[ALIGN=CENTER]المشكلات الميتافيزيقية الكبرى[/ALIGN]
[ALIGN=JUSTIFY]هذا الكتاب من تأليف فرانسوا غريغوار، وموضوعه ملخص في عنوانه:
صار كثير من الباحثين يميلون إلى الفلسفة ليست علماً ولا خادمة للعلوم ولا اللاهوت (الألهيات) وليست مجرد تسلية ذهنية بل هي استعداد وميل شخصي، فلا يمكن إذن اثباتها أو نقلها عن طريق التعليم، وهي شبيهة بالشعور الفني.
والفيلسوف صار ينظر إليه على أنه «ذلك الذي يستبد به ميل أساسي شديد إلى الوحدة والتركيب والتعميم، ويتحكم به طموح إلى نظرة في شتى مظاهر الكون متجانسة وموحدة وخاصة إلى ترابط كلي بين هذه النظرة وقاعدة سلوك ناجمة عنها» . ص9.
وكثير من التعريفات المعاصرة للفيلسوف والفلسفة تلتقي عند هذا المعنى.
ولا ريب أن أغلب الناس يميلون إلى أن يكون لهم نمط كلي في حياتهم ينطلقون منه، ويحاولون أن يصوروا أفعالهم كأنها منطلقة ومنبعثة من مبدأ كلي لهم، وإن لم يكن الأمر كذلك في نفسه.
وكل فلسفة لا بد أن تسير في ثلاث خطوات لكي تكتمل.
الأولى: النظر في عالم الأشياء، ومنها العلوم الجزيئية لمحاولة بناء نظرة كلية لها بناءً على فهم معين لها. ومنهم من يرى أن الفلسفة يجب أن تقتصر على هذا المستوى ولا تتخطاه.
الثانية: النظرة إلى ما وراء المادة، وهذه نظرة متقدمة، ولا ريب أن من يريد أن يبني نظرته هذه على مجرد اكتشافات العلوم فسيجد متاعب ومشاق عميقة، لأنه ومع كثرة وعمق التطور الذي حصل على العلوم الجزيئية إلا أن العارف لها يعلم أنها لا تزال بعيدة عن أن نقدم تصوراً تاماً عن الكون. والميتافيزيقيا هي ما يسمى بالفلسفة العامة.
وما زال الخلاف دائراً هل الفلسفة العامة فوق العلم أو بجانبه أو تحته.
وربما يكون اندفاع الإنسان للبحث في الفلسفة العامة نتيجة لشعوره بالافتقار والاحتياج إلى تعيينات كلية أعم وأقوى من نتائج العلوم الجزئية.
الثالثة: الأخلاق، وتشتمل على وضع نظام عملي بناء على النظرة العامة. وكثير من الفلاسفة لا يرضون بفكرة الأخلاق المستنبطة أو المخترعة، لأنهم يعتقدون بأن الأخلاق موجودة سابقاً وليست من اختراع الفلاسفة، والفيلسوف الأخلاقي ليست وظيفته أن يخترع الأخلاق بل أن يعبر عنها ويصنفها بوضوح.
وهل يمكن للإنسان فعلاً أن يسير في حياته وأخلاقه منبعثاً من نظرته الكلية التي حصلها في الفلسفة العامة أم إن تصرفاته الجزيئية نتيجة لميول خفية موجودة مسبقة؟
وخلاصة المواقف الأخلاقية ثلاثة:
1- أن يكون الإنسان آلة عمياء في الكون.
2- أن يفرض الإنسان نظاماً رقمياً على هذا العالم الذي لا هدف ولا غاية له.
3- توجد في الكون غاية خفية يسير الإنسان فيها ويشارك غيره فيها حتى ربما دون علمه.
هذه هي الاحتمالات الثلاثة التي ذكرها المؤلف، وربما فإنه أن يقول إن هناك احتمالاً وهو أن يكون في الكون جانبان الأول تكويني محض، ولا يخضع سيره لإرادة الإنسان، ولا الإنسان من حيث هو فاعل خاضعاً له بشكل تام، والجانب الثاني جانب الإنسان الذي يتميز به بالإرادة، والمطلوب من الإنسان أن يكون متوافقاً مع السير الكلي لهذا العالم الذي يسير حقيقته تبعاً ل إرادة الله تعالى وهو الفاعل المختار. فيكون الحاصل أن على الإنسان أن يجعل أفعاله وأهدافه متناغمة مع ما يطلبه الخالق المختار.
ويعبر وليم جمس عن الميتافيزيقيا بقوله: «ليست الميتافيزيقيا سوى مسعى بالغ التصلب والعناد للتفكير بصورة واضحة ومتماسكة» (Text book of Psychology)
وهذا وصف راجع إلى أن الميتافيزيقيا تفترض حصول التفكير والتصرف بناء على الفلسفة العامة والقوانين الكلية للعالم. ولكن أي إنسان يدعى أنه توجد قوانين لا بد منها للعالم يسير عليها ولا يمكن تخلفها، يكون مغالطاً، وقائلاً بلا دليل، فحتى مسألة شروق الشمس غداً، لا يمكن لأحد أن يجزم بها على أساس ميتافيزيقي مطلق، لأن هذا يجب أن ينبني على الاعتقاد بأن العالم له حتمية القوانين التي لا تتخلف، وهذا الادعاء محل نظر كما لا يخفى.
غاية ما يمكن قوله أن التأمل الميتافيزيقي يسعى إلى تحديد المكتسب العلمي الآتي تحديداً محتمل التصديق، مدفوعاً بضرورة تبني قاعدة سلوك رشيدة. هذا ما قاله المؤلف ص 10 ولكن لا نسلم هذا القول على إطلاقه، لأن النظر الكلي يمكن أن يكون له مصداق حقيقي، بمعنى أننا يمكننا الوصول إلى بعض القوانين الكلية لهذا العالم، وللوجود، ويمكن أن نقطع بها، بحيث نجزم أنه يستحيل خلانها. وليس التفكير الكلي الذي نود ههنا تسميته بالتفكير الكلامي معتمداً فقط على المكتسب العلمي والتجريبي الآتي، لا بل هو أعم من ذلك، ويمكن أن يكون قاعدة عامة للتفكير العلمي، بل هذا هو ما يجب أن يكون، غاية الأمر أن كثيراً من الفلاسفة الذين حاولوا الوصول إلى هذا القدر أخطأوا، مما سبب ذلك تولد ردة فعل عند الآخرين أنهم سوف يخطئون إن فعلوا ذلك، وقال بعضهم بل يستحيل الإقدام على نحو هذا المطلب، فانعكس ذلك إلى نظرة كلية بعدم نفع الفلسفة، وعدم نفع الفكر الكلي، والفكر الكلامي، أو طريقة المتمكنين في النظر الفكري.
ولكن هذا الموقف الذي اتخذه هؤلاء لم يعتمدوا فيه إلا على مجرد تجارب لم تكتمل أو تجارب فاشلة، وتعميم نحو ذلك، غلط...
فنحن نؤمن بأن هذا ممكن ولو بنسبة معينة، أما الإطلاق والإحاطة، فقد يكون متعذراً لأسباب عادية، لا لنفس الأمر.[/ALIGN]
يتبع....
[ALIGN=JUSTIFY]هذا الكتاب من تأليف فرانسوا غريغوار، وموضوعه ملخص في عنوانه:
صار كثير من الباحثين يميلون إلى الفلسفة ليست علماً ولا خادمة للعلوم ولا اللاهوت (الألهيات) وليست مجرد تسلية ذهنية بل هي استعداد وميل شخصي، فلا يمكن إذن اثباتها أو نقلها عن طريق التعليم، وهي شبيهة بالشعور الفني.
والفيلسوف صار ينظر إليه على أنه «ذلك الذي يستبد به ميل أساسي شديد إلى الوحدة والتركيب والتعميم، ويتحكم به طموح إلى نظرة في شتى مظاهر الكون متجانسة وموحدة وخاصة إلى ترابط كلي بين هذه النظرة وقاعدة سلوك ناجمة عنها» . ص9.
وكثير من التعريفات المعاصرة للفيلسوف والفلسفة تلتقي عند هذا المعنى.
ولا ريب أن أغلب الناس يميلون إلى أن يكون لهم نمط كلي في حياتهم ينطلقون منه، ويحاولون أن يصوروا أفعالهم كأنها منطلقة ومنبعثة من مبدأ كلي لهم، وإن لم يكن الأمر كذلك في نفسه.
وكل فلسفة لا بد أن تسير في ثلاث خطوات لكي تكتمل.
الأولى: النظر في عالم الأشياء، ومنها العلوم الجزيئية لمحاولة بناء نظرة كلية لها بناءً على فهم معين لها. ومنهم من يرى أن الفلسفة يجب أن تقتصر على هذا المستوى ولا تتخطاه.
الثانية: النظرة إلى ما وراء المادة، وهذه نظرة متقدمة، ولا ريب أن من يريد أن يبني نظرته هذه على مجرد اكتشافات العلوم فسيجد متاعب ومشاق عميقة، لأنه ومع كثرة وعمق التطور الذي حصل على العلوم الجزيئية إلا أن العارف لها يعلم أنها لا تزال بعيدة عن أن نقدم تصوراً تاماً عن الكون. والميتافيزيقيا هي ما يسمى بالفلسفة العامة.
وما زال الخلاف دائراً هل الفلسفة العامة فوق العلم أو بجانبه أو تحته.
وربما يكون اندفاع الإنسان للبحث في الفلسفة العامة نتيجة لشعوره بالافتقار والاحتياج إلى تعيينات كلية أعم وأقوى من نتائج العلوم الجزئية.
الثالثة: الأخلاق، وتشتمل على وضع نظام عملي بناء على النظرة العامة. وكثير من الفلاسفة لا يرضون بفكرة الأخلاق المستنبطة أو المخترعة، لأنهم يعتقدون بأن الأخلاق موجودة سابقاً وليست من اختراع الفلاسفة، والفيلسوف الأخلاقي ليست وظيفته أن يخترع الأخلاق بل أن يعبر عنها ويصنفها بوضوح.
وهل يمكن للإنسان فعلاً أن يسير في حياته وأخلاقه منبعثاً من نظرته الكلية التي حصلها في الفلسفة العامة أم إن تصرفاته الجزيئية نتيجة لميول خفية موجودة مسبقة؟
وخلاصة المواقف الأخلاقية ثلاثة:
1- أن يكون الإنسان آلة عمياء في الكون.
2- أن يفرض الإنسان نظاماً رقمياً على هذا العالم الذي لا هدف ولا غاية له.
3- توجد في الكون غاية خفية يسير الإنسان فيها ويشارك غيره فيها حتى ربما دون علمه.
هذه هي الاحتمالات الثلاثة التي ذكرها المؤلف، وربما فإنه أن يقول إن هناك احتمالاً وهو أن يكون في الكون جانبان الأول تكويني محض، ولا يخضع سيره لإرادة الإنسان، ولا الإنسان من حيث هو فاعل خاضعاً له بشكل تام، والجانب الثاني جانب الإنسان الذي يتميز به بالإرادة، والمطلوب من الإنسان أن يكون متوافقاً مع السير الكلي لهذا العالم الذي يسير حقيقته تبعاً ل إرادة الله تعالى وهو الفاعل المختار. فيكون الحاصل أن على الإنسان أن يجعل أفعاله وأهدافه متناغمة مع ما يطلبه الخالق المختار.
ويعبر وليم جمس عن الميتافيزيقيا بقوله: «ليست الميتافيزيقيا سوى مسعى بالغ التصلب والعناد للتفكير بصورة واضحة ومتماسكة» (Text book of Psychology)
وهذا وصف راجع إلى أن الميتافيزيقيا تفترض حصول التفكير والتصرف بناء على الفلسفة العامة والقوانين الكلية للعالم. ولكن أي إنسان يدعى أنه توجد قوانين لا بد منها للعالم يسير عليها ولا يمكن تخلفها، يكون مغالطاً، وقائلاً بلا دليل، فحتى مسألة شروق الشمس غداً، لا يمكن لأحد أن يجزم بها على أساس ميتافيزيقي مطلق، لأن هذا يجب أن ينبني على الاعتقاد بأن العالم له حتمية القوانين التي لا تتخلف، وهذا الادعاء محل نظر كما لا يخفى.
غاية ما يمكن قوله أن التأمل الميتافيزيقي يسعى إلى تحديد المكتسب العلمي الآتي تحديداً محتمل التصديق، مدفوعاً بضرورة تبني قاعدة سلوك رشيدة. هذا ما قاله المؤلف ص 10 ولكن لا نسلم هذا القول على إطلاقه، لأن النظر الكلي يمكن أن يكون له مصداق حقيقي، بمعنى أننا يمكننا الوصول إلى بعض القوانين الكلية لهذا العالم، وللوجود، ويمكن أن نقطع بها، بحيث نجزم أنه يستحيل خلانها. وليس التفكير الكلي الذي نود ههنا تسميته بالتفكير الكلامي معتمداً فقط على المكتسب العلمي والتجريبي الآتي، لا بل هو أعم من ذلك، ويمكن أن يكون قاعدة عامة للتفكير العلمي، بل هذا هو ما يجب أن يكون، غاية الأمر أن كثيراً من الفلاسفة الذين حاولوا الوصول إلى هذا القدر أخطأوا، مما سبب ذلك تولد ردة فعل عند الآخرين أنهم سوف يخطئون إن فعلوا ذلك، وقال بعضهم بل يستحيل الإقدام على نحو هذا المطلب، فانعكس ذلك إلى نظرة كلية بعدم نفع الفلسفة، وعدم نفع الفكر الكلي، والفكر الكلامي، أو طريقة المتمكنين في النظر الفكري.
ولكن هذا الموقف الذي اتخذه هؤلاء لم يعتمدوا فيه إلا على مجرد تجارب لم تكتمل أو تجارب فاشلة، وتعميم نحو ذلك، غلط...
فنحن نؤمن بأن هذا ممكن ولو بنسبة معينة، أما الإطلاق والإحاطة، فقد يكون متعذراً لأسباب عادية، لا لنفس الأمر.[/ALIGN]
يتبع....
لا قوة إلا بالله !!
تعليق