ الأسد بمجرده , ومن غير المعقول كون (السبع) و (الرجل الشجاع) ظاهرين من مجرد لفظ الأسد وإلا لتبادر الذهن إليهما معًا عن سماع اللفظ وحصل الالتباس , فيكون ظاهر لفظ الأسد وحقيقته هو (السبع) وتأويله وظاهره بالدليل هو (الرجل الشجاع) .
        فإذا قال الوهابي أنا أقصد بالظاهر عند الكلام على الصفات المعنى الثاني , قلنا له :
        أولًا: لقد خالفت أقوال مشايخك في قولهم بوجوب حمل الصفات على معانيها الوضعية والحقيقية , ومعلوم أنّ (المعنى الوضعي) أو (المعنى الحقيقي) هو ما وضع اللفظ بإزائه في اللغة , أي أنّه الظاهر بمجرد اللفظ .
        وثانيًا : إنك خالفتَ اصطلاح أهل الفن حيث أنهم يطلقون الظاهر ويريدون به المعنى الأول , وإذا أرادوا المعنى الثاني قيّدوه بكونه (ظاهرًا بالدليل) .
        وثالثًا : هذا الظاهر بالمعنى الثاني هو عين التأويل الذي تنفرون منه .

        2- مجموع فتاويه 6/247 .


        يتبع ....
        فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
        بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

        تعليق

        • عثمان محمد النابلسي
          طالب علم
          • Apr 2008
          • 438

          #5
          ولأجل ما سبق تجد الوهابية يطلقون الصفات على الأعضاء والجوارح ويسمون هذه الأعضاء بالصفات , فأصبحت كلمة الصفة عندهم مرادفة للبعض والعضو , فيطلقون على أعضاء الإنسان كرأسه وعينه ويده أنها صفاته!! , ومثل الرأس والعين والأصابع هي صفات أعيانٍ للإنسان بخلاف علمه وقدرته فهي صفات معان له , وهذا يوضح لك مفهوم الصفة عندهم إذا أثبتوها لله تعالى ويبيّن حقيقة تفريقهم بين صفة الأعيان والمعاني لله تعالى , فمثلًا تجد ابن باز يعدّ الأصابع من صفات الإنسان , فيقول :
          (لا يلزم من إثبات الوجه لله سبحانه واليد والأصابع وغير ذلك من صفاته أن تكون صفاته مثل صفات بني آدم!!)( 1)

          أي أن الوجه واليد والأصابع من بني آدم هي صفات له , وهذا يشير إلى أن استعارة لفظ الصفة في حق أبعاض المخلوق يدلّ أن إطلاقه في حق الخالق مثله مع فارق الكيفية , فإذا أثبتنا الإصبع الحقيقي على ظاهره وأثبتناه جزءً من اليد فما الذي يدفع بعد ذلك اعتقادَ التبعيض والأجزاء؟ وما الذي بقي يستره عدُّ الإصبع من الصفات في مذهب القوم؟ وظنُنا بمشبهة اليهود أنهم لا يحسنون ما تكلفه القوم إن كان مقبولاً ، ولو كان يحسن ذلك لما أشار بأصابعه .

          وتجد هذا الخلطِ والتخليط بين لفظ الصفات والأعضاء أيضًا في كلام ابن عثيمين , فيقول عند كلامه على إثبات الصفات :
          (لا يصح في ضابط الإثبات الاعتماد على مجرد الإثبات بلا تشبيه ، لأنه لو صح ذلك لجاز أن يُثبت المفتري لله أعضاء كثيرةً مع نفي التشبيه , فيقول إن لله كبداً لا كأكباد العباد وأمعاءً لا كأمعائهم ونحو ذلك مما يتنزه الله تعالى عنه , كما أنّ له وجهاً لا كوجوههم )(2 )

          ومن هذا الخلط أن الحجة الغزالي الذي يريد تنبيه أمثالهم على قواعد التنزيه بذكر الاتفاق على نفي الرأس عن الله عز وجل , فيرد عليه أحدهم بقوله:
          (أما نفي الرأس الذي جاء في قول الغزالي فهو من القول على الله بغير علم، إذ ليس في العقل ولا في السمع ما يوجب إثبات هذه الصفة ولا نفيها)( 3)
          مع أن الغزالي يريد بنفي الرأس نفي الأبعاض ولم يخطر بباله صفة الرأس لا نفياً ولا إثباتاً , وهذا مما يدل على خلط الأعضاء والصفات واستعمالهما استعمالاً مترادفاً عند القوم.

          وفي كثير من كلامهم ما يكشف عن حقيقة عدِّ مثل هذه الألفاظ في الصفات , فيقول محقق كتاب التوحيد لا بن خزيمة:
          (ومن أثبت الأصابع لله فكيف ينفي عنه اليدَ والأصابعُ جزء من اليد)( 4)

          ويقول ابن عثيمين :
          (والإصبع إصبع حقيقي يليق بالله عز وجل كاليد..)(5 )

          ومن تأمّل الأحكام التي يثبتونها لهذه الصفات (الأعيان) جزم بأنّ القوم يتسترون في إثبات هذه الأعيان كأعضاء , بتوقفهم أو نفيهم لفظ الأعضاء وإطلاقهم عليها لفظ الصفات , فيقول أحدهم :
          (يبين ابن عباس رضي الله عنه بأن هذا الكرسي الذي وسع السموات والأرض هو موضع القدمين أي أن الله يضع قدميه عليه ويستوي على عرشه فإن السلف يقولون عن هذا الكرسي بأنه بين يدي العرش كالمرقاة إليه)(6 )
          فهل يقال بعد هذا إن القدمين صفة من صفاته لا على سبيل الجارحة والعضو؟

          ومن هذا القبيل أيضاً قول ابن عثيمين وهو يحاول نفي إحاطة الجهة بالله تعالى فيقول:
          (.. وليست جهةَ علوٍ تحيط به لأنه تعالى وسع كرسيه السموات والأرض وهو موضع قدميه فكيف يحيط به تعالى مخلوق من مخلوقاته)!( 7)

          فلو كانت القدمان صفتين لا جارحتين فهل تقارن بالحجم مع الكرسي! وما يمتنع إحاطة المخلوقات به لأن موضع قدميه يسع السموات والأرض كيف لا يكون حجمياً أيضاً وكل هذه المقارنة مقارنة حجمية ؟

          ولن ينجي من التجسيم عدُّ القدمين من الصفات، لأن الصفات لا يكون لها موضع توضع فيه , وكيف يجيب من جعل الكرسيَ موضعاً لقدميه عن العرش هل هو موضع أيضاً ؟ فإن كان موضعاً لشي غير القدمين فما هو؟ وإن لم تكن ذات الباري سبحانه قابلة للموضع فكيف كانت القدمان قابلة لذلك؟

          ومما يؤكّد تصوّهم الأعضاء والأبعاض مما يسمونه بالصفات العينية , إثباتهم تلك الصفات تفريعًا على أعضاء المخلوق وأبعاضه , فيستدلون على إثبات العينين لله تعالى بإشارة النبي ص- إلى عينيه! , وتراهم يستدلون لإثبات (صفات الأعيان) لله تعالى بأنه سبحانه عاب الأصنام بانتفاء الأرجل التي تمشي بها والأيدي التي تبطش بها , فيقول ابن القيم :
          (وقال تعالى في آلهة المشركين المعطلين:" ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها "، فجعل سبحانه عدم البطش والمشي والسمع والبصر دليلاً على عدم إلهية من عدمت فيه هذه الصفات , فالبطش والمشي من أنواع الأفعال , والسمع والبصر من أنواع الصفات. وقد وصف نفسه سبحانه بضد صفة أربابهم وبضد ما وصفه به المعطلة والجهمية فوصف نفسه بالسمع والبصر والفعل باليدين والمجيء والإتيان , وذلك ضد صفات الأصنام التي جعل امتناع هذه الصفات عليها منافياً لإلاهيتها)( 8)

          ولو سلمنا أن الآية الكريمة تدل على وصف الله سبحانه بضد صفات الأصنام التي جعل امتناعَ هذه الصفات عليها منافياً لإلاهيتها , فلا يصح الاكتفاء بإثبات بعض المذكور , لأن الله سبحانه عاب عليهم أموراً , فإن كان هذا العيب دالاً على اتصافه عز وجل بما نفاه عنهم وجعَلَه دليلاً على بطلان ألوهية الأصنام , فيجب أن يثْبُت له نقيض هذه الأوصاف جميعها من الأرجل والأيدي والآذان والأعين , ثم إنّ إثبات الأرجل على أنها صفة لا يتم به الاستدلال , لأن الله عز وجل عاب على الأصنام الأعضاءَ من الأرجل التي نص على أن المشي يحصل بها , والأيدي التي يبطشون بها ، فإن كان هذا العيب دالاً على وجود نقيض هذه المنفيات فهذا يعني أن الإله لا بد أن يكون له أرجل يمشي بها وأيد يبطش بها , كل ذلك على سبيل الأعضاء لا الصفات لأنه هو المعيب.



          ----------------------------------------
          * اقتبست نصوص المشاركة الأخيرة من "التجسيم في الفكر الإسلامي" وهذه مراجعها :
          1- مجموع فتاويه 6/247
          2-مجموع فتاويه 4/201.
          3-علو الله على خلقه للدكتور موسى الدويش 91
          4- تعليق محمد الهراس على هامش التوحيد 89
          5- القول المفيد 366
          6- إثبات علو الله 2/304
          7- القول المفيد 387
          8- الصواعق المرسلة 3/915


          يتبع ....
          فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
          بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

          تعليق

          • سمير هاشم العبيدي
            طالب علم
            • Feb 2010
            • 102

            #6
            جزيت الجنة وأقر الله عينك بزوجة أشعرية

            تعليق

            • عثمان محمد النابلسي
              طالب علم
              • Apr 2008
              • 438

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة أحمد ياسين الحسني
              جزيت الجنة وأقر الله عينك بزوجة أشعرية
              جاء دعاؤك في الوقت المناسب! اللهم آميــــن لي ولجميع العزاب من الأشعريين!
              فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
              بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

              تعليق

              • عثمان محمد النابلسي
                طالب علم
                • Apr 2008
                • 438

                #8
                الفصل الرابع
                تنزيه الله تعالى عن الجسمية ولوازمها بين أهل السنة والوهابية



                من المعروف عند الباحثين في اللغة أنّ اللغويين أطلقوا الجسم على الشيء المجتمع والعظيم , ولم يُطلق في الاستعمالات اللغوية على المؤلَّف بشرط أن يكون سابقًا على تجمعه تفرقُ أجزائه , ولم يشترط أهل اللغة سبقَ التفرق لإطلاق الجسم على المجتمع , وليس ملاحظًا في كون الشيء جسمًا لا سبق التفرق قبل التجمع ولا إمكان طروء التفرق , بل كونُه مجتمعَ الأجزاء ومتألفًا ومنضمًا بعضه إلى بعض كافٍ في كونه جسمًا , وقد أدرج التيمية قيدَ سبق التفرق أو إمكان طروئه على الشيء المجتمع حتى يكون جسمًا , وهذا القيد الذي أدرجوه في معنى الجسم ليس معتبرًا عند أهل اللغة , فجميع تعريفات اللغويين للجسم تدل على أن الجسم هو الشيء العظيم أو الشيء المجتمع , قال ابن فارس (1/457) :
                ("جسم" الجيم والسين والميم , يدلّ على تجمع الشيء , فالجسم كل شخص مدرك , كذا قال ابن دريد , والجسيم : العظيم الجسم ، وكذلك الجسام , والجسمان : الشخص ,... "جسد" الجيم والسين والدال , يدلّ على تجمع الشيء أيضًا واشتداده)
                فقد ذكر ابن فارس أن الجسم هو الشيء المتجمع , وذكر بعده تعريف ابن دريد وهو الشخص المدرك , ولا يكون الشيء شاخصًا مُدركًا إلا إذا كان فيه نوع تجمع , ثم ذكر بعض الاستعمالات اللغوية للجسم مما فيه نوع تجمّع أيضًا .

                وقال الأزهري في تهذيب اللغة :
                (جسم: قَالَ اللَّيْث: الجِسمُ يَجْمَعُ البَدَنَ وأعضاءَهُ من النَّاس والإبلِ والدَّوابِّ وَنَحْو ذَلِك مِمَّا عَظُمَ من الخَلق الجسيم) (1 )

                وفي "لسان العرب" :
                (الجِسْمُ : جماعة البَدَنِ أو الأعضاء من الناس والإبل والدواب وغيرهم من الأنواع العظيمة الخَلْق ..., والجمع أَجْسامٌ وجُسومٌ , والجُسْمانُ : جماعة الجِسْمِ... , ورجُل جُسْمانيٌّ وجثْمانيٌّ: إذا كان ضَخْم الجُثَّة . أبو زيد الجِسْمُ الجَسَدُ وكذلك الجُسْمانُ والجُثْمانُ : الشخص , وقد جَسُمَ الشيءُ : أَي عَظُمَ فهو جَسِيمٌ وجُسام بالضم)

                وفي "الصحاح" :
                (قال أبو زيد: الجِسْمُ والجُسْمانُ: الجَسَدُ، والجُثْمانُ: الشخصُ. قال: وجماعة جِسمِ الإنسان أيضاً يقال له الجُسْمانُ. وقد جَسُمَ الشيءُ، أي عَظُمَ، فهو جَسيمٌ وجُسامٌ بالضم).
                وفي "القاموس المحيط" : (الجِسْمُ، جماعةُ البَدَنِ أو الأعْضاءُ ومن الناسِ وسائِر الأنْواع العظيمةُ الخَلْقِ ) .(2 )

                وما كان عظيمًا أو مجتمعًا لا بد وأن يكون له امتدادٌ ما في الأبعاد , ولذلك قال الإمام الراغب في مفرداته (ص94) :
                (جسم: الجسم ماله طول وعرض وعمق ) .

                فأهل اللغة لم يلاحظوا ويراعوا في الشيء حتى يكون جسمًا أن يكون منحلًا متفرقًا ثم يتركب , أو أن يكون مجتمعًا ثم يتفرق , بل لا يعرفون من الجسم سوى العظيم الكبير حسًا أو المجتمع المنضم , وهذا يستلزم بالضرورة الامتدادَ في الأبعاد وعظمةَ المقدار والحيّز , فالعرش مثلًا جسم لأنه عظيم الحيّز والمقدار , وله امتداد في اليمين واليسار , والإشارة الحسيّة إلى يمينه ليست عين الإشارة إلى يساره , فهو منقسم بالفرض إلى ما هو يمين وما هو يسار وما هو أعلى وما هو أسفل , فمقداره وحجمه يمكن أن يفرض فيه اليمين واليسار والأعلى والأسفل , ويتيمز شيء منه عن شيء , وقد سلّم ابن تيمية في أحد المواضع بهذا فقال :
                (الوجه الثالث والسبعون: أن الأجسام بينها قدر مشترك وهو جنس المقدار , كما يقولون ما يمكن فرض الأبعاد الثلاثة فيه , وبينها قدر مميز -وهو حقيقة كل واحد وخصوص ذاته التي امتاز بها عن غيره- كما يعلم أن الجبل والبحر مشتركان في أصل القدر , مع العلم بأن حقيقة الحجر ليست حقيقة الماء) (3 ) .

                وخلاصة الأمر أن الجسم عند أهل اللغة يطلق على:
                1- الشيء الكبير العظيم المقدار .
                2- الشيء المجتمع , بقطع النظر عمّا اجتمع منه وبقطع النظر عن سبق التفرق قبل الاجتماع أو إمكان التفريق بعده .
                3- الشيء الممتد في الأبعاد , بحيث يتميز يمينه عن شماله وأعلاه عن أسفله ويشار إشارة حسيّة إلى شيء منه دون شيء .

                ولقد اعتمد المتكلمون من أهل السنة وغيرهم في تعريفهم الاصطلاحي للجسم على المعاني اللغوية , والتي لا تخرج عن التجمّع والعظمة والكبر الحسي , فكلما كان الشيء مجتمعًا مشتدًا أكثر كان أبلغ في الجسدية , حتى إذا بلغ الاشتداد المطلق فاستحال تفريقه فقد بلغ الغاية في التجسد , وتعريفات المتكلمين للجسم لا تخالف تعريفات اللغويين بل هي راجعة إليها , فقد عرّف الإمام السيّد الشريف الجرجاني الجسمَ بأنه : "الطويل العريض العميق" , وعرفه الباقلاني بأنه : "المؤلف المركب المجتمع" , فهذه التعريفات الكلامية لا تخرج عن التعريفات اللغوية , لأنّ الجسم عند أهل اللغة هو الشيء العظيم كبير الحجم , ومعلوم أنّ الشيء الكبير الحجم لا بد أن يكون له طول وعرض وارتفاع , وإلا لم يكن كبيرًا عظيم الحجم , وكذلك يطلق اللغويون الجسمَ على الشيء المجتمع , ومعلوم أنّ الشيء المجتمع هو المؤلف المركب , وكذلك الشيء الكبير العظيم لا بد أن يكون مجتمعًا مؤلفًا , وكلّ مجتمع لا بد أن يكون له طول وعرض وعمق .

                وقد اعترض بعضهم على هذا بأن النار والهواء لها طول وعرض وارتفاع وهي مركبة من الأجزاء , وكذلك بعض المخلوقات الصغيرة كالذبابة والحشرات , لكن لم يطلق عليها العرب أنها أجسام , وتغافل هذا المعترض عن أنّ غلبة استعمال اللفظ في بعض المعاني لا يستلزم نفيه عن غيرها , وشيوع استعمال اللفظ لمعان معينة لا يعني انحصار دلالته عليها , وقد ورد في اللغة قولهم : (فلان أجسم من فلان) لمن كان أضخم وله من الطول والعرض أكثر مما للآخر , ولمن زادت أجزاء جسمه على الآخر , ومعلوم أنّ المفاضلة بين أمرين في وصف تقتضي ثبوته لهما وزيادة أحدهما على الآخر فيه , فإذا قلنا : (الحديد أصلب من الحجر) فهِمْنا اشتراكهما في الصلابة وزيادة الحديد فيها على الحجر , فالزيادة في قول أهل اللغة : (فلان أجسم من فلان) هي زيادة في الطول والعرض وفي الأجزاء وكبر الأعضاء , وهذا يدلّ على أنّ الجسم عند أهل اللغة هو الطويل العريض العميق ذو الأجزاء , وغلبة استعمال لفظ الجسم في بعض المعاني لا يعني عدم جواز إطلاقه على غيرها مما تشترك معها في منشأ الإطلاق , وقد ورد إطلاق الجسم على النار في شعر المتقدّمين كأبي نواس مثلًا , ففي معاهد التنصيص على شواهد التلخيص من أشعار أبي نواس :
                (جاءتْ بإبريقها مِنْ بَيتِ تاجرها *** رُوحاً مِنَ الخمرِ في جِسمٍ مِنَ النّارِ) (4 )

                وقد أطلق العرب لفظ الجسم على المخلوقات الصغيرة كالبرغوث , فجاء في عيون الأخبار لابن قتيبة الدينوري عن أحد الأعراب , قوله في امرأة يصفها -ونقله صاحب العقد الفريد-:
                (لها جِسم بُرْغوث وساقا بَعُوضة *** ووَجْه كَوَجْه القِرْد أو هو أقْبَحُ ) (5 )

                وفي طبقات الشعراء لابن المعتز في أخبار حمّاد الراوية :
                ( قال أبو العباس المبرد: حدثني أبو يعقوب الباهلي قال:هجا حماد عجرد محمد بن سليمان الهاشمي بقصيدته التي يقول فيها:
                له جسم برغوث وعقل مكاتب *** وغلمه سنور يبيت يولول
                فأهدر محمد بن سليمان دمه) (6 ) .

                واستعمال لفظ الجسم للبرغوث وإن كان غير مشتهر , لكن ذلك لا يقتضي عدم جواز إطلاقه عليه لما سبق .

                وقد أطلق العرب أيضًا الجسم على غير الحي العاقل , فأطلقوه على الميت كما في قول النابغة الجعدي :
                ( وَلَسنا نَرُدُّ الرَوحَ في جِسمِ مَيّتٍ *** وَكُنّا نُسِيلُ الرَوحَ مِمَّن تَنشَّرا) (7 )

                وأطلق ابن المعتز الجسم على الأرض كما في التشبيهات لابن أبي عون- فقال :
                (يكْسُو الْبِلادَ قَمِيصاً مِنْ زَخارِفِه *** كَأَنَّهُ فَوْقَ جِسْمِ اْلأَرْضِ مَزْرُورُ )

                وأطلق ابن الهذيل الجسم على السراب , فقال :
                ( متوسِّطٌ جَوزَ الفلاةِ كأنَّه *** ثملٌ يَميدُ به الطَّريقُ المهيَعُ
                وترى بها جسم السراب كأنما *** نزلت به الحمى فما إن تقلعُ ) (8 )

                وأطلق سليمان المتلمس الجسم على الهواء , فقال :
                (وصهباء في جسم الهواء وثوبها *** سنا الشمس يبغي سدفة الليل بالذحل) (9 )

                وقد ردّ ابن حزم على من نفى كون الهواء جسمًا فقال في الفصل (5/195) :
                (وقد نجد جسماً طويلاً عريضاً عميقاً لا لون له وهو الهواء , ساكنه ومتحركه , وبالضرورة ندري أنه لو كان له لون لم يزد ذلك في مساحته شيئاً‏.‏
                قال أبو محمد‏:‏ فإن بلغ الجهل بصاحبه إلى أن يقول ليس الهواء جسماً , سألناه عما في داخل الزق المنفوخ ما هو؟ وعما يلقي الذي يجرى فرساً جواداً بوجهه وجسمه؟ فإنه لا شك في أنه جسم قوي متكثر محسوس) (10 ) .

                ويعبّر أهل الاصطلاح عن الجسم بأنه منقسم أو مركب , ويطلقون الانقسام بملاحظة الأشياء المجتمعة ويطلقون التركيب بملاحظة الذات الجامعة , ولا يعنون بالقسمة مجرد انفصال شيء منه عن شيء بالفعل بحيث يصير كلّ منهما في حيّز مستقل عن الآخر , كانقسام الجيش إلى ميمنة وميسرة , إذ ليس هذا من ذاتيات الجسم , فقد تكون القسمة دون انفصال شيء عن شيء , بل بتميّز شيء منه عن شيء في جهته بحيث يكون ما في هذه الجهة منه غير ما في هذه الجهة , وتكون إشارتك الحسية إلى هذا الشيء غير إشارتك الحسية إلى ذاك , فتصح الإشارة الحسيّة إلى شيء منه دون شيء , وبإمكانك أن تشير إليه أكثر من إشارة حسية وتقع كلّ إشارة على شيء منه دون الآخر , وإن كان موقع الإشارة الحسية غير منفصل عن الشيء الآخر في حيّز منفرد , وذلك كانقسام العرش إلى يمنة ويسرة , فيمين العرش متميز عن يساره والإشارة الحسية إلى اليمين غير الإشارة الحسية إلى اليسار , فيمكنك أن تشير أكثر من إشارة حسية إلى العرش بحيث تقع كل إشارة على شيء متميّز عن الآخر , وإن كان يمين العرش غير متميّز عن يساره بحيز منفصل مستقل , وهذا راجع إلى معنى الجسم عند اللغويين وهو العظيم الكبير أو الطويل العريض العميق أو المجتمع , لأنّ كلّ كبير في حيّزه وكلّ ممتد في الأبعاد وكل مجتمع لا بد أن يتميز شيء منه عن شيء بالجهة والإشارة الحسية وإن لم يكن متميزًا عنه بحيز منفصل .

                __________________________________________________
                * أفدتُ معظم معاني الجسم من درس شرح التأسيس .
                - تهذيب اللغة , (10/314) , ط إحياء التراث العربي .
                2- القاموس المحيط , ص 1088 , ط8 الرسالة .
                3- بيان تلبيس الجهمية 1/129.
                4- (1/35) , وفي نفس الكتاب ص30 : (قيل إنه ولد بالبصرة ... وقيل إنه ولد بالأهواز , وقيل إنه ولد بكورة من كور خوزستان , في سنة 141 هـ) .
                5- عيون الأخبار (4/35) .
                6- ص90 , وحماد الراوية قال عنه ابن خلكان في وفيات الأعيان (2/206) : (وفي كتاب طبقات الشعراء : إنه مولى مُكنّف بن زيد الخيل الطائي الصحابي -رضي الله عنه- . وكان من أعلم الناس بأيام العرب وأخبارها وأشعارها وأنسابها ولغاتها , وهو الذي جمع السبع الطوال فيما ذكره أبو جعفر النحاس .... وكانت وفاته سنة 155هـ).
                7- ديوان النابغة الجعدي ص90 , والنابغة الجعدي من الشعراء المخضرمين , قال الزركلي في الأعلام (5/207) : (إنه توفي نحو سنة 50 هـ) .
                8- التشبيهات من أشعار أهل الأندلس ص171 .
                9- التشبيهات من أشعار أهل الأندلس ص91 .
                10- ط2 دار الجيل .


                يتبع ....
                فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
                بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

                تعليق

                • عثمان محمد النابلسي
                  طالب علم
                  • Apr 2008
                  • 438

                  #9
                  ومن نظر في حقيقة التجسيم عند أهل اللغة والاصطلاح وقارنه بعقائد التيمية والوهابية , وجدهم يعتقدون حقيقة الجسمية في الله تعالى -وإن كانوا ينفون التجسيم من حيث الإطلاق واللفظ أحيانًا ويتوقفون فيه أحيانًا أخرى- , ويتضح ذلك من خلال النقاط التالية :

                  أ - تفسيرهم اسم الله (الصمد) بألفاظ لا تستعمل إلا في وصف الأجسام "كالاجتماع" و "القوة" التي تنافي التفرق والانقسام والتمزق والانفصال والانحلال ، و"الانضمام" المنافي للخلو والتجويف والانفتاح والتفريج!! :

                  بيّن علماء اللغة أنّ من معاني (الصمد) الشيء الذي لا جوف له , فقال ابن منظور في اللسان (3/259) : (قيل : الصمد هو المصمت الذي لا جوف له , وهذا لا يجوز على الله عز وجل) , والإصمات والتجويف من المعاني المتناقضة في الجسم فلا يمكن إثباتهما معًا ولا يمكن نفيهما معًا , فإما أن يكون الجسم مصمتًا منضمًا بعضه إلى بعض وإما أن يكون مجوفًا فيه خلو وتفريج , ونفيُ أحدهما عن الجسم يستلزم ثبوت الآخر , فإذا نفينا الإصمات فقد أثبتنا التجويف والخلو وإذا نفينا التجويف فقد أثبتنا الإصمات والانضمام , أما غير الأجسام فلا تقبل الوصف بأحدهما فلا يكون نفي أحدهما إثباتًا لنقيضه لعدم القابلية أصلًا , فإذا قلنا أن صفة العلم لا جوف لها فلا يعني ذلك أنها مجتمعة منضمة لأنها ليست جسمًا فليست قابلة لأحد النقيضين , لأن القابل للشيء لا يخلو عنه أو عن نقيضه أما غير القابل فلا يثبت له الشيء ولا نقيضه , فإذا قلنا أن الملائكة ليسوا إناثًا فلا يعني ذلك أنهم ذكور , لأنهم غير قابلين أصلًا للاتصاف بالأنوثة والذكورة , فلا يصح إثبات الأنوثة للملائكة عند نفي الذكورة عنهم ولا يصح إثبات الذكورة عند نفي الأنوثة , أما إذا نفينا عن إنسان الأنوثة فهذا يعني أنه ذكرٌ وإذا نفينا عنه الذكورة فهذا يعني أنه أنثى , لأن الإنسان قابل للاتصاف بالأنوثة والذكورة , وعلى هذا لا يصح إثبات التجويف عند نفي الإصمات والاجتماع أو إثبات الإصمات والاجتماع عند نفي التجويف إلا للجسم , أما غير الجسم فلا يلزم من نفي التجويف والخلو أو من نفي الإصمات والاجتماع إثبات نقيضه , ويفهم من كلام ابن تيمية في أحد المواضع أنّ الإصمات والاجتماع إنما يعقل في الجسم , وأن الأجسام منها ما هو مصمت ومنها ما هو أجوف , فقال عن المجسمة : (قالوا: هو صمد والصمد لا جوف له، وهذا إنما يكون في الأجسام المصمتة فإنها لا جوف لها كما في الجبال و الصخور...وقالوا: أصل الصْمد الاجتماع ومنه تصميد المال، وهذا إنما يعقل في الجسم المجتمع). (مجموعة رسائله وكتبه في التفسير 17/269) .
                  وقال أيضًا في بيان التلبيس (1/486) : (يقال صمت يصمت صماتا وأصمت إصماتا , وهو جمع وضم ينافي الانفتاح والتفريج , ولهذا يقال للعظام ونحوها من الأجسام : منها أجوف ومنها مصمت).
                  لكنّه عندما أتى إلى تفسير اسم الله تعالى (الصمد) فسّره بما لا يعقل إلا في الجسم من أنّه يقتضي الجمع والضم! , ورأى أن نفي التجويف عنه يستلزم إثبات الاجتماع والانضمام! , فقال في بيان تلبيسه (1/628) :
                  1- (قد أخبر الله تعالى في كتابه أنه الصمد , وقد قال عامة السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم إن الصمد هو الذي لا جوف له , وقالوا أمثال هذه العبارات التي تدل على أن معناه لا يتفرق، واللغة تدل على ذلك , فإن هذا اللفظ وهو لفظ "صمد" يقتضي الجمع والضم!!).
                  فهو يرى أن صمدية الله تعالى تقتضي الجمع والضم في اللغة , وهذا يستلزم وجود أعيان وأشياء مجتمعة ومنضم بعضها إلى بعض وإلا لم يكن هناك جمعٌ ولا ضم , وهذا هو التجسيم بعينه كما ذكره ابن فارس واللغويون , وتجد ابن تيمية يفسّر الصمدية مرارًا بألفاظ لا تستعمل إلا في وصف الأجسام كالاجتماعِ والقوةِ التي تنافي التفرق والانقسام والتمزق والانفصال والانحلال ، والانضمامِ المنافي للخلو والتجويف والانفتاح والتفريج!! , فقال في بيان تلبيسه (1/621) :

                  2- (والله سبحانه وتعالى صمد لا يجوز عليه التفرق والانفصال كما تقدم بيانه , وأن هذا الاسم يقتضي الاجتماع والقوة , ويمنع التفرق والانفصال , وإذا كانت الصمدية واجبةً له كان الاجتماع واجباً له , والافتراق ممتنعاً على ذاته) .

                  3- وقال في بيان تلبيسه (1/486) :
                  (ودلالة اللفظ عليه أظهر من دلالتها على السؤدد , وذلك أن لفظ "صمد" يدل على الاجتماع والانضمام المنافي للتفرق والخلو والتجويف)!!.

                  4- وقال في بيان التلبيس (1/486) : (ولفظ الصمد يدل على أنه لا جوف له وعلى أنه السيد).

                  5- وقد أرجع معنى السيد أيضًا إلى الاجتماع والانضمام! , حيث قال (1/485):
                  (فان اسم السيد يقتضي الجمع والقوة , ولهذا يقال السواد هو اللون الجامع للبصر والبياض اللون المفرق للبصر ويقال للحليم السيد لان نفسه تجتمع فلا تتفرق وتتميز من الغيظ والواردات عليها , وكذلك هو الذي يصبر على الأمور والصبر يقتضي الجمع والحبس والضم) .

                  6- وقال أيضًا في بيان التلبيس ما يدل على أن داخله ممتلئ (1/713):
                  (كلّ حكمٍ ثبت لمحض الوجود يخرج الأحكام التي تتضمن العدم , مثل الأكل والشرب فإن ذلك يستلزم كون الآكل والشارب أجوف بحيث يحصل الغذاء الذي هو أجسام في محل خال , لا سيما إذا كان قد خرج غيره بالتحلل , ويكون بدل المتحلل فيكون متضمنا خروج شيء من الجسم , وذلك نقص منه وهو صفة عدمية , ووجود أجزاء فيه , وذلك يستلزم خاليًا وهو نقص فيه وهو صفة عدمية , وهذا ينافي الصمدية , فإن الصمد هو الذي لا جوف له فلا يأكل ولا يشرب ولا يلد ولا يخرج منه شيء ولا غيره من جنس الفضلات التي تخرج من الانسان) .

                  7- وقال في مجموع الفتاوى عن الصمد (17/229) :
                  (وكذلك لفظ الصمد فيه الجمع , والجمع فيه القوة , فإن الشيء كلما اجتمع بعضه إلى بعض ولم يكن فيه خلل , كان أقوى مما إذا كان فيه خلو) .
                  فانظر هذا وقارنه بتعريف الجسم عند اللغويين لتجد عدم وجود الفارق بين ما فهمه ابن تيمية من معنى الصمد وبين الجسم في اللغة!! وأن الاجتماع والقوة التي يعنيها هي الاشتداد والصلابة بدليل أنها تمنع التفريق والانفصال!! وبعد أن اتضح للقارئ اعتقاد ابن تيمية أن الله تعالى مجتمع لا جوف له مما ينافي جواز التفرق والانحلال عليه , فليقرأ كلام ابن تيمية التالي في بيان التلبيس (1/628) :
                  8- ( وقد قال من قال من حذاق أهل الكلام وغيرهم : إن هذا تفسير المجسمة , لأن الأجسام نوعان : أجوف ومصمت كالطعام منها أجوف ومنها مصمت , فالحجر ونحوه مصمت , قالوا : هذا يقتضي أنه جسم مصمت لا جوف له , وهذا يدل على أن صمديته تنافي جواز التفرق والانحلال عليه , فلا يخلو إما أن تكون هذه الآية قد دلت على ذلك أو لم تدل عليه , فإن كانت دلت على ذلك وعلى أنه مصمت لا جوف له يمتنع عليه التفرق, بطل قولك أي الرازي- إن كل جسم يصح عليه التفرق والانحلال , وإن لم تكن دلت على ذلك فأنت لم تذكر دليلًا عقليًا على امتناع التفرق عليه , ولا نصًا ولا إجماعًا , وإذا كان كذلك لم تكن حجتك تامة , فإن هذه إحدى مقدمات الدليل فإذا لم يكن مدلولا عليها لم يكن المذكور دليلا وإذا لم يكن دليلا لم يصح نفي كونه جسما بهذا الدليل) .

                  أي إن كانت الآية دالة على أنّ صمدية الله تعالى تنافي جواز التفرق والانحلال , فقد بطل قول الإمام الرازي إن كلّ جسم يصح عليه التفرق والانحلال! , لماذا؟ لأنه حينئذ قد وجد جسم لم يصح عليه التفرق والانحلال وهو الله تعالى!! , فلا يكون جواز التفرق والانحلال على كل جسم صحيحًا لوجود فرد ينقض ذلك العموم في كلام الرازي , فتكون هذه السالبة الجزئية ناقضة للموجبة الكلية , وإن لم تدل الآية على ذلك بطلت حجة الرازي كما يزعم ولم يكن له دليل على امتناع التفرق على الله تعالى , مع أن كلّ أدلة نفي التجسيم العقلية والنقلية تدلّ على ذلك , ولنا أن نسأل ابن تيمية : أتختار أنّ الآية دلّت على أن صمدية الله تعالى تنافي جواز التفرق والانحلال عليه فلا يكون من الجائز على كل جسم ذلك التفرق , أم لا؟ من المعلوم أن جواب ابن تيمية هو الأول كما سبق في نصوصه , ولا بد من التنبيه إلى أن الآية بعيدة عن معنى الاجتماع ونفي التفرق الذي يفيده لفظ الصمد في اللغة والذي هو اجتماع الجسم وصلابته ونفي وقوع انقسامه , فلا معنى لحشر ابن تيمية هذه الآية في هذا السياق .
                  ثم إن ابن تيمية عدّ الاجتماعَ والافتراقَ في حق الباري سبحانه ضدين كالموت والحياة لا يمكن ارتفاعهما عنه معاً ، لأن أحدَهما من صفات الكمال ، ولأن نفيَهما من جنس الإلحاد! , فقال بعد الكلام السابق (1/628-629):
                  9- (فإن قال : أنا أثبت امتناع التفريق عليه بالإجماع أو موافقة الخصم , قيل له : الذي يوافقك على دليل وافقك على أنه مجتمع يمتنع عليه الافتراق , ولم يوافقك على أنه لا يوصف باجتماع ولا افتراق! , وحينئذ فهو يقول: أنا ما علمت امتناع الافتراق عليه إلا بوجوب اجتماعه! , كما أني لم أعلم امتناع الموت عليه إلا لوجوب حياته , ولم أعلم امتناع الجهل والعجز عليه إلا لوجوب علمه وقدرته , ولم أعلم امتناع العدم عليه إلا لوجوب وجوده , فإن نازعني منازع فيما أثبته وقال : ليس بمجتمع أو ليس بعالم أو ليس بحي ولا قادر أو ليس بموجود وطلب مني أن أوافقه على أنه لا يجوز عليه الافتراق والعدم والموت والجهل والعجز ونحو ذلك , كان قد طلب مني موافقته على امتناع أحد الضدين دون ثبوت الآخر الذي هو من صفات الكمال أو الذي ليس هو من صفات النقص أو الذي ليس هو عندي من صفات النقص , وكان حينئذ من جنس الملاحدة الذي يطلبون أن أوافقهم على أنه ليس بميت ولا عاجز ولا جاهل مع منازعتهم لنا في أنه حي عالم قادر).

                  وقد بينتُ سابقًا أن الإصمات والاجتماع وضده من التجويف والتفريج من المعاني الخاصة بالأجسام , فلا يعقل إثباتهما لما ليس جسمًا , إلا أنّ ابن تيمية هنا يجعل الاجتماع المنافي للتفرق كالعلم المنافي للجهل والوجود المنافي للعدم!! , فتأمل .

                  فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
                  بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

                  تعليق

                  • عثمان محمد النابلسي
                    طالب علم
                    • Apr 2008
                    • 438

                    #10
                    ب- تفسيرهم عظمة الله تعالى وكِبَره بالمعنى الحسي الحجمي المعروف في الأجسام :


                    إن ابن تيمية وأتباعه يفهمون الكِبَر والعظمة لله تعالى بالمعنى الحسّي الحجمي , فيقول ابن تيمية في منهاج السنة النبوية (2/630) :
                    10- (فإذا قيل إنه ما يفضل من العرش أربعة أصابع , كان المعنى ما يفضل منه شيء , والمقصود هنا بيان أن الله أعظم وأكبر من العرش) .

                    وقد ذكر هذا الكلام في بيانه معنى الأثر الباطل : (فما يفضل منه أي العرش بعد الجلوس- إلا أربعة أصابع) , وأنكر ابن تيمية أن تكون (ما) في هذا النهي الموصولة وذهب إلى كونها نافية , وعلّل ذلك بقوله في مجموع الفتاوى (16/436):

                    11- (بل هو يقتضي أن يكون العرش أعظم من الرب وأكبر وهذا باطل , ويقتضي أيضاً أنه إنما عُرف عظمة الرب بتعظيم العرش المخلوق وقد جعل العرش أعظم منه , فما عظم الرب إلا بالمقايسة بمخلوق وهو أعظم من الرب , وهذا معنى فاسد) .
                    فيرى استحالة كون العرش أكبر وأعظم من الله تعالى ووجوب كون الله تعالى أكبر وأعظم من العرش , وهذه مقارنة صريحة بين ذي حجم ومساحة مع ذي حجم ومساحة!! .
                    وحينما ألزم الإمامُ الرازي الكراميةَ بإثبات كِبَر الحجم وعظمة المقدار لله تعالى , التزم ابن تيمية ذلك وقال في بيان التلبيس (1/767):

                    12- (الوجه السابع عشر أنهم يقولون: نقول إنه لا يرى إلا كبيراً عظيماً لا نقول إنه يرى لا صغيراً ولا كبيراً , بل نقول إنه يرى عظيماً كبيراً جليلاً كما سمي ووصف نفسه بذلك في الكتاب والسنة , ومن لم يقل ذلك من المنازعين كان ما ذكره حجة عليه).
                    وسار أتباع ابن تيمية على فهم العظمة والكِبَر على المعنى الحسي الحجمي الخاص بالأجسام كما سبق في كلام أهل اللغة , فيقول ابن عثيمين في مجموع فتاواه (8/321) :

                    13- (وإن أردتم بكونه محدودا : أن العرش محيط به ، فهذا باطل ، وليس بلازم ، فإن الله تعالى مستوٍ على العرش ، وإن كان عز وجل أكبر من العرش ومن غير العرش ، ولا يلزم أن يكون العرش محيطا به، بل لا يمكن أن يكون محيطا به؛ لأن الله سبحانه وتعالى أعظم من كل شيء وأكبر من كل شيء , والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ، والسماوات مطويات بيمينه) .
                    فتأمل تعليله عدم إحاطة العرش بالله تعالى بكون الله تعالى أعظم وأكبر من العرش وأكبر من كل شيء , مما يدل على أن العظمة والكبر عندهم هي المعروفة في الأجسام عند أهل اللغة .
                    وقال أيضًا في مجموع فتاواه (8/423) :

                    14- (واستفهام النبي -صلى الله عليه وسلم- بـ "أين الله" يدل على أن لله مكاناً، ولكن يجب أن نعلم أن الله لا تحيط به الأمكنة , لأنه أكبر من كل شيء!).
                    فعلة عدم إحاطة المكان بالله تعالى هي أنّ الله تعالى أكبر من كل شيء , وهذا يدل على أن القوم يستعملون الكبر بالمعنى الحجمي , لأنّ المكان لا يمكن أن يحيط بالشيء إلا إذا كان حجمه أكبر من حجم المكان .


                    يتبع....
                    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
                    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

                    تعليق

                    • عثمان محمد النابلسي
                      طالب علم
                      • Apr 2008
                      • 438

                      #11
                      ج- إثباتهم الأبعاض لذات الله تعالى :


                      إذا نفى أحد الوهابية كون "عين" الله -تعالى وتقدس عن ترهاتهم- عضوًا أو بعضًا أو جارحة , فهو إنما ينفي كونها عضوًا مشابهًا لأعضاء المخلوقين في الكيفيات , وينفي كونها عضوًا بمعنى ما سَبَقَ تَفَرُّقُه أو أمكن تفريقه , وهو في الحقيقة ينفي لفظ العضو مع إثباته معناه , ولك أن تتعجب من عدم إثباتهم الأجزاء والأبعاض لله تعالى عندما تعرف معنى الأجزاء والأبعاض عندهم! , فقال ابن عثيمين في فتاواه (8/95):
                      (لا نقول إنها أجزاء وأبعاض , بل نتحاشا هذا "اللفظ" , لكنّ مسماها لنا أجزاء وأبعاض , لأن الجزء والبعض : ما جاز انفصاله عن الكل!! فالرب عز وجل لا يتصور أن شيئًا من هذه الصفات التي وصف بها نفسه - كاليد - أن تزول أبدًا ؛ لأنه موصوف بها أزلًا وأبدًا , ولهذا لا نقول : إنه أبعاض وأجزاء) .

                      وقال ابن القيم في الصواعق المرسلة (1/227) :
                      (وكذلك الأبعاض هي ما جاز مفارقتها وانفصالها وانفكاكها , وذلك في حق الرب تعالى محال , فليست أبعاضًا ولا جوارح) .
                      فانظر فهمهم للفظ الجزء والبعض والعضو لتعرف معناها المنفي عندهم عن الله تعالى , فيروْن أنّ الجزء ما جاز انفصاله عن الكلّ , مع أنّ هذا المعنى ليس مدلولًا للفظ الجزء أو البعض أو العضو لا لغة ولا عرفًا ولا شرعًا , وهذا القيد الذي جعلوه شرطًا لمعنى الجزء ليس معروفًا عند أهل اللسان العربي , أما معنى الجزء المعروف فهم يثبتونه مع تحاشيهم لَفْظَه , فيرون أنّ ذات الله تعالى تتألف من أجزاء مع رفضهم إطلاق لفظ "الأجزاء" واستبدالهم مكانه لفظ "الأعيان" , لكنّ هذه الأعيان لم تكن مفرقة ثم اجتمعت ويستحيل أيضًا أن تتفرق وتنفصل بعد كونها مجتمعة , بل ذات الباري سبحانه- مؤلفة من تلك الأعيان منذ الأزل إلى الأبد , وهذه الأعيان من الصفات الذاتية الواجبة لله تعالى عندهم! , وهذا في الحقيقة هو التجسيم بعينه , قال ابن فارس (1/457) : ("جسم" الجيم والسين والميم , يدلّ على تجمع الشيء..... , "جسد" الجيم والسين والدال , يدلّ على تجمع الشيء أيضًا واشتداده) .

                      فذات الله تعالى عند التيمية مجتمعة وجامعة لأعيان , وهم وإن كانوا يعترفون بأن الجسم هو الشيء المجتمع المؤلف , لكنّهم -ليفروا من التجسيم- أضافوا قيدًا لم يعرفه أهل اللغة , وهذا القيد هو التفرّق السابق أو إمكان التفريق اللاحق , فما كان متفرقًا فاجتمع أو ما كان مجتمعًا وأمكن تفريقه فهو الجسم , أمّا ما كان مجتمعًا دون سبق تفرّق أو إمكان تفريق فليس بجسم! , لأن ذات الله سبحانه- عندهم تتضمن أعيانًا لم تكن متفرقة ويستحيل عليها التفريق , والإشارة الحسيّة إلى كلّ واحدة من هذه الأعيان غير الإشارة إلى الأخرى , فالإشارة إلى اليد غير الإشارة إلى القدم والإشارتان غير الإشارة إلى الوجه , والحيز والمكان الذي يشغله هذا الجانب غير الحيّز والمكان الذي يشغله الجانب الآخر وإن كان لا يفارقه في الزمان والوجود , والنسبة بين هذه الأعيان بعضها إلى بعض هي نسبة الجزء إلى الجزء , والنسبة بين هذه الأعيان والذات هي نسبة الجزء إلى الكل , وإن كانوا يتوقفون في لفظ "الجزء" كما سبق .
                      وإليك بعض النصوص يثبتون فيها الأبعاض لله تعالى :

                      15- قال ابن تيمية في بيان تلبيسه (1/83-84) :
                      (فصل: قال الرازي: "وأما "الحنابلة" الذين التزموا الأجزاء والأبعاض".
                      فيقال: إن أردت بهذا الكلام أنهم وصفوه بلفظ الأجزاء والأبعاض وأطلقوا ذلك عليه من غير نفي للمعنى الباطل وقالوا إنه يتجزأ أو يتبعض وينفصل بعضه عن بعض ( ) , فهذا ما يعلم أحد من الحنابلة يقوله , هم مصرحون بنفي ذلك , وإن أردت إطلاق لفظ البعض على صفاته في الجملة -فهذا ليس مشهورا عنهم , لا سيما والحنابلة أكثر اتباعا لألفاظ القرآن والحديث من الكرامية ومن الأشعرية , بإثبات لفظ الجسم من الحنابلة ( )- , فهذا مأثور عن الصحابة والتابعين , والحنبلية وغيرهم متنازعون في إطلاق هذا اللفظ كما سنذكره إن شاء الله , وليس للحنبلية في هذا اختصاص , ليس لهم قول في النفي والإثبات إلا وهو وما أبلغ منه موجود في عامة الطوائف وغيرهم , إذ هم لكثرة الاعتناء بالسنة والحديث والائتمام بمن كان بالسنة أعلم وأبعد عن الأقوال المتطرفة في النفي والإثبات , وإن كان في أقوال بعضهم غلط في النفي والإثبات فهو أقرب من الغلط الموجود في الطرفين في سائر الطوائف الذين هم دونهم في العلم بالسنة والإتباع.
                      وإن أردت أنهم وصفوه بالصفات الخبرية مثل الوجه واليد , وذلك يقتضي التجزئة والتبعيض , أو أنهم وصفوه بما يقتضي أن يكون جسما والجسم متبعض ومتجزئ وإن لم يقولوا هو جسم , فيقال له: لا اختصاص للحنابلة بذلك بل هذا مذهب جماهير أهل الإسلام بل وسائر أهل الملل وسلف الأمة وأئمتها!!) .

                      فهاهنا ذكر ابن تيمية معنيين للتجزؤ والتبعيض لم يُرِدْهُما الإمامُ الرازي , ولمّا أتى إلى مُراده من التجزؤ والتبعيض التزمه وقال به!! , وهذا من الأساليب المحببة عند ابن تيمية حيث يطنب في نقاش ما لا نزاع فيه بوجوه كثيرة , حتى إذا وصل محل النزاع التزمه وقال به إما صراحة وهو قليل- أو بأساليب ملتوية كنسبته للسلف أو للجمهور أو للحنابلة أو سوقه على لسان غيره ممن يسميهم أهل الإثبات أو بتغيير بعض الألفاظ! , حتى يوصل القارئ إلى إثبات المعنى من غير أن يؤخذ عليه التصريح به , واستخدام هذه الأساليب هو الغالب الأعم عند ابن تيمية!! , وتأمّل قوله : (وإن لم يقولوا هو جسم) , ففيه دليل على أن القوم يُثبتون المعنى مع تحاشيهم اللفظ!

                      16- ثم تراه يقيس الأبعاض المؤلِّفة لذات الله تعالى والتي يسميها أعيان- على الصفات , فيقول في بيان تلبيسه (1/624-625):
                      (وفي الجملة فأصل هذا الكلام أنه فرض تماثلاً وقال فيه يلزم أن يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر , فيقال له : التماثل الذي سلمناه لم يدخل فيه ما يستلزم جوازَ التفريق أو جوازَ حلول كل بعض محلَ الآخر , ولا يدخل هذا في مسمى التماثل المفروض , وإن قلت : بل هو داخل في مسمى التماثل الذي فرضتُه كان النزاع لفظياً وعاد الكلام إلى القسم الثاني , فيقال لك : لا يكون مماثلةً بهذا الاعتبار الذي ذكرته , كما قد يقال ابتداءً لا يجب أن تكون الأبعاض متماثلة، بل يجوز أن تكون غيرَ متماثلة ، كما أن الصفاتِ مثلَ الحياة والعلم والقدرة ليست متماثلة , فيقول هؤلاء في القدْر ما قاله الباقون في الوصف ، ويقولون أبعاض المقدار كآحاد الصفات، وإذا كان حاملاً لصفات ليست متماثلة كان أيضاً جامعاً لأبعاض ليست متماثلة , فما الدليل على بطلان ذلك؟!).

                      وهذا واضح في إثبات تألّف الذات الإلهية من أبعاض لكنّها لا تقبل الانفصال , ولو تنزلنا وقلنا بأنّ التماثل الذي سلّمه لا يستلزم جواز التفريق وحلول كل بعض مكان الآخر , فإنّ في إثباته الأبعاض التي تجمعها الذات الإلهية إثباتٌ للتجسيم والتركيب في ذات الله عز وجلّ , وقياس الأبعاض التي تجمعها الذات الإلهية على الصفات التي تحملها قياسٌ فاسد , إذ الصفات لا يمكن الإشارة الحسية إلى أحدها دون الأخرى , بخلاف الإشارة إلى شيء من القدْر دون شيء آخر وعينٍ منه دون عينٍ أخرى , فالصفة معنى يقوم بالذات ولا تمكن الإشارة الحسية إلى معنى قائم بالذات دون الآخر , ومن المحال أن يشار بالحس إلى صفة العلم دون صفة القدرة والإرادة مثلًا , فالصفات لا تقع تلك الإشارة على شيء منها دون شيء , فليست إشارةً إلى عينٍ متحيّزة منه مختصة بجهة مخالفة لجهة الأعيان الأخرى , بل هي إشارة عقلية ذهنية لا إشارة حسية إلى شيء ذي مقدار , وعلاقتها مع الذات ليست علاقة الجزء مع الكل , وعلاقتها مع بعضها ليست علاقة الجزء بالجزء , ولا تُغاير بعضها في الحيّز والمكان , فلا تستلزم التركيب والتأليف الخارجي الذي هو التجسيم , فهي كمال ثابت بالنقل والعقل , بخلاف إثبات أعيان وأبعاض تغاير بعضها في الحيّز والمكان دون الزمان والوجود , وتمكن الإشارة الحسية إلى أحدها دون الآخر , فتقع الإشارة الحسيّة على شيء من تلك الأعيان دون شيء , ويكون المشار إليه بعض المقدار الذي يعظم به مقداره , فهي إشارة إلى متحيّز مختص بجهة , وعلاقتها مع الذات علاقة الجزء بالكل , وعلاقتها مع بعضها علاقة الجزء بالجزء , فهذا يستلزم التركيب والتأليف الخارجي الذي هو التجسيم بعينه! فهي منفية بالنقل والعقل .

                      17- ويكرر ابن تيمية هذه الشبهة الركيكة عندما تحاصره الحجة وتلزمه إثبات الأبعاض المتغايرة لذات الله تعالى , فيقول في بيان التلبيس (1/490) :
                      (يقال له : هؤلاء قد يقولون لا هو عينه ولا هو غيره كما عرف في أصولهم أن غير الشيء ما جاز مفارقته له , وأن صفة الموصوف وبعض الكل لا هو هو ولا هو غيره , فطائفة هذا المؤسس هم ممن يقولون بذلك ، وحينئذ فلا يلزم إذا لم يكن عينه أن يكون مغايراً له , ولا يفضي إلى تجويز أن الجبل شيء واحد , وإذا جاز أن يقولوا إن الموصوف الذي له صفات متعددة هو واحد غير متكثر ولا مركب ولا ينقسم , جاز أيضاً أن يقال إن الذي له قدر هو واحد غير متكثر ولا مركب ولا ينقسم , وإن كان في الموضعين يمكن أن يشار إلى شيء منه ولا يكون المشار هو عين الآخر).
                      فيرى ابن تيمية أن غير الشيء هو ما جاز مفارقته له , وأن صفة الموصوف وبعض الكل لا يجوز أن تفارقه , فهي إذن ليست غيره وليست عينه , وفي هذا إثبات للتبعيض لذات الله تعالى واعتقادٌ بأن الله تعالى موصوف له صفات و "كلٌّ له أبعاض!" , وشيبه هذا قول ابن القيم في الصواعق (1/250) :
                      (وظاهر القرآن يدلّ على أنّ قول القائل : { يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ } ليس أنه جعل فعله أو تركه في جنب يكون من صفات الله وأبعاضه!).
                      ولا يقولَنّ معترض إن قول ابن تيمية : " وأن صفة الموصوف وبعض الكل لا هو هو ولا هو غيره" مختص بالمخلوق لا الخالق , لأن المقام مقام كلام عن الخالق تعالى , ولأن ابن تيمية يرى أن صفة المخلوق يمكن أن تفارقه حيث قال في بيان التلبيس (1/126):
                      18- (وإن كان المخلوق يمكن مفارقة ما هو قائم به وما هو منه.. يمكن مفارقة بعض ذلك بعضاً , فجواز ذلك على المخلوق لا يقتضي جوازه على الخالق) . (بيان تلبيس الجهمية1/92) .
                      فإذا كانت صفة المخلوق (ما هو قائم به) وبعض المخلوق (ما هو منه) يمكن أن تفارقه فهي مغايرة له , وقد نص على أن صفة المخلوق وبعضه مغايرة له فقال في بيان التلبيس (1/491) :
                      19- (واذا جاز مفارقة بعضه لبعض أي المخلوق- جاز أن يكون مغايرًا لبعض , كما أن علمه وقدرته لما كان قيامه به جائزا لا واجبا كان عرضا -أي عارضا للموصوف- لا لازما , والرب تعالى لا يجوز أن يفارقه شيء من صفاته الذاتية ولا يجوز أن يتفرق , بل هو واحد صمد , واذا كان كذلك لم يلزم عند هؤلاء أن يكون بعضه مغايرًا لبعض كما أصلوه) .
                      وفي هذا النص أيضًا إثبات للتبعيض في ذات الباري جل وعز , وأن بعضه ليس مغايرًا لبعض .
                      ويقرر ابن تيمية في كلامه السابق أنّ إثبات القَدْر أي بالمعنى الحسي- لله تعالى لا يلزم منه أن يكون الله سبحانه متكثرًا مركبًا منقسمًا , وقد تقدّم معنى الانقسام والتركيب المنفي عنده عن الله تعالى , ويقيس الإشارة إلى شيء من القَدْر دون شيء آخر على الإشارة إلى صفة دون صفة , فإذا لم تكن الإشارة إلى صفة دون صفة تركيبًا وانقسامًا فكذلك الإشارة إلى شيء من المقدار دون شيء آخر لا يعتبر تركيبًا وانقسامًا , وهذا قياس واضح البطلان والفساد , لأن الإشارة الحسية إلى صفة دون صفة من صفات الله تعالى محال , إذ الصفة عبارة عن معنى يقوم بالذات ولا تمكن الإشارة الحسيّة إلى معنى قائم بالذات دون آخر , ومن غير الممكن الإشارة إلى صفة العلم دون صفة القدرة أو إلى صفة القدرة دون صفة الإرادة , بخلاف من أثبت لله تعالى أعيانًا وأبعاضًا متمايزة ومتخالفة بالجهة فإنّه يجوّز بالضرورة الإشارة الحسيّة إلى شيء منها دون شيء , وبالتالي فإدراج ابن تيمية للصفات مع الأبعاض ضمن ما يمكن الإشارة إلى شيء منه دون آخر إدراج باطل , لأن الإشارة إلى الصفات غير ممكنة بخلاف الأبعاض , فلا يصح قوله : (وإن كان في "الموضعين" يمكن أن يشار إلى شيء منه ولا يكون المشار هو عين الآخر) , فإن أصرّ على إمكان الإشارة إلى صفة دون صفة , قلنا أن هذه إشارة عقلية بمعنى أنّ العقل يعرف أن مفهوم صفة العلم ليس هو مفهوم صفة القدرة , فلا تستلزم التركيب الخارجي , بخلاف الإشارة إلى شيء من الأعيان دون شيء فهي إشارة حسيّة تستلزم التركيب الخارجي .

                      فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
                      بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

                      تعليق

                      • عثمان محمد النابلسي
                        طالب علم
                        • Apr 2008
                        • 438

                        #12
                        20 - ويرى ابن تيمية أن المعتزلة والفلاسفة قالوا للصفاتية : إثباتكم للعلم والقدرة والحياة وسائر الصفات إثبات للأجزاء , فيكون ما قاله الرازي للحنابلة في إثباتهم الأبعاض والأجزاء وهو ما يعنيه المتكلمون بالجسم- من جنس ما قاله المعتزلة والفلاسفة للصفاتية , ويكون إثبات الأبعاض والأجزاء لازمًا لسائر الصفاتية!! , فقال في بيان التلبيس (1/96-97) :
                        ( وأما إن أراد بلفظ الأجزاء والأبعاض ما يريده المتكلمون بلفظ الجسم والتركيب -وهو الذي أراده- , فإن الجسم كل جسم عندهم له أبعاض وأجزاء ؛ إما بالفعل على قول من يثبت الجوهر الفرد , وإما بالإمكان على قول من ينفيه , فيقال له: هذا المعنى هو كما يريده الفلاسفة والمعتزلة بلفظ الأجزاء الصفات القائمة به , ويقولون ليس فيه أجزاء حد ولا أجزاء كم , وعندهم أن الأنواع مركبة من الجنس وهو جزؤها العام والفصل وهو جزؤها الخاص , فإن أردت هذا المعنى فلا ريب أن الحنابلة هم من مثبتة الصفات , وهم متفقون على أن له علما قدرة وحياة , فهذا النزاع الموجود فيهم هو موجود في سائر الصفاتية ) .

                        لكن ابن تيمية تناسى أنّ الصفات كالعلم والقدرة والحياة لا تمكن الإشارة الحسيّة إليها ولا يتميز شيء منها عن شيء بالجهة , فالإشارة
                        إليها إشارة عقلية لا حسيّة , وبالتالي فقيام هذه الصفات في الذات لا يستلزم امتدادها في الأبعاد ولا تميّزَ شيء منها عن آخر بالجهة , فلا يلزم من إثباتها التجزئة ولا التجسيم , بخلاف إثبات أعيانٍ يشار إليها بالحس وتتميز عن بعضها بالجهة مما يستلزم امتداد الذات في الأبعاد , وبالتالي يلزم من إثباتها التجسيمُ والتركيبُ الخارجي , مع أن المعتزلة والفلاسفة عندما ردّوا على الصفاتية لم يقولوا أنّ إثباتَكم الصفات إثباتٌ للأجزاء المتمايزة بالإشارة والجهة , فيلزم من إثباتها التجسيم والامتداد في الأبعاد , بل قالوا إن ذلك تركيب مستلزم للافتقار ، فردّ عليهم الصفاتية أن ذلك لا يتمُّ إلزامنا به إلا إذا قلنا إن الصفات مغايرة للذات في الوجود مستقلة عنها في القيام، ونحن نفينا ذلك، فلا يلزمنا ما ألزمتمونا به , بخلاف إثبات الأبعاض والأجزاء مما يريده المتكلمون بلفظ الجسم والتركيب , فإنها أبعاض متمايزة بالجهة والإشارة الحسية فيلزم من إثباتها التجسيم والامتداد , وابن تيمية للأسف بعد أن ذكر معنى الأبعاض بقوله : (وأما إن أراد بلفظ الأجزاء والأبعاض ما يريده المتكلمون بلفظ الجسم والتركيب وهو الذي أراده) التزم هذا المعنى بقوله : (فإن أردت هذا المعنى فلا ريب أن الحنابلة هم من مثبتة الصفات) , أي أن الحنابلة يثبتون هذا المعنى!! .

                        21- وقال ابن تيمية في بيان التلبيس (1/101) :
                        (إذ الذات القابلة للعدم تقبل العدم والوجود , فإن كانت غير ممكنة لا تقبل الوجود كانت ممتنعة , والممكن لذاته والممتنع لذاته لا يكون واجبا لذاته , وكذلك أيضا لو قبل التفرق والمرض ونحو ذلك من التغيرات والاستحالات التي هي مقدمات للعدم والفناء وأسبابه , لم يكن حيًا قيومًا صمدًا واجب الوجود بنفسه , لأن هذه الأمور توجب زوال ما هو داخل في مسمى ذاته , وعدم ذلك مما هو صفة له أو جزء , ولو زال ذلك لم تكن ذاته واجبة الوجود , بل كان من ذاته ما ليس بواجب الوجود , ثم ذلك يقتضي أن لا يكون شيء منها واجب الوجود , إذ لا فرق بين شيء وشيء , ولهذا كان تجويز هذا عليه يستلزم تجويز العدم عليه , لأن ما جاز عليه الاستحالات جاز عليه عدم صورته وفسادها , كما هو المعروف في الأجسام التي يجوز عليها التفرق والاستحالة , فهذا وأمثاله مما يعلم به تقديسه وتنزهه عن هذه الأمور التي هي عدم ذاته أو عدم ما هو من ذاته) .

                        فانظر تصريحه بلفظ "الجزء" في قوله : (وعدم ذلك مما هو صفة له أو جزء ولو زال ذلك لم تكن ذاته واجبة الوجود , بل كان من ذاته) , و تصريحه بـ "من" التبعيضية في قوله : (بل كان من ذاته ما ليس بواجب الوجود) , وقوله : (يقتضي أن لا يكون شيء منها واجب الوجود) , وقوله : (التي هي عدم ذاته أو عدم ما هو من ذاته) .

                        22- وممن صرّح بلفظ الأجزاء من المعاصرين محمد خليل هراس الذي يصفه الوهابية بـ(العلامة السلفي) , حيث يقول في تعليقه على توحيد ابن خزيمة (ط دار الجيل ص89) :
                        ( ومن أثبت الأصابع لله فكيف ينفي عنه اليد , والأصابع جزء من اليد؟)
                        فهاهنا يصرح بلفظ (جزء) , ولا أدري ما الذي أوصله إلى اعتقاد كون الأصابع جزء من اليد سوى رسوخ التجسيم في قرارة النفس!

                        23- وقال أيضًا (ص63) :
                        (فإن القبض إنما يكون باليد الحقيقية لا بالنعمة , فإن قالوا : إن الباء هنا للسببية , أي بسبب إرادته الإنعام , قلنا لهم : وبماذا قبض؟ فإن القبض محتاج إلى آلة , فلا مناص لهم..) .
                        فيصرح هنا بكلمة "محتاج" ولفظ "آلة" , تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا

                        24- وقال ابن تيمية في بيان التلبيس (1/129-130) :
                        (وهذا ونحوه ما يبين أن تصوير الخيال لما حكاه عن منازعيه من أيسر الأمور , بل لو قال : إن التخيل لا يتصور إلا ما يكون هكذا لا يتصور وصفة بنقيض ذلك , لكان هذا القول أقرب , بل هذا القول الذي اتفق عليه العقلاء من أهل الإثبات والنفي ؛ اتفقوا على أن الوهم والخيال لا يتصور موجودًا إلا متحيزًا أو قائمًا بمتحيز وهو الجسم وصفاته , ثم المثبتة قالوا : وهذا حق معلوم أيضا بالأدلة العقلية والشرعية بل بالضرورة , وقالت النفاة : إنه قد يعلم بنوع من دقيق النظر أنّ هذا باطل , فالفريقان اتفقوا على أن الوهم والخيال يقبل قول المثبتة الذين ذكرت أنهم يصفونه بالأجزاء والأبعاض , وتسميهم المجسمة , فهو يقبل مذهبهم لا نقيضه في الذات) .

                        فهل ابن تيمية مع عقلاء المثبتة الذين يثبتون الأجزاء والأبعاض والجسمية , ولا يتصورون موجودًا إلا متحيزا أو قائما بمتحيز وهو الجسم وصفاته , ويعتقدون أنّ هذا حق معلوم بالأدلة العقلية والشرعية وبالضرورة؟ , أم مع عقلاء النفاة الذين ينزهون الله تعالى عن ذلك وينفون الجسمية والأبعاض , لكنّ الأدلة العقلية والشرعية وكذلك الضرورة ليست معهم؟!

                        25- وقال ابن تيمية في بيان التلبيس (1/492) :
                        ( وإن كان المراد بالغيرين ما جاز العلم بأحدهما دون الآخر كالإحساس بأحدهما دون الآخر , كما ذكره في جواز الإشارة إلى نقطة دون ما فوقها ، فيقال لا ريب: في جواز العلم ببعض المعاني الثابتة لله دون الآخر , كما قد يعلم وجوده دون وجوبه ويعلم وجوبه دون كونه فاعلاً , ويعلم ذلك دون العلم بكونه حياً أو عالماً أو قادراً أو غير ذلك , وإذا كانت المغايرة ثابتة بهذا المعنى على كل تقدير وعند كل أحد ولا يصح وجود موجود إلا بها وإن كان واحداً محضاً , كان بعد هذا تسمية ذلك تركيباً أو تأليفاً أو غير تركيب ولا تأليف نزاعاً لفظياً لا يقدح في المقصود)( )

                        فهو يلتزم الإشارة إلى نقطة منه دون ما فوقها ويثبت المغايرة بينهما , ويزعم أنها ثابتة على كل تقدير , وأن تسمية ذلك تركيباً وتأليفاً نزاع لفظي! , والذي سوغ له ذلك أنه قاس الإشارة الحسية إلى شيء من المشار إليه دون شيء على العلم بشيء من المعلوم دون شيء , وسوّى بين الغيرية التي تطلق على المعاني بالغيرية التي تطلق على الأجزاء , فمنشأ المغالطة إذن في الاشتراك في لفظ الغيرية , وتسوية العلم والتصور الذهني بالإشارة الحسية .
                        فتسمية ما جاز العلم بأحدهما دون الآخر غيرين ليس كتسمية ما جاز الإحساس بأحدهما دون الآخر غيرين , وثبوت الغيرية للأولين لا يستلزم الانقسام والتركيب الخارجي كما يقال العلم غير القدرة مثلا , أما ثبوت الغيرية لما جاز الإحساس بأحدهما دون الآخر فيستلزمه ضرورة كما يقال يد الإنسان غير رجله مثلاً , ولا يلزم من اشتراكهما في استحقاق الوصف بالغيرية من أحد هذين الطريقين الاشتراك في الأحكام التي تثبت بالطريقين معاً , فالإشارة الحسية غير التصور الذهني , وما تستلزمه الإشارة الحسية قد لا يستلزمه التصور الذهني.

                        26- قال الإمام الرازي ملزمًا الكرامية على أصولهم : (إن ما لا يتناهى فكل نقطة منه فوقَها نقطة , فكل شيء منه سفل) , وبالتالي فلا يكون كاملًا , وتكون أبعاضه متفاوتة في الأفضلية والكمال , أي أنّ بعضه أفضل من بعض , وذلك لأن الأعلى دائمًا أفضل وأكمل .
                        فردّ عليه ابن تيمية بقوله في درء التعارض (7/12) :
                        (وأيضا فإن مثل هذا كمال في العلو , ولا يقدح في العالي أن يكون بعضه أعلى من بعض , إذا لم يكن غيره عاليا عليه , وأيضا فإن الناس متنازعون في صفاته : هل بعضها أفضل من بعض مع أنها كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه ؟ وهل بعض كلامه أفضل من بعض مع كمال الجميع ؟ والسلف والجمهور على أن بعض كلامه أفضل من بعض , وبعض صفاته أفضل من بعض , مع كونها كلها كاملة لا نقص فيها , كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة كقوله تعالى : { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها } [ البقرة : 106 ]
                        وكقوله -صلى الله عليه وسل- حاكيا عن ربه : "إن رحمتي تغلب غضبي"...)

                        يثبت هنا ابن تيمية الأبعاض لله تعالى , ويرى جواز كون بعضها أعلى من بعض , أي أن بعضها أسفل وبعضها أعلى!! , وهذا هو عين التجسيم ولبّه كما سبق .
                        ثم لا يرى ابن تيمية بأسًا بكون شيء من تلك الأبعاض أفضل من شيء , قياسًا لها على الصفات والتي ذهب السلف والجمهور إلى كون بعضها أفضل من بعض برأيه , ثم قال بعد أن ذكر أمثلة في أفضلية بعض الصفات على بعض (7/14) :
                        (فإذا كانت صفاته كلها كاملة لا نقص فيها وبعضها أفضل من بعض , لم يمتنع أن يكون هو العالي علوا مطلقا , وإن كان منه ما هو أعلى من غيره)!!

                        مع أن الأئمة القائلين بتفاضل الآيات من السلف والخلف لم يقولوا بتفاضلها لذواتها , لأن صفات الله تعالى كلها كمالات مطلقة لا فرق بينها في هذا , وأفضلية بعض الآيات على بعض هي من حيث كون ثواب بعضها أكثر من ثواب غيرها , وكذلك القول في أسماء الله تعالى , فالأفضلية هي بالنسبة لنا نحن كخلق حيث نفضل الإنعام على العقوبة , فمرجع التفضيل هنا إنما هو إلى نظرة الخلق , أي أنّ الأفضلية ليست حقيقية بين الصفات بل هي اعتبارية , فلا إشكال في تفضيل بعض الأسماء الحسنى على بعض , ولا بعض الآيات على بعض , لأن التفضيل هنا ليس ذاتيًا بين الصفات , فالأفضلية بين الآيات في قوله تعالى : ((مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا)) هي الأفضلية من جهة زيادة الثواب أو مصلحة العباد , ومن الأمثلة على ذلك نسخ كراهة الخمر إلى تحريمه , فتحريم الخمر هو الأفضل للعباد والأكثر ثوابًا .
                        إلا أن المصيبة الكبرى والمزلقة العظمى أن ابن تيمية انتقل من هذه الأفضلية الاعتبارية لتصبح عنده أفضلية حقيقية ذاتية بين صفات الباري عز وجل-!! ليستدل بذلك على تفضيل أبعاض الخالق على بعض!!! فقوله : ( لكن توهمه أنه إذا كان بعضها أفضل من بعض كان المفضول معيبا منقوصا خطأ منه , فإن النصوص تدل على أن بعض أسمائه أفضل من بعض( وهذا قياس باطل مكشوف , فشتان شتان بين الأفضلية الاعتبارية بين أسماء الله تعالى , وبين الأفضلية الحقيقية التي يرمي إليها ابن تيمية , فلا يمكن التفضيل بين الصفات إلا بنسبة النقص لبعضها , لأن كون صفة أفضل من الأخرى يعني أنها أزيد كمالًا منها , وهذا لا يتم إلا إذا حكمنا بوجود قدر زائد من الكمال في الصفة الأفضل قد خلت الصفة الأخرى عنه , أي أن كمال الصفة الأخرى أنقص من كمال الصفة الأفضل , وهذا واضح في نسبة النقص لصفات الله تعالى , ولا أدري ما الذي أوجب تفضيل بعض الصفات على بعض والموصوف واحد وهو الله تعالى صاحب الكمالات المطلقة؟!

                        27 - وقال ابن تيمية في الرسالة التدمرية (ص90) :
                        (والكبد والطحال ونحو ذلك هي أعضاء الأكل والشرب ، فالغني المنزه عن ذلك منزه عن آلات ذلك ، بخلاف اليد فإنها للعمل والفعل، وهو سبحانه موصوف بالعمل والفعل ؛ إذ ذاك من صفات الكمال).

                        فيرى أن تنزّه الله تعالى عن أعضاء الأكل والشرب وآلاته لتنزّهه عن الأكل والشرب , أما الفعل والعمل فهو موصوف به غير منزه عنه فهو غير منزه عن اليد التي يتم بها الفعل والعمل , وهذا واضح في إثباته اليد كعضو وآلة للفعل تعالى الله عن ذلك .


                        يتبع....
                        فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
                        بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

                        تعليق

                        • عثمان محمد النابلسي
                          طالب علم
                          • Apr 2008
                          • 438

                          #13
                          د- اعتقادهم أنّ ذات الله تعالى جامعة (لأعيان) يتيمز بعضها عن بعض بالجهة والإشارة الحسية :

                          لا يخفى على مطّلع أنّ التيمية الوهابية يفضلون استخدام مصطلح (الأعيان) بدلًا عن (الأبعاض والأدوات) , ويحبذون التعبير بــ (تميّز شيء منه عن شيء) عن التعبير بــ (التبعيض والتركيب) , بحجة أن تلك الألفاظ التي لا يحبون استخدامها ألفاظ محدثة لم ترد في كتاب وسنّة , وكأن الألفاظ التي اختاروها وردت في الكتاب والسنّة!! , وهذا التميّز الذي يقولون به هو في ذات الله تعالى بحيث يتميّز شيء من ذاته تعالى عن شيء آخر , فيكون في ذاته سبحانه أعيانٌ متمايزة مخالفة لبعضها بالجهة والإشارة الحسية , وتقع الإشارة الحسية على شيء من هذه الأعيان دون شيء , وهذا في حقيقته تبعيض لذات الله -تعالى وتقدس- وإثبات بأنه سبحانه مجتمع من أشياء وأعيان متمايزة , ويستلزم بالضرورة الامتداد في الأبعاد الذي هو حقيقة التجسيم عند أهل اللغة والاصطلاح , لأنّ إثبات ذات تجمع أشياء وأعيانًا متمايزة يختلف بعضها عن بعض في الجهة وتمكن الإشارة الحسية إلى شيء منها دون شيء , يدل بوضوح على أن هذه الذات مجتمعة وآخذة في الأبعاد , وإلا لما تمايزت تلك الأشياء بالجهة ولما أمكنت الإشارة الحسيّة إلى عينٍ منها دون عين , وحرف الجر (من) في قولهم : (يتميز شيء منه عن شيء) لا يفهم منه هنا إلا معنى التبعيض الذي هو من لوازم الجسم .

                          28- ومن المعلوم أنّ (المعاني) لا تقوم بنفسها بل لا بد من ذات تقوم بها , وتقابلها (الأعيان) والتي قيامها بنفسها , والتيمية يقسّمون صفات الله تعالى إلى صفات معان وصفات أعيان! , وحقيقة دليلهم على هذا التقسيم هو قياس الخالق تعالى على المخلوق , قال ابن تيمية في بيان تلبيسه (1/126) :
                          ( الوجه الحادي والأربعون : وهو قوله أي الرازي- : "معلوم أن اليد والوجه بالمعنى الذي ذكروه مما لا يقبله الوهم والخيال".
                          أ‌- إما أن يريد به المعنى الذي يذكره المتكلمة الصفاتية الذين يقولون هذه صفات معنوية , كما هو قول الأشعري والقلانسي ( ) , وطوائف من الكرامية!! وغيرهم , وهو قول طوائف من الحنبلية وغيرهم .
                          ب‌- وإما أن يريد بمعنى أنها أعيان قائمة بأنفسها.
                          فإن أراد به المعنى الأول : فليس هو الذي حكاه عن الحنبلية فإنه قال: "وأما الحنابلة الذين التزموا الأجزاء والأبعاض , فهم أيضًا معترفون بأن ذاته مخالفة لسائر الذوات" , إلى أن قال: "وأيضا فعمدة مذهب الحنابلة أنهم متى تمسكوا بآية أو خبر يوهم ظاهره شيئا من الأعضاء والجوارح صرحوا بأنا نثبت هذا المعنى لله على خلاف ما هو ثابت للخلق , فأثبتوا لله وجها بخلاف وجوه الخلق ويدا بخلاف أيدي الخلق ومعلوم أن اليد والوجه بالمعنى الذي ذكروه عما لا يقبله الوهم والخيال".
                          فإذا كان هذا قوله , فمعلوم أن هذا القول الذي حكاه هو قول من يثبت هذه بالمعنى الذي سماه هو "أجزاءً وأبعاضاً" , فتكون هذه صفاتٍ قائمة بنفسها كما هي قائمة بنفسها في الشاهد , كما أن العلم والقدرة قائم بغيره في الغائب والشاهد لكن لا تقبل التفريق والانفصال , كما أن علمه وقدرته لا تقبل الزوال عن ذاته , وإن كان المخلوق يمكن مفارقة ما هو قائم به وما هو منه , يمكن مفارقة بعض ذلك بعضاً , فجواز ذلك على المخلوق لا يقتضي جوازه على الخالق , وقد عُلم أن الخالقَ ليس مماثلاً للمخلوق , وأن هذه الصفاتِ وإن كانت أعياناً فليست لحماً ولا عصباً ولا دماً ولا نحو ذلك ولا هي من جنس شيء من المخلوقات..)

                          فهو يرى أنّ الشاهد له صفات قائمة بغيرها كالعلم والقدرة وله صفات قائمة بنفسها كاليد والوجه , ثم قاس صفات الله تعالى فجعل منها ما هي قائمة بغيرها وهي المعاني وصفات قائمة بنفسها وهي الأعيان , لكنّه رقّع هذا التشبيه بالتفريق بين الشاهد والغائب وبأنّ صفات الشاهد التي هي من جنس ذاته تقبل التفريق والانفصال , أمّا صفات الله تعالى فهي من جنس ذاته لكنها لا تقبل التفريق والانفصال! , وهذا هو عين مذهب الهشامية من مجسمة الرافضة كما نقل أصحاب الملل والفرق , ولا تغفل عن قوله : (كما أن العلم والقدرة قائم بغيره في الغائب والشاهد لكن لا تقبل التفريق والانفصال) , مع أنّه ذكر في مواضع أخرى أنّ الغيرين ما جاز انفصال أحدهما عن الآخر!

                          وتأمل إثباته هذه الصفات كأبعاض للذات في قوله : (وإن كان المخلوق يمكن مفارقة ما هو قائم به وما هو منه , يمكن مفارقة بعض ذلك بعضاً , فجواز ذلك على المخلوق لا يقتضي جوازه على الخالق) , ويقصد بما هو قائم به (الصفات) كالعلم والقدرة , ويقصد بما "هو منه!" (الأعيان) , ولا يخفى معنى التبعيض في قوله : (وما هو منه) , إلا أن الفرق بين أعيان المخلوق أي أعضائه- وأعيان الخالق هو أن أعيان المخلوق تقبل التفريق بخلاف أعيان الخالق , وانظر كيف جعل لفظ "الأعيان" مرادفًا في المعنى "للأعضاء"!! لتعلم مقصوده بصفات الأعيان , وإذا أردت اختبار صحة ذلك فما عليك إلا أن تضع كلمة "الأعضاء" بدلًا من "الأعيان" لتجد أن معنى كلام ابن تيمية ما زال مستقيمًا على مراده لم يتغير فيه شيء , فإذا استبدلت "الأعيان" بـ "الأعضاء" أو "الأبعاض" ليصبح قوله : (وأن هذه الصفاتِ وإن كانت "أعضاء" أو "أبعاضًا" فليست لحماً ولا عصباً ولا دماً ولا نحو ذلك ولا هي من جنس شيء من المخلوقات) بقي المعنى كما هو , فإن أعضاء المخلوق من اللحم والدم بخلاف الخالق فليست لحمًا ولا دمًا .

                          ومن المعلوم أن أعيان المخلوق -كيده وعينه- تختلف عن المعاني -كعلمه وقدرته- في أنها أبعاض منه وأعضاء له , تجوز الإشارة إلى كل واحدة منها دون الأخرى وتتميز عنها بالجهة , وابن تيمية يفرق بين المعاني وبين الأعيان التي يثبتها للخالق على نحو التفريق بين المعاني وبين الأعيان الثابتة للمخلوق , فهذا الاختلاف واحد في الشاهد والغائب , فيقول (1/133-134) :
                          29- (..بل نقول كما يعلم الفرق في صفاتنا بين العلم والقدرة وبين الوجه واليد ونحوهما- فإن الحقائق لا تختلف شاهداً ولا غائباً كما يفرق في حقنا بين العلم والقدرة والسمع والبصر فلكل صفة من هذه خاصة ليست للأخرى - كذلك هذه العقيدة في حق الله وإن قيل إن ذلك يقتضي التكثر والتعدد! , وكذلك نفرق بين الوجه واليد والعين وبين العلم والقدرة ونحو ذلك وإن قيل هذا يقتضي التجسيم والتركيب والتأليف, .. لكن علمنا أن ذاته ليست مثل ذوات المخلوقين وعلمنا أن هذه الصفات جميعَها ما يفهم أنه عين يقوم بغيره وما يفهم منه أنه معنى قائمٌ بغيره نعلم أن جميع صفات الرب ليست كصفات المخلوقين , فإن الشرع والعقل قد نفى المماثلة ، والشرع والعقل يثبتان أصل الصفات كما يثبتان الذات , فإن إثباتَ ذات لا تقوم بنفسها ممتنع في العقل، وإثباتُ قائم بنفسه يمتنع وصفه بهذه الصفات ممتنع في العقل ، بل العقل يوجب أن الذات القائمة بنفسها لا تكون إلا بمثل هذه الصفات) .

                          فتأمل قوله : (وإن قيل إن ذلك يقتضي التكثر والتعدد) , وقوله : (وإن قيل هذا يقتضي التجسيم والتركيب والتأليف) , فهو يلتزم التجسيم والتركيب على المعنى الذي يقول به أهل السنة وسائر الفرق .

                          30- ويصرح ابن تيمية في كثير من المواضع بأن ذات الله تعالى جامعة لأشياء يتميز شيء منها عن الآخر , ولا يرى بأسًا إن كان ذلك مما تسميه جميع طوائف الإسلام انقسامًا وتركيبًا , فيقول ابن تيمية مثلًا في بيان تلبيسه (1/736) :
                          (الوجه السادس : أن يقال قد مر الكلام على معنى القسمة والتركيب , وأن حاصله يعود إلى تميز شيء من شيء كامتياز صفة من صفة , وأن ذلك مما يجب الاعتراف به في حق كل موجود , فإنه يمتنع أن يكون شيء من الموجودات بدون ذلك , وإن كان كذلك لم يكن ما يلزم الوجود مما سموه انقساما وتركيبا محالاً , فإذا أوجبت الحجة القول به قيل به).( )
                          فهو يلتزم التركيب الخارجي في ذات الله تعالى ويسميه بتميّز شيء منه عن شيء , ويقيسه على امتياز الصفة عن الصفة كما سبق , وهذا التأليف والتركيب الذي يثبته يستلزم بالضرورة الامتداد في الجهات والتأليف الخارجي لا الذهني , وهو لم ينكر هذا فيقول في بيان تلبيسه (1/767) :
                          31- (ما تريد بقولك ممتد مؤتلف؟ أتريد : أنه مركب من الأجزاء وأنه يجوز تفريقه؟ فليس كل ما نشاهده كذلك , أم تريد به : أن منه شيئاً ليس هو الشيء الآخر؟ فنحن نقول كل ما يرى في الشاهد والغائب لا بد وأن يكون كذلك) .

                          فيلتزم أيضًا أنّ الله تعالى ممتد مؤلف تأليفًا خارجيًا على نحو امتداد المرئي في الشاهد , فالشاهد والغائب مشتركان في هذا المعنى من الامتداد والتأليف , فإنّ الجبل مثلًا في الشاهد يمينه ليس بيساره , بل هو مؤلف من اليمنة واليسرة وله امتداد في اليمين واليسار , والغائب لا يختلف عن الشاهد في هذا بل الحكم يشمل كل مرئي شاهدًا أو غائبًا , وهذا هو التجسيم بعينه كما مرّ في كلام اللغويين , ولا ينفعه نفي التفرق السابق من الأجزاء ولا طروء التفريق اللاحق , لأنّ التأليف المذكور في معنى الجسم أعم من ذلك , ويكرر ابن تيمية هذا المعنى في مواضع كثيرة , فيقول :
                          32- (وإن عنيت به ما يشار إليه , أو يتميز منه شيء لم نسلم أن مثل هذا ممتنع , بل نقول إن كل موجود قائم بنفسه فإنه كذلك , وإن ما لا يكون كذلك فلا يكون إلا عرضاً قائماً بغيره ، وإنه لا يعقل موجود إلا ما يشار إليه أو ما يقوم بما يشار إليه) ( )

                          فيرى أن ما لا يشار إلى شيء منه دون شيء آخر ولا يتميز عنه بالإشارة الحسية لا يكون إلا قائمًا بغيره وهو العرض , ويفسر القائم بنفسه بمقابل العرض القائم بغيره , مع أنّ القائم بنفسه المقابل للعرض هو الجسم , ولا يقصد أهل السنة من القائم بنفسه في حق الله تعالى إلا أنّه غني عن غيره ولا يريدون بذلك الجسم المقابل للعرض القائم بغيره .

                          33- ويزيد ابن تيمية توضيحًا لعقيدته في ردّه على الإمام الرازي , وذلك حينما ألزم الكرامية بإثبات الأعضاء والجوارح على خلاف الوهم والخيال , لأنهم صرحوا بأنا نثبت هذا المعنى لله تعالى على خلاف ما هو ثابت للخلق , فقال ابن تيمية رادًّا على الإمام الرازي في بيان التلبيس (1/127) :
                          (جميع الناس من المثبتة والنفاة متفقون على أن هذه المعاني التي حكيتها عن خصمك هي التي تظهر للجمهور ويفهمونها من هذه النصوص من غير إنكار منهم لها ولا قصور في خيالهم ووهمهم عنها ، والنفاة المعتقدون انتفاءَ هذه الصفات العينية لم يعتقدوا انتفاءها لكونها مردودةً في التخيل والتوهم، ولكن اعتقدوا أن العين التي تكون كذلك هو جسم واعتقدوا أن الباري ليس بجسم فنفوا ذلك , ومعلوم أن كون الباري ليس جسماً ليس هو مما تعرفه الفطرة بالبديهة ولا بمقدمات قريبة من الفطرة ولا بمقدمات بينة في الفطرة، بل بمقدمات فيها خفاء وطول وليست مقدماتٍ بينةً ولا متفقاً على قبولها بين العقلاء، بل كل طائفة من العقلاء تبين أن من المقدمات التي نفت بها خصومها ذلك ما هو فاسد معلوم الفساد بالضرورة عند التأمل وترك التقليد , وطوائف كثيرون من أهل الكلام يقدحون في ذلك كله ويقولون بل قامت القواطع العقلية على نقيض هذا المطلوب وأن الموجود القائم بنفسه لا يكون إلا جسماً وما لا يكون جسماً لا يكون إلا معدوماً ومن المعلوم أن هذا أقرب إلى الفطرة والعقول من الأول) .
                          فتأمل قولَه : (هذه المعاني التي حكيتها عن خصمك هي التي تظهر للجمهور ويفهمونها من هذه النصوص من غير إنكار منهم لها) , والمعاني التي حكاها الرازي عن الكرامية هي الأعضاء والجوارح , فيرى ابن تيمية أنها تظهر للجمهور دون إنكار منهم لها!! فهل ابن تيمية مع الجمهور أم مع النفاة؟!!
                          وقولَه : (والنفاة المعتقدون انتفاءَ هذه الصفات العينية لم يعتقدوا انتفاءها لكونها مردودةً في التخيل والتوهم) , وهذا يدل على أنّ الخلاف هو في إثبات هذه الصفات كأعيان تتألف منها الذات , فالمثبتة الذين ردّ عليهم الرازي يقولون أنها أعضاء وجوارح وأعيان , ومن يسميهم ابن تيمية بالنفاة ينكرون كونها أعضاء وجوارح وأعيان , وهذا يوضح أنّ ابن تيمية يستخدم الأعيان بمعنى الأعضاء والجوارح , وأنه يعتقد أنّ هذه الصفات أعيان لا معان .
                          وقولَه : (ولكن اعتقدوا أن العين التي تكون كذلك هو جسم واعتقدوا أن الباري ليس بجسم فنفوا ذلك) , فبيّن أن السبب في نفي النفاة لهذه "الأعيان" هو أنّ العين التي تكون عضوًا وجارحة هي جسم , وبما أنهم ينزهون الله تعالى عن الجسمية فقد نزهوا الله تعالى عن هذه الأعيان , ثم شرع ابن تيمية في الرد على هؤلاء النفاة الذين ينزهون الله تعالى عن الجسمية وبالتالي ينزهونه عن الأعضاء والجوارح , وبدأ بالتشكيك في بداهة تنزّه الله تعالى عن التجسيم بقوله أنّ ذلك ليس مما تعرفه الفطرة بالبديهة ولا بمقدمات قريبة من الفطرة ولا بمقدمات بينة في الفطرة ولا بمقدمات متفق عليها بين العقلاء , وحاصل هذا أنّ إثبات التجسيم لا يخالف الفطرة ولا يخالف كلام كثير من العقلاء , بل كل طائفة من العقلاء ترى أنّ تنزيه الله تعالى عن الجسمية معلوم الفساد بالضرورة عند التأمل والتحرر من التقليد , فهل يسع ابن تيمية أن يخالف كل العقلاء ويتلبس بالتقليد ويطرح التأمل فينزه الله تعالى عن الجسمية؟ أم أنّه يتابع كل طائفة من العقلاء ويسلك طريق التأمل ويترك التقليد فيعتقد أن تنزيه الله تعالى عن الجسمية فاسد معلوم الفساد بالضرورة فيكون مجسمًا؟!

                          ثم يشدّ أزر ما نقله عن (كل طائفة من العقلاء!) بأن طوائف (كثيرون!!) من أهل الكلام يقدحون في تنزيه الله تعالى عن الجسمية , ويرون أنّ تنزيهه سبحانه عن هذا مناقض للقواطع العقلية , لأن الموجود القائم بنفسه لا يكون إلا جسماً وما لا يكون جسماً لا يكون إلا معدوماً , ومعلوم أن هذا هو قول المجسمة فقط , ثم يرى أن كون الله تعالى جسمًا "أقرب" إلى الفطرة والعقول من تنزيهه سبحانه عن الجسمية!! , فيكون تنزيهه سبحانه عن الجسمية أبعد في العقول من إثبات ذلك , فهل يتبع ابن تيمية ما هو أقرب إلى الفطرة والعقول أم ما هو أبعد؟!! أم لا يتّبع هذا ولا ذاك فيكون متحيّرًا في شأن معبوده هل هو جسم أم لا؟! مع أن مجرد التوقف والحيرة في إثبات أمر أو نفيه فرع لتجويزه , ولا يخفى عليك أسلوب ابن تيمية في تنفير القارئ عن تنزيه الله تعالى عن الجسمية وتهوين إثبات التجسيم .

                          تنبيه :
                          بعد أن بينتُ اعتقاد ابن تيمية بوجود أعيان بذات الله تعالى تتمايز بالجهة والإشارة الحسية , فمن اللطيف ذكر قوله في مجموع الفتاوى (9/290) :
                          (وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- : "الريح من روح الله" ؛ أي: من الروح التي خلقها الله، فإضافة الروح إلى الله إضافة ملك، لا إضافة وصف؛ إذ كل ما يضاف إلى الله إن كان عيناً قائمة بنفسها فهو ملك له ، وإن كان صفة قائمة بغيرها ليس لها محل تقوم به فهو صفة لله) .
                          وهذه القاعدة تنقض تقسيمهم للصفات إلى أعيان ومعان , إذ إنّ اليد مثلاً عينٌ وليست معنى , فلماذا عدّوها من الصفات؟ ولماذا لم يجعلوا الروحَ صفة لله تعالى؟! فإنّ الروح قبل نزعها واليد قبل قطعها أعيانٌ متصلة بالذات , والروح بعد نزعها واليد بعد قطعها أعيان منفصلةٌ عن الذات؟
                          فإن قالوا أن الروح تقبل الاتصال والانفصال بالنزع , قلت : كذلك اليد تقبل الاتصال والانفصال بالقطع , فلا فرق , فإما أن يجعلوا الروح صفة لله تعالى والعياذ بالله- , وإما أن ينقضوا قاعدتهم , وأحلاهما مرّ .


                          ولا أدري لِمَ يتجنب التيمية إثبات لفظ "العضو" بعد إثباتهم معناه؟! ولماذا هربوا من لفظ "الأعضاء" وسمّوها "بالأعيان"؟ فهل ورد عن السلف الصالح تسمية هذه الصفات بالأعيان؟ وهل ثبت عنهم الكلام في لفظ "الأعيان" نفيًا وإثباتًا؟ وهل يملك هؤلاء الوهابية الجرأة على تعريف معنى الأعيان؟ وبيان الفرق بين "الأبعاض" وبين "الأعيان"؟! فما هو الفرق بين إثبات اليد والرّجل كأبعاض وإثباتها كأعيان؟
                          فإذا قالوا بأننا لا نثبت لفظ الأعضاء والأبعاض لأننا لم نرَ بعضًا إلا ويمكن انفصاله , ولم يُعرف في اللغة عضو أو بعضٌ إلا ويمكن تفريقه عن الذات .
                          فنقول لهم : كذلك لم نرَ عينًا متصلة بذات إلا ويمكن انفصالها , ولم يُعرف في اللغة عينٌ إلا ويمكن تفريقها عن الذات , مع أنّ إمكان التفريق والانفصال غير معتبر عند أهل اللغة في كون الشيء عضوًا أو جزءً أو عينًا.


                          يتبع....
                          فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
                          بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

                          تعليق

                          • عثمان محمد النابلسي
                            طالب علم
                            • Apr 2008
                            • 438

                            #14
                            هـ - إثباتهم التناهي والمحدودية لذات الله تعالى :

                            كثير من الوهابية وأتباع ابن تيمية ينكرون نسبة بعض العقائد الشاذة له مع صراحة نصوصه ووضوحها في إثباتها , واعتادوا اتهام مخالفيهم بالكذب والزور على ابن تيمية أو عدم فهم كلامه ومقصوده , ثم لا تمضي مدة طويلة من الزمان حتى تجدهم يثبتون على استحياء تلك العقائد التي نزّهوه عنها , ثم بعد فترة تصبح عندهم تلك العقائد عين ما جاء به الكتاب والسنة وسلف الأمة ولا يألون جهًدا في الدفاع عنها , ومن أشد العقائد التي أنكر الوهابية نسبتها لابن تيمية عقيدة الحد لله تعالى , وما زال كثير منهم حتى الآن يكذّبون كلّ من نسبها لابن تيمية , ويرمونه كعادتهم بالتدليس والتلاعب وعدم فهم مقصود شيخهم , وقد وجدتُ رسالة اسمها :
                            (الرد على منكر الحد من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية)

                            أعدّها اثنان من الوهابية هما مسلط العتيبي وعادل آل حمدان , وجعلاها ذيلًا لرسالة الدشتي المجسم المعروف في الحد والقعود , وحاولا تبرير موقفهم المحرج في إخراج لتلك الرسالة بقولهما عن الدشتي : (ولم يأت بمحدث من القول , ولا بمنكر من الاعتقاد) , ثم أرادا أن يخوّفا القارئ من الاعتراض على الكتاب لئلا يقع في مخالفة من يسمونهم بأئمة السنة , فقالا ص6 :
                            (وعليه فلا تعجل أخي القارئ بردّ هذا الكتاب ولا ما جاء فيه عن أئمة أهل السنة! , فتقع في مخالفتهم , فإنه لم يأت إنكار هاتين المسألتين غالبًا إلا عن الجهمية أعداء السنة والتوحيد , نفاة صفات رب العالمين , فعنهم تلقفها من جاء بعدهم ..) .
                            ومما نقلوه عن ابن تيمية في إثبات الحدّ لله تعالى , مناقشته القاضي أبا يعلى الفراء حينما أثبت الحد لله تعالى من جهة التحت المحاذية للعرش دون الجهات الخمس , فاعترض عليه ابن تيمية بأن الحد ثابت من سائر الجهات!! , وهذا صريح في إثبات امتداد الله تعالى في الأبعاد , فنقلوا في رسالتهم (ص222-226) عن ابن تيمية قوله :
                            34- (.. والنفي هو طريقة القاضي أبى يعلى أولا في المعتمد وغيره , فإنه كان ينفي الحد والجهة وهو قوله الأول.
                            [ ثم أطال ابن تيمية رحمه الله في نقل كلام القاضي في تقرير هذه المسألة (3/3-21) ] , ثم قال شيخ الإسلام :
                            قال القاضي : وإذا ثبت استواؤه وأنه في جهة وأن ذلك من صفات الذات , فهل يجوز إطلاق الحد عليه؟ قد أطلق أحمد القول بذلك في رواية المروذي , فقد ذكر له قول ابن المبارك نعرف الله على العرش بحد , فقال أحمد: بلغني ذلك وأعجبه , وقال الأثرم : قلت لأحمد يحكى عن ابن المبارك نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه بحد , فقال أحمد: هكذا هو عندنا ... .
                            ..... ثم قال -أي أبو يعلى- : ويجب أن يحمل اختلاف كلام أحمد في إثبات الحد على اختلاف حالين , فالموضع الذي قال إنه على العرش بحد معناه ما حاذى العرش من ذاته فهو حد له وجهة له , والموضع الذي قال هو على العرش بغير حد معناه ما عدا الجهة المحاذية للعرش وهي الفوق والخلف والأمام والميمنة والميسرة , وكان الفرق بين جهة التحت المحاذية للعرش وبين غيرها ما ذكرنا أن جهة التحت تحاذي العرش بما قد ثبت من الدليل , والعرش محدود فجاز أن يوصف ما حاذاه من الذات أنه حد وجهة , وليس كذلك فيما عداه لأنه لا يحاذي ما هو محدود بل هو مار في الميمنة والميسرة والفوق والأمام والخلف إلى غير غاية , فلهذا لم يوصف واحد من ذلك بالحد والجهة , وجهة العرش تحاذي ما قابله من جهة الذات ولم تحاذ جميع الذات لأنه لا نهاية لها .
                            قلت أي ابن تيمية- : هذا الذي جمع به بين كلامي أحمد وأثبت الحد والجهة من ناحية العرش والتحت دون الجهات الخمس , يخالف ما فسر به كلام أحمد أولا من التفسير المطابق لصريح ألفاظه (1 ) , حيث قال: فقد نفى الحد عنه على الصفة المذكورة وهو الذي يعلمه خلقه , والموضع الذي أطلقه محمول على معنيين : أحدهما يقال على جهة مخصوصة وليس هو ذاهبا في الجهات بل هو خارج العالم متميز عن خلقه منفصل عنهم غير داخل في كل الجهات , وهذا معنى قول أحمد حد لا يعلمه إلا هو , والثاني أنه على صفة يبين بها عن غيره ويتميز فهو تعالى فرد واحد ممتنع عن الاشتراك له في أخص صفاته , قال : منعنا من إطلاق القول بالحد في غير موضع من كتابنا ويجب أن يجوز على الوجه الذي ذكرناه , فهذا القول الوسط من أقوال القاضي الثلاثة هو المطابق لكلام أحمد وغيره من الأئمة , وقد قال إنه تعالى في جهة مخصوصة وليس هو ذاهبا في الجهات بل هو خارج العالم متميز عن خلقه منفصل عنهم غير داخل في كل الجهات , وهذا معنى قول أحمد حد لا يعلمه إلا هو , ولو كان مراد أحمد الحد من جهة العرش فقط لكان ذلك معلوما لعباده , فإنهم قد عرفوا أن حدّه من هذه الجهة هو العرش , فعلم أن الحد الذي لا يعلمونه مطلق لا يختص بجهة العرش ) .
                            وهذا واضح في إثبات الحد لله تعالى من سائر الجهات وليس مختصًا بجهة التحت المحاذية للعرش فقط .

                            وإليك بعض نصوص ابن تيمية في إثبات الحد والنهاية أيضًا :

                            35- قال ابن تيمية في بيان التلبيس (1/97) :
                            (وأما وصفه بالحد والنهاية الذي تقول أنت أنه معنى الجسم , فهم فيه كسائر أهل الإثبات على ثلاثة أقوال: منهم من يثبت ذلك , كما هو المنقول عن السلف والأئمة , ومنهم من نفى ذلك , ومنهم من لا يتعرض له بنفي ولا إثبات)
                            فهو ينقل ثلاثة أقوال في إثبات المحدودية والنهاية لذات الله تعالى وهو الذي يسميه الإمام الرازي بالتجسيم , ويرى ابن تيمية أن سلف الأمة وأئمتها يثبتون ذلك .

                            36- وقال أيضًا (1/595) :
                            (فإن ضرورة صير المتحيز متحيزاً توجب الانقلابات ، لكن هذا التحيز هو القسم الأول وهو التحيز اللازم للمتحيز الذي يمتنع انفصاله عنه , والمراد بالحيز في هذا المتحيز إما أمر عدمي أو إضافي , أو المراد به جوانب المتحيز ونهايته ، فلو كان في الأزل مبرءً عن هذا ثم صار موصوفاً به لزم الانقلاب) ( 2)
                            فيثبت الجوانب والنهاية لله تعالى منذ الأزل , لأن حدوث اتصافه بها يستلزم الانقلاب في ذاته تعالى .

                            37- ويرى أن الحيز الذي هو نهايات المتحيز وحدوده بعض من ذات الله تعالى وأنه أبلغ من صفاته الذاتية , فيقول :
                            (يقال له: هؤلاء إذا قالوا بأنه مختص بحيز وجودي أزلاً وأبداً فليس ذلك عندهم شيئاً خارجاً عن مسمى الله كما أن الحيز الذي هو نهايات المتحيز وحدوده الداخلة فيه ليس خارجاً عنه بل هو منه. وعلى هذا التقدير فيكون إثباتهم لقدم هذا الحيز كإثبات سائر الصفاتية للصفات القديمة من علمه وقدرته وحياته لا فرق بين تحيزه وبين قيامه بنفسه وحياته وسائر صفاته اللازمة، والحيز مثل الحياة والعلم بل أبلغ منه في لزومه للذات، كما أنه كذلك في سائر المتحيزات. فالحيز الذي هو داخل في المتحيز الذي هو حدوده وجوانبه ونواحيه ونهاياته أبلغ في لزومه لذاته من بعض الصفات كالسمع والبصر والقدرة وغير ذلك)( 3)

                            38- وقال في إثبات بعضية هذا الحيز أيضا:
                            (وقد يقال لنفس جوانبه وأقطاره إنها حيزه , فيكون حيزه بعضا منه)(4 )
                            فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
                            بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

                            تعليق

                            • عثمان محمد النابلسي
                              طالب علم
                              • Apr 2008
                              • 438

                              #15
                              ملاحظة : الهوامش لا تظهر تلقائيًا , وقد وجدتُ عناء في كتابتها , فلذلك سأضعها في النهاية إن شاء الله تعالى
                              فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
                              بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

                              تعليق

                              يعمل...