المصالحة
بين الإسلام والحضارة الغربية
كيف تتحقق على أيدي مفكري العرب الجدد
مثال من أصول الفقه: الإجماع ...واعتبار العوام فيه... وتسلق المنتهزين
بين الإسلام والحضارة الغربية
كيف تتحقق على أيدي مفكري العرب الجدد
مثال من أصول الفقه: الإجماع ...واعتبار العوام فيه... وتسلق المنتهزين
من المقرر عند أهل العلم العارفين بما يقولون، أن العامي ما دام لم يبلغ درجة الاجتهاد فلا قول له في استنباط الأحكام الشرعية، بل هو يعمل بها ممن يقررها فقط، فلا حق له في الاستنباط، وإن كان له حق في التقليد للمجتهد، بل هذا واجب عليه.
وما دام لا مكان للعامي في مجال الاستنباط، فلا اعتبار به في الإجماع في مسائل الاستنباط والاجتهاد.
وقد نقل عن بعض العلماء أن العامي يعتبر قوله في الإجماع فيما كان من الضروريات الدينية، لأنه يشترك في العلم بها مع العالم، ومع أن هذا القول لا يضرُّ ولا ينقض أن ما لم يكن من الضروريات فلا اعتبار للعامي فيه أصلا، بمعنى أن ما كان اجتهاديا نظريا، فلا عبرة بقول من لا أهلية له في استنبط الحكم الشرعي.
فصار هذا القدر محل اتفاق عليه، ولذلك ارجعوا قول من أطلق النقل عنه بالاعتداد بالعوام إلى الاعتداد بهم في الضروريات الدينية فقط، لأنه لا وجه لاعتبارهم فيما سوى ذلك.
وقد سمعت د. أبا يعرب المرزوقي في محاضرته التي عقدها مع عدنان إبراهيم في فيينا قبل أيام يقول : "اعتبر ابن تيمية السلطة الوحيدة التي يحق لها أن تسهم في التشريع هو الشعب ، فالإجماع المعتبر إذن إجماع الأمة ، لا إجماع الفقهاء"
واعتبر ذلك شرطا ضروريا للتصالح بين الحضارتين، يعني بها الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية! واستنكر أن يكون المعتبرون هم أهل الحل والعقد، وقال إن أهل الحل والعقد لا يستقلون عن العوام ولا يتفردون دونهم برأي. كذا معنى كلامه، ومن أراد سماع نصه فليرجع لمحاضرته.
فها هو ينسب لابن تيمية أنه يقول إن قول العوام معتبر في العوام، لا قول المجتهدين فقط، ولا قول أهل الحل والعقد فقط، وهذا القول بحسب رأي المرزوقي مستشار رئيس الدولة الحديثة في تونس هو رأي حداثي موافق لروح العصر، محقق للفهم الحديث للإسلام الذي يراد له الانتشار .
وتأمل أنه يقول إن السلطة الوحيدة يعني لا سلطة غيرها- التي يحق لها أن تسهم في التشريع هو الشعب، بكامله، عوامهم وعلماؤهم....يعني المشرع هو الشعب....!!!!
وهذا المفهوم عين مفهوم الديمقراطية التي يقررها الغربيون، فالحمد لله على التوافق والائتلاف مع الفكر الغربي!
هذا هو الأصل الجديد الذي يجب أن يبنى عليه أصول الفقه الجديد (لا حكم إلا للشعب) ... هذا هو أصول فقه إسلام ما وراء الحداثة، الذي به فقط تتحقق المصالحة مع الحضارة الغربية....
وكان د. عدنان إبراهيم يستمع هذا القول ولم يعقِّب!
وما الداعي لأن يعترض أو يضيف أو يقيد والقول جاء على وفق هواه!
ومن المعلوم أن هذا الكلام الخفيف علميا، المحتفى به جماهيريا ، لا ينطق به إلا لإقناع الجماهير بحصول التصالح بين الحضارتين، وأي تصالح يتحقق بين حضارتين، إلا بالتسليم من واحدة لأخرى بمفاهيمها وأحكامها! وعلى الذكي أن ينظر من المسلِّم بكسر اللام ومن المسلَّم له هنا!
والسؤال المهم هنا: حتى لو فرضنا ابن تيمية قال بهذا القول، فهل تراه يقول إن العوام يجوز لهم أن لا يذعنوا لأحكام الإسلام التي قررها المجتهدون ويفهمونها ويدللون على فهمهم بأدلة شرعية معتبرة؟ وهل يقول إن الحكم لا يكون نافذا ولا معتبرا إلا إذا وافق العوام عليه، وبشرط إجماعهم عليه؟! بالطبع لا يقول بذلك ، ولا يمكن أن يقول بذلك، فما يقرره أبو يعرب هو فكره هو لا فكر ابن تيمية، ومذهبه هو لا مذهب ابن تيمية...ولا نريد الوقوف كثيرا عند هذه النقطة. فليس قصدنا مناقشته فيها.
والذي نريد بيانه هنا:
هل ابن تيمية يقول فعلا بما قرره البروفيسور أبو يعرب المرزوقي!
علما بأن الدكتور الفاضل يعتبر نفسَه أهمَّ من فهم حقيقة ابن تيمية، وأنا أعتبره أكبر من ركب موجة شيوع ذكر ابن تيمية في هذا العصر، كما يركب الآن وغيره موجات لم يكن لهم فيها باع ولا ذراع! والغرض واحد للركوبين!
بيان قول ابن تيمية في هذه المسألة:
سننقل قليلا من أقوال ابن تيمية بما يكفي لبيان رأيه الواضح فيها.
قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى: "كَانَ التَّوَاتُرُ يَنْقَسِمُ إلَى : عَامٍّ ؛ وَخَاصٍّ فَأَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ قَدْ تَوَاتَرَ عِنْدَهُمْ مِنْ السُّنَّةِ مَا لَمْ يَتَوَاتَرْ عِنْدَ الْعَامَّةِ كَسُجُودِ السَّهْوِ وَوُجُوبِ الشُّفْعَةِ وَحَمْلِ الْعَاقِلَةِ الْعَقْلَ وَرَجْمِ الزَّانِي الْمُحْصَنِ ؛ وَأَحَادِيثِ الرُّؤْيَةِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ ؛ وَالْحَوْضِ وَالشَّفَاعَةِ ؛ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ . وَإِذَا كَانَ الْخَبَرُ قَدْ تَوَاتَرَ عِنْدَ قَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ وَقَدْ يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِصِدْقِهِ لِقَوْمِ دُونَ قَوْمٍ فَمَنْ حَصَلَ لَهُ الْعِلْمُ بِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّصْدِيقُ بِهِ وَالْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ كَمَا يَجِبُ ذَلِكَ فِي نَظَائِرِهِ وَمَنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الْعِلْمُ بِذَلِكَ فَعَلَيْهِ أَنْ يُسَلِّمَ ذَلِكَ لِأَهْلِ الْإِجْمَاعِ الَّذِينَ أَجْمَعُوا عَلَى صِحَّتِهِ كَمَا عَلَى النَّاسِ أَنْ يُسَلِّمُوا الْأَحْكَامَ الْمُجْمَعَ عَلَيْهَا إلَى مَنْ أَجْمَعَ عَلَيْهَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ عَصَمَ هَذِهِ الْأُمَّةَ أَنْ تَجْتَمِعَ عَلَى ضَلَالَةٍ وَإِنَّمَا يَكُونُ إجْمَاعُهَا بِأَنْ يُسَلِّمَ غَيْرُ الْعَالِمِ لِلْعَالِمِ ؛ إذْ غَيْرُ الْعَالِمِ لَا يَكُونُ لَهُ قَوْلٌ وَإِنَّمَا الْقَوْلُ لِلْعَالِمِ فَكَمَا أَنَّ مَنْ لَا يَعْرِفُ أَدِلَّةَ الْأَحْكَامِ لَا يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ فَمَنْ لَا يَعْرِفُ طُرُقَ الْعِلْمِ بِصِحَّةِ الْحَدِيثِ لَا يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ بَلْ عَلَى كُلِّ مَنْ لَيْسَ بِعَالِمِ أَنْ يَتْبَعَ إجْمَاعَ أَهْلِ الْعِلْمِ".
وهذا الكلام الذي يقرره ابن تيمية هو خلاصة ما قرره فحول الأصوليين، كالغزالي والجويني والباقلاني، وعنهم يأخذ ابن تيمية وغيره، فليس قولا خاصا به.
وكلامه واضح في أن العامي لا قول له في الاستنباط ، ولا مكان له في الإجماع أيضا بصريح كلامه وواضح الدلائل والفهم. ولكن لن يعسر على أبي يعرب المرزوقي أن يعيد تأويل كلامه، ليتوافق مع ما يهواه، أو يقول أنا يكفيني أن أتمسك ببمعض ما أفهمه من كلام ابن تيمية، وافق مراد الرجل أو لم يوافق، فهو من رواد ما بعد الحداثة، وممن درس على ميشيل فوكو وغيره!
فلا ينتظر واحد مثل أبي يعرب أن يقرر ابن تيمية ذلك، بل إن أبا يعرب يتصدى لقسر ابن تيمية للنطق بهذا القول الغريب قسراً! لماذا ابن تيمية على سبيل الخصوص؟ مع أن هذا القول اشتهرت نسبته لغير ابن تيمية وبعضهم نقله عن الباقلاني وهو أفحل من ابن تيمية بما لا قياس له في أصول الفقه، الجواب: لأن ابن تيمية هو الاسم اللامع سياسيا، لا علميا، أو فلنقل في سياسة العلم في هذا الزمان، ومن المفيد أن يستفاد منه سياسيا كذلك. وهكذا قفز أبو يعرب متصديا لإعادة تأويل ابن تيمية في هذه المسألة، كا أعاد تأويله في غيرها.
وجاء في كتاب (المسودة) وهو كتاب في أصول الفقه اشترك في جمعه ابن تيمية ووالده وجده: "لا يعتد في الإجماع بقول العامة، وبه قالت الشافعية والجمهور، وقال قوم من المتكلمين: يعتد به، وإليه ذهب أبو بكر ين الطيب الأشعري".
وهذا صريح في أن ابن تيمية يعتمد عدم الاعتداد بهم.
ولم يعترض ابن تيمية على هذه العبارة الواردة في المسودة، ولو كانت محل اعتراض عنده، لعقبها أو قيدها كما هي عادته.
والمسألة أوضح من أن نزيد في استحضار نصوص تثبت عدم قول ابن تيمية بما نسبه إليه الفيلسوف الشهير، ووافقه عليه المفكر القدير والمجدد النحرير!!
فالغرض منهما واحد، وهو تحقيق التصالح مع الحضارة الغربية ولو قسراً!
وهذا لا يكون في نظري بعد أن تحققنا مخالفة مفاهيم الحضارة الغربية للإسلام إلا بأحد وجهين:
الأول: أن يعيد الغربيون قناعاتهم ويعلنوا استسلامهم فكريا للأحكام الإسلامية، وينقادوا لها. فيتحقق التصالح اختياريا منهم.
والثاني: أن نعيد تفسير الإسلام بما يتوافق مع المفاهيم الغربية، وذلك يستلزم أن نغير كثيرا من المفاهيم والأحكام المعلومة، سواء بنصوص شرعية وأدلة معتبرة، أو لأقوال منسوبة للعلماء في الإسلام.
والفطِنُ يعلم بقليل من النظر أي الوجهين يحصل واقعيا، ويعمل كثيرون على تحقيقه في هذا الزمان!
وبالطريقة نفسها، تم تحقيق التوافق مع الغرب في نظرته إلى الدولة على يد عدنان إبراهيم بأن قرر أن الدولة الإسلامية لا علاقة لها بخدمة الدين أو الدفاع عنه، فإن وظائفها مدنية دنيوي محضة، كا صرح به في لقائه في الجزيرة.
وأضاف إلى ذلك أن من أحسن عملا من اليهود والنصارى والصابئين، فإنه يدخل الجنة، ويكون من الناجين، وإن لم يؤمن بضرورة الانقياد للأحكام الشرعية، ولا للشريعة التي جاءت على يدي سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، يكفيه فقط أن يقول إن محمدا نبيٌّ، وليبق بعد ذلك على مسيحيته ويهوديته، وعلى ما يرغب به من الأديان والأفكار، فهو من الناجين.
ووافق على ذلك من قبل البروفيسور أبو يعرب المرزوقي، كما صرح برأيه هذا في المناظرة التي جرت بيننا منذ سنوات، وكدت أكذب نفسي آنذاك وأعارضها في أنه أراد هذا المعنى...!
ولتأكيد ذلك عقديا عند عدنان إبراهيم- الذي خرج من الصندوق فإن الكفار الذين هم كفار من المعاندين والمخالفين لن يدخلوا النار إلا يوما واحدا فقط، ثم إنهم بعذابهم في النار هذه المدة، يتطهرون، وتنهدم النار بعد انقضاء ذلك اليوم، ويخرجون منها يبحثون لهم عن دار يبقون فيها، ولا دار هناك إلا الجنة بعد فناء النار. وقد بينا رأيه هذا في ردّنا على خطبته التي أفردها للكلام عن هذه المسألة....وهناك أمور مخفية أخرى في هذه الشخصيات ربما نتكلم عليها لاحقا...
نعم تتحقق المصالحة بين الغرب والإسلام بهذه الطريقة التي صارت تلقى رواجا بين طائفة كبيرة من الناس في هذا الزمان، وما ذلك إلا دليل ظاهر على انهدام المفاهيم الدينية الصحيحة من نفوس كثير من الناس، وتزعزع التمسك بالإسلام الحق.
أبو يعرب المرزوقي مجتهد، بل هو في طور فوق طور الاجتهاد، وكذلك عدنان إبراهيم مجتهد آخر خرج من الصندوق المغلق يعيد النظر في الأحكام الضرورية المعلومة من الدين ويستحدث للمسلمين أصولا جديدة، وضروريات دينية معاصرة تليق بالعالم الجديد...!!
وكل ذلك يقومون به حفاظا على الدين من الفقهاء الذين يصرخون عليهم بأنهم تحالفوا مع أنظمة الاستبداد، والذين يمثلون عصابات مافيا وكنسية إسلامية بحسب المرزوقي وصحبه....
وما دام لا مكان للعامي في مجال الاستنباط، فلا اعتبار به في الإجماع في مسائل الاستنباط والاجتهاد.
وقد نقل عن بعض العلماء أن العامي يعتبر قوله في الإجماع فيما كان من الضروريات الدينية، لأنه يشترك في العلم بها مع العالم، ومع أن هذا القول لا يضرُّ ولا ينقض أن ما لم يكن من الضروريات فلا اعتبار للعامي فيه أصلا، بمعنى أن ما كان اجتهاديا نظريا، فلا عبرة بقول من لا أهلية له في استنبط الحكم الشرعي.
فصار هذا القدر محل اتفاق عليه، ولذلك ارجعوا قول من أطلق النقل عنه بالاعتداد بالعوام إلى الاعتداد بهم في الضروريات الدينية فقط، لأنه لا وجه لاعتبارهم فيما سوى ذلك.
وقد سمعت د. أبا يعرب المرزوقي في محاضرته التي عقدها مع عدنان إبراهيم في فيينا قبل أيام يقول : "اعتبر ابن تيمية السلطة الوحيدة التي يحق لها أن تسهم في التشريع هو الشعب ، فالإجماع المعتبر إذن إجماع الأمة ، لا إجماع الفقهاء"
واعتبر ذلك شرطا ضروريا للتصالح بين الحضارتين، يعني بها الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية! واستنكر أن يكون المعتبرون هم أهل الحل والعقد، وقال إن أهل الحل والعقد لا يستقلون عن العوام ولا يتفردون دونهم برأي. كذا معنى كلامه، ومن أراد سماع نصه فليرجع لمحاضرته.
فها هو ينسب لابن تيمية أنه يقول إن قول العوام معتبر في العوام، لا قول المجتهدين فقط، ولا قول أهل الحل والعقد فقط، وهذا القول بحسب رأي المرزوقي مستشار رئيس الدولة الحديثة في تونس هو رأي حداثي موافق لروح العصر، محقق للفهم الحديث للإسلام الذي يراد له الانتشار .
وتأمل أنه يقول إن السلطة الوحيدة يعني لا سلطة غيرها- التي يحق لها أن تسهم في التشريع هو الشعب، بكامله، عوامهم وعلماؤهم....يعني المشرع هو الشعب....!!!!
وهذا المفهوم عين مفهوم الديمقراطية التي يقررها الغربيون، فالحمد لله على التوافق والائتلاف مع الفكر الغربي!
هذا هو الأصل الجديد الذي يجب أن يبنى عليه أصول الفقه الجديد (لا حكم إلا للشعب) ... هذا هو أصول فقه إسلام ما وراء الحداثة، الذي به فقط تتحقق المصالحة مع الحضارة الغربية....
وكان د. عدنان إبراهيم يستمع هذا القول ولم يعقِّب!
وما الداعي لأن يعترض أو يضيف أو يقيد والقول جاء على وفق هواه!
ومن المعلوم أن هذا الكلام الخفيف علميا، المحتفى به جماهيريا ، لا ينطق به إلا لإقناع الجماهير بحصول التصالح بين الحضارتين، وأي تصالح يتحقق بين حضارتين، إلا بالتسليم من واحدة لأخرى بمفاهيمها وأحكامها! وعلى الذكي أن ينظر من المسلِّم بكسر اللام ومن المسلَّم له هنا!
والسؤال المهم هنا: حتى لو فرضنا ابن تيمية قال بهذا القول، فهل تراه يقول إن العوام يجوز لهم أن لا يذعنوا لأحكام الإسلام التي قررها المجتهدون ويفهمونها ويدللون على فهمهم بأدلة شرعية معتبرة؟ وهل يقول إن الحكم لا يكون نافذا ولا معتبرا إلا إذا وافق العوام عليه، وبشرط إجماعهم عليه؟! بالطبع لا يقول بذلك ، ولا يمكن أن يقول بذلك، فما يقرره أبو يعرب هو فكره هو لا فكر ابن تيمية، ومذهبه هو لا مذهب ابن تيمية...ولا نريد الوقوف كثيرا عند هذه النقطة. فليس قصدنا مناقشته فيها.
والذي نريد بيانه هنا:
هل ابن تيمية يقول فعلا بما قرره البروفيسور أبو يعرب المرزوقي!
علما بأن الدكتور الفاضل يعتبر نفسَه أهمَّ من فهم حقيقة ابن تيمية، وأنا أعتبره أكبر من ركب موجة شيوع ذكر ابن تيمية في هذا العصر، كما يركب الآن وغيره موجات لم يكن لهم فيها باع ولا ذراع! والغرض واحد للركوبين!
بيان قول ابن تيمية في هذه المسألة:
سننقل قليلا من أقوال ابن تيمية بما يكفي لبيان رأيه الواضح فيها.
قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى: "كَانَ التَّوَاتُرُ يَنْقَسِمُ إلَى : عَامٍّ ؛ وَخَاصٍّ فَأَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ قَدْ تَوَاتَرَ عِنْدَهُمْ مِنْ السُّنَّةِ مَا لَمْ يَتَوَاتَرْ عِنْدَ الْعَامَّةِ كَسُجُودِ السَّهْوِ وَوُجُوبِ الشُّفْعَةِ وَحَمْلِ الْعَاقِلَةِ الْعَقْلَ وَرَجْمِ الزَّانِي الْمُحْصَنِ ؛ وَأَحَادِيثِ الرُّؤْيَةِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ ؛ وَالْحَوْضِ وَالشَّفَاعَةِ ؛ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ . وَإِذَا كَانَ الْخَبَرُ قَدْ تَوَاتَرَ عِنْدَ قَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ وَقَدْ يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِصِدْقِهِ لِقَوْمِ دُونَ قَوْمٍ فَمَنْ حَصَلَ لَهُ الْعِلْمُ بِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّصْدِيقُ بِهِ وَالْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ كَمَا يَجِبُ ذَلِكَ فِي نَظَائِرِهِ وَمَنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الْعِلْمُ بِذَلِكَ فَعَلَيْهِ أَنْ يُسَلِّمَ ذَلِكَ لِأَهْلِ الْإِجْمَاعِ الَّذِينَ أَجْمَعُوا عَلَى صِحَّتِهِ كَمَا عَلَى النَّاسِ أَنْ يُسَلِّمُوا الْأَحْكَامَ الْمُجْمَعَ عَلَيْهَا إلَى مَنْ أَجْمَعَ عَلَيْهَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ عَصَمَ هَذِهِ الْأُمَّةَ أَنْ تَجْتَمِعَ عَلَى ضَلَالَةٍ وَإِنَّمَا يَكُونُ إجْمَاعُهَا بِأَنْ يُسَلِّمَ غَيْرُ الْعَالِمِ لِلْعَالِمِ ؛ إذْ غَيْرُ الْعَالِمِ لَا يَكُونُ لَهُ قَوْلٌ وَإِنَّمَا الْقَوْلُ لِلْعَالِمِ فَكَمَا أَنَّ مَنْ لَا يَعْرِفُ أَدِلَّةَ الْأَحْكَامِ لَا يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ فَمَنْ لَا يَعْرِفُ طُرُقَ الْعِلْمِ بِصِحَّةِ الْحَدِيثِ لَا يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ بَلْ عَلَى كُلِّ مَنْ لَيْسَ بِعَالِمِ أَنْ يَتْبَعَ إجْمَاعَ أَهْلِ الْعِلْمِ".
وهذا الكلام الذي يقرره ابن تيمية هو خلاصة ما قرره فحول الأصوليين، كالغزالي والجويني والباقلاني، وعنهم يأخذ ابن تيمية وغيره، فليس قولا خاصا به.
وكلامه واضح في أن العامي لا قول له في الاستنباط ، ولا مكان له في الإجماع أيضا بصريح كلامه وواضح الدلائل والفهم. ولكن لن يعسر على أبي يعرب المرزوقي أن يعيد تأويل كلامه، ليتوافق مع ما يهواه، أو يقول أنا يكفيني أن أتمسك ببمعض ما أفهمه من كلام ابن تيمية، وافق مراد الرجل أو لم يوافق، فهو من رواد ما بعد الحداثة، وممن درس على ميشيل فوكو وغيره!
فلا ينتظر واحد مثل أبي يعرب أن يقرر ابن تيمية ذلك، بل إن أبا يعرب يتصدى لقسر ابن تيمية للنطق بهذا القول الغريب قسراً! لماذا ابن تيمية على سبيل الخصوص؟ مع أن هذا القول اشتهرت نسبته لغير ابن تيمية وبعضهم نقله عن الباقلاني وهو أفحل من ابن تيمية بما لا قياس له في أصول الفقه، الجواب: لأن ابن تيمية هو الاسم اللامع سياسيا، لا علميا، أو فلنقل في سياسة العلم في هذا الزمان، ومن المفيد أن يستفاد منه سياسيا كذلك. وهكذا قفز أبو يعرب متصديا لإعادة تأويل ابن تيمية في هذه المسألة، كا أعاد تأويله في غيرها.
وجاء في كتاب (المسودة) وهو كتاب في أصول الفقه اشترك في جمعه ابن تيمية ووالده وجده: "لا يعتد في الإجماع بقول العامة، وبه قالت الشافعية والجمهور، وقال قوم من المتكلمين: يعتد به، وإليه ذهب أبو بكر ين الطيب الأشعري".
وهذا صريح في أن ابن تيمية يعتمد عدم الاعتداد بهم.
ولم يعترض ابن تيمية على هذه العبارة الواردة في المسودة، ولو كانت محل اعتراض عنده، لعقبها أو قيدها كما هي عادته.
والمسألة أوضح من أن نزيد في استحضار نصوص تثبت عدم قول ابن تيمية بما نسبه إليه الفيلسوف الشهير، ووافقه عليه المفكر القدير والمجدد النحرير!!
فالغرض منهما واحد، وهو تحقيق التصالح مع الحضارة الغربية ولو قسراً!
وهذا لا يكون في نظري بعد أن تحققنا مخالفة مفاهيم الحضارة الغربية للإسلام إلا بأحد وجهين:
الأول: أن يعيد الغربيون قناعاتهم ويعلنوا استسلامهم فكريا للأحكام الإسلامية، وينقادوا لها. فيتحقق التصالح اختياريا منهم.
والثاني: أن نعيد تفسير الإسلام بما يتوافق مع المفاهيم الغربية، وذلك يستلزم أن نغير كثيرا من المفاهيم والأحكام المعلومة، سواء بنصوص شرعية وأدلة معتبرة، أو لأقوال منسوبة للعلماء في الإسلام.
والفطِنُ يعلم بقليل من النظر أي الوجهين يحصل واقعيا، ويعمل كثيرون على تحقيقه في هذا الزمان!
وبالطريقة نفسها، تم تحقيق التوافق مع الغرب في نظرته إلى الدولة على يد عدنان إبراهيم بأن قرر أن الدولة الإسلامية لا علاقة لها بخدمة الدين أو الدفاع عنه، فإن وظائفها مدنية دنيوي محضة، كا صرح به في لقائه في الجزيرة.
وأضاف إلى ذلك أن من أحسن عملا من اليهود والنصارى والصابئين، فإنه يدخل الجنة، ويكون من الناجين، وإن لم يؤمن بضرورة الانقياد للأحكام الشرعية، ولا للشريعة التي جاءت على يدي سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، يكفيه فقط أن يقول إن محمدا نبيٌّ، وليبق بعد ذلك على مسيحيته ويهوديته، وعلى ما يرغب به من الأديان والأفكار، فهو من الناجين.
ووافق على ذلك من قبل البروفيسور أبو يعرب المرزوقي، كما صرح برأيه هذا في المناظرة التي جرت بيننا منذ سنوات، وكدت أكذب نفسي آنذاك وأعارضها في أنه أراد هذا المعنى...!
ولتأكيد ذلك عقديا عند عدنان إبراهيم- الذي خرج من الصندوق فإن الكفار الذين هم كفار من المعاندين والمخالفين لن يدخلوا النار إلا يوما واحدا فقط، ثم إنهم بعذابهم في النار هذه المدة، يتطهرون، وتنهدم النار بعد انقضاء ذلك اليوم، ويخرجون منها يبحثون لهم عن دار يبقون فيها، ولا دار هناك إلا الجنة بعد فناء النار. وقد بينا رأيه هذا في ردّنا على خطبته التي أفردها للكلام عن هذه المسألة....وهناك أمور مخفية أخرى في هذه الشخصيات ربما نتكلم عليها لاحقا...
نعم تتحقق المصالحة بين الغرب والإسلام بهذه الطريقة التي صارت تلقى رواجا بين طائفة كبيرة من الناس في هذا الزمان، وما ذلك إلا دليل ظاهر على انهدام المفاهيم الدينية الصحيحة من نفوس كثير من الناس، وتزعزع التمسك بالإسلام الحق.
أبو يعرب المرزوقي مجتهد، بل هو في طور فوق طور الاجتهاد، وكذلك عدنان إبراهيم مجتهد آخر خرج من الصندوق المغلق يعيد النظر في الأحكام الضرورية المعلومة من الدين ويستحدث للمسلمين أصولا جديدة، وضروريات دينية معاصرة تليق بالعالم الجديد...!!
وكل ذلك يقومون به حفاظا على الدين من الفقهاء الذين يصرخون عليهم بأنهم تحالفوا مع أنظمة الاستبداد، والذين يمثلون عصابات مافيا وكنسية إسلامية بحسب المرزوقي وصحبه....
تعليق