أيدك الله يا حبيب
الصفات الإلهية بين أهل التنزيه وأهل التشبيه
تقليص
X
-
-
-
-
-
ز- إثباتهم «القَـــدْر» و «المِقْــدار» لله تعالى بالمعنى الحجمي الحسي
39- قال ابن تيمية في بيان التلبيس (3/797) :
« فيقال له: بل يجب في سائر الذوات المتحيزة أن يكون لكل منها تحيز يخصه وهو قدْره ونهايته التي تحيط به، ويلزمه الحيز الذي هو تقدير المكان وهو عدمي, لكن لا يجب أن يكون عين تحيز هذا وعين حيزه الذي هو نهايته أن يكون عين تحيز الآخر وحيزه الذي هو نهايته , كما لا يجب أن يكون عين هذا هو عين الآخر, فإنّ حيزه بهذا التفسير داخل في مسمى ذاته ونفسه وعينه، والشيئان المتماثلان لا يكون أحدهما عينَ الآخر فإن هذا لا يقوله عاقل، وهذا معلوم بالاضطرار لا نزاع فيه، هذا لو سلم أن الأجسام متماثلة فكيف وقد تقدم أن هذا قول باطل. وكذلك قوله في الثاني: [لو وجب حصوله في تلك لجهة لكانت مخالفة لغيرها فيكون موجوداً فيكون مع الله قديم آخر] , يقال: إثبات صفة قديمة ليس ممتنعًا على الله كما اتفق عليه الصفاتية, أو لا نسلم أنه ممتنع , والقدْر والحيز الداخل في مسمى المتحيز الذي هو من لوازمه أبلغ من صفاته الذاتية, فإنّ كل موجود متحيز بدون الحيز الذي هو جوانبه المحيطة به يمنع أن يكون هو إياه, والقديم الذي يمتنع وجوده مع الله ما يكون شيئاً منفصلاً عنه...».
40- وقال مفسرًا القدْرَ بالكمية (2/378):
«وتقدير موجود قائم بنفسه ليس له صفة ولا قدر هو الذي يراد بالكيفية والكمية كتقدير موجود ليس قائما بنفسه ولا بغيره وهو الذي يراد بالعرض والجوهر».فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَاتتعليق
-
ح - اعتقادهم بأنّ الله تعالى ممتد في الأبعاد
بيّنتُ سابقًا أنّ ابن تيمية يعتقد بثبوت أعيان في ذات الله تعالى متمايزة بالإشارة الحسية وبالجهة , وأن هذا يستلزم امتداده في الأبعاد , ويعتقد أن الله سبحانه محدود لا من جهة العرش فقط بل من سائر الجهات , وهنا سيزداد الأمر وضوحًا , حيث يرى ابن تيمية أن انقسام الله تعالى بمعنى انفصال بعضه عن بعض محال , أما الانقسام الذهني الذي ألزم الرازي به الكرامية فابن تيمية يلتزمه ويرى أنه لازم لكل موجود!! , فيقول ابن تيمية في بيان التلبيس (3/440) :
41- « وإن قال أريد بالمنقسم أن ما في هذه الجهة منه غير ما في هذه الجهة , كما نقول إنّ الشمس منقسمة بمعنى أنّ حاجبها الأيمن غير حاجبها الأيسر , والفلك منقسم بمعنى أن ناحية القطب الشمالي غير ناحية القطب الجنوبي, وهذا هو الذي أراده فهذا مما يتنازع الناس فيه , فيقال له : قولك : [إن كان منقسماً كان مركباً وقد تقدم إبطاله] تقدم الجواب عن هذا الذي سميته مركباً , وتبين أنه لا حجة أصلاً على امتناع ذلك , بل تبين أن إحالة ذلك تقتضي إبطال كل موجود، ولولا أنه أحال على ما تقدم لما أحلنا عليه , وتقدم بيان ما في لفظ التركيب والحيز والافتقار من الإجمال وأن المعنى الذي يقصدونه بذلك يجب أن يتصف به كل موجود سواء كان واجباً أو ممكناً , وأن القول بامتناع ذلك يستلزم السفسطة المحضة ».
فهو يرى ثبوت انقسام ذات الله تعالى كانقسام الشمس التي لها امتداد في الجهة اليمنى والجهة اليسرى , وكانقسام الفلك بمعنى أن ناحية القطب الشمالي غير ناحية القطب الجنوبي , مع أنّ الجسم كما قدّمتُ ليس من ذاتياته الانقسام بمعنى انفكاك بعضه عن بعض وانفصاله في حيز مستقل , بخلاف الانقسام بمعنى العظمة والامتداد في الجهات فهو من ذاتيات الجسم عند أهل اللغة والاصطلاح.
ويتضح من هذا النص أنّ ابن تيمية يثبت لله تعالى الانقسام والتركيب بالمعنى الذي يقوله الإمام الرازي .
42- وقال أيضًا (4/82) :
«ومن قال الغيران ما جاز مفارقة أحدهما الآخرَ بزمان أو مكان أو وجودٍ , فإنه قد يقول إن الصفات مثل العلم والقدرة والحياة ليست كل صفة هي الأخرى ولا هي غيرها لأنّ محلّ الصفات واحد, وأما الحدود فقد يقولون إن هذا الجانب فارق ذلك الجانب في المكان وإن كان لا يفارقه في الزمان والوجود».
فتأمل قوله : «وأما الحدود فقد يقولون إن هذا الجانب فارق ذلك الجانب في المكان وإن كان لا يفارقه في الزمان والوجود» , فحدود الذات تفارق بعضها بالجهة لا بالزمان والوجود بحيث يوجد شيء منها منفصلًا عن الآخر .
43- وقال أيضًا مسلّمًا الفوقية الجسمانية المسلتزمة للمحاذاة وإثبات يمين ويسار لذات الله تعالى , ومثبتًا المغايرة بينهما , مع تجويز الإشارة الحسية إلى أحجهما دون الآخر , ومقررًا أن إثبات الأبعاض لله تعالى وارد عن السلف (4/83 ) :
«وإن قال أريد بالغير ما هو أعم من هذا وهو ما جاز العلم بأحدهما دون الآخر أو ما أمكن الإشارة الحسية إلى أحدهما دون الآخر أو ما أمكن رؤية أحدهما دون الآخر كما قال من قال من السلف لمن سأله عن قوله تعالى : ((لا تدركه الأبصار)) [الأنعام: ١٠٣ ], ألست ترى السماء؟ قال: بلى , قال: فكلها ترى؟ قال: لا , قال: فالله أعظم, فيقال له: وإذا كان يمين الرب غير يساره بهذا التفسير, فقولك تكون ذات الله مركبة من الأجزاء , أتعنى به ورود المركب عليها بمعنى أن مركباً ركبها كما قال: ((في أي صورة ما شاء ركبك)) [الانفطار: ٨ ], أو أنها كانت متفرقةً فتركبت؟
أم تعنى أن اليمين متميزةٌ عن اليسار وهو التركيب في الاصطلاح الخاص كما تقدم بيانه.
فإن أراد الأول لم يلزم ذلك وهو ظاهر...
وأما إن أراد بالتركيب الامتيازَ مثلَ امتيازِ اليمين عن شماله , قيل له هذا التركيب لا نسلم أنه يستلزم الأجزاءَ , فإنه هذا مبنيٌ على إثبات الجزء الذي لا ينقسم والنزاع فيه مشهور, وقد قرر أن الأذكياء توقفوا في ذلك, وإذا لم يثبت أن الأجسامَ المخلوقةَ فيها أجزاءٌ بالفعل امتنع أن يجب ذلك في الخالق.
وأيضا فالقائلون بثبوت الأجزاء يعلمون أن الجسم البسيط لم يكن مركباً من الأجزاء بمعنى أنها كوِّنت ثم رُكِّب منها فيكون قوله مركباً من الأجزاء بمعنى امتياز شيء من شيء , وغايته أن يقال امتياز بعض عن بعض كما ورد عن طائفة من السلف التكلم بلفظ البعض».فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَاتتعليق
-
ط - إثباتهم الثّقَل لذات الله تعالى!(5)
احتج الدارمي برواية الأطيط مضطربة السند منكرة المتن والتي فيها «يئط به» , فقال محتجًّا بهذه الرواية في نقضه (468 و518):
«قال رسول الله : [إنّ الله فوق عرشه فوق سمواته فوق أرضه مثل القبة , وأشار النبي مثل القبة , وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب] , وهذا أيها المعارض ناقض لتأويلك أنّ العرش إنما هو أعلى الخلق - يعني السموات فما دونها من السقوف والعرش وأعالي الخلائق..».
وقد أنكر ابن تيمية على من ردّ هذه الرواية وجعله منتصرًا للجهمية! , واستشهد لها بروايات من جنسها في الضعف والسقوط , إلى أن جعلها متلقاة بالقبول! , فقال (3/258):
44- «فمن رد تلك الأحاديث المتلقاة بالقبول واحتج في نقضها بمثل هذه الموضوعات فإنما سلك سبيل من لا عقل له ولا دين!».
45- أما ابن القيم فقد نظمه في نونيته فقال:
الله فوق العرش فوق سمائه =
= سبحان ذي الملكوت والسلطان
ولعرشه منه أطيط مثل ما =
= قد أطّ رحل الراكب العجلان
46- ونقل ابن تيمية عن أكثر أهل السنّة -بمفهومه- قبول رواية «يئطّ به» , فقال في مجموع الفتاوى (16/435):
«وقد رواه أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي في مختاره , وطائفة من أهل الحديث ترده لاضطرابه كما فعل ذلك أبو بكر الإسماعيلي وابن الجوزي وغيرهم , لكن أكثر أهل السنة قبلوه , وفيه قال : [إن عرشه أو كرسيه وسع السموات والأرض , وإنه يجلس عليه فما يفضل منه قدر أربعة أصابع , أو فما يفضل منه إلا قدر أربعة أصابع , وإنه ليئط به أطيط الرحل الجديد براكبه] ».
فالأطيط ناتج عن الثقل!! وإلا فما معنى حصول الأطيط عند القعود؟! لو كان الأطيط من خشية الله تعالى لكان غير خاص بوقت القعود!
واستدل الدارمي في الرد على الجهمية (1/59) بما رواه عن عطاء بن يسار قال: «أتى رجل كعباً وهو في نفر فقال يا أبا إسحاق حدثني عن الجبار فأعظم القوم قوله فقال كعب دعوا الرجل فإن كان جاهلاً تعلم وإن كان عالماً ازداد علما ثم قال كعب أخبرك أن الله خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن ثم جعل ما بين كل سماءين كما بين السماء الدنيا والأرض وكثفهن مثل ذلك ثم رفع العرش فاستوى عليه فما في السموات سماء إلا لها أطيط كأطيط الرحل العلافي أول ما يرتحل من ثقل الجبار فوقهن».
47- وقد احتج ابن القيّم بهذا الخبر في جيوشه (68و163) والحكمي في معارجه (1/180) .
واستنكر الذهبي في عبارة: «من ثقل الجبار فوقهن» فقال : «..كأطيط الرحل أول ما يرتحل , وذكر كلمة منكرة لا تسوغ لنا , والإسناد نظيف..».
48- لكنّ ابن تيمية في بيان التلبيس لم يستنكر هذه اللفظة , بل زعم أن هذا الجزء من الخبر لو كان منكراً في دين الإسلام عندهم لم يحدِّث به الأئمة على هذا الوجه, وزعم أن الخبر يحتمل أن يكون مما تلقاه كعب عن الصحابة. وأن هذه الرواية من روايات أهل الكتاب التي ليس عندنا ما يكذبها , واستشهد له بتوالف وظلمات بعضها فوق بعض فقال :
«وهذا الأثر وإن كان هو رواية كعب فيحتمل أن يكون من علوم أهل الكتاب , ويحتمل أن يكون مما تلقاه عن الصحابة, ورواية أهل الكتاب التي ليس عندنا شاهد هو لا يدافعها ولا يصدقها ولا يكذبها, فهؤلاء الأئمة المذكورون في إسناده هم من أجل الأئمة , وقد حدثوا به هم وغيرهم , ولم ينكروا ما فيه من قوله : [من ثقل الجبار فوقهن] , فلو كان هذا القول منكراً في دين الإسلام عندهم لم يحدثوا به على هذا الوجه, وقد ذكر ذلك القاضي أبو يعلى فيما خرجه من أحاديث الصفات».
ثم استشهد له بخبر خالد بن معدان وعبد الله بن مسعود في الثقل على العرش, وما جاء في تفسير تفطر السموات!! , وأسانيدها ضعيفة.
وبما أنّ الأئمة الأجلاء على حدّ قوله! حدّثوا به هم وغيرهم ولم ينكروا ما فيه من نسبة الثّقل إلى الله , فيكون إثبات الثّقل لله تعالى لازمًا عنده!! , مع أنّ وجود كاتب الليث في إسناده تبطل نسبة الخبر إلى أولئك الأئمة , مع أنّ مجرّد رواية الأئمة للخبر مسندة لا تستلزم موافقتهم عليها كما هو مقرّر , لكنّ ابن تيمية يخترع القواعد ليستنصر بها حتى لو هدم ما أقر به نفسه!.
49- وأمّا ما رواه ابن أبي شيبة في العرش (ص58) بسنده عن خصيف عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: ((تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ )) الشورى: ٥ , قال: «ممن فوقهن من الثقل» , وما رواه من طريق آخر (ص59) عن خصيف بلفظ: « ((السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ)) [المزمل: ١٨], قال : بالله » , وما رواه الطبري بسنده عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «يعني من ثقل الرحمن وعظمته تبارك وتعالى» , فهي أسانيد ضعيفة , والذي ذهب إليه جمهور المفسرين أن الضمير في الآية الكريمة يعود على يوم القيامة , ومع ذلك احتج بها ابن القيم وغيره، ونظمها ابن القيم في قصيدته النونية فقال:
وبسورة الشورى وفي مزمل
سر عظيم شأنه ذو شان
في ذكر تفطير السماء فمن يرد
علماً به فهو القريب الداني
لم يسمح المتأخرون بنقله
جنباً وضعفاً عنه في الإيمان
بل قاله المتقدمون فوارس
الإسلام هم أمراء هذا الشان
ومحمد بن جرير الطبري في
تفسيره حكى به القولان
فلئن كان المتقدمون معذورون في نقل مثل تلك الأخبار الساقطة الضعيفة , لأن من أسند فقد أبرأ ذمته , ولا يستلزم نقلهم إياها اعتقاد ما فيها , إلا أنّ ابن القيّم يعيب على المتأخرين عدم نقلهم لها لضعف إيمانهم بها!! , فإن عُدَّ نقلهم ذلك جبناً وضعفاً فهو جبنٌ مِن وصفِ الله بما لا يليق.
وقد احتجّ الدارمي مما هو صريح في الثقل -وقد تابعه ابن تيمية في بيان التلبيس وابن القيم في اجتماع الجيوش- , فقد أخرج عن ابن مسعود أنه قال:«إنّ ربكم ليس عنده ليل ولا نهار، نور السموات من نور وجهه، وإنّ مقدار كل يوم من أيامكم عنده ثنتا عشرة ساعة , فتعرض عليه أعمالكم بالأمس أول النهار فينظر فيها ثلاث ساعات , فيطلع فيها على ما يكره فيغيظه ذلك , فأول من يعلم بغضبه الذين يحملون العرش يجدونه يثقل عليهم , فيسبحه الذين يحملون العرش وسرادقات العرش والملائكة المقربون».
ولولا أنّ الله تعالى محمول على العرش لما وجدوا العرش يثقل عليهم عند غضب الله تعالى!! وإلا فما هي علاقة الغضب بثقل العرش؟! تعالى الله عن ذلك ..فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَاتتعليق
-
ي - إثباتهم امتلاء العرش بذات الله تعالى وأطيطه به!(6)
50- واحتج ابن القيم في تفسير الاستواء بامتلاء العرش وأطيطه فقال:
«قال حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن الشعبي عن ابن مسعود قال: إن الله ملأ العرش حتى أنّ للعرش أطيطاً كأطيط الرحل».(7)
وقد كفانا كلام الدارمي في هذا الخبر عن بيان أنه يستلزم التجسيم لا محالة, فقال كلاماً خطيراً لا بد من نقله بحروفه قال:
«وروى المعارض أيضاً عن الشعبي أنه قد ملأ العرش حتى إن له أطيطاً كأطيط الرحل. ثم فسر قول الشعبي أنه قد ملأه آلاء ونعماً حتى إن له أطيطاً لا على تحميل جسم , فقد حمَّل الله السموات والأرض والجبال الأمانة فأبين أن يحملنها , والأمانة ليست بجسم فكذلك يحتمل ما وصف على العرش.
فيقال لهذا المعارض: لجلجت ولبَّست حتى صرحت بأن الله ليس على العرش , إنما عليه آلاؤه ونعماؤه , فلم يبق من إنكار العرش غاية بعد هذا التفسير, ويلك فإن لم يكن على العرش بزعمك إلا آلاؤه ونعماؤه وأمره , فما بال العرش يتأطط من الآلاء والنعماء , لكأنها عندك أعكام الحجارة والصخور والحديد فيتأطط منها العرش ثقلاً، إنما الآلاء طبائع أو صنائع ليس لها ثقل ولا أجسام يتأطط منها العرش، مع أنك قد جحدت في تأويلك هذا أن يكون على العرش شيء من الله ولا من تلك الآلاء والنعماء إذ شبهتها بما حمَّل الله السموات والأرض والجبال من الأمانة فقد أقررت بأنه ليس على العرش شيء...ففي دعواك ليس على العرش شيء من تلك الآلاء والنعماء التي ادعيت كما ليس على السموات والأرض والجبال من تلك الأمانة شيء».(8)
ففي هذا الكلام يرفض الدارمي تأويل أطيط العرش من النعم والآلاء لأن الأطيط إنما يحصل من الثقل، والآلاء والنعماء ليست كالحجارة والحديد والأجسام التي لها ثقل يحصل منه الأطيط.
ونضيف إلى ما ذكره الدارمي لازماً آخر وهو امتلاء العرش به , فإن ما يحصل امتلاء الأجسام بما يشغلها من الأجسام!؟ وهل يمكن أن يمتلئ العرش -وهو جسم ممتد في الأبعاد- إلا بجسم ممتد في الأبعاد؟!
وحكى تقي الدين الحصني إثبات هذا الخبرعن القاضي أبي يعلى فقال :
«ثم إن هذا القاضي روى عن الشعبي أنه قال أن الله قد ملأ العرش حتى أن له أطيطاً كأطيط الرحل وهو كذب على الشعبي.وقال بعضهم ثم استوى على العرش قعد عليه. وقال إبن الزاغوني خرج عن الإستواء بأربعة أصابع. ولهم ولأتباعهم مثل ذلك خبائث كلها صريحة في التشبيه والتجسيم لا سيما في مسألة الإستواء وهو سبحانه وتعالى متنزه عما لا يليق به من صفات الحدث».(9)
فهل من سبيل إلى دفع التجسيم عن من رضي بهذا الخبر واحتج به ليوافق في ذلك ما حكي عن بعض أصحاب هشام بن الحكم كما قال الامام الأشعري: «وقال بعض أصحابه إن البارىء قد ملأ العرش وإنه مماس له، وقال بعض من ينتحل الحديث إن العرش لم يمتلىء به وإنه يقعد نبيه معه على العرش».(10)فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَاتتعليق
-
ك - قولهم بالتجسيم الذي ينفيه المتكلمون والذي لا يخرج عن المعنى اللغوي
سبق أن بينتُ المعنى اللغوي للتجسيم وأوضحتُ أن تعريف المتكلمين للجسم لم يخرج عن تعريف اللغويين , وخصوصًا أن أكابر المتكلمين كانوا فحولًا في اللغة وعلومها , وذكرتُ أن ابن تيمية يقول بأن ذات الله تعالى تجمع أعيانًا مختلفة , ويفسر الصمدية بمعنى الاشتداد والتجمع واستحالة التفرق والانفصال , ويرى أنّ ذات الله تعالى كبيرة عظيمة من جهة الحس , ولهذا تراه يثبت لله تعالى الجسمية بالمعنى الذي يقوله المتكلمون , فقال في بيان التلبيس (4/615) :
51- «وأما بمعناه فالمؤسس يعني الرازي- وغيره يقول إنّ هذا قول من قال إنّ الله فوق العرش أو إنه يشار إليه في الدعاء , ومعلوم أنّ القول بكون الله فوق العرش أو أنه يشار إليه بالأيدي والدعاء هو قول سلف الأمة وأئمتها وعامتها، وإذا كان هؤلاء كلهم يقولون بالمعنى الذي سميته تجسيماً لم يضر القول بذلك ولم يجز رده إلا بحجة , وأنت لم تذكر في جواب هذه الحجة ما يصلح أن يكون جواباً.
وقد قدمنا في الوجه الذي قبل هذا أن الإشارة إلى الله في الدعاء إن استلزم اعتقاد الداعي أن الله جسم فقد ثبت أن هذا قول من قوله حجة وإلا بطلت حكايته».
والإمام الرازي يقول إن التجسيم يلزم من يقول إنه تعالى فوق العرش فوقية جسمانية ويفسّر الاستواء بالاستقرار , أو أنه يشار إليه بالأيدي والدعاء إشارة حسيّة كما يشار إلى الأفلاك العلوية والأجرام السماوية , وأنه موجود في منتهى تلك الإشارة الحسية المختصة بالجسمانيات .
52- وقال أيضًا في بيان التلبيس (4/618) :
«ولا ريب أن هذا قوله وقول أكثر الناس من النفاة والمثبتة فإنهم يقولون إن كونه فوق العرش يستلزم المعنى الذي يسميه المتكلمون جسماً ويسميه أهل الحديث حداً» .
ويقصد بالفوقية على العرش المعنى الحسي .
53- وقال أيضاً في بيان التلبيس (4/627) :
«ويقول من يفهم معنى الجسم على اصطلاح المتكلمين , يعلم بالضرورة أنه لا يكون موجود قائم بنفسه إلا ما سميتموه الجسم» .
وهذا صريح في قوله بالتجسيم على المعنى الذي يقول به المتكلمون , والذي لا يخرج عن المعنى اللغوي كما قدمنا , وفيه افتراء على السلف الصالح بنسبة التجسيم إليهم , وهناك نصوص كثيرة في هذا المعنى لم أذكرها لشهرتها عند القوم .
54- وقال في بيان التلبيس (3/148) :
«فهذا الواحد الذي وصفوه يقول لهم فيه أكثر العقلاء وأهل الفطر السليمة إنه أمر لا يعقل ولا له وجود في الخارج , وإنما هو أمر مقدر في الذهن , ليس في الخارج شيء موجود لا يكون له صفات ولا قدر ولا يتميز منه شيء عن شيء , بحيث يمكن أن لا يرى ولا يدرك ولايحاط به , وإن سمّاه المسمي جسمًا » .
ولا تنخدع بقوله : « لا يكون له صفات ولا قدر ولا يتميز منه شيء عن شيء » , إذ مقصوده بالصفات هو الأعيان المجتمعة في ذات الله تعالى , ومقصوده بالقدر هو الحجم والحيّز , ومقصوده بالتميز هو التميّز بالجهة والإشارة الحسية , ولا تغفل عن حقيقة الرؤية عنده كما سبق بيانه.فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَاتتعليق
-
الفصل الخامس
قاعدة غائية لتثبيت أركان التشبيه
ولمّا نَظَرَ التيميةُ في آيات الصفات التي يسمونها بصفات «الأعيان!» , وجدوا سياقاتها لا تقبل إثبات تلك الإضافات لله تعالى على حقيقتها , كما في قوله تعالى : ((كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ )) [القصص: ٨٨], وقوله تعالى : ((وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي )) [طه: ٣٩]... الخ , فإن سياق هذه الآيات يأبى حمل الوجه و العين على أعيانٍ متصلة بالذات [أي قائمة بالذات كما يقول التيمية] , فما كان منهم إلا أن يخترعوا قاعدة ليتم لهم إثبات المعنى الحقيقي لتلك الألفاظ , وهي ما قاله محمد خليل هراس عن قوله تعالى ((وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ )) [الرحمن: ٢٧], وقوله تعالى : ((كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ )) , حيث قال في شرح الواسطية (ص114 , ط3 دار الهجرة) :
«واستدلَّت المعطِّلة بِهَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَجْهِ الذَّاتُ؛ إِذْ لَا خُصُوصَ لِلْوَجْهِ فِي الْبَقَاءِ وَعَدَمِ الْهَلَاكِ.
وَنَحْنُ نُعَارِضُ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ بِأَنَّهُ : لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ وجهٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَمَا جَاءَ اسْتِعْمَالُ هَذَا اللَّفْظِ فِي مَعْنَى الذَّاتِ؛ فَإِنَّ اللَّفْظَ الْمَوْضُوعَ لِمَعْنًى, لَا يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي مَعْنًى آخَرَ إِلَّا إِذَا كَانَ الْمَعْنَى الْأَصْلِيُّ ثَابِتًا لِلْمَوْصُوفِ، حَتَّى يُمْكِنُ لِلذِّهْنِ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنَ الْمَلْزُومِ إِلَى لَازِمِهِ.
عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ دَفْعُ مَجَازِهِمْ بِطَرِيقٍ آخَرَ؛ فَيُقَالُ: إِنَّهُ أَسْنَدَ الْبَقَاءَ إِلَى الْوَجْهِ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ بَقَاءُ الذَّاتِ؛ بَدَلًا مِنْ أَنْ يُقَالَ: أَطْلَقَ الْوَجْهَ وَأَرَادَ الذَّاتَ» .
فهذا نصٌ واضح بإثباتهم الاشتراك في المعنى الحقيقي خارجًا لا ذهنًا فقط , حيث يرى أنّ المصحح لانتقال الذهن من الملزوم إلى اللازم عند استعمال اللفظ فيما وضع له , هو ثبوت المعنى الأصلي للشيء الذي نسب إليه المعنى غير الوضعي , أي أنّك إذا استعملت لفظ «الساق»و «النّاب» مثلًا لغير معناه الوضعي , كما في قول أبي ذؤيب الهذلي:
وَكُنتُ إِذا ما الحَربُ ضُرَّسَ نابُها
لِجائِحَةٍ وَالحَينُ بِالناسِ لاحِقُ
وَزافَت كَمَوجِ البَحرِ تَسمو أَمامَها
وَقامَت عَلى ساقٍ وَآنَ التَلاحُقُ
فقد استعمل الشاعر لفظ «النّاب» ولفظ «الساق» للحرب في غير معناها الوضعي , فيجب عند التيمية أن يكون «الساق»و «النّاب» ثابتان للحرب على معناهما الوضعي الحقيقي!! فيكون للحرب ضرسًا حقيقية وساقًا حقيقية!!
وهذه القاعدة التي تخالف أشعار العرب وأقوالهم , وتخالف ما قرره وحرره البلاغيون , ليست إلا قاعدة غائية , أي أنهم وضعوها للوصول إلى غاية يريدونها , وليست معروفة عند اللغويين , بل علماء اللغة يقولون بخلافها , والغاية التي وضعوا هذه القاعدة من أجلها هو إثبات الألفاظ المُضافة إلى الله على حقائقها اللغوية ومعانيها الوضعية , ليسدّوا الباب على مَن يعارضهم بسياقات تلك الإضافات , والتي يَظْهَرُ منها بجلاءٍ أنّ هذه الألفاظ لم تُستعمل في معانيها الوضعية الحقيقية!! وذلك أنّ لفظ «الوجه» لمّا أضيف إلى الله تعالى في الآيتين السابقتين , وكان سياقهما دالًا على أنّ المعنى من الوجه هو الذات , فلا بدّ على القاعدة التيمية اليتيمة- من ثبوت معنى الوجه الوضعي لله تعالى الله عن ذلك-!!
لكنّ أرباب اللغة والبلاغة قرروا أنّ المُصحّح لانتقال الذهن من الملزوم إلى اللازم , هو وجود علاقة ومناسبة بين المعنى الوضعي والمعنى الآخر , وقد حظيت هذه العلاقة التي يُتوسل بها إلى الانتقال من الملزوم إلى اللازم- بعناية البلاغيين , حتى أوصل بعضهم عدد تلك القرائن إلى ما يزيد على الثلاثين قرينة! , ولم يشترطوا ثبوت المعنى الوضعي لما استُعمل فيه اللفظ لغير معناه الأصلي , بل لو كان المعنى الوضعي ثابتًا للموصوف لما كان استعمال اللفظ فيه استعمالًا في غير ما وُضع له!! , فيكون استعمال اللفظ حينئذ على حقيقته ومعناه الأصلي , فلا نقول عندها أننا استعملنا فيه لفظاً لم يوضع له , ومن المعلوم أن اللفظ يُجتاز به عن معناه الأصلي إلى معنى آخر للإيجاز أو سعة اللفظ أو إيراد المعنى في صورة دقيقة مقربة إلى الذهن , ولو قلنا أن المعنى الأصلي ثابت للموصوف لانتفت تلك الفوائد كلها! , فتأمل .
فمثلاً لفظ «اليد» قد وضع في اللغة لذلك العضو المعروف , وقد استعملته العرب في غير ما وضِع له , فقالوا : «يد المنايا», وذلك لأنّه يفيد التأكيد وترسيخ المعنى بما يقوم عليه من التخييل والتصوير , وكأنك ترى المنايا تُوقِع الضرر بالمصاب أمام ناظريك , فلو كانت اليد ثابتة للمنايا لكان استعمالنا لها في موضعها ودون أن يحدث في نفس المستمع شيئاً من ترسيخ المعنى وتأكيده .
ومن تتبع استعمالات الألفاظ عند العرب لغير معانيها الأصلية , علم أنّ الشرط الذي وضعه أولئك التيمية باطل متهافت , وإليك بعض الأمثلة التي تهدم تلك القاعدة المخترعة :
أولاً: استعمال العرب لفظ «الوجه» في معنى غير المعنى الأصلي , بالرغم من عدم ثبوت المعنى الأصلي للموصوف:
* قال عنترة بن شداد :
وَصَوتُ حُسامي مُطرِبي وَبَريقُهُ
إِذا اِسوَدَّ وَجهُ الأُفقِ بِالنَقعِ مِقباسي
* وقال أيضاً :
وَراحَت خَيلُهُم مِن وَجهِ سَيفي
خِفافاً بَعدَما كانَت ثِقالا
* وقالت الفارعة القشيرية :
وفرت كلاب على وجهها
خلا جعفر قبل وجه النهار
* وقال طرفة بن العبد :
يَسيرُ بِوَجهِ الحَتفِ وَالعَيشُ جَمعُهُ
وَتَمضي عَلى وَجهِ البِلادِ كَتائِبُه
* وقال الحطيئة :
تَشاغَلَ لَمّا جِئتُ في وَجهِ حاجَتي
وَأَطرَقَ حَتّى قُلتُ قَد ماتَ أَو عَسى
ثانياً: استعمالهم لفظ اليد في معنى غير المعنى الأصلي , بالرغم من عدم ثبوت المعنى الأصلي للموصوف :
* قال الحارث المري :
أخالد قد نبهتني غير نائم
فلا تأمنن فتكي يد الدهر واحذر
* قال عنترة بن شداد :
سَقى اللَهُ عَمّي مِن يَدِ المَوتِ جَرعَةً
وَشُلَّت يَداهُ بَعدَ قَطعِ الأَصابِعِ
* وقال أيضاً :
نَسَجَت يَدُ الأَيّامِ مِن أَكفانِها
حُلَلاً وَأَلقَت بَينَهُنَّ عُقودَها
* وقال امرؤ القيس :
مَعاشِرُ أَضحى وُدُّهُم متَبايناً
وَشَرُّهُمُ بادٍ يَدَ الدَهرِ مُقبِلُ
ثالثاً: استعمالهم لفظ الساق في معنى غير المعنى الأصلي , بالرغم من عدم ثبوت المعنى الأصلي للموصوف :
* قال تأبط شراً :
وَهُم أَسلَموكُم يَومَ نَعفِ مُرامِرٍ
وَقَد شَمَّرَت عَن ساقِها جَمرَةُ الحَربِ
* قال أبو ذؤيب الهذلي :
وَكُنتُ إِذا ما الحَربُ ضُرَّسَ نابُها
لِجائِحَةٍ وَالحَينُ بِالناسِ لاحِقُ
وَزافَت كَمَوجِ البَحرِ تَسمو أَمامَها
وَقامَت عَلى ساقٍ وَآنَ التَلاحُقُ
* وقال حاتم الطائي :
فتى الحرب إن عضت به الحرب عضها
وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا
* وقال سعد البكري :
ياَبؤُسَ لِلحَربِ الَّتي
وَضَعَت أَراهِطَ فَاِستَراحوا
كَشَفَت لَهُم عَن ساقِها
وَبَدا مِنَ الشَرِّ الصُراحُ
بل ومن قرأ آيات القرآن الكريم والفرقان الحكيم , عَلِم بطلان تلك القاعدة التي اخترعها القوم , فقد قال تعالى : ((وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ )) [آل عمران: ٧٢], فهل يستطيع الوهابية القول بأنّ للنهار وجه حقيقي؟!
وقال تعالى : ((فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ )) [البقرة: ٦٦] , فهل لتلك الفعلة التي فعلها بنو إسرائيل يدان حقيقيتان على معناهما الوضعي؟!
وقال تعالى : ((لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ )) [فصلت: ٤٢], فهل للقرآن الكريم يدان على المعنى الوضعي الحقيقي؟!
تنبيه :
قال هراس في النص المنقول سابقًا : «عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ دَفْعُ مَجَازِهِمْ بِطَرِيقٍ آخَرَ؛ فَيُقَالُ: إِنَّهُ أَسْنَدَ الْبَقَاءَ إِلَى الْوَجْهِ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ بَقَاءُ الذَّاتِ؛ بَدَلًا مِنْ أَنْ يُقَالَ: أَطْلَقَ الْوَجْهَ وَأَرَادَ الذَّاتَ».
قلت: هذا يصحّ إذا اعتبرتم «الوجه» صفة معنى , لأنّ المعنى لا يقوم إلّا بالذات , فإذا بقي المعنى الذي لا يقوم بالذات فمن باب أولى بقاء الذات , لكنّ الوهابية يُثبتون الوجه كصفة عينية لا معنوية , ولا يلزم من بقاء العين بقاء الذات .
وخلاصة الأمر: أن التيمية الوهابيّة يُثبتون قدرًا من الاشتراك الخارجي بين صفات المخلوقات وصفات الله , وهذا الاشتراك الخارجي هو المستند للاشتراك الذهني , ويرون أنّ الذي يميز صفة الخالق عن صفة المخلوق هو الكيفية اللاحقة لكل منهما , فكما أنّ نور الشمس يشترك مع نور السراج ونور الموقد في حقيقة واحدة , إلا أنه يتميز ويفترق في كيفيته عنهما , وهذا المميز الفارق أعظم من المشترك الجامع , فكذلك الحال في صفات الله تعالى وصفات خلقه , فكما أنّ صفات المخلوقات تتميّز وتفترق عن بعضها البعض بالكيفيات التي تلحقها , فكذلك تتميز صفة الخالق عن صفات المخلوقات في الكيفية التي تكتنفها , وهذه الكيفية التي تميّز صفة الخالق عن صفة المخلوق أعظم من القدر المشترك بينهما , ولا يخفى على باقل فضلًا عن عاقل أنّ في ذلك إثبات التشابه في القدر المشترك بين صفات المخلوق وصفات الخالق تعالى , وهذا هو التشبيه الذي نفاه أهل السنة والجماعة من السلف والخلف .
إلا أنّ ما يتفوه به بعض صبيان الوهابية , من قولهم أنهم لا يُثبتون بين صفات الخالق وصفات المخلوق إلا الاشتراك اللفظي , فهو إما جهل بأقوال مشايخهم أو تلبيس! , لأن الاشتراك اللفظي هو الاشتراك في الأسماء والألفاظ دون المسميات والمعاني الخارجية , فليس هناك تواطؤ بين المسميات , لكنّ مشايخهم يصرحون بإثبات قدر من الاشتراك والتواطؤ بين المسميات والمعاني لا الألفاظ والأسماء فقط , بخلاف ما قرره الطحاوي في عقيدته حيث قال : «ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر» , إذ المحذور هو الاشتراك في المعاني لا الألفاظ .فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَاتتعليق
-
يتبع إن شاء الله :
الفصل السادس: مشكلة الوهابية في معنى «الظاهر» و «الحقيقة» وكشف تناقضهم في ذلك
الفصل السابع : بعض الألفاظ التي يثبتها الوهابية على حقيقتها ومعانيها الوضعيةفكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَاتتعليق
-
الفصل السادس: مشكلة الوهابية في معنى «الظاهر» و «الحقيقة»
وكشف تناقضهم في ذلك
لكلّ لفظ مستعمل من ألفاظ اللغة معنى أصلي يدل عليه هذا اللفظ في وضع واضعه , ويُفهم منه هذا المعنى بمجرده دون قرائن , ويسمى هذا المعنى «بالمعنى الوضعي»(1) أو «الحقيقي» أو «الظاهر» , قال الإمام عبد القاهر الجرجاني : «كلّ كلمة أريد بها ما وقعت له في وضع واضع -وإن شئتَ قلت : في مواضعة- وقوعًا لا تستند فيه إلى غيره فهي حقيقة» (2) , فمثلًا لفظ «الأسد» وضَعَه أهل اللغة بإزاء السبع المعروف , فإذا سمع العربي أحدهم يقول : «رأيتُ أسدًا» فيفهم منها ويتبادر إلى ذهنه ويظهر له من هذا اللفظ «السبع» , أي أنّ السامع سيستحضر في ذهنه ذلك الحيوان المفترس المعروف عند سماعه لفظ «الأسد» , لكن اللفظ قد يفقد معناه الظاهر إذا وضع في سياق معيّن ليدل على معنى آخر له علاقة بمعناه الحقيقي الوضعي , وهذا المعنى الثاني الذي يفهمه السامع لا يفهمه من اللفظ بمجرده بل من القرينة التي صرفت اللفظ عن معناه الأصلي الحقيقي إلى معنى آخر , وهذا المعنى الثاني يسمى «مؤولًا» أو «ظاهرًا بالدليل» أو «مجازًا» , قال الإمام عبد القاهر الجرجاني : «فكلّ كلمة أريد بها غير ما وقعت له في وضع واضعها لملاحظة بين الأول والثاني فهي مجاز» , فإذا سمع العربي قول القائل : «رأيت أسدًا يقاتل في المعركة» عرف أنّ القتال في المعركة من شأن الإنسان لا السباع وعرف أنّ المقصود بالأسد هو «الرجل الشجاع» , فهناك قرينة صرفت اللفظ عن معناه الأصلي الوضعي إلى معنى آخر لعلاقة بين المعنيين , فلا يظهر للسامع من لفظ الأسد «الرجل الشجاع» إلا بقرينة , بخلاف «السبع» الذي يظهر ويتبادر إلى الذهن من لفظ الأسد بمجرد سماعه , ولا يعقل أن يكون هذا المعنى «السبع» والمعنى الثاني «الرجل الشجاع» كلاهما حقيقة في لفظ «الأسد» , إذ لو كان حقيقة فيهما معا لتبادر الذهن إليهما معا عند سماع كلمة «أسد» مجردة ولحصل الالتباس ، فبان أنه حقيقة وظاهر في «السبع» ومجاز وتأويل وظاهر بالدليل في «الرجل الشجاع» , ولا يقول عاقل أن لفظ الأسد لا يفهم منه معنى «السبع» إلا بقرينة أيضًا , لأن هذا مخالف للحس ومخالف لكون لفظ «أسد» مجردًا دالّ على «السبع» , ولولا وجود القرينة أو ملاحظتها لما فَهِمَ السامع أو القارئ هذا المعنى الثاني ولتبادر إلى ذهنه المعنى الأول , فقد أخرج البخاري (4/1640) في : [باب: ((وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْر)) البقرة: ١٨٧] :
«أخذ عدي عقالا أبيض وعقالا أسود حتى كان بعض الليل نظر فلم يستبينا فلما أصبح قال: يا رسول الله , جعلت تحت وسادي , قال : [إن وسادك إذًا لعريض إن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادتك]» .
فهاهنا حصل الالتباس وحَمْلُ اللفظ على معناه الحقيقي لعدم لحاظ القرينة , فإنّ خفاء القرينة أو عدمها سببان في فهم اللفظ على ظاهره ومعناه الوضعي الحقيقي , ولا يقول عاقل أنّ السامع يفهم من «الخيط الأبيض» بياض النهار ومن «الخيط الأسود» سواد الليل دون قرينة .
ومثل هذا ما رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : «قال رسول الله : [أسرعكن لحاقا بي أطولكن يدًا] , قالت : فكن يتطاولن أيتهن أطول يدا , قالت : فكانت أطولنا يدا زينب لأنها كانت تعمل بيدها وتصدق».
------------------
- المقصود بالوضع اللغوي هو دلالة المفردة على معناها الذي اصطلح عليه الواضعون , فقال الجرجاني في التعريفات عن الوضع اللغوي بأنه : ( وضع اللفظ إزاء المعنى ) .
2- أسرار البلاغة , عبد القاهر الجرجاني , ط دار المدني , ص350 .فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَاتتعليق
-
وبخصوص مسألة الصفات فإن مشايخ الوهابية يصرّحون بحمل ألفاظها على معانيها «الوضعية» و «الحقيقية» و «المتبادرة» عند العربي وعلى «ظاهرها» المعروف عنده , فيجعلون الحقيقة التي يحملون عليها الصفات ما كان مقابلًا للمجاز , ويقولون لخصومهم الذين يفسرون الألفاظ على غير معانيها الوضعية للقرائن الموجبة ذلك أنكم تؤولون وتحملون الصفات على المجاز , وفي هذا إثباتٌ للمجاز وإثبات للصفات على حقيقتها اللغوية التي هي ضد المجاز , ويرفضون فهم الصفات على غير معانيها الوضعية بناء على القرائن التي توجب ذلك , فالمعنى الوضعي للنزول هو هبوط الشيء كما قال ابن فارس , فيثبت الوهابية هذه الصفة على حقيقتها ويقولون عن صفة النزول لله تعالى بأنها هبوط أو «انتقال من علو إلى سفل» , ويرفضون تأويل النزول وحمله على غير معناه الوضعي , قال ابن عثيمين في فتاواه (4/286) :
«ومعناه عند أهل التأويل نزول أمره» .
وهكذا يسيرون في سائر الصفات الخبرية كاليد والرجل والعين .
إلا أنّ هناك بعض الصفات تواجه الوهابية وتنقض مذهبهم في حملهم الألفاظ على ظاهرها وحقيقتها ومعناها الوضعي , فتراهم يقومون بتأويلها ثم يزعمون أنهم لا يؤولونها بل يحملونها على حقيقتها وظاهرها! , ويقولون ليس في الكتاب والسنة لفظ في ظاهره وحقيقته أي محذور , وهذا جهل مطبق أو تجاهل وتلاعب!! , فمثلًا قال ابن فارس عن معنى لفظ «المعية» الوضعي الحقيقي (5/273) :
« مع: الميم والعين كلمةٌ تدلُّ على اختلاطٍ وجلبةٍ وما أشبه ذلك... ومما ليس من هذا الباب [مع] وهي كلمة مصاحبة , يقال : هذا مع ذاك , ويقولون في صفة النساء : [منهن معمع , لها شيئها أجمع] وهي التي لا تعطي أحدًا شيئًا يكون معها أبدًا» .
فمعنى المعية الوضعي الحقيقي هو المصاحبة الذاتية , وصرفه عن هذا المعنى لمعنى آخر يُعتبر مجازًا وتأويلًا لا حقيقة , إلا أنّ بعض الوهابية يفسر المعية بغير معناها الوضعي ومع ذلك يصرّ على أنّها حقيقة!! , ففي فتاوى ابن عثيمين (5/174) :
«المثال الرابع: قال أهل التأويل: أنتم يا أهل السنة يقصد أنفسهم!- أوّلتم قوله تعالى: ((وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)) [الحديد: ٤] ، فقلتم: وهو معكم بعلمه، وهذا تأويل، فإن الله تعالى يقول: ((وَهُوَ مَعَكُمْ)) ، والضمير في قوله: ((وَهُوَ مَعَكُمْ)) يعود إلى الله، فأنتم يا أهل السنة أولتم هذا النص وقلتم: إنه معكم بالعلم، فإذن كيف تنكرون علينا التأويل؟
قلنا: نحن لم نؤول الآية!! ، بل إنما فسرناها بلازمها وهو: العلم!؛ وذلك لأن قوله: وهو معكم لا يمكن لأي إنسان يعرف قدر الله ويعرف عظمته أن يتبادر إلى ذهنه أنه هو ذاته مع الخلق في أمكنتهم، فإن هذا أمر مستحيل» .
فانظر كيف أنكر كون تفسير المعية بالعلم تأويلًا!! مع أنّ العلم ليس المعنى الوضعي للمعية , ولا يُفهم العلمُ من المعيّة إلا بقرائن توجب ذلك كاستحالة مصاحبة الله تعالى للمخلوقات وحلوله بها , فتفسير العلم بالمعية تأويلٌ مجازي لأنّه استعمالٌ للفظ في غير ما وضع له لقرينة منعت من إرادة الحقيقة!! وزعمه بأنّ المعية حقيقة في العلم لكنه من لوازمها غير سديد , لأنّ العلم ليس المعنى الوضعي للفظ المعية حتى وإن كان من لوازمها , وتفسيره المعيةَ بلازمها هنا هو التأويل بعينه!
فإن قالوا : إنّ استعمال اللفظ في معناه الوضعي حقيقة , واستعماله في غير معناه الوضعي لقرينة حقيقة أيضًا , فاستعمال الأسد بمعنى «السبع» حقيقة في قولك «رأيت أسدًا» , واستعمال الأسد بمعنى «الرجل الشجاع» حقيقة أيضًا في قولك : «رأيت أسدًا يخوض غمار المعركة بسيفه» , لأن استعمال الكلمة في معناها الذي دل عليه السياق والقرائن حقيقة وإن كان هذا المعنى غير معناها الأصلي , مع أنّهم قبل قليل أنكروا على خصومهم فهمهم النصوص ضمن السياقات ووفق القرائن وسموه تأويلًا ومجازًا! وأوجبوا حمل ألفاظ الصفات على الحقيقة لا على المجاز!! وهذا من قلة التدقيق والتحرير ومن التقليد الأعمى لابن تيمية , وعلى الرغم من عدم دقة هذا الكلام وكونه مخالفًا للقواعد المقررة ولمعنى الحقيقة عند الأصوليين واللغويين , فإنّ هذا يفتح الباب لخصومهم لتفسير الاستواء بالقهر والاستيلاء , والنزول بالبر والعطاء , والوَجه بالذات أَو الجود والحباء , والعين بالحفظ والعون والاجتباء , واليَد بالإنعام والإكرام والاصطفاء , ثم يقولوا : هذا ليس تأويلًا مجازيًا بل هو حقيقة لدلالة السياق والقرائن والأدلة الشرعية والعقلية على هذه المعاني! , ولا تجوز مخالفته لأنه هو الظاهر من السياق , وليس للوهابية حينها أن يقولوا بل هو تأويل ومجاز!!
فإن قال الوهابية: بل القرائن لا تدل على هذه المعاني .
قال خصومهم المنزهة : لا نسلم ذلك بل القرائن دالة على تلك المعاني , ولا نسلّم لكم أنتم ما قلتموه من معانٍ لتلك الألفاظ لأنها مخالفة للقرائن والسياق , بل سياقات تلك النصوص مخالفة كلّ المخالفة للمعاني التي ألبستموها إياها , فمن كان له أدنى ذوق في اللغة عَلِمَ أنّ المقصود بــ «على عيني» في قوله تعالى : ((أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي)) [طه: ٣٩ ], هو أنك تُربّى على رعايتي وحفظي لك ..
وعَلِمَ استحالة كون اليد حقيقية في قوله تعالى : ((إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا)) [الفتح: ١٠]..
واستحالة كون الوجه حقيقيًا ومن الأعيان القائمة بالذات في قوله تعالى : ((وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)) [القصص: ٨٨]...
ويأبى ذوقه السليم حملَ الهرولة على الحقيقة التي هي الحركة بين المشي والركض في قول الله تعالى : [من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا، ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة] .
ومن الملاحظ أنّ الوهابية يقتطعون ألفاظ نصوص الصفات من سياقاتها , لأنّ ذكرها ضمن السياقات التي وردت فيها والتي تشكل موضوعًا متناسقًا مرتبطًا بعضه ببعض , يقضي على المعنى الذي ألبسوها إياه والذي تصيح بالبراءة منه! , فتراهم يستدلون لإثبات اليدين الحقيقيتين بقوله تعالى : ((بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ)), لكن من ذا الذي يفهم هذا من قوله تعالى: ((وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ)) [المائدة: ٦٤]؟! أليس في اقتطاع قوله تعالى : ((بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ)), عمّا سبقها من قوله تعالى : ((غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا)) وعما لحقها من قوله سبحانه : ((يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ)) إبطالٌ للمعنى الذي سيقت من أجله؟ وإبطالٌ لأثرها النفسي الروحاني الذي يلقي بظلاله على قلب المؤمن , ويملؤه رغبة في كرم الإله وطمعًا فيما عنده , حيث يشعر عند قراءة الآية كاملة بأثر القدرة الإلهية في الإعطاء والإنفاق , وأثر الغضب الذي انصب على اليهود فصاروا أبخل الناس؟!
فالقوم يرون وجوب حمل ألفاظ نصوص الصفات على ظواهرها , قال ابن عثيمين في فتاواه (4/262) :
«والواجب إجراؤها على ظاهرها ، وإثبات حقيقتها لله على الوجه اللائق به , والعلة في ذلك : أن صرفها عن ظاهرها مخالف لطريقة النبي وأصحابه , أن صرفها إلى المجاز قول على الله بلا علم! وهو حرام» .
ويرون أنّ هذه الألفاظ لا يجوز فيها التأويل , فيقول الدكتور محمد لوح :
«القسم الأول: ما هو نص في مراد المتكلم لا يحتمل غيره فهذا يمتنع دخول التأويل فيه ، وتحميله التأويل افتراء ظاهر على صاحب الشرع وتحريف للكلم عن مواضعه , وهو شأن عامة النصوص الشرعية الصريحة في معناها كنصوص الصفات..».(1)
وينكرون وجود شيء في الكتاب والسنة ظاهره فيه محذور , قال ابن عثيمين في فتاواه (4/30) :
«ولا يمكن أن يكون ظاهر الكتاب والسنة أمرًا مستحيلًا، ومن ظن أن هذا هو ظاهرها فإنه يبين له أن ظنه خطأ».
ويقولون بأن قاعدة حمل الألفاظ على ظواهرها ومعانيها الوضعية تجري على كلّ فرد من نصوص الصفات , فقال ابن عثيمين في فتاواه (1/185) :
«ولا يخفى على فضيلتكم القاعدة العامة عند السلف من أن نصوص الصفات تجري على ظاهرها اللائق بالله تعالى بلا كيف؛ كما اشتهر عنهم قولهم : [أمروها كما جاءت بلا كيف] , وهذه القاعدة تجري على كل فرد من أفراد النصوص ، وإن لم ينصوا عليه بعينه».
------------------
1- جناية التأويل الفاسد على العقيدة الإسلامية (ص13-14) .فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَاتتعليق
-
وليس مع القوم دليل من الكتاب والسنّة أو حجّة عن سلف الأمة في وجوب إجراء جميع النّصوص على ظواهرها , بل قد قام الدليل على تسمية الباطل بالظاهر كما في قوله تعالى : ((أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ)) [الرعد: ٣٣]
قال الطبري في تفسيره (16/466) :
«وقوله: ((أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ)) مسموع، وهو في الحقيقة باطلٌ لا صحة له».
الإمام أحمد ينكر على من احتجّ عليه بظاهر القرآن الكريم
وها هو الإمام أحمد ينكر على خصومه احتجاجهم عليه بظاهر القرآن , وإليك نصّين في ذلك :
الأول: لما أخذ الجهمية بالظاهر في بعض المسائل رَدَّ عليهم الإمام أحمد بن حنبل بكتاب خاص من رواية أبنائه عنه ، نتحفك هنا ببعضه ، قال القاضي أبو الحسين ابن أبي يَعْلَى الحنبلي في طبقاته :
«قرأت في كتاب أبي جعفر محمدِ بن أحمد بن صالح بن أحمد بن محمد بن حنبل ، حدثني عمي زهير بن صالح قال : قرأ عليَّ أبي صالحُ بن أحمد هذا الكتاب وقال : هذا كتاب عمله أبي في مجلسه ردًّا على من احتج بظاهر القرآن ، وترك ما فسره رسول الله ، ودل على معناه ، وما يلزم من اتباعه وأصحابه رحمة الله عليهم قال أبوعبد الله :
[إن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه بعث محمدا نبيه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ، وأنزل عليه كتابه الهدى والنور لمن اتبعه ، وجعل رسوله الدال على معنى ما أراده من ظاهره وباطنه ، وخاصّه وعامّه ، وناسخه ومنسوخه ، وما قُصِد له الكتاب ، فكان رسول الله هو المعبر عن كتاب الله ، الدال على معانيه ، شاهَدَه في ذلك أصحابه ، من ارتضاه الله لنبيه واصطفاه له ، ونقلوا ذلك عنه ، فكانوا هم أعلم الناس برسول الله ، وبما أخبر عن معنى ما أراه الله من ذلك بمشاهدتهم ما قُصِد له الكتاب ، فكانوا هم المعبرين عن ذلك بعد رسول الله ، وقال جابر بن عبدالله : [ورسول الله بين أظهرنا عليه ينـزل القرآن وهو يعرف تأويله ، وما عمل به من شيء عملنا] ، فقال قوم : بل نستعمل الظاهر!! ، وتركوا الاستدلال برسول الله !! ، ولم يقبلوا أخبار أصحابه ! ، وقال ابن عباس للخوارج : [أتيتكم من عند أصحاب رسول الله المهاجرين والأنصار ، ومن ابنِ عَمِّ رسول الله وصِهْرِهِ ، وعليهم نزل القرآن ، وهم أعلم بتأويله منكم ، وليس فيكم منهم أحد] , وذكر تمام الكتاب بطوله».اهـ من:« طبقات الحنابلة 2/65 ط دار المعرفة»، ونقل من أوَّلِه ابن قَيِّمِ الجَوْزِيَّة في « اجتماع الجيوش ط1/ المؤيد ص161».
فانظر إلى قوله : «هذا كتاب عمله أبي في مجلسه ردًّا على من احتج بظاهر القرآن ، وترك ما فسره رسول الله ، ودل على معناه ».
فأحمد يرد على من احتج بظاهر القرآن وترك التأويل ، فعلى رأي هذا الوهابية يكون أحمد مخطئًا لأن الظاهر عندهم لا يكون إلا صحيح المعنى , فيكون الجهمية هم المصيبون هنا لأخذهم بالظاهر ، وأحمد وأهل السنة هم المخطؤون!.
والحقيقة أن كلام الوهابية يدل على أن الظاهر يجب الأخذ به ، وأن القرائن لا تصرف اللفظ عن ظاهره بل يصير الظاهر هو ما تدل عليه هذه القرائن!! إذن لا يكون الظاهر إلا حقًا وصدقًا واجب الاتباع , فإذا كان ذلك كذلك فلم صنف أحمد كتابه ردا على من احتج بظاهر القرآن؟! فكان المفروض أن يُعَنْوِن كتابه بأنه رد على من احتج بخلاف ظاهر القرآن ، فبان أن كلام هذا الوهابية مخالف لكلام الإمام أحمد , وأنّ الظاهر قد يكون معناه باطلًا ، لأنه المتبادر إلى الأذهان ، والمتبادر قد لا يكون مقصودا لقرائن .
بل انظر إلى قول أحمد : «وجعل رسوله الدال على معنى ما أراده من ظاهره وباطنه».
فجعل المعنى الباطني مرادًا ، وعندما يكون المعنى الباطن مرادًا يكون المعنى الظاهر غير مراد قطعًا .
ثم انظر إلى قوله : «فقال قوم : بل نستعمل الظاهر !! ، وتركوا الاستدلال برسول الله ».
فالإمام هنا يسمي ما استعمله المبتدعة « الظاهر » ، ويجعل في مقابله الاستدلال برسول الله ، فعلم من هنا أنه قد يكون الآخذ بالظاهر غير مستدل برسول الله, ولا ينفعه حينئذ هذا الظاهر الذي يستعمله .
وأخيرا انظر ما الحكمة في نقل الإمام أحمد عن ابن عباس قوله للخوارج : «وهم أعلم بتأويله منكم»؟
أليس هذا دالا على أن الآخذين بالظاهر هم الخوارج وأن التأويل الصحيح -الذي ليس هو بالظاهر- إنما هو عند الصحابة العالمين بتأويله , لمعرفتهم حقيقة المعنى لصحبتهم لرسول الله !! ففي هذا أبلغ رد على الوهابية من كلام إمامهم الذي يزعمون أنهم ينتسبون إليه .
النص الثاني من كلام أحمد :
ما رواه الحافظ أبونُعَيم الأصفهاني في ( الحِلية ط العلمية 9/200-201) ، واللفظ له ، وعبدالغني المقدسي في كتاب (المِحْنَة ط هَجَر ص92) ، ونقله الذهبي في ( السِّيَر ط4/ الرسالة 11/249) وغيرهم ، كلهم من طريق صالح بن الإمام أحمد في ذكر محنة أبيه الإمام أحمد مع الجهمية أنه قال :
« فقال رجل منهم : أراك تذكر الحديث وتنتحله ؟! ، فقال له : ما تقول في قول الله تعالى : ((يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ)) [النساء: ١١] ؟ ، فقال : خص الله بها المؤمنين ، قال : فقلت له : ما تقول إن كان قاتلا أو عبدا أو يهوديا أو نصرانيا ؟ فسكت ، قال أبي : وإنما احتججت عليهم بهذا ، لأنهم كانوا يحتجون عليَّ بظاهر القرآن ، ولقوله : أراك تنتحل الحديث .. » اهـ .
يقصد الإمام أن كون الأولاد يرثون آباءهم على كل حال هو الظاهر من الآية السابقة ، لكن السنة خصصت العموم فأخرجت القاتل والعبد .. إلخ ، فلم يجز التمسك بالظاهر الذي هو العموم وترك السنة المفسِّرة المُبَيِّنة ، فالظاهر عند أحمد هو العموم وليس الخصوص الذي دلت عليه السنة ، وعليه فعند أحمد لا يجوز التمسك بالظاهر هنا بل يجب تركه والأخذ بالمفسر الذي هو الخصوص ، لكن على رأي هذا الوهابية يكون الظاهر هو المعنى الآخر وليس الأول, أي يكون الخصوص الذي دلت عليه القرائن هو الظاهر!! فعلى هذا ماذا يكون العموم ؟! وكيف سماه الإمام أحمد ظاهرًا ؟؟!! وانظر كيف وصف أحمد الجهمية في هذا الموقف بأنهم يحتجون عليه بظاهر القرآن !! فعلى رأي الوهابية أن الجهمية قد احتجوا على أحمد بالظاهر الذي يجب على أحمد الأخذ به! فقد قلب الوهابية الأمر فجعلوا أحمد هو المبطل والجهمية هم المصيبون , لأنهم كانوا يحتجون بظاهر القرآن , وظاهر القرآن حق وصدق دائمًا- , فيكون أحمد هو التارك لهذا الحق والصدق عند الوهابية!.(1)
لكنّهم الوهابية يعودون فينقضون غزلهم ويهدمون بناءهم , حيث تواجههم كثير من النصوص التي لا بد من التأويل فيها وصرفها عن ظاهرها , ولا يستطيعون الزعم ببقائها على ظواهرها!
فقال ابن تيمية في الجواب الصحيح (4/453) :
«..ففي التوراة والقرآن من الآيات التي ظاهرها التجسيم ما لا يحصى ، وليس فيها نص بما يقوله النفاة من أن الله ليس بداخل العالم ولا خارجه ولا متصل به ولا منفصل عنه».
وهذا صريح في أن كثيرًا من الظواهر غير مرادة .
ونقل ابن تيمية عن الإمام أحمد تحريم استعمال ظواهر الكتاب والسنّة قبل البحث عمّا يفسّرها , فقال في مجموع الفتاوى
« وأكثر نصوصه أي الإمام أحمد- على أنه لا يجوز لأهل زمانه ونحوهم استعمال ظواهر الكتاب قبل البحث عما يفسرها من السنة وأقوال الصحابة والتابعين وغيرهم, وهذا هو الصحيح الذي اختاره أبو الخطاب وغيره ؛ فإن الظاهر الذي لا يغلب على الظن».
وهذا دليل على أنّ ظاهر الكتاب قد يكون مبهمًا أو مشكلًا , فليس كافيًا في الدلالة حتى يتبيّن معناه بالرجوع إلى غيره!
وقال ابن عثيمين (1/168) :
«ينبغي أن يُعلم أن التأويل عند أهل السنة ليس مذموماً كله بل المذموم منه مالم يدل عليه دليل ، وما دل عليه دليل يسمى تفسيراً سواء كان الدليل متصلاً بالنص أو منفصلاً عنه، فصرف الدليل عن ظاهره يسمى تفسيراً، فصرف الدليل عن ظاهره ليس مذموماً على الإطلاق , ومثال التأويل بالدليل المتصل ما جاء في الحديث الثابت في صحيح مسلم في قوله تعالى في الحديث القدسي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : [إن الله يقول يوم القيامة يا ابن آدم: مرضت فلم تعدني؟ قال يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده، يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني؟ قال يا رب وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني قال يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي], فظاهر الحديث أن الله نفسه هو الذي جاع وهو الذي مرض , وهذا غيرُ مراد قطعاً , ففسر الحديث بنفس الحديث».
وهذا ينقض ما رسموه من وجوب الأخذ بالظاهر مطلقًا , وأنّ الظاهر لا يكون إلا حقًا , وأن خلاف الظاهر مخالفة لطريقة النبي , وأنّ الظاهر هو ما يدلّ عليه الكلام بحسب سياقه , وأنّ الظاهر ما يسبق إلى الفهم السليم سواء كان المعنى الوضعي للفظ أم لا , وأن التأويل طاغوت يجب دفعه وليس محمودًا في حال , وأن الأخذ بالتأويل في نصوص الصفات افتراء ظاهر على صاحب الشرع!! , ويهدم انتقادهم لخصومهم واتهامهم بالافتراء على صاحب الشرع بسبب عدولهم عن الظاهر وحمل الألفاظ على المجاز , مع أنّ خصومهم لم يعدلوا عن الظاهر إلى المجاز إلا للأدلة المتصلة أو المنفصلة! .
وقارن بين قوله : «ما دل عليه السياق فهو حقيقة الكلام وظاهره مطلقا» , وقوله : «فظاهر الحديث أن الله نفسه هو الذي جاع وهو الذي مرض» , مع أنّ الحديث نفسه يبيّن أنّ العبد هو الذي مرض وجاع!! فهل يأخذ بظاهر الحديث وينسب الجوع والمرض لله تعالى أم ينقض ما أسسه؟!
واقرأ قوله في مجموع فتاواه (8/170) :
«واعلم أن النحاة خاضوا خوضًا كثيرًا في قوله : ((كَمِثْلِهِ)) ، حيث قالوا : الكاف داخلة على «المثل» ، وظاهره أن لله مثلا ليس له مثل ، لأنه لم يقل : ليس كهو ، بل قال : ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ)) ، فهذا ظاهر الآية من حيث اللفظ لا من حيث المعنى ؛ لأننا لو قلنا : هذا ظاهرها من حيث المعنى ، لكان ظاهر القرآن كفرًا!!، وهذا مستحيل ، ولهذا اختلفت عبارات النحويين في تخريج هذه الآية على أقوال...».
فكيف يكون ظاهر القرآن كفرًا من حيث اللفظ حتى احتاج إلى تخريجات النحويين له من حيث المعنى؟!! فالذين يهاجهم وينتقدهم ذهبوا إلى ما ذهب إليه هنا , وقالوا إنّ ظاهر بعض الألفاظ محال , فاحتاجوا إلى تخرجها من حيث المعنى بما يخالف ظاهر الألفاظ .
وقال أيضًا (8/377) :
«فإذا كان الله يقول: ((أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ )) [الملك: ١٦] ، فهذا ظاهره أن السماء محيطة بالله ، وهذا الظاهر باطل».
فإذا كان عند ابن عثيمين ظاهر قوله تعالى: ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ)) أن لله مثلًا ليس له مثل , وظاهر قوله سبحانه: ((أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ )) أن السماء محيطة بالله , وكلاهما كفرٌ وضلال , فما بال ابن عثيمين ينقض كلام نفسه بنفسه حسن قال في فتاواه (8/265) :
«لأن من اعتقد أن ظاهر القرآن كفر وضلال فهو كافر ضال»؟!!
أم أنّ الأخذ بالظاهر يروق له متى شاء ويرفضه متى شاء , أمّا خصومه الذين وضعوا للأخذ بالظاهر أو تركه منهجًا مطردًا منضبطًا وفق قواعد علمية , فليس لهم أنْ يتركوا الأخذ بالظاهر في حال من الأحوال؟!
وهكذا حال القوم يبنون قاعدة لنصرة المسألة التي بين أيديهم ونصب أعينهم ثم يهدمونها في موضع آخر , ثم يبنون أخرى ثم يهدمونها , فأصبحت أصولهم تنقض بعضها بعضًا , وقديمًا قيل : لا بد للمبطل من التناقض!.
------------
1- أفدتُ هذين النصّين من الشيخ الأزهريفكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَاتتعليق
-
يتبع إن شاء الله :
الفصل السابع : بعض الألفاظ التي يثبتها الوهابية على حقيقتها ومعانيها الوضعيةفكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَاتتعليق
تعليق