تمهيد:
لما كنت في معرض القاهرة الأخير، التقيت في الأيام الأخيرة منه بالأستاذ عصام تليمة، عرفني به أخونا الفاضل الأستاذ باسل صدر، وكنت أعرف أن أ. عصام هو السكرتير السابق للشيخ القرضاوي، وما يزال الشيخ يعتمد عليه في بعض الأمور! وكنت التقيت به منذ سنتين أو أكثر لقاء عابرًا في عمان.
فلما التقينا في القاهرة، وسررت بلقائه، تحدثنا وقوفًا في بعض الأمور، منها اعتراضات ونزاعات حصلت بين الشيخ القرضاوي والشيخ أحمد الطيب وغيره من المشايخ الذين ما زالوا يتهمون بأنهم من أعمدة النظام السابق، وربما كانت التهمة الأساسية الحقيقة الموجهة عليهم هي أنهم غير مقتنعين كفاية بأسلوب وفكر الإخوان المسلمين، ومن يدور في فلكهم! وعرفت من أ. عصام أنه قام بالرد على د. الطيب في تلك الأمور، التي تدور حول الانتهازية المتهم بها، من طرف شيخه وغيره. فاستغربت ذلك كثيرًا، وقلت له مباشرة: وهل تظنُّ أنت أو يظن الشيخ القرضاوي أنه نفسه أبعد عن هذه التهمة من الدكتور الطيب والشيخ علي جمعة مثلاً! بل إنني أعتقد أن درجة التزلف والتقرب التي يمارسها القرضاوي للحكام العرب السابقين والمعاصرين أكثر بكثير من غيره، فمواقفه مع زين العابدين بن علي، وشهادته له بأنه رجل يحب الإسلام، ومشاركته إياه في الاحتفالات، وكذلك موافقته للقذافي وشهادته له في غير مرة، أمور معروفة معلومة، ولكنا نتفاجأ الآن أنه هو نفسه الذي يحكم على هؤلاء الحكام بالقتل والإخراج، والانتقام، ويباشر التحذير منهم. فهل تغير القرضاوي ومواقفه يقارن إذن بتغير مواقف د. الطيب قبل الثورة! وبعدها في مصر!
ثم قلت له: في نظري إن ما يَرِدُ على الشيخ القرضاوي أكثر بمرات مما قد يَـرِد على غيره من المشايخ. مع أن طريقتي مطلقًا هي عدم تنزيه أحد، ونقد الخطأ بالحسنى حيثما كان، ونحن نحسن الظنَّ بالجميع ونعتقد أن طريقة النقد الذاتي التي يجب أن نمارسها على أنفسنا قبل أن تتوجه علينا من غيرنا، هي التي يمكن أن تكون أسبابًا حقيقية لتفوقنا وجدارتنا بالمهام المطلوبة منا. ومهما كان النقد قاسيًا، فأعتقد أنه سيكون ذا جدوى أعظم وأحسن لأنه سيكون أصرح وأوضح. وندعو الله أن يوفق الجميع لما فيه الخير.
ولما أخبرني أ. عصام أنه نشر هذا الكتاب، قلت له إنني سوف أكتب عليه تعليقات ونقوداً، لأجل التقويم والتصحيح بحسب ما نعلم، وقد كان موقف أ. عصام جديرًا بالاحترام والتقدير فعلاً، إذ بادر بالقول إنه سيكون من أسعد الناس عندما يقرأ ما سأكتب، وسوف يستفيد منه بقدر المستطاع. فنحن نعتقد أنَّ عملية النقد إذا كانت مبنية على إرادة التصحيح لا التشويه والتشنيع، هي الأسلوب الأجدى للتقدم والتفوق.
لما كنت في معرض القاهرة الأخير، التقيت في الأيام الأخيرة منه بالأستاذ عصام تليمة، عرفني به أخونا الفاضل الأستاذ باسل صدر، وكنت أعرف أن أ. عصام هو السكرتير السابق للشيخ القرضاوي، وما يزال الشيخ يعتمد عليه في بعض الأمور! وكنت التقيت به منذ سنتين أو أكثر لقاء عابرًا في عمان.
فلما التقينا في القاهرة، وسررت بلقائه، تحدثنا وقوفًا في بعض الأمور، منها اعتراضات ونزاعات حصلت بين الشيخ القرضاوي والشيخ أحمد الطيب وغيره من المشايخ الذين ما زالوا يتهمون بأنهم من أعمدة النظام السابق، وربما كانت التهمة الأساسية الحقيقة الموجهة عليهم هي أنهم غير مقتنعين كفاية بأسلوب وفكر الإخوان المسلمين، ومن يدور في فلكهم! وعرفت من أ. عصام أنه قام بالرد على د. الطيب في تلك الأمور، التي تدور حول الانتهازية المتهم بها، من طرف شيخه وغيره. فاستغربت ذلك كثيرًا، وقلت له مباشرة: وهل تظنُّ أنت أو يظن الشيخ القرضاوي أنه نفسه أبعد عن هذه التهمة من الدكتور الطيب والشيخ علي جمعة مثلاً! بل إنني أعتقد أن درجة التزلف والتقرب التي يمارسها القرضاوي للحكام العرب السابقين والمعاصرين أكثر بكثير من غيره، فمواقفه مع زين العابدين بن علي، وشهادته له بأنه رجل يحب الإسلام، ومشاركته إياه في الاحتفالات، وكذلك موافقته للقذافي وشهادته له في غير مرة، أمور معروفة معلومة، ولكنا نتفاجأ الآن أنه هو نفسه الذي يحكم على هؤلاء الحكام بالقتل والإخراج، والانتقام، ويباشر التحذير منهم. فهل تغير القرضاوي ومواقفه يقارن إذن بتغير مواقف د. الطيب قبل الثورة! وبعدها في مصر!
ثم قلت له: في نظري إن ما يَرِدُ على الشيخ القرضاوي أكثر بمرات مما قد يَـرِد على غيره من المشايخ. مع أن طريقتي مطلقًا هي عدم تنزيه أحد، ونقد الخطأ بالحسنى حيثما كان، ونحن نحسن الظنَّ بالجميع ونعتقد أن طريقة النقد الذاتي التي يجب أن نمارسها على أنفسنا قبل أن تتوجه علينا من غيرنا، هي التي يمكن أن تكون أسبابًا حقيقية لتفوقنا وجدارتنا بالمهام المطلوبة منا. ومهما كان النقد قاسيًا، فأعتقد أنه سيكون ذا جدوى أعظم وأحسن لأنه سيكون أصرح وأوضح. وندعو الله أن يوفق الجميع لما فيه الخير.
ولما أخبرني أ. عصام أنه نشر هذا الكتاب، قلت له إنني سوف أكتب عليه تعليقات ونقوداً، لأجل التقويم والتصحيح بحسب ما نعلم، وقد كان موقف أ. عصام جديرًا بالاحترام والتقدير فعلاً، إذ بادر بالقول إنه سيكون من أسعد الناس عندما يقرأ ما سأكتب، وسوف يستفيد منه بقدر المستطاع. فنحن نعتقد أنَّ عملية النقد إذا كانت مبنية على إرادة التصحيح لا التشويه والتشنيع، هي الأسلوب الأجدى للتقدم والتفوق.
بداية النقد على الكتاب المذكور:
وهي ملاحظات على الفصل الأول منه فقط
لما فاز د. محمد مرسي برئاسة مصر، صار كثير من المعارضين لحزبه يظهرون تخوفهم من الإسلاميين، ورأى المؤلف أن في تخوفاتهم نفورًا من الإسلام بناء على عدم فهم لحقيقة الحال لما اعتور هذا الأمر من خلط، فأراد أن يبين الحق كما يراه، ويزيل تخوفاتهم.
وسوف نعلق بعض التعليقات على مواضع من كتابه بصورة مختصرة:
أولا: يعلن في ص18 أن الدولة التي يريدها الإسلام هي دولة مدنية بمرجعية إسلامية، فيقول: (وبداية نقول أن الدولة التي يريدها الإسلام، هي دولة مدنية شورية عادلة ذات مرجعية إسلامية، وليست دولة دينية تستبد بالناس، أو يحكمها رجال دين باسم الله أو باسم الحكم الإلهي، والإسلام بداية ضد الدولة الدينية ولا يقرها بحال من الأحوال).
وعلى كلامه إشكالات:
-الدولة الدينية يدخل في مفهومها عند الغرب الدولة التي يرجع فيها إلى أحكامٍ يُزعم أنها من عند الإله، أو تشريعات ليست مستمدة من الشعب وليست ناشئة بطريق تطوري مدني ظاهر. وبناء على ذلك فإن الدولة التي يريدها الإسلام على حدِّ قول المؤلف هي دولة دينية في نظر الغربيين، ولذلك فلو نظرت في كلام الغربيين ممن تكلم على مفهوم الدولة الدينية، لرأيته يدخل فيها السعودية لأنها تدعي أنها تحكم بما أنزل الله تعالى من الأحكام، وإن لم تكن تقول إن حق الحكم فيها حق إلهي، أي لا يقول الحكام فيها إنهم حكموا لأنَّ الله تعالى عينهم على الناس، ونصَّ على أسمائهم. وكذلك الدولة الإيرانية دولة دينية في نظر الغرب للسبب نفسه، وإن لم يوجد فيها الآن أحد يزعم أنه يتلقى عن الله تعالى، ولكنهم يقولون إنهم يحكمون نيابة عن الإمام المعصوم الذي عندما طال اختفاؤه وتأخر ظهوره اضطروا إلى اختراع هذه النيابة التي تؤهلهم لقيادة الأمور في إيران بدلاً من تركها في أيدي الآخرين.
فنرى أنه لا ينجي الإسلاميين أن يقولوا إن الذي يريدونه هو دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية؛ لأن تقييد الدولة بالمرجعية المذكورة هي بالذات التي تُدخل دولتهم التي ينادون بها في مفهوم الدولة الدينية في نظر الغربيين.
-ولذلك نرى أن المؤلف ومعه في ذلك كثيرون يخطئون عندما يزعمون أن إصرارهم على أن الشعب هو الذي يدير مؤسساته كاف لإبعاد تهمة الدولة الدينية عما ينادون إليه . بل إصرارهم على القول بأن مرجعيته في الأحكام إسلامية هو عين القول بالدولة الدينية لو كانوا يفهمون.
ولذلك فإن ما أتى به في ص19 وما بعدها من محاولات التفريق بين الدولة الدينية والمدنية، لا يكفيه في المحاججة التي يقصد إليها.
-وفي كلامه خطورة من بعض الجهات، مثلاً ما قرره من أن الإسلاميين أي الإخوان المسلمين خصوصًا لا يريدون دولة تحكم باسم الحكم الإلهي، فما الحكم الإلهي المقصود هنا؟ إن كان عين الأحكام الشرعية، فأنتم تقولون إن مرجعية الدولة المدنية هي إسلامية، أي إن الأحكام التي تنادون بها هي إسلامية، والأحكام التي يقررها الإسلام كما نعلم راجعة إلى الحكم الإلهي، لا إلى حكم الشعب على نفسه بما يختاره. إذن نحن نرى في كلامه تناقضًا غير خفيّ، ينجر إليه كما انجر إليه غيره من المشايخ الذين تكلموا في هذا الباب.
-عندما يقول إن الدولة التي يريدها (الإسلام) هي دولة مدنية عادلة ذات مرجعية إسلامية، ويعتقد أنه بذلك يروج مشروعه إلى الآخرين، يخطئ كثيرًا؛ لأن النزاع هنا إنما جاء على مفهوم العدل، وهل الأحكام الإسلامية تحقق العدل بين البشر! هنا وقع النزاع، ولو كان الآخرون يسلمون بذلك أو يعتقدونه صحيحًا حقيقة لا بالألفاظ فقط، لما رأينا كثيرًا من التنازعات. فهم يزعمون أن العدل لا يتحقق بالضرورة بالأحكام المستمدة من الإسلام، بل توجد أحكام في غير الإسلام بها تتحقق العدالة بين البشر. وبالتالي فكلامه هنا يمثل مصادرة على المطلوب.
-وما أعجب ما استدل به من قوله تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله) وقول رسول الله عليه السلام لعدي بن حاتم : (ألم يكونوا يحلون الحرام ويحرمون الحلال، قال نعم. قال: فذاك عبادتهم). أقول: احتج بذلك على أن الإسلام ضد الدولة الدينية. ولا أرى وجه الاستدلال! فلو كان الأمر المنبوذ في مفهوم الدولة الدينية دعوى الرهبان أن تلك الأحكام من عند الله وهي في نفس الأمر من عنده، لهان الأمر، أي لو فرضناهم يقررون أحكام الله إذن لما اعتبروا في ضمن الدولة الدينية! هذا فهم عجيب....ونعيد الكلام لنبين المرام: إن المخالفين للدولة الدينية عمومًا سواء كان دينًا صحيحًا أو مخترَعًا باطلا- هو عين الرجوع إلى الدين، وليس في الرجوع إلى دين محرف أو باطل أو مخترع. فكل رجوع إلى دينٍ في استنباط الأحكام التي تحكم بها الدولة المدنية، يُـدخل تلك الدولة بالضرورة في مفهوم الدولة الدينية.
وبذلك فإن الحديث الشريف يكون حجة على المؤلف وأنصاره ومن يتكلم باسمهم أمام المخالفين، فإن أولئك يقولون لهم: أليس أنكم تحكمون بما تقولون إنه من عند الله؟ فيقول هؤلاء: نعم، فيقولون لهم: تلك إذن الدولة الدينية التي نرفضها.
ونشير إلى سوء فهم المؤلف للحديث ودلالته، فإن الرسول عليه السلام ذمَّ النصارى لأنهم اتبعوا أحبارهم في الأحكام التي يحكمونهم بها، وهم يعلمون أنهم يستحدثون تلك الأحكام من عند أنفسهم، بغض النظر عن كونهم يعتقدون أنهم يتكلمون باسم الله أو لا، يعني لو جاء واحد وقال للناس: أنا أستحدث لكم أحكامًا، ولا أتلقاها من عند الله، ولا أنسبها إليه، وأدعوكم إلى الاحتكام إليها وترك ما جاء من عند الله، ألا يدخل هذا تحت ذم رسول الله عليه السلام في هذا الحديث الشريف!
فرسول الله عليه الصلاة والسلام إذن يريد دلالة البشر إلى أن الحكم ينبغي أن يكون من عند الله فقط، لا من عند غيره، سواء ادعى هذا الغير أنه يتكلم باسم الله أو لم يدع ذلك. هذا هو المفهوم من الحديث.
-قول المؤلف بعد ذلك ص18 : (لأن طبيعة الإسلام ليست طبيعة كهنوتية، بل هي طبيعة تفرِّق بين ما هو ديني بحت وما هو بشري بحت، وتجعل ما هو ديني بحت مردّه ومرجعه إلى الله ورسوله، وليس إلى البشر، ولا تسمح بتسلط البشر على البشر... وأمَّا ما هو خاص بالحياة وليس له علاقة دينية فقد ترك لهم حرية التعامل فيه)- هو قول مختلط في أشد حالات الخلط! فحكم الباباوات في أوروبا لم يكن يقرر على الناس أن كل ما يفعلونه هو من أمور الدين، ولم يكن يقول لهم إنَّ كل الأفعال التي تقومون بها يجب أن تصدر أحكامها من عندنا! بل غاية ما كان يقرره الباباوات أن هناك أمورا معينة يجب أن يرجعوا فيها إلى أحكامهم التي يصدرونها، سواء كانت هذه الأفعال دينية محضة، أو بعضها ديني وبعضها دنيوي ظاهرًا. فكانوا يتحكمون في الناس في بعض أمور حياتهم التي يمارسونها باسم الإله أحيانًا. وهذه النقطة لا نريد الوقوف عندها، لأنها تمثل سوء فهم من المؤلف وغيره لطبيعة الحكم في القرون الوسطى. ولكن الذي نود التركيز عليه هو ما زعمه من أن الإسلام قسم الأمور إلى قسمين: أمور دينية بحتة، وأمور خاصة بالحياة وليس لها علاقة دينية. فيزعم أن القم الأول هو الذي يجب الاحتكام فيه إلى حكم الله، وأما الثاني فلا...! هكذا بكل بساطة فك العقدة وحل الإشكالية.
وحقيقة الأمر التي يعرفها الناس أنَّ الإسلام وضع أحكامًا في أمور تعبدية خالصة، وهذه لا مدخلية فيها إلا لحكم الله وللمستنبَط منه. ووضع أحكام في أمور دنيوية كالبيوع والشراء والتعاملات وبعض العقود، قـرَّر فيها أنها وإن كانت أمورًا دنيوية، ولا يقصد بها التعبد أصالة إلا أن البشر يجب أن يحتكموا فيها إلى أحكام الشريعة الإسلامية، أي إلى الدين. فلم يتركها تركًا محضًا للناس كيفما يريدون. وهناك قسم آخر من الأفعال الدنيوية التي لم يضع لها أحكامًا ولم يتدخل فيها الشرع، بل ترك تقدير التعامل فيها للبشر على سبيل الإباحة، وذلك كالمثال الذي ذكره من تأبير النخل ونحوه. وهذه الأقسام الثلاثة معلومة مقطوع بها عند الدارسين للشريعة الإسلامية. فكيف يصح للمؤلف أن يقول إن الإسلام لم يحكم إلا في الديني البحت. ونحن نرى أنه حكم في بعض الأمور الدنيوية وقيد العمل فيها بشروط وأركان!
أظنّ هذه النقطة تسرَّع فيها المؤلف، كسابق النقاط، ولكن تأسيس الأمور بهذا النحو التسرعيّ يدل على ما وراءه عندنا، أعني أنه يدل على أن هؤلاء المتسارعين إلى التقاط الحكم بالدولة المدنية يريدون بكل طريقة ممكنة وغير ممكنة صباغة الإسلام بالصورة المرغوب فيها في الوقت المعاصر. خالفت الشريعة أو لم تخالفها، وافقت الأدلة القوية أو تمسكوا في محاولاتهم هذه بأدلة باطلة أو ضعيفة وبآراء شاذة لا يلتفت إليها عند أهل العلم والتحقيق.
فذكر في ص20-21 من الفروق أن الدولة الدينية يوجد فيها رجال دين يحكمون الناسَ ويعادون من يقف في سبيل مصالحهم، وقال إنه لا وجود لرجال دين في الإسلام! والفرق بين الناس بالتقوى! ونفى أفضلية علماء الإسلام على غيرهم من الناس!
ولكن قد يقال له: إن ما كان الغرب يسميه برجال الدين أنتم تسمونهم بالعلماء، والمعتقدين بالدين الذين يحاولون تحكيمه بالناس، وتنفيذ أحكامه فيهم، فلا فرق! وتلك المصالح التي كان يستفيد منها رجال الدين أنتم وعلماء الإسلام تستفيدونها، والفارق أنكم تزعمون أن أحكام الإسلام من عند الله وأن أحكام رجال الدين ليست من عند الله، ولكن يشترك حكمكم وحكمهم في أنها ليست أحكامًا للشعب، وليست ناشئة عن الإرادة العامة، ولذلك فلا فرق عندنا بينكم وبينهم، ولا اعتبار لدعواكم أن أحكامهم محرفة مكذوبة وأحكامكم صحيحة النسبة لله، فإنما أصل الخلاف في عين هذه الأحكام. ومما يؤكد دعوانا: أنكم تصرحون أن الفارق بين الناس إنما هو في لتقوى، والتقوى تعتبر في مقدار اتباع أوامر الله واجتناب نواهيه، إذن رجعتم للمفاضلة بين الناس على أساس الدين، وهذا هو أصل منطق رجال الدين المسيحيين!
وأمَّا قولكم أنه لا أفضلية لعلماء الإسلام على غيرهم ، فهذا غير مسلَّم أبداً، لأن للعلماء مكانة خاصة ليست لغيرهم، ونعم هم ليسوا معصومين، ويخطئون، ولكن أقوالهم تعبر بصورة أو أخرى عن أحكام الإله وبياناته للبشر، فكيف تقولون إنه لا ميزة لهم؟!
فثبت إذن أن الدولة المدنية التي مرجعيتها إسلامية كما يقول الإخوان وغيرهم، ما هي إلا دولة دينية يحاولون تجميل صورتها بدعوى أنها مدنية، ولكن في عين قولهم بمرجعية الأحكام للإسلام والشريعة، يعلنون عن حقيقتها بأنها دولة دينية بحسب التعريفات الغربية.
وذكر في ص 21 أنَّ رجال الدين كانوا يدعون العصمة، ولا عصمة لعلماء الدين.
وهذا الكلام لا يكفي لإقناع المخالفين. فلهم أن يقولوا: هذا فارق واهٍ، فإنه ليس كل الباباوات يزعمون العصمة، وليست العصمة هي الفصل المعين لماهية الدولة الدينية، فقد بينا لكم أن ما يحدد الدولة الدينية أن تكون الأحكام غير نابعة من الشعب صدورًا طبيعيًّا تدريـجيًّا، وبناء على الاختيار الشعبي العام، وتتغير الأحكام بحسب تغير الإرادة الشعبية. فإن انضم لذلك دعوى العصمة من ولي أو نبي أو مجموعة إكليروس، فهذا يزيد من المصيبة في نظر العلمانيين والمخالفين لهذا الطرح. ولكن مجرد الأخذ بالأحكام الشرعية دون مراعاة ما بيناه كافٍ في نبذ ما يقترحونه لماهية الدولة.
تعليق