بين الاستنتاج والاستقراء
يتبع الاستدلال العقلي ثلاثة أنماط : الاستنتاجي والاستقرائي والجزئي .
لن نناقش الاستدلال الجزئي لقلة فائدته في غير مسائل الفقه والقانون .
لما نقول مثلا :
الديكتاتورية فاسدة مقدمة أولى
حكم العسكر ديكتاتورية مقدمة ثانية
حك العسكر فاسد نتيجة
فإن التلازم بين المقدمتين والنتيجة لا يمكن أن ينفك ، ومثل هذا التلازم الذي لا يتأخر يسمى تلازما عقليا ، بمعنى أن العقل بمجرد التسليم بصحة المقدمتين ينتقل تلقائيا إلى النتيجة ويحكم بصحة هذا القياس ، فالتلازم العقلي هنا لا مفك منه وهذا هو القياس أو الاستدلال الاستنتاجي ، وصحة القياس من عدمها لا علاقة لها بصحة المقدمتين ، فقد تكون المقدمتان أو احداهما خاطئة أو محل نظر ، لكن بمجرد "التسليم" بصحتهما حتى لو لم تكونا كذلك في الواقع فإن العقل ينتقل تلقائيا إلى النتيجة ، فالاستنتاج حتمي هنا متى سُلّمتِ المقدمتان ، وبالتالي فإنه متى صحت المقدمتان فإن النتيجة تكون صحيحة (صادقة) ولا يمكن أن تكون النتيجة خاطئة (كاذبة) مع صحة المقدمتين أبدا مستحيل عقلي لاستحالة انفكاك اللازم عن ملزومه كما يقول المناطقة .
لكن لما نقول مثلا :
الشمس تشرق كل يومٍ منذ أن وجدت الأرض مقدمة
الشمس ستشرق غدا أيضا نتيجة
سيلاحظ القارئ هنا أن التلازم بين المقدمة والنتيجة ضعيف ، فبينما تصح المقدمة فإن النتيجة غير صحيحة فالقياس إذن خاطئ ، وسبب ذلك أن النتيجة هنا "احتمالية" لا "قطعية" ، وهذا هو القياس الاستقرائي .
في القياس الاستقرائي تنتج نتيجة يحتمل احتمالا قويا أن تكون صادقة بالنظر إلى صدق المقدمة ، لكن ذلك الاحتمال لا يمكن أبدا أن يرقى في العقل إلى درجة القطع والجزم لذا فإن نتيجة الاستقراء توصف دائما بأنها ظنية لا قطعية إذ لا يلزم من طلوع الشمس كل يوم منذ وجدت الأرض إلى الآن أن تشرق غدا أيضا ، فلو فرضنا مثلا أن ثقبا أسود رصد الليلة قرب الشمس فهل يبقى حكمنا بشرق الشمس غدا كذلك محتملا احتمالا راجحا كما كان في السابق أم يصير أضعف بكثير وربما معدوما ؟
يعتمد الاستدلال الاستقرائي على ما سماه "ديفيد هيوم" (مبدأ اطراد الطبيعة) والذي يعني اعتقاد أن أى شيء مـوجود الآن أو وجـد في الماضي سـيوجد في المسـتقبل، وهو الأمر الذي لا يمكن الجزم به أو البرهنة عليه استنتاجيا بقياس منطقي ، فسيبقى دائما في النفس احتمال ولو ضعيف أن ما حدث ويحدث الآن قد لا يحدث غدا ، وهذه هي مشكلة الاستقراء التي بحثها "هيوم" في كتابه "الفاهمة البشرية" ، وأسجل هنا تعجبي ممن يجعل "هيوم" أول من نبه على هذا الاشكال والضعف في الاستدلال الاستقرائي بينما كتب مناطقة المسلمين قبله تنص بوضوح على ظنية الاستقراء وعدم قطعيته وكذا كتابات الغزالي بل وجميع متكلمي الأشاعرة المجوزين لانخراق العادة بإرادة الله تعالى .
ينتج مما سبق أن القياس الاستنتاجي يوصف بالصدق والكذب بينما القياس الاستنتاجي لا يمكن وصفه بذلك لاحتمال نتيجته الصدق والكذب معا ، وبالتالي صارت نتيجة الاستقراء توصف بقوة الاحتمال/الظن أو ضعفه ، فالظن الناتج عن القياس الاستقرائي السابق في المثال السابق قوي ، بينما لو قلنا :
"رأيت أحمد أكثر من مرة يرتدي قميصا أحمر ، ففي المرة القادمة التي أراه سيكون مرتديا قميصا أحمر كذلك"
هذا الاستقراء يمكن وصفه بالضعيف وهو لا يوقع في النفس نفس قدر التصديق والاحتمال الذي يوقعه المثال الأول.
لكن أيا تكن قوة الاستقراء ، فإن الثابت أن الاستقراء منتج للظن ولا يمكن أن ينتج يقينا أو قطعا جازما ، بينما القياس المنطقي الاستنتاجي يعطينا اليقين والجزم بحيث أنه متى صح القياس فإن النتيجة تبقى صادقة مهما ازدادت معرفتنا أو بحثنا في المسألة ، وهذا في مقابل تغير درجة قوة الظن/الاحتمال الموجود في نتيجة الاستقراء تبعا لازدياد علومنا ومعارفنا كما سبق التمثيل به في مثال الشمس الي سيبتلعها الثقب الأسود إذ تحولت النتيجة "الشمس ستشرق غدا" من القوة إلى الضعف بتغير المعلومة التي نملكها .
بالإضافة إلى ما سبق نلاحظ أننا لا نملك أن نختبر صحة القياس الاستقرائي إلا بشكل "بعدي posteriori " في ضوء التجربة ، بينما يمكننا اختبار صحة القياس الاستنتاجي قبليا a priori ، فحكمنا بأن "الشمس ستشرق غدا" لا يمكننا وصفه بالصحة أو الصدق إلا بعد حلول الغد ورؤيتنا شروق الشمس ، بينما حكمنا وتقييمنا لأي قياس استنتاجي ممكن بغض النظر عن تجربتنا وازدياد معرفتنا من عدمه ، فلو قلنا مثلا :
إذا احتوت الخلية على الميتوكندريا فهي حقيقية النواة
هذه الخلية لا تحوي ميتوكندريا
هذه الخلية غير حقيقية النواة
هذا القياس يمكن لأي كان أن يحكم بصحته من عدمها بالنظر إليه ولو لم يكن متخصصا في الأحياء أو لديه أدنى فكرة عن الأشياء المذكورة فيه ، فكلنا ولو لم ندرس الأحياء يمكننا أن نحكم بأن هذا قياس صحيح قوي منتج متى سُلمت مقدمتاه !!
الفرق بين المثالين أننا في الحالة الثانية القياس المنطقي الاستنتاجي- لا نحتاج أكثر من المعرفة اللغوية لنحكم بصحته وإنتاجه من عدمهما ، وذلك لأن المنطق في حقيقته هو التفكير عبر اللغة وذات كلمة logic أو منطق مشتقة من كلمة logos الاغريقية والتي تعني "الكلمة" ، فأنت لا تحتاج في الحكم على القياس المنطقي الاستنتاجي إلى أكثر من المعرفة اللغوية دون الحاجة إلى التجربة أو النظر في العالم الخارجي .
فإن رسخ لدينا هذا المعنى بقي أن نشير إلى أن العلم التجريبي الحديث وكل نظرياته يقوم على الاستدلال الاستقرائي ، فالناظر في قطرة الماء ليحللها يصل إلى أنها تتكون من ذرتين هيدروجين وذرة أكسجين H2O ، لكن ليحكم بأن كل ذرة ماء في الأرض تتكون من ذات المكونين على وجه القطع والجزم واليقين الذي لا يتزحزح يلزمه أن يفحص كل قطرة ماء في العالم ليصل إلى هذا اليقين وهو امر غير ممكن ، لذا فإن العالم التجريبي لما ينتقل من فحصه قطرة ماء واحدة ومعرفته بمكوناتها إلى تعميم معرفته تلك على كل قطرات الماء في العالم معلنا "أن كل قطرة ماء في العالم تتكون من الهيدروجين والأكسجين" فإنه يحكم بظنه لا بيقينه ويعمم بناء على معرفته ببعض قطرات الماء لا كلها ، ما يعني أن ما وصل إليه من حكم وتعميم مجرد ظن محض لا أكثر ، ولا يمكن بحال أن يصل إلى درجة اليقين القطعي ، وهكذا هي كل قضايا العلم التجريبي الحديث .
وقد لاحظ هذا فيلسوف العلم كارل بوبرPopper ، فنبه إلى أننا لا يمكننا أبدا أن نثبت صحة نظرية علمية ما بالاستقراء لعجزنا عنه ، ويجب بالتالي أن نلجأ نقيضه وهو محاولى اثبات "فشل" تلك النظرية Falsify ومتى لم تنقض النظرية ولم يثبت فشلها/خطؤها فإنها توصف بأنها نظرية علمية صحيحة أو حقيقة علمية بانتظار إثبات فشلها ، فإن الشيء الوحيد الذي يمكننا التأكد منه والتحقق منه جزما هو خطأ نظرية ما وفشلها لا صحتها وصدقها الذي يحتاج استقراء كل أفرادها وهو أمر مستحيل .
هذه الملاحظة من بوبر وغيره من فلاسفة العلوم قادت إلى وضع شرط مهم جدا في اعتبار نظرية ما علمية من عدمه وهو شرط "قابلية النقض Falsifiability " فكل نظرية قابلة للبحث والاختبار والنقض هي نظرية علمية وتعتبر صحيحة ما بقيت لم تنقض مع التأكيد على ضرورة بقاء هذا الشرط دائما لتحافظ على اعتبار علميتها ، ما يعني بقاء أي نظرية علمية دائما في حيز الظن والتجويز مهما وصفت به من أوصاف جزافية كالحقيقة والقطع . لهذا السبب يُقال مثلا إن نظرية "التصميم الذكي" التي يقارع بها التخليقيون أنصار نظرية التطور ليست نظرية علمية وإنما علم كاذب pseudo-science لأننا لا نملك أدوات نقضها والبحث فيها واختبارها إذ لا يمكن لأحد اختبار خلق الله للكون أو وجود الله واجب الوجود إذ هو بالتعريف خارج نطاق التجربة والاختبار ، لكن في المقابل فإن ذات هذا المعيار الذي يستعمله التطوريون للحكم بلا علمية نظرية الخلق/التصميم الذكي يحكم به على نظرية التطور بأنها ظن محض لا تزال مهما جازف أنصارها في اعتبارها حقيقة وواقعا وإلا فإنها متى صارت غير قابلة للنقض تفقد وصف العلمية وفق توصيف العلم التجريبي نفسه .
يتبع الاستدلال العقلي ثلاثة أنماط : الاستنتاجي والاستقرائي والجزئي .
لن نناقش الاستدلال الجزئي لقلة فائدته في غير مسائل الفقه والقانون .
لما نقول مثلا :
الديكتاتورية فاسدة مقدمة أولى
حكم العسكر ديكتاتورية مقدمة ثانية
حك العسكر فاسد نتيجة
فإن التلازم بين المقدمتين والنتيجة لا يمكن أن ينفك ، ومثل هذا التلازم الذي لا يتأخر يسمى تلازما عقليا ، بمعنى أن العقل بمجرد التسليم بصحة المقدمتين ينتقل تلقائيا إلى النتيجة ويحكم بصحة هذا القياس ، فالتلازم العقلي هنا لا مفك منه وهذا هو القياس أو الاستدلال الاستنتاجي ، وصحة القياس من عدمها لا علاقة لها بصحة المقدمتين ، فقد تكون المقدمتان أو احداهما خاطئة أو محل نظر ، لكن بمجرد "التسليم" بصحتهما حتى لو لم تكونا كذلك في الواقع فإن العقل ينتقل تلقائيا إلى النتيجة ، فالاستنتاج حتمي هنا متى سُلّمتِ المقدمتان ، وبالتالي فإنه متى صحت المقدمتان فإن النتيجة تكون صحيحة (صادقة) ولا يمكن أن تكون النتيجة خاطئة (كاذبة) مع صحة المقدمتين أبدا مستحيل عقلي لاستحالة انفكاك اللازم عن ملزومه كما يقول المناطقة .
لكن لما نقول مثلا :
الشمس تشرق كل يومٍ منذ أن وجدت الأرض مقدمة
الشمس ستشرق غدا أيضا نتيجة
سيلاحظ القارئ هنا أن التلازم بين المقدمة والنتيجة ضعيف ، فبينما تصح المقدمة فإن النتيجة غير صحيحة فالقياس إذن خاطئ ، وسبب ذلك أن النتيجة هنا "احتمالية" لا "قطعية" ، وهذا هو القياس الاستقرائي .
في القياس الاستقرائي تنتج نتيجة يحتمل احتمالا قويا أن تكون صادقة بالنظر إلى صدق المقدمة ، لكن ذلك الاحتمال لا يمكن أبدا أن يرقى في العقل إلى درجة القطع والجزم لذا فإن نتيجة الاستقراء توصف دائما بأنها ظنية لا قطعية إذ لا يلزم من طلوع الشمس كل يوم منذ وجدت الأرض إلى الآن أن تشرق غدا أيضا ، فلو فرضنا مثلا أن ثقبا أسود رصد الليلة قرب الشمس فهل يبقى حكمنا بشرق الشمس غدا كذلك محتملا احتمالا راجحا كما كان في السابق أم يصير أضعف بكثير وربما معدوما ؟
يعتمد الاستدلال الاستقرائي على ما سماه "ديفيد هيوم" (مبدأ اطراد الطبيعة) والذي يعني اعتقاد أن أى شيء مـوجود الآن أو وجـد في الماضي سـيوجد في المسـتقبل، وهو الأمر الذي لا يمكن الجزم به أو البرهنة عليه استنتاجيا بقياس منطقي ، فسيبقى دائما في النفس احتمال ولو ضعيف أن ما حدث ويحدث الآن قد لا يحدث غدا ، وهذه هي مشكلة الاستقراء التي بحثها "هيوم" في كتابه "الفاهمة البشرية" ، وأسجل هنا تعجبي ممن يجعل "هيوم" أول من نبه على هذا الاشكال والضعف في الاستدلال الاستقرائي بينما كتب مناطقة المسلمين قبله تنص بوضوح على ظنية الاستقراء وعدم قطعيته وكذا كتابات الغزالي بل وجميع متكلمي الأشاعرة المجوزين لانخراق العادة بإرادة الله تعالى .
ينتج مما سبق أن القياس الاستنتاجي يوصف بالصدق والكذب بينما القياس الاستنتاجي لا يمكن وصفه بذلك لاحتمال نتيجته الصدق والكذب معا ، وبالتالي صارت نتيجة الاستقراء توصف بقوة الاحتمال/الظن أو ضعفه ، فالظن الناتج عن القياس الاستقرائي السابق في المثال السابق قوي ، بينما لو قلنا :
"رأيت أحمد أكثر من مرة يرتدي قميصا أحمر ، ففي المرة القادمة التي أراه سيكون مرتديا قميصا أحمر كذلك"
هذا الاستقراء يمكن وصفه بالضعيف وهو لا يوقع في النفس نفس قدر التصديق والاحتمال الذي يوقعه المثال الأول.
لكن أيا تكن قوة الاستقراء ، فإن الثابت أن الاستقراء منتج للظن ولا يمكن أن ينتج يقينا أو قطعا جازما ، بينما القياس المنطقي الاستنتاجي يعطينا اليقين والجزم بحيث أنه متى صح القياس فإن النتيجة تبقى صادقة مهما ازدادت معرفتنا أو بحثنا في المسألة ، وهذا في مقابل تغير درجة قوة الظن/الاحتمال الموجود في نتيجة الاستقراء تبعا لازدياد علومنا ومعارفنا كما سبق التمثيل به في مثال الشمس الي سيبتلعها الثقب الأسود إذ تحولت النتيجة "الشمس ستشرق غدا" من القوة إلى الضعف بتغير المعلومة التي نملكها .
بالإضافة إلى ما سبق نلاحظ أننا لا نملك أن نختبر صحة القياس الاستقرائي إلا بشكل "بعدي posteriori " في ضوء التجربة ، بينما يمكننا اختبار صحة القياس الاستنتاجي قبليا a priori ، فحكمنا بأن "الشمس ستشرق غدا" لا يمكننا وصفه بالصحة أو الصدق إلا بعد حلول الغد ورؤيتنا شروق الشمس ، بينما حكمنا وتقييمنا لأي قياس استنتاجي ممكن بغض النظر عن تجربتنا وازدياد معرفتنا من عدمه ، فلو قلنا مثلا :
إذا احتوت الخلية على الميتوكندريا فهي حقيقية النواة
هذه الخلية لا تحوي ميتوكندريا
هذه الخلية غير حقيقية النواة
هذا القياس يمكن لأي كان أن يحكم بصحته من عدمها بالنظر إليه ولو لم يكن متخصصا في الأحياء أو لديه أدنى فكرة عن الأشياء المذكورة فيه ، فكلنا ولو لم ندرس الأحياء يمكننا أن نحكم بأن هذا قياس صحيح قوي منتج متى سُلمت مقدمتاه !!
الفرق بين المثالين أننا في الحالة الثانية القياس المنطقي الاستنتاجي- لا نحتاج أكثر من المعرفة اللغوية لنحكم بصحته وإنتاجه من عدمهما ، وذلك لأن المنطق في حقيقته هو التفكير عبر اللغة وذات كلمة logic أو منطق مشتقة من كلمة logos الاغريقية والتي تعني "الكلمة" ، فأنت لا تحتاج في الحكم على القياس المنطقي الاستنتاجي إلى أكثر من المعرفة اللغوية دون الحاجة إلى التجربة أو النظر في العالم الخارجي .
فإن رسخ لدينا هذا المعنى بقي أن نشير إلى أن العلم التجريبي الحديث وكل نظرياته يقوم على الاستدلال الاستقرائي ، فالناظر في قطرة الماء ليحللها يصل إلى أنها تتكون من ذرتين هيدروجين وذرة أكسجين H2O ، لكن ليحكم بأن كل ذرة ماء في الأرض تتكون من ذات المكونين على وجه القطع والجزم واليقين الذي لا يتزحزح يلزمه أن يفحص كل قطرة ماء في العالم ليصل إلى هذا اليقين وهو امر غير ممكن ، لذا فإن العالم التجريبي لما ينتقل من فحصه قطرة ماء واحدة ومعرفته بمكوناتها إلى تعميم معرفته تلك على كل قطرات الماء في العالم معلنا "أن كل قطرة ماء في العالم تتكون من الهيدروجين والأكسجين" فإنه يحكم بظنه لا بيقينه ويعمم بناء على معرفته ببعض قطرات الماء لا كلها ، ما يعني أن ما وصل إليه من حكم وتعميم مجرد ظن محض لا أكثر ، ولا يمكن بحال أن يصل إلى درجة اليقين القطعي ، وهكذا هي كل قضايا العلم التجريبي الحديث .
وقد لاحظ هذا فيلسوف العلم كارل بوبرPopper ، فنبه إلى أننا لا يمكننا أبدا أن نثبت صحة نظرية علمية ما بالاستقراء لعجزنا عنه ، ويجب بالتالي أن نلجأ نقيضه وهو محاولى اثبات "فشل" تلك النظرية Falsify ومتى لم تنقض النظرية ولم يثبت فشلها/خطؤها فإنها توصف بأنها نظرية علمية صحيحة أو حقيقة علمية بانتظار إثبات فشلها ، فإن الشيء الوحيد الذي يمكننا التأكد منه والتحقق منه جزما هو خطأ نظرية ما وفشلها لا صحتها وصدقها الذي يحتاج استقراء كل أفرادها وهو أمر مستحيل .
هذه الملاحظة من بوبر وغيره من فلاسفة العلوم قادت إلى وضع شرط مهم جدا في اعتبار نظرية ما علمية من عدمه وهو شرط "قابلية النقض Falsifiability " فكل نظرية قابلة للبحث والاختبار والنقض هي نظرية علمية وتعتبر صحيحة ما بقيت لم تنقض مع التأكيد على ضرورة بقاء هذا الشرط دائما لتحافظ على اعتبار علميتها ، ما يعني بقاء أي نظرية علمية دائما في حيز الظن والتجويز مهما وصفت به من أوصاف جزافية كالحقيقة والقطع . لهذا السبب يُقال مثلا إن نظرية "التصميم الذكي" التي يقارع بها التخليقيون أنصار نظرية التطور ليست نظرية علمية وإنما علم كاذب pseudo-science لأننا لا نملك أدوات نقضها والبحث فيها واختبارها إذ لا يمكن لأحد اختبار خلق الله للكون أو وجود الله واجب الوجود إذ هو بالتعريف خارج نطاق التجربة والاختبار ، لكن في المقابل فإن ذات هذا المعيار الذي يستعمله التطوريون للحكم بلا علمية نظرية الخلق/التصميم الذكي يحكم به على نظرية التطور بأنها ظن محض لا تزال مهما جازف أنصارها في اعتبارها حقيقة وواقعا وإلا فإنها متى صارت غير قابلة للنقض تفقد وصف العلمية وفق توصيف العلم التجريبي نفسه .
تعليق