اقرأ أحد كتب كبير المثقفين العرب عبدالله العروي صاحب مشروع الايدلوجيا العربية المعاصرة ، حيث خصص في كتابه مفهوم العقل جزءًا كبيرًا في نقد المنطق و الكلام الإسلاميْين ، فوجدت من المناسب مناقشة كلامه الذي أورده في الفصل الثالث بعنوان " عقل العقل " و أتى بشبهة لطالما رددها كثير من المثفقين في أن الكلام الإسلامي يخلص إلى منطق مناظرة ، لكنه جاء بنفس نقدي أطول و أخذ يعرض باستفاضة مفاهيم المتكلمين و علماء المسلمين في عدة محاور أتيت بواحد منها و هي المناظرة ، ثم أتبعه بالتماسك في العلوم الاسلامية يعني به الصفة الاتساقية التي تتميز بها ، ثم المنطق في الفكر الإسلامي ، و مراحل تطوره ، و المنطق في الغرب و المقارنة بينهما .. الخ
يقول في مستهل الفصل الثالث ص 105*
نبدأ بعرض مفارقة ذكرها ابن سينا في الجزء الأول ، المخصص للمنطق من كتابه الإشارات و التنبيهات ، مؤكدًا أن أصحابها طالما تشدقوا و ارهبوا بها خصومهم . قالوا إما ممكن أن يكون أو غير ممكن .. فإن كانت الأولى فممكن أن لا يكون ، و إن كانت الثانية فممتنع أن يكون . و أوضح ابن سينا أن الخطأ يكمن في أن كلمة ممكن تُستمعل هنا بمعنيين أحدهما يدخل الواجب ، و الآخر يخرجه .
يتابع العروي نقده قائلاً : سنعود لاحقًا لقضية الإمكان و نبين أنها بالغة الخطورة و أنها وجهت مسار الفكر العربي الإسلامي بأكمله . لكن ما يهمنا في مطلع هذا الفصل هو أن هذا النوع من التمويه ، و إن حذّر منه كل من ألّف في المنطق ، بل يجوز القول إن هذا العلم لم يؤسس إلا للاحتراز منه ، لا يزال يستعمل إلى اليوم لإرهاب الخصم و إفحامه . كم من نقاش بدأ و انتهى ، في الماضي و في الحاضر ، بمثل هذه التمويهات !!
الواقع هو أن الكلام لا يحتاج إلى معرفة دقيقة للمسائل التي يجري في شأنها النقاش . ما قيل في المثال السابق عن الواجب يمكن أن يقال في أي موضوع آخر .
ثم يكمل كلامه : إذا قلنا إن المجتمعات الإسلامية متأخرة يستطيع أي طالب مبتدئ أن يعترض قائلًا : بماذا عرفت ذلك ؟ أبعلم ضروري أم بملاحظة و استنتاج ؟ إذا كان بعلم ضروري وجب أن يشاركك فيه كل ناظر في المسألة ، و هذا غير حاصل . و إن كان باستنتاج فهو مجرد رأي يتساوى مع رأي خصمك و لا حجة فيه . بعد هذا الجواب لا يحتاج المعارض إلى النظر في أساس الحكم . يبدو و كأن من يتعلم هذا النوع من المنطق يتعلم في الواقع كيف يستغني عن كل معرفة دقيقة متخصصة و يظهر مع ذلك أمام غير المتخصص كأنه أعلم من العالم . كل القواعد التي كان الغرض منها اختبار مدى مطابقة كل الأجزاء للواقع المحسوس ، ظاهرًا أو باطنًا . إذا كان كل سؤال جدّي يدور حتمًا حول الحاصل ( الخارج في عبارة القدامى ) ، أكان ذلك الحاصل ماديًا أو اجتماعيًا أو نفسانيًا ، فهرا النوع من الفحص ، و لنسمّه مؤقتًا بمنطق مناظرة ، لا يفيد أبدًا ، لأنه يتوجه بالأساس لصاحب السؤال و يحاول إسكاته . و هذا ما نلاحظه يوميًا حولنا . هدف كل نقاش هو إسكات من يكشف عن واقع ، لا التحقق من واقعية الواقع .
تعليق