وجهة نظر عند اختلاط الفِكَر
في
أسس تدبير أمور البشر
في
أسس تدبير أمور البشر
الأنظمة العربية القائمة، لم يتم التعاقد بينها وبين أبناء الشعب على أساس الدين الإسلامي، يعني بعبارة أخرى، لم تتم البيعة والتعاقد مع رئيس الدولة على أساس القيام بأمر الإسلام وإعلاء كلمته، بل قامت تلك الأنظمة على تعاقد على أسس وقواعد ملفقة من بعض الأمور التي لا تخالف الشريعة، ومن بعض المفاهيم الفلسفية الغربية، تحت صورة الدساتير المعروفة، ولكن الأسس الكلية لا تلزم الدولة ولا مؤسساتها برعاية أمور الإسلام كما كان يرعاه الخلفاء وأئمة المسلمين في القرون الماضية.
إذن بيعة الزعماء والرؤساء، لما لم تكن قائمة على نصرة الدين، ومشروطة بأحكام الدين، بل هي مشروطة في كل أحوالها في مختلف البلاد بدساتير منتقاة من هنا وهناك، لم يجز أن يعتبر القائم على أمور الدولة (سواء كان رئيسًا أو ملكًا أو أميرًا...) وليًّا لأمور المسلمين، أو أميرًا للمؤمنين، أو إمامًا على حدِّ تعبير بعضهم، بل هو ولي أمر المواطنين الذين انتخبوه أو عينوه أو رضوا بحكمه على هذا النحو، وبالتالي فمنشأ الولاية لما لم تكن هي الدين والأحكام الشرعية صراحة، لم يجز اشتقاق اسم ولي أمر المسلمين (على سبيل الخصوص) لهؤلاء.
وإذا كان الأمر كذلك، فلا يصح إعطاؤهم أحكام أولياء الأمور، ولا إجراء أحكام الإمام عليهم، لأن الإمام وأولياء الأمور في الإسلام مخصوص بما بيناه. نعم لهم ما يوجبه التعاقد الخاص الذي هو الدستور أو الشروط المسبقة التي رضي بها، وتم انتخابه أو التسليم له بناء عليها، فالمسلمون كما الناس كلهم ملزمون بما تعاهدوا عليه.
وإذا تمَّ الفصل بين حكم الإمام كما نعرفه في كتب الفقه، وكذا ولي الأمر إذا أطلق، وبين القائمين الآن، فمن الضحالة الفقهية والفكرية أن يتم إلصاق أحكام الإمامة بالقائمين على الدول والبلاد الآن.
وهذا لا يفهم منه أنه يجوز تخريب البلاد والعباد لمجرد أن القائمين عليها ليسوا أئمة ولا أولياء أمر المسلمين بالمفهوم السابق، لأن المسلمين يجب عليهم الالتزام بالمصالح والمعاهدات والتعاقدات، فإن كان القيام على القائمين الآن يؤدي إلى مفاسد أعظم من بقائهم عليها، فالأصل ترجيح المصالح على المفاسد، كما هو معلوم، وهذا ليس من باب أحكام الإمامة ولا ولاية أمور المسلمين بالمعنى الشرعي المعتبر في كتب الفقه.
وبناء على ذلك، فإن الاحتجاج بعدم جواز القيام على الحاكم لمجرد أنه ولي أمر المسلمين، هو احتجاج باطل من أصله. نعم، لو قيل إن القيام عليه يؤدي إلى مفسدة أعظم من بقائه لساغ.
وإن الاحتجاج بوجوب طاعة الرئيس المنتخب بحجة أنه لكونه في شخصه مسلماً، صار إمامًا للمسلمين، أو وليًّا لأمر المسلمين، وبالتالي تطبق عليه الأحكام التي تنطبق على أولياء أمور المسلمين الذين يقومون عليهم بأحكام الإسلام، هذا كله احتجاج باطل لا أساس له، وخلط في الفقه، وعدم إدراك للواقع. ويمثل نوعًا من السخافة والسذاجة في إدراك الواقع.
إن بعض الرؤساء الذين انتخبوا بناء على أساس الدولة المدنية ، بالمفهوم المعاصر للدولة المدنية، وهو أنها دولة علمانية، لا يصح شرعًا أن يعتبر أنه ولي لأمر المسلمين، بل هو ولي لأمر المواطنين بمقتضى التعاقد المدني الذي اختير بناء عليه، وفرق بين الأمرين، كم لا يخفى على النبيه.
وبناء على ذلك، فلا يصح أن يقال أنه لا يصح الانقلاب عليه، ولا يصح عزله، ويجب له على الناس السمع والطاعة، لأنه إمام! فهو ليس إمامًا، بل هو رئيس دولة مدنية، اعترض عليه بعض المواطنين وتمكنوا بما لهم من قوة ومكر ودهاء، وترتيبات خاصة داخلية وخارجية أن يعزلوه، وتمكنوا قبلُ- من تعطيل كثير من أعماله، أي لم يطيعوه في كثير من أمره، وتمكنوا من تعطيل ترتيباته وإدارته للدولة فعليًّا، وهذا نوع من أنواع العصيان المدني، الذي يؤسس في فكر الديمقراطية المعاصرة لإزاحته فعليًّا بعد ذلك.
فإن، تمَّ ذلك، فلا يصح في نظري أن يقال إن إمام المسلمين قد تمّ عزله، وأنه يجب على الأمة العمل على إعادته، لأنه ظلم، والله تعالى حرم الظلم على نفسه وجعله محرما بيننا.
نعم نحن نقول إن الله حرم الظلم، وجعله بيننا محرما، ولكن هل ظلم رئيس بهذه الطريقة يكفي للتهديد بإشعال حرب شعبية بين الناس، خصوصًا أن الدولة القائمة ليست في الواقع دولة إسلامية، بل هي دولة علمانية مدنية، وإن كان رئيسها مسلمًا.
ثم، لنا أن نتساءل، هل إذا لم يتمكن في عرف الدول المدنية- رئيس الدولة من تطبيق سلطانه ونفوذه على الأرض، بحيث إذا بقي اختل أمر العباد والبلاد، فهل يجيز الفكر المدني الحديث إبقاءه رئيسًا مع ما هو ظاهر من المفاسد المترتبة على بقائه! نعم نحن نعلم أن عدم طاعته وعدم التزام مؤسسات الشعب ترتيباته وإدارته إنما هو نتيجة ما يسمى بالمؤامرة الداخلية والخارجية، بل هو كذلك فعلاً، ونعلم أن نزول الشعب إلى الشارع يمكن ترتيبه فعلاً بالقصد والتنظيم، ونعلم أن بعض الدول العربية التي سارعت بالمباركة على إزالته، إنما فعلت ذلك لأن له هوى آخر غير هواه، وترتيبات أخرى غير ترتيباته، ونعلم أن الرجل في نفسه شريف، ونعلم ونعلم...إلخ، ولكن ألا نعلم أيضًا أن ذلك كله هو جوهر اللعب الديمقراطي، والسياسة الحديثة، هي ترتيبات داخلية وخارجية، ولا أحد من الأطراف بمنزه عن ذلك، ونعلم أيضا أن كثيرًا من الناس لم يعودوا يرغبون ببقائه، لأسباب مختلفة، ولكن أليس هذا هو أصول اللعب السياسي في الدولة الحديثة.
ألم يكن إزالة مبارك من أصله، وإزالة القذافي، قد تدخلت فيها أياد داخلية بالترتيب مع أياد خارجية أيضًا؟! بعد علمهم هؤلاء بأن هذه الأنظمة البالية قد استهلكت وظهر عوارها للحاضر والباد، وأنها صارت حجر عثرة في وجه المشاريع الليبرالية الغربية الجديدة بجمودها وقصور إمكاناتها، فكان لا بد من العمل على تغيير هذه الوجوه والإتيان بوجوه جديدة، بصورة تحظى بالشرعية الشعبية، ولو في ظاهر الأمر.
وللأسف فقد قامت كثير من الجماعات التي تمثل الإسلام السياسي كما يقولون بمباركتها والإعلان عن أنها ثورة شعبية خالصة، وبرأوها من التدخلات الأجنبية، وحاولوا أن يلبسوا دولتهم لبوس الدولة الإسلامية، أو ما هو قريب منها، وصدقوا كذبتهم هذه، وها هم يُلزمون بمقتضاها الآن، بل إن بقاء كثير من النظم الحاكمة اليوم في العالم العربي إنما هو من هذا الباب أيضًا، مع ما نعلمه جميعًا من عدم التزامها بأحكام الإسلام، ولا قيادتها للمسلمين، ومع ما نعلمه جميعًا أيضًا من أنها لا تقول عن نفسها إنها تلي أمر المسلمين، بل إنها ما زالت تطلق على نفسها إنها تلي أمر المواطنين، ولا تخدم راية الإسلام على سبيل الخصوص، ولم تتم البيعة أصلاً على أساس الالتزام بالإسلام وخدمة الناس بأحكامه وقوانينه، بل إنهم يعلنون منذ جاؤوا إنهم يلتزمون بدساتير معينة، وهذه الدساتير ليست هي الإسلام في جوهرها، نعم تتفق معه وتختلف، لا نقاش في ذلك. فهي دساتير هجينة مخلوطة.
أرجو ألا يفهم بعض السذج الآن من كلامي أنني مع العلمانيين، أو أنني مؤيد لعملية العزل التي حصلت، وبالطريقة التي حصلت، وإن كنت أعتقد صادقًا أن د. محمد مرسي لا يصلح زعيمًا لمصر بالنظر لشخصيته وطريقته في إدارة الأمور، وأرجو ألا يسارع بعض المتحمسة والغوغاء إلى القول إنك تعطي العلمانيين والمعارضين مسوغات، فهذا كله غير صحيح. ولكنني فيما أقول حريص جدًّا على عدم السماح بالخلط المتعمد أو المبني على الجهل والقصور الشائعين بين كثير من الناس في هذا الزمان بين المفاهيم الإسلامية، والأحكام الشرعية الخالصة لمناط معين، والقيام بكل تسرع بتنزيلها على مناط آخر. فهذا الخلط هو الذي يمهد من حيث علموا أو لم يعلموا لهدم الشريعة في نفوس الأفراد بعدما هدمت من حقيقة الدول.
ومن الأمور السخيفة والتناقضات العجيبة التي وقعت عيني عليها، والتي لم أكن لأعلق عليها لولا أنها صدرت عن هيئات وروابط ومجالس عُلمائية!! في شرق البلاد وطولها، أن بعض من تلا بيانات زعم إنها تعبر عن حكم الشريعة! أنه بدأ كلامه بأن مذهب أهل السنة والجماعة أنه لا يجوز القيام على حاكم مسلم أو نقض مدة ولايته أو بيعته إلا إذا بدا منه كفر بواح! وقد نسي هؤلاء وغيرهم أنهم أفتوا بوجوب الخروج على حكام قبل هذا الحاكم، من دون أن يقوموا بتكفيرهم، ومن دون أن يصدر عنهم كفر بواح، بل اكتفوا بإيجاب الخروج عليهم لمجرد انتشار ظلمهم، وعدم رغبة الشعب بإبقائهم رؤساء عليهم، أو لعدم قدرتهم على إدارة البلاد لما تقتضيه مصلحة العباد والمواطنين.
فإذا كان الأمر كذلك، فلم وقع هذا التناقض الآن، وتم إطلاق الحكم الشرعي عند هؤلاء وحصره تجويز الخروج إذا صدر كفر بواح فقط، والحال أنه لم يصدر عن بعض من قبلهم، على أقل تقدير، ولم يقل أحد فيها أعلم أن الخروج على من قبله كان لأنه كافر بالله تعالى! بل كان الاحتجاج على القيام والخروج على من قبله للأمور السابقة التي ذكرناها.
فهذا التناقض هو صورة من الصور الكثيرة التي يقع المتسمون بالعلماء الأعلام والهيئات والمراكز والروابط فيها في هذا الزمان، ولذلك اضمحلت هيبتهم في نفوس الناس، وصار بإمكان مذيع عادي على قناة من القنوات، لا يوجد له ثقافة دينية، ولا علم شرعي قويم، ولا حتى دراية بقراءة اللغة العربية قراءة صحيحة فضلا عن آيات الكتاب العزيز! أقول صار بإمكان هؤلاء أن يقوموا بتفنيد فتاوى هؤلاء الأعلام وتنبيههم إلى تناقضاتهم وأخطائهم وفضائحهم العلمية!
وما كانت لأعلق على هذه الأمور إلا لأنني أرى أنَّ لها مساسًا بذات الشريعة، ولا أهتم إن استفاد منها فريق دون فريق، أو على فريق، فهمِّي الأول نصرة الشريعة، والإعلان بكل قوة أنه إن كانت المعركة التي يقودها بعض الناس سياسية فليبقها كذلك سياسية، ولا يلبسها لبوسًا آخر. حتى وإن كان يعلم أن الطرف الآخر يعادي الدين في نفسه، ولكنه لم يقاتله لمعاداته الدين، بل للسياسيات المعينة، فإن كان النزاع المعلن لأجل بعض السياسات، فلا داعي لخلطها بغيرها، وإلا فليتم الإعلان عن حقيقة الأمر ولنعدَّ للأمر عدته، فهي تحتاج لهمم رجال كالجبال، لا أظن أغلب هؤلاء الخائضين بأهل لها.
تعليق