الدولة المدنية والديمقراطية، والإسلام
مرة أخرى
مرة أخرى
تحليل نظريٌّ
الديمقراطية كما ورد في الموسوعة السياسية للكيالي: (نظام سياسي اجتماعي يقيم العلاقة بين أفراد المجتمع والدولة وفق مبدأي المساواة بين المواطنين ومشاركتهم الحرة في صنع التشريعات التي تنظم الحياة العامة).
وأساس هذه النظرة هو المبدأ القائل بأن الشعب هو صاحب السيادة ومصدر الشرعية، وبالتالي فإن الحكومة مسؤولة أمام ممثلي المواطنين، وهي رهن إرادتهم.
فالمقصود في النهاية تحقيق: (حكم الشعب لصالح الشعب بواسطة الشعب).
فالنظام الديمقراطيّ إذن يشتمل على أركان:
الأول: أن يكون الحكم لصالح الشعب، بحيث ترجع ثرواته ومنافعه المادية والمعنوية إليه دون غيره، أو لطائفة معينة منه تستأثر بها، وهذا لا نزاع فيه.
الثاني: أن يكون الحكم التنفيذي وإدارة البلاد من أبناء الشعب وبناء على إشرافهم بطريقة أو أخرى، وهذا أيضًا لا نزاع فيه، إذ هو الضامن الأعظم لتنفيذ الأمر السابق.
والثالث: أن يكون إثبات الأحكام مستمدًا من الشعب. وهذا الأمر الذي ينبغي الوقوف عنده قليلاً. ولنضع تحت الشعب خطوطًا، فإنه قد يكون متآلفًا متَّبعًا لدين واحد، وقد لا يكون، وقد تكون أغلبيته تابعة لدين أو مبدأ وقد لا تكون هناك أغلبية مطلقة دائماً في الشعب المعين. وعلى ذلك فلنا أن نتصور أن الأحكام الصادرة عن الشعب في لحظة معينة، أو في فترة تاريخية معينة، قد تكون موافقة لدين أو مبدأ، وقد لا تكون، ولكن على كل الأحوال، لا بدّ أن تكون الأحكام المحكَّمة في الدولة الديمقراطية، ناشئة من الشعب نفسه. فإن كان الشعب كلُّه تابعًا للمبدأ الذي تستمد منه الأحكام، سواء كان ذلك المبدأ دينًا سماويًّا أو غيره، فلنا أن نتوقع أنه يختار الأحكام المنسوبة لذلك المبدأ. وكذلك لنا أن نتصور أيضًا هذه الحالة عند كون الأغلبية تابعة لمبدأ معين، مع تفاوت بين هذه الحالة والسابقة، في تمكين الأحكام، من حيث الاختيار الشعبي لها، والتصويت، فالحالة الأولى نتوقع فيها أن يكون التصويت أكثريًّا أو كليًّا، ولكنه في الحالة الثانية ستصبح الأغلبية أقل، والإلزام أضعف.
وأمَّا إذا كان التفاوت بين أطياف الشعب كبيرًا، فلنا أن نتوقع استبعاد اختيار الأحكام التابعة لمبدأ معين دون غيره، لأنه لا يوجد رجحان غالب لمبدأ على آخر بين الشعب، فسيكون التصويت والاختيار تابعا كذلك للنسب الواقعة بين الناس.
وسيقع أفراد ذلك الشعب عندئذ تحت غائلة الاضطرابات، لأن كل طائفة أو فئة ستحاول شدَّ الأحكام إلى مبدأها، ناشئة عنه، أو محترمة إياه على أقل تقدير، وعندئذ لن يملك الجميع إذا أرادوا السعي إلى الاستقرار في المجتمع، إلا أن يجيزوا جميع الأحكام، أو يلفقون الأحكام حسبما يرتأون من هنا ومن هناك بلا جامع ولا وحدة موضوعية ولا منشأ مطرد. وهذا يستلزم الاضطراب في المجتمع، في أغلب الأحوال، وقد يصلون إلى حالة يقتنعون فيها بضرورة لتخلي عن مميزاتهم وعدم إدخالها في إدارة البلاد والعباد، وهو الحالة البراغماتية المطلقة، وتمثل سقوط اعتبار المبادي، ومن بينها الأديان في الأمور العامة.
وبناء على هذه الاحتمالات لا بد من مناقشة الحالات الممكنة:
الحالة الأولى: حالة كون كل أفراد المجتمع تابعين لمبدأ معين، مريدين له، ولما ينشأ عنه من أحكام. وهذه الحالة تكاد تكون غير واقعة بالمرة في أي بلد من البلدان في العالم أجمع، لأنه ما من بلد إلا وتوجد فيه تيارات فكرية متلونة مختلفة بنسب متغيرة. ولن نقف كثيرا عند هذه الحالة، فإنها تكاد تكون غير واقعة. والمآل فيها واضح.
ولكن لا بدَّ من أن نشير إلى أنه في هذه الحال، لو فرضنا الشعب قاطبة اختار الدستور، والأحكام التابعة والناشئة للدين المعين الذي يتبعونه، وأجمعوا على ذلك، فلا بدَّ من ملاحظة أن هذا الإجماع على الحكم بالأحكام الناشئة عن هذا المبدأ أو الدين دون غيره، مشروط بدوامه، أي ما دام الإجماع قائما، فإن هذا التحكيم يدوم، ودوام الإجماع مشروط بدوام الحالة التي فرضناها، وما ثم ضامن لدوام تلك الحالة كما هي، بل إن قوانين الاجتماع والسياسات الدولية تستلزم عدم دوامها، خصوصًا مع التدخلات الأجنبية التي يهمها عدم بقاء الوضع مستقرا في بعض الدول.
الحالة الثانية: حالة وجود الأغلبية تابعة لمبدأ معين (وهذه الحالة حاصلة بالفعل في غير بلد من البلدان).
إن النتيجة التي لزمت في الحالة الأولى تلزم هنا، بفارق واحد، وهو أن درجة الإلزام والالتزام بالأحكام الناشئة عن ذاك المبدأ تكون هنا أخف وأضعف، وذلك عائد إلى أن أفراد الشعب غير مجمعين بالكلية على التحكيم المذكور، لوجود أقليات لا ترغب بهذا النوع من الأحكام، وسوف تناضل، كما يكفله لها الدستور الديمقراطي، لأجل أن تتيح مجالا لاعتبار الأحكام التي تريدها هي، إن لم تكن هي المحكمة، فلا أقل من أن تكون تلك الأحكام جائزة معتبرة في الدولة، من ناحية قانونية.
وسوف تنشأ في هذه الحالة إشكاليات كثيرة من حيث إن بعض الأحكام والقوانين التي تريدها الأقليات قد لا ترغب بها الأكثرية، وقد تراها متسببة في اضطراب النسق الاجتماعي الذي تخدمه أحكام الأغلبية، وهكذا قد ينشأ تضارب بين الأقليات والأكثرية الغالبة، مما يتسبب ذلك إلى زيادة عدم التناسق الاجتماعي.
وزيادة على ذلك، فلا ضامن من بقاء تلك الأغلبية أغلبية بالفعل، فبمجرد أن تضمحل أغلبيتها بظهور قوى أخرى مقاومة لها في المجتمع، وخصوصًا بعد أن يثبت عدم قدرتها على إدارة المجتمع بما فيه صلاح ومنفعة جميع أطيافه، سوف تسعى هذه القوى الناشئة إلى تغيير تلك الأحكام، وسيكون ذلك من حقها، بل قد يكون من حقها تغيير بعض المبادئ الدستورية أيضًا. وبذلك سوف يظل المجتمع في تضارب وتصارع حقيقي، إلا إذا تنازلت الأطراف عن المميزات والخصائص التي تعتقد أنها تتميز بها عن غيرها، وذلك كله في سبيل التوافق الاجتماعي القائم فقط في هذه الحالة على المنافع الدنيوية الآنية، وهو الأمر الوحيد المؤهل لأن يكون جامعًا للأطراف المختلفة.
ولكن بفرض هذه الحالة، وهي التنازل عن المميزات والخصائص للأديان والمبادئ، سوف تنهار النظم والمبادئ فعليًّا، وسوف تنشأ حركات فكرية بعضها يزعم عدم فائدة تلك المبادي، أو بطلانها، وبعضها يزعم أن من حقه إعادة تفسر المبادي والأديان بطريقة جديدة توافق العصر الذي نعيش فيه، وجميع هذه الصور تستلزم بالضرورة زوال المبادي عن حقائقها وظهور مبادئ أخرى، وتستلزم انحراف الأديان عن حقيقتها، وظهورها في صور جديدة لم يعرفها المتقدمون في الأصول وفي الفروع.
الحالة الثالثة: أن تكون التيارات والتوجهات الحاصلة في المجتمع متكافئة متقاربة في القوة، فلا توجد أغلبية مطلقة، دائمة، بل إن الأحوال متغيرة، لا تكاد تقف عند وضع.
إن الذي يحصل في الحالة السابقة مآلا، يحصل في هذه الحالة ابتداءً، فإن فرضنا عدم قدرة طرف من الأطراف على تحصيل الأغلبية التي تستطيع فرض أحكامها التي ترتئيه على المجتمع، بالأسلوب الديمقراطي، فإن جميع الأطراف سوف تلجأ إلى طريقة توافقية جدًّا، وهي التنازل مسبقا عن كثير من الأحكام التي هي من خصائصها، واعتماد نسق التلفيق، أو نسق لا يتميز بأي من مميزات دين معين أو مبدأ أيديولوجي معين، ونحن لا نتصور واقعًا لهذه الحالة إلا أن تكون المنافع الدنيوية هي الحاكم الأكبر في وضع الأحكام. وسوف يضطر الجميع إلى جعل خصائص الأديان ومميزاتها، التي بها تتميز ماهياتها، من الشؤون الخاصة المتعلقة بالأفراد أو بالجماعات بشرط عدم جواز مطالبة الآخرين بها، ولا إلزامهم بمقتضاها، ولو على سبيل النصح.
هذه هي الأحوال الممكنة واقعيا بناء على الأسس الديمقراطية، ونتائجها اللازمة فعليًّا بحسب اعتبار القوانين الاجتماعية.
ولذلك فإن الباحث الصادق يعرف تماما الإشكاليات التي سوف يواجهها من اتخاذ الديمقراطية طريقة ومنهاجًا ومبدأ لحكم الشعوب.
يتبع....
..
تعليق