ردود عقلانيه على دعاوى الإلحاد(2) الرد على دعوى تعارض الايمان بالغيب مع العقل

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • صبرى محمد خليل خيرى
    طالب علم
    • Jan 2010
    • 416

    #1

    ردود عقلانيه على دعاوى الإلحاد(2) الرد على دعوى تعارض الايمان بالغيب مع العقل

    ردود عقلانيه على دعاوى الإلحاد(2) الرد على دعوى تعارض الايمان بالغيب مع العقل
    د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه بجامعه الخرطوم
    الرد على دعوى تعارض الإيمان بالغيب مع العقل والعقلانية : وهناك دعوى أن الإيمان بالغيب (والذي يتضمن قضيه إثبات وجود الله تعالى ) يتناقض مع العقل والتفكير العقلاني، وبالتالي فان الإلحاد ( الذي مضمونه إنكار أو الشك في وجود الله تعالى ) يتسق مع العقل والتفكير العقلاني. والرد على هذه الدعوى يتضمن عده نقاط:
    اسبقيه الإيمان على الاستدلال : إن الإيمان بالغيب كأساس للدين (أو الميتافيزيقا بالمصطلح الفلسفي الغربي) سابق كل نشاط عقلاني" فلسفي "، ذلك أن التفكير العقلاني ومن أشكاله التفكير الفلسفي يستند إلى المنهج الاستدلالي الاستنباطي ، والاستدلال أو الاستنباط هو عمليه الانتقال " الصوري "من مقدمه عقليه إلى نتيجة عقليه ، وهو ينطلق من مسلمه ، اى مقدمه "مسلم "بصحتها ، لأنها غير قابله للتحقق من صحتها بالتجربة والاختبار العلميين " لأنها مجرده وليست عينيه "، ولأنها سابقه على عمليه الاستدلال وبالتالي غير خاضعة لها " فعمليه الاستدلال مقصورة على الانتقال منها إلى النتيجة" . وعقليه هذه المقدمة متصلة بشكلها (صورتها) ، اى كونها خاضعة لمعيار الاتساق " المنطقي "، وليست لها صله بمضمونها (مصدرها)، اى لا يلزم ضرورة ان يكون مصدر هذه المقدمة العقل (كما ترى الفلسفة العقلانية ألغربيه ) إلا في حاله الأفكار الفطرية ، فقد يكون مصدرها الحواس كما في حاله تناولها لعالم الشهادة (وهو الأمر الذي قررته الفلسفات التجريبية الغربية ) ،وقد يكون مصدرها الوحي في حاله تناولها لعالم الغيب(وهو الأمر الذي قررته الأديان والفلسفات الدينية ) ، بناء على ما سبق فان كل مذهب فلسفي- بما في ذلك المذاهب التي تدعى رفض الميتافيزيقا والدين - إنما ينطلق من مسلمات ميتافيزيقية غيبيه لأنها غير قبله للنفي أو الإثبات بالتجربة العلمية "باعتبار أنها نظريه " ،وسابقه على النشاط الاستدلالي لواضعه ،" باعتبار أن الاستدلال مقصور على استنباطه نتيجة معينه من مقدمه معينه يسلم بصحتها.
    تعدد أبعاد الوجود الانسانى وتفاوت درجه شمولها هو عله الاسبقيه المعرفية للإيمان بالغيب : ومرجع هذه الاسبقيه المعرفية للإيمان بالغيب (الذي هو أساس الدين )على الاستقراء الحسي (الذي هو أساس العلم ) والاستدلال العقلاني (الذي هو أساس العقل ) أن للوجود الانسانى أبعاد متعددة ، متفاوتة في درجه الشمول، فكل بعد بالنسبة للبعد الذي يليه بمثابة الكل للجزء ، يحده فيكمله ويغنيه ولكن لا يلغيه ، وهذه الأبعاد هي البعد الروحي" الذي يتناوله الدين" ، فالبعد العقلي" الذي يتناوله التفكير العقلاني من أشكاله التفكير الفلسفي "، البعد الوجداني " الذي يتناوله الفن والأدب"، البعد المادي العضوي و الغريزي " الذي يتناوله العلم.
    الإلحاد اجابه خاطئة من الناحية الميتافيزيقية الغيبية ، وخاطئة أو لا يمكن القطع بصحتها من الناحية المعرفية : بناء على ما سبق فان الإلحاد كما سبق ذكره - هو أجابه على اسئله تطرحها الميتافيزيقا ، فهي اجابه ميتافيزيقية - غيبيه من هذه الجهة، ومن جهتي أنها غير قابله للإثبات او النفي بالتجربة العلمية لأنها مجرده ، وإنها سابقه على الاستدلال ، فالاستدلال هو الانتقال من مقدمه (مسلم بصحتها ) إلى نتيجة، وهذه الاجابه خاطئة من الناحية الميتافيزيقية الغيبية، اى لا تتطابق مع حقيقة الوجود الغيبي المتضمن لوجود الله تعالى . أما من الناحية المعرفية فان هذه الاجابه الميتافبزيقيه الغيبيه قد لا يليها استدلال عقلي، وهنا يكون الإلحاد اعتقاد ذاتي مرجعه عوامل ذاتيه " شخصيه " ، وموضوعيه " اجتماعيه متعددة ، وليس نتيجة لازمه لاستدلال عقلي صحيح " موضوعي"، وهنا لا يرقى الإلحاد إلى أن يكون اجابه عقلانيه - موضوعيه من الناحية المعرفية (العقلية المنطقية) ، كما أن هذه الاجابه الميتافيزيقية الغيبية قد يليها استدلال عقلي لإثبات صحتها- من ناحية العقلية المنطقية ، وهنا نجد احتمالين : الأول كون هذا الاستدلال خاطئ ، وهنا يكون الإلحاد اجابه خاطئة من الناحية المعرفية ( العقلية- المنطقية ) ، الاحتمال الثاني كون هذا الاستدلال صحيح ، وهنا يكون الإلحاد اجابه ناقصة، لان الاستدلال يستند إلى معيار الاتساق " عدم التناقض ، بينما إثبات صحة أو خطاْ هذه الاجابه يحتاج - بالاضافه إلى معيار الاتساق من الناحية المعرفية (العقلية- المنطقية) - إلى شكل من أشكال معيار التطابق مضمونه التطابق مع الوجود الغيبي ، وبهذا فان هذه الاجابه الناقصة تظل غير قابله للتحقق ( لا يمكن القطع بصحتها) في هذا الوجود الشهادى ، لان موضوعها هو الوجود الغيبي. وبناء على ما سبق فان الإلحاد هو اجابه خاطئة من ناحية ميتافيزيقية غيبيه ، وأجابه خاطئة آو على اقل تقدير لا يمكن القطع بصحتها من ناحية معرفيه (عقليه منطقيه )..
    اسبقيه اتصال وليست اسبقيه انفصال : واسبقيه الإيمان الغيبي( الذي هو أساس الدين )على الاستدلال العقلي( الذي هو أساس التفكير العقلاني والفلسفي) هي اسبقيه اتصال وليست اسبقيه انفصال، بمعنى انها اسبقيه تقوم على أساس الإقرار بوجود علاقة بينهما وليس نفى وجود اى علاقة بينهما.
    العلاقة بين الدين والعقل علاقة تكامل و تحديد وليست علاقة تناقض وإلغاء: وتتمثل اسبقيه الاتصال هنا في كون العلاقة بين الدين" القائم على الإيمان بالغيب والإقرار بوجود الله تعالى" والعقل والتفكير العقلاني ومن إشكاله التفكير الفلسفي ، هي علاقة تحديد وتكامل ، وليست علاقة تناقض وإلغاء، اى أن الدين بالنسبة للعقل والتفكير العقلاني ، بمثابة الكل للجزء ،يحده فيكمله ويغنيه ولكن لا يلغيه ، فكل من الدين والتفكير العقلاني يتناولان من ناحية معرفيه - ذات الوجود، لكن على مستويات متعددة (أي منظور إليه من جهات متعددة)، فكما سبق ذكره فان الدين يتناول الوجود على مستوى ماهوي أي يجيب على السؤال ما هو الوجود؟ (أي ماهية القوة التي تحرك الوجود، بداية الوجود، نهايته)، أما التفكير العقلاني فيتناول الوجود على مستوى لماذي (أي الإجابة على السؤال لماذا (اى غايات الوجود الإنسان كالحق والخير والجمال..) فالمشاكل الفلسفية مثل (الوجود، أو المعرفة أو القيم). لذا فان لكل من الدين والتفكير العقلاني مشاكل خاصة يحاول أن يضع لها حلول، ومنهج خاص لحلها ، دون أن يعني هذا أنها قائمة بذاتها ومستقلة عن المشاكل التي يطرحها واقع الناس المعين في الزمان والمكان، بل يعني أن هذه المشاكل ما هي إلا محصلة لتناول ذات المشاكل التي يطرحها الواقع المعين لكن على مستوى معين (أي منظور إليها من جهة معينة).فالدين كما سبق ذكره يتناول ذات المشاكل التي يطرحها الواقع المعين ، ولكن على مستوى معين ، اى منظور إليها من جهة معينة ،هي علاقتها من حيث جزء من الواقع المحدود بالمطلق، فالمطلق لا يلغي المحدود بل يحده، وبه تصبح حركة الإنسان ليس مجرد فعل غائي ، اي مجرد تطور ، بل تتحول إلى فعل غائي محدود بفعل مطلق (الربوبية) وغاية مطلقة (الالوهية)، أي كدح إلى الله بتعبير القرآن، فيحدد للإنسان نوع المشاكل التي يواجهها ،وطريقة العلم بها ، ويحدد نمط الفكر الذي يصوغ هذه الحلول، كما يحدد أسلوب العمل اللازم لتنفيذها، كما أن للدين منهج خاص في تناوله لهذه المشاكل ، يقوم على التسليم بصحة الوحي ، اى يقوم على الإيمان بما هو التسليم بصحة مجموعه من المفاهيم والقيم والقواعد الكلية ،لا يمكن إثباتها بالتجربة والاختبار العلميين ، لأنها مطلقه عن قيود الزمان والمكان ، ولكن يمكن إثبات صحتها بالاستدلال العقلي بما هو انتقال الذهن من حكم إلى آخر لعلاقة ضرورية بينهما.قال تعالى (كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون) (البقرة:242)، وهذه المفاهيم والقيم والقواعد الكلية مصدرها الوحي كوسيلة لمعرفه عالم الغيب ، المطلق عن قيود الزمان والمكان ، فهو يستند إلى الوحي كوسيلة تحدد ولا تلغي العقل كوسيلة لمعرفه عالم الشهادة المحدود بالزمان والمكان. أما التفكير العقلانى فيتناول ذات المشاكل التي يطرحها الواقع المعين ،لكن على مستوى كلي مجرد ، أي منظور إليها من جهة معينة هي الأصول الفكرية (الكلية، المجردة) لهذه المشاكل،وهذه المشاكل الخاصة تقتضي منهج خاص لتناولها هو المنهج الفلسفي يتصف بخصائص معينة هي العقلانية، المنطقية، الشك المنهجي، والنقدية.
    موقف الإسلام الايجابي من نمط التفكير العقلاني: تأكيدا لما سبق فقد اتخذ الإسلام كدين موقفا ايجابيا من التفكير العقلاني وخصائصه . فمن خصائص التفكير العقلاني الموقف النقدي ،القائم علي تجاوز كل من موقف القبول المطلق والرفض المطلق، إلي الموقف القائم علي البحث عن أوجه الصواب وأوجه الخطأ في الرأي المعين، وأخذ ما هو صواب ورفض وما هو خطأ، وهذا الروح النقدية حث عليها الإسلام كما في قوله تعالي ‏ ‏(الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ‏) ،وقوله (صلى الله عليه وسلم) (لا يكن أحدكم إمّعة يقول أنا مع الناس إن أحسنوا أحسنت وإن أساءوا أسأت ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا ألا تتبعوا إساءتهم). ومن خصائص التفكير العقلاني الشك المنهجي ، القائم علي عدم التسليم لصحة فكرة معينة لا بعد التحقق من كونها صحيحة ،هذا النوع من أنواع الشك يمكن أن نجد نموذجا له في القرآن كما في قوله تعالى( فلما جن عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين .فلما رأى القمر بازغاً قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لاكونن من القوم الضالين .فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا اكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون ) (الأنعام:76 78)،كما استخدمه الإمام الغزالي كما في كتابه المنقذ من الضلال .ومن خصائص التفكير العقلاني الاستناد إلي العقل كوسيلة للمعرفة، وقد حث الإسلام علي إعمال العقل كوسيلة للمعرفة ، بما لا يتناقض مع الحواس والوحي كوسائل أخرى المعرفة ، قال تعالى( وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ [الملك:10]،وقال تعالى (لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ. [الأعراف:179].ومن خصائص التفكير العقلاني المنطقية ،اى الاستناد إلي المنطق بما هو أنماط التفكير السليمة المستندة إلي قوانين التفكير وأهمها قانون عدم التناقض ، والذي أشار إليه القران الكريم قال تعالى (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا } [النساء: 82] .
    تلازم الإيمان بالغيب والاستدلال العقلي في القران الكريم : كما تتمثل اسبقيه الاتصال بين الإيمان الغيبي والاستدلال العقلي في رفض القران الكريم الإقرار والتسليم بالوجود الغيبي(عالم الغيب المتضمن لوجود الله تعالى ) بدون برهان أو دليل ، وربطه بين هذا التسليم والإقرار وشكل من أشكال الاستدلال العقلي (الانتقال من مقدمه عقليه إلى نتيجة عقليه) ، القائم على الاستدلال بالوجود الشهادي المحدود (الكون)،على الوجود الغيبي المطلق (المتضمن لوجود الله تعالى)،قال تعالى (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لقوم يعقلون) (البقرة: 164). وبناءا على هذا فان المفهوم الاسلامى يقوم على وبالتالي يدعوا إلى- البرهنة على وجود الله تعالى ، ولكنه يستند في برهنته على إثبات وجود الله تعالى على شكل من إشكال الاستدلال الذي يسبقه شكل من أشكال الاستقراء (الانتقال من مقدمه حسية إلى نتيجة عقليه) مضمونه النظر في الكون وقال تعالى(أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها ) (الحج: 46)، وهنا نجد احد أوجه الاختلاف بين المفهوم الاسلامى والفلسفة الغربية العقلية منذ أرسطو لأنها حاولت البرهنة على وجود الله تعالى استنادا إلى شكل من أشكال الاستدلال الذي لا يسبقه اى نوع من أنواع الاستقراء، فجاءت براهينها مستند إلى معيار الاتساق دون معيار التطابق مع الواقع .
    التمييز بين الوجود والماهية: كما يميز الإسلام كدين بين وجود (عالم الغيب) وكيفيه خصائص عالم الغيب ،فالأول يمكن للعقل أن يدركه ويبرهن عليه ،أما الثاني فلا يمكن للعقل أن يتصوره إلا بالوحي ، لذا تضمن الإيمان بالغيب الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، قال تعالى(يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً)،وفي الحديث القدسي (تفكروا في مخلوقاتي ولا تفكروا في ذاتي فتهلكوا).وهنا نجد احد أوجه الاختلاف بين المفهوم الاسلامى والفلسفة الغربية العقلية التي لم تتميز في برهنتها على وجود الله تعالى بين الوجود والماهية، اى ترى إمكانية إدراك أو تصور العقل لوجود وماهية عالم الغيب ،لأنها تنظر إلى العقل باعتباره وجود مطلق ، وليس فاعليه معرفيه محدودة تكوينيا بالسنن الالهيه في إدراكه لعالم الشهادة، و تكليفيا بالوحي في إدراكه لعالم الغيب كما في المفهوم الاسلامى .
    موقف الاسلام الايجابي من العقل على المستوى التطبيقي : أما على المستوى التطبيقي فقد ظهر الإسلام في منطقه يسود فيها التخلف الفكري، ممثلا في سيادة أنماط التفكير الاسطورى فيها ، ثم جاء الإسلام فهدي الناس إلي أعمال العقل، وانشأ المسلمون نتيجة ذلك أنماط متعددة من التفكير العقلاني الذي لا تناقض الأيمان أو الوحي ، وان كانت تناقض بالتأكد نمط التفكير الأسطوري. غير انه نتيجة لعوامل داخليه وخارجية متفاعله دخلت هذه المجتمعات فى حاله من تخلف النمو الحضاري بكل أشكاله ، فظهر نتيجة لذلك تخلف النمو الفكري ممثلا في شيوع نمط تفكير مختلط (عقلاني /اسطورى ) فيها .
    لزيارة موقع د. صبري محمد خليل اضغط هنا http://sites.google.com/site/sabriymkh/
يعمل...