نحو نزعة إنسانيه إسلاميه 1

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • صبرى محمد خليل خيرى
    طالب علم
    • Jan 2010
    • 416

    #1

    نحو نزعة إنسانيه إسلاميه 1

    نحو نزعة إنسانيه إسلاميه 1
    د. صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
    أولا:تعريف النزعة الانسانيه: تعددت تعريفات النزعة الانسانيه (humanism) نتيجة لتعدد الفلسفات ومناهج المعرفة المستخدمة في تعريفها، ونتيجة لتركيز كل تعريف على عنصر معين "أو عناصر معينه" من عناصرها ، ومن هذه التعريفات : أولا: مجموعة من وجهات النظر الفلسفية والأخلاقية التي تركز على قيمة وكفاءة الإنسان، ثانيا: اتجاه في الفلسفة والعلوم الاجتماعية يؤكد بشكل خاص على فكرة "الطبيعة البشرية" (خلافاً للـ لا إنسانية)، ثالثا: حركة فلسفية تدعوا إلى إعادة الكرامة إلى القيمة الإنسانية، وترجح التفكير العقلاني، والتأكيد على تفوق الإنسان بذاته وليس عن طريق القِوى التي لا تخضع لتحكم العقل (من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة)، رابعا: يعرفها الدكتور عصمت سيف الدولة بقوله ( الانسانيه كفلسفة تعنى الانطلاق من الإنسان كحقيقة أولى"كما هو"، كائن متفرد نوعيا بأنه وحده من الذكاء والمادة) ،كما يحدد الدكتور عصمت سيف الدولة ، المفاهيم التي تؤسس للفلسفة الانسانيه في الحضارة العربية الاسلاميه وهى: أولا:مفهوم التوحيد الذي يقول عنه( قرون نحن نتعلم ونعلم، وتوحي لنا أمهاتنا، ونوحي إلى أبنائنا، أن الله الواحد القادر على كل شيء، ذا الاراده المطلقة، ليس من البشر وليس كمثله شي لينفى لنا التوحيد نفيا قاطعا وجود ألهه من البشر، قادرين على أن يرفعوا إرادتهم فوق ارتاده البشر(الطريق،ج 1، ص162) ، و مفهوم الاستخلاف الذي يقول عنه (ومن هنا كان الاهتمام الفذ، الذي يوليه القران للإنسان، في آيات آمره ناهيه مرشده مذكره محذره، تستهدف جميعا تقويم الإنسان ليكون صالحا لدور القائد لحركه التطور الاجتماعي، على الأرض التي استخلف فيها)(النظرية،ج 1ص90 ) ، ومفهوم التسخير الذي يقول عنه (ثلاثة عشره قرنا ونحن نسمع ونقرا، في الطفولة والشباب والى آخر العمر، ما يمدنا كبشر بعصارة التفوق ، ويغذى في نفوسنا كبرياء الإنسان، كل شي مسخر للإنسان، أن الأرض بجبالها وأنهارها وكنوزها ،والسماء بشموسها وأقمارها كل هذا من اجلنا نحن بني الإنسان)( الطريق، ج 1 ،ص 162)
    .واستنادا إلى هذه التعريفات المتعددة السابقه ، فان مضمون النزعة الانسانيه هو التأكيد على قيمه الوجود الانسانى، بصرف النظر عن تحديد طبيعة هذا الوجود"لان الأخيرة محل خلاف بين المذاهب المتعددة للنزعة الانسانيه ".
    ثانيا:قراءه نقدية للنزعة الانسانيه الغربية:أما النزعة الانسانيه الغربية فهي تيار فكرى، يتضمن العديد من المذاهب الفلسفية والاخلاقيه والسياسية والدينية.
    نشاه وتطور النزعة الانسانيه الغربية : يرجع الكثير من مؤرخي الفكر الغربي النزعة الانسانيه الغربية إلى الفلسفة اليونانية وبعض فلاسفتها وأهمهم بروتاغوراس الذي وضع شعار "الإنسان هو معيار كل شيء "، وفى مرحله تاليه ظهرت في ايطاليا في القرن الخامس عشر حركه" النهضة الإنسانية " وهى حركه للإصلاح الثقافي والتعليمي ،عن طريق إحياء التعلم الكلاسيكي، القائم على الأدب اليوناني واللاتيني ، قام بها معلمون وباحثين وكتاب أطلق عليهم لقب الإنسانيون( umanisti)، وقد كان المؤرخ الألماني جورج فويت أول من استخدم مصطلح " النزعة الانسانيه" ، لوصف هذه الحركة في العصر الحديث وذلك في عام 1856 ، وخلال الثورة الفرنسية وبعدها بقليل في ألمانيا ، بدأ مصطلح الإنسانية يشير إلى الفلسفات والأخلاق التي ترتبط بالإنسان، دون الاهتمام بأية مفاهيم إلهية.
    مذاهب النزعة الانسانيه الغربية : وكما سبق ذكره فقد تعددت مذاهب النزعة الانسانيه الغربية ، ومن أهم هذه المذاهب :
    المذهب الليبرالي : الليبرالية كفلسفة ومنهج تستند إلي فكره القانون الطبيعي، وهى فكره ذات جذور في الفلسفة اليونانية" كالسوفسطائيه، والرواقية.." ، و مضمونها "أن مصلحه المجتمع ككل تتحقق حتما من خلال عمل كل فرد فيه على تحقيق مصلحته الخاصة" ، وطبقا لها فان النزعة الانسانيه الليبرالية تركز على الإنسان الفرد ، وتتجاهل - أو تقلل من قيمه- الجماعة. أما على المستوى المذهبي"الايديولوجى " فان النزعة الانسانيه الليبرالية تتكون من أربعه مكونات أساسيه هي: أولا: العلمانية القائمة على فصل الدين عن الدولة في مجال الدين ،وترجع جذورها إلى الديانة المسيحية ،ثانيا: الديموقراطيه الليبرالية ألقائمه على إسناد السلطة والسيادة للشعب ،وترجع جذورها إلى الفلسفة السياسية اليونانية، ثالثا: الراسماليه القائمة على مفهوم الملكية الخاصة وليس الملكية الفردية" اى حق التصرف المطلق في المال "وترجع جذورها إلى القانون الروماني، رابعا: الفردية ألقائمه على أن الوجود الفردي سابق على الوجود الجماعى وغير متوقف عليه ،وقد ساهمت النزعة الانسانيه الليبرالية في تمرد الأوربيين على سادتهم وإسقاطهم وصايا الكنيسة وامتيازات الملوك والنبلاء وأمراء الإقطاع ،وأدى تحطيم هذه القيود إلي قهر الطبيعة بالعلم والثورة الصناعية وإرساء قواعد حضارة الرخاء المادي ( الحضارة الغربية المعاصرة).
    تقويم: غير أن استناد هذه النزعة الانسانيه الليبرالية على فكره القانون الطبيعي، الذي يركز على الفرد ويتجاهل الجماعة، أدى إلى أن تصبح ثمار هذا التقدم والرخاء المادي ( ملكيه خاصة) لأصحابه، بل كان بالنسبة إلي غيرهم من المجتمعات الاوربيه( الطبقات الاخرى) أو المجتمعات الاخرى (المجتمعات الشرقية في ظل الاستعمار الاوربى) فقرا على فقر وعبودية كعبوديه القرون الوسطى ، وبقيت المجتمعات الاوربيه والمجتمعات الاخرى محرومة من ثمار هذا التقدم والرخاء إلي ما قبل قرن(د. عصمت سيف الدولة ، الأسس).
    المذهب العلماني : أما النزعة الانسانيه العلمانية فقد تأسست في جامعة شيكاغو عام 1933 وقد عرفها بيانها الأول، بأنها إيديولوجية تتبنى السببية، القيم، والعدالة، بينما ترفض على وجه التحديد الأفكار الخارقة والدينية كأساس للأخلاق ولاتخاذ القرار.
    تقويم : وهكذا فان النزعة الانسانيه ى امتداد للنزعة الانسانيه اللييراليه ، مع التركيز على احد مكوناتها الاساسيه وهي العلمانية ،وهى تجعل العلاقة بين النزعة الانسانيه والدين علافه تناقض وإلغاء.
    المذهب الديني"المسيحي" : أما النزعة الانسانيه الدينية "المسيحية" فتضمن عدد من المذاهب الدينية الغربية،التي حاولت التوفيق بين الفلسفة الأخلاقية الإنسانية ، والمعتقدات الدينية المسيحية، التي تركز على احتياجات الإنسان واهتماماته وقدراته.
    تقويم: غير أن محاوله التوفيق بين النزعة الانسانيه والدين المسيحي انحازت إلى احد طرفي محاوله التوفيق" النزعة الانسانيه أو الدين المسيحي طبقا للمذهب الكاثوليكي أو لاحقا البروتستانتي ، مما حل دون أن تقوم بدورها في إلغاء الصراع بينهما عبر تاريخ أوربا.
    المذهب الوجودي: الوجودية فلسفة تذهب إلى أن ما يميز الإنسان عن باقي الموجودات ، أن الأخيرة تسبق ماهيتها (صفاتها) وجودها (المادي) ، أما الإنسان فهو الكائن الوحيد الذي يسبق وجوده (كجسم مادي) ماهيته (صفاته) أي أن الإنسان يوجد أولاً ثم يختار صفاته بأن يكون خيراً أو شريراً غني أو فقير.... لذا فهو الكائن الوحيد الذي يختار صفاته ، بينما الكائنات الأخرى يتم تحديد صفاتها قبل أن توجد. وترفض الوجودية القول بوجود أي معيار موضوعي للقيم ، وقالت بمعيار ذاتي للقيم هو الحرية. وقد انقسمت الفلسفة الوجودية في الموقف من الدين إلى تيارين: الوجودية الملحدة التي ترى في الإقرار بوجود اله إلغاء لحرية الإنسان، ومن رواد هذا التيار سارتر وهيدجر. أما التيار الثاني فهو الوجودية المؤمنة التي لا ترى في الإقرار بوجود الله إلغاء لحرية الإنسان، بل هو مصدر هذه الحرية بمعنى أخر ،فإن الإله هو الذي جعل وجود الإنسان سابق على ماهيته ،وبالتالي جعله كائن حر بخلاف الكائنات الأخرى. ومن رواد هذا التيار كيركيجارد ومارسيل و ياسبر.
    تقويم : وهكذا فان النزعه الانسانيه الوجودية قد أكدت على أهميه الوجود الانسانى ،ولكنها سقطت في هوة ذاتيه مطلقه ألغت اى البعد الموضوعي لهذا الوجود الانسانى .
    الأسس الفكرية للنزعة الانسانيه الغربية : واهم الأسس الفكرية المشتركة بين المذاهب المتعددة للنزعة الانسانيه الغربية هي : الاعتقاد بان الإنسان خير بطبعه ، والاعتقاد بقابليه الإنسان للكمال وإمكانية حدوث التقدم المستمر، تأكيد الفردية الإنسانية والدفاع عن حرية الفرد، التأكيد على سبب الشرور ليس الخطيئة كما تقرر الكنيسة, وإنما كان سببها النظام الاجتماعي السيئ.الانحياز لحكم الفرد الخاص ورفض سلطة الكنيسة ...القول بإمكانية مجيء العصر السعيد والفردوس الأرضي, وان ذلك يكون بالرخاء الاقتصادي, وتحقيق ذلك يكون بتبديد الخرافات والأوهام ونشر التربية العملية...
    تقويم: ومن العرض السابق يتضح لنا أن النزعة الانسانيه الغربية هدفت إلى تأكيد الوجود الإنساني، ولكنها تطرفت في هذا التأكيد ، فحولت هذا الوجود من وجود محدود تكوينيا "بالسنن الالهيه " وتكليفيا "بالوحي " ، إلى وجود مطلق "قائم بذاته ومستقل عن غيره" ،وبالتالي جعلت العلاقة بينه وبين الوجود الالهى علاقة تناقض وإلغاء وليست علاقة تحديد وتكامل .
    ثالثا: النزعة الانسانيه الاسلاميه :
    تعريف النزعة الانسانيه الاسلاميه: مضمون النزعة الانسانيه الاسلاميه هو تأكيد الإسلام- على مستوى أصوله النصية الثابتة ،وفروعه الاجتهادية المتغيرة - لقيمه الوجود الانسانى،وإثباته لهذا الوجود بأبعاده المتعددة،كوجود محدود تكليفيا بالسنن الالهيه " الكلية والنوعية "، التي تضبط حركه الوجود" الشهادى "الشامل للوجود الطبيعي " المسخر، و الانسانى "المستخلف"، اتساقا مع هذا فإنها تجعل العلاقة بين الوجود الالهى والوجود الانسانى بأبعاده المتعددة علاقة تحديد وتكامل ، وليست علاقة إلغاء وتناقض " كما في النزعة الانسانيه الغربية" ,اى أن الوجود الالهى يحدد الوجود الانسانى ، فيكمله ويغنيه ولكن لا يلغيه . ،وبناء على هذا التعريف فان النزعه الانسانيه الاسلاميه ليست مذهب أو مجموعه من المذاهب ، المتغيرة بتغير الزمان والمكان، بل هي خصصيه مميزه للإسلام كدين وكحضارة يقول الدكتور محمد راتب النابلسي ( إنّ الإنسانية إحدى خصائص الإسلام الكبرى، إنها تشغل حيزاً كبيراً في منطلقاته النظرية، وفي تطبيقاته العملية، وقد ربطت بعقائده وشعائره ومنهجه وآدابه ربطاً محكماً ) (النزعة الإنسانية في الإسلام / خطبة إذاعيه / 1999-10- 15 ).
    أسس النزعه الانسانيه الاسلاميه : وتستند النزعه الانسانيه الاسلاميه إلى ثلاثة مفاهيم قرآنية كلية هي:
    أولا: مفهوم التوحيد: ومضمونه إفراد الربوبية والالوهيه لله تعالى ، ومضمون توحيد الربوبية أن الله تعالى ينفرد بكونه الفاعل المطلق، أو الدائم كونه فاعلا بتعبير الإمام ابن تيميه ، الذي يقول في معرض رفضه لاستدلال المتكلمين على وجود الله بطريقه الأعراض الدالة على حدوث الأجسام( إن هذا المسلك مبنى على امتناع دوام كون الرب فاعلا وامتناع قيام الأفعال الاختيارية بذاته) (ابن تيميه، درء التعارض،1/98.)، فتوحيد الربوبية طبقا لهذا التعريف - ضمان موضوعي مطلق لتحقيق البعد الايجابي للوجود الانسانى (على المستوى الموضوعي)، لانه يؤدى الى تحرير الوجود الإنساني"بما هو فعل غائي محدود " من أي فعل مطلق زائف ، وهو ما عبّر عنه القرآن بالاستكبار. و مضمون توحيد الإلوهية أن الله تعالى ينفرد بكونه الغاية المطلقة، أو الغاية المطلوب بتعبير الإمام ابن تيميه الذي يقول(.. ولكن المراد المستعان على قسمين: منه ما يراد لغيره ..... ومنه ما يراد لنفسه فمن المرادات ما يكون هو الغاية المطلوب فهو الذي يذل له الطالب ويحبه وهو الإله المعبود ومنه ما يراد لغيره)، فتوحيد الالوهيه- طبقا لهذا التعريف ضمان موضوعي مطلق لتحقيق البعد السلبي للوجود الانسانى (على المستوى الذاتي) ، لأنه يؤدى إلى في تحرير الذات من الغايات المطلقة الزائفة وهو ما عبّر عنه القرآن باجتناب الطاغوت.
    مفهوم التسخير: ومضمونه أن الأشياء والكائنات التي لها درجه التسخير تظهر صفات ربوبية والوهيه الله تعالى ، على وجه الإجبار ، فهي دائما آيات داله على وجوده المطلق يقول ابن القيم ( فالكون كما هو محل الخلق والأمر مظهر الأسماء والصفات فهو بجميعه شواهد وأدله وآيات دعا الله سبحانه عباده إلى النظر فيها). ويترتب على مفهوم التسخير قاعدتان هما:
    أولا. الموضوعية: وتنقسم إلى قسمين هما : الموضوعية التكوينية (تتمثل في الوجود الموضوعي للكون)، والموضوعية التكلفية (وتتمثل في الوحي كوضع الهي مطلق)، وقسما الموضوعية يترتب عليهما تقرير أن الوجود الانسانى غير منفصل عن العالم الطبيعي وقوانينه ،أو الوحي ومفاهيمه وقيمه وقواعده الكلية.
    ثانيا: السببية: وطبقا لها فان مضمون السنن الالهيه "الكلية والنوعية "التي تضبط حركه الوجود الشهادى ، هو تحقق المسبب بتوافر السبب وتخلفه بتخلف السبب..ويترتب على قاعدة السببية تقرير أن الضرورة ( ممثلة في انضباط حركة الوجود الشهادي بسنن إلهية لا تتبدل) هي شرط وليس إلغاء - للوجود الانسانى ، أي أن تحقق الوجود الإنساني يتوقف على معرفة والتزام حتمية هذه السنن الإلهية.
    مفهوم الاستخلاف : ومضمونه إظهار الإنسان لربوبية وإلوهيته الله تعالى في الأرض ،على المستوى الصفاتى، على وجه الاختيار، وهو ما يكون بالعبودية والعبادة، يقول الالوسى ( فلابد من إظهار من تم استعداده وقابليته ليكون مجليا لي ومراه لاسمائى وصفاتي)( روح المعنى،ص223) وإظهار صفات الالوهيه يكون بتوحيد الالوهيه والعبادة، وللاخيره معنى خاص ومعنى عام ، ومضمون الأخير كل فعل الغاية المطلقة منه الله تعالى يقول الإمام ابن تيميه ( العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.) (رسالة العبودية ، ص 38) ، والعبادة - طبقا لهذا التعريف - هي ضمان موضوعي مطلق لتحقيق البعد الايجابي للوجود الانسانى(على المستوى الذاتي) ، لأن اتخاذ الله تعالى غاية مطلقة، يمد الذات بإمكانيات غير محدودة للترقي"الروحي" ، لأنه لا تتوافر للذات الإنسانية إمكانية التحقيق النهائي لها. أما إظهار صفات الربوبية فيكون بتوحيد الربوبية والعبودية، التي تعنى تحديد الفعل الانسانى وليس إلغائه - وذلك باتخاذ مقتضى صفات الربوبية ضوابط موضوعيه مطلقه له ، والعبودية- طبقا لهذا التعريف - ضمان موضوعي مطلق لتحقيق البعد الإيجابي للوجود الانسانى (على المستوى الموضوعي)، لان الفعل الالهى المطلق عندما يحدد الفعل الانسانى ، فانه يكمله ولا يلغيه.
    النزعة الانسانيه الاسلاميه وإقرار الإسلام للمبادئ الانسانيه:وتتأسس النزعة الانسانيه الاسلاميه على إقرار الإسلام كدين للمبادئ الانسانيه:
    الإخاء: فقد اقر الإسلام مبدأ الاخاء الانسانى ، قال تعالى( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)، وروى الإمام أبو داود وأحمد في مسنده عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ سَمِعْتُ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي دُبُرِ صَلَاتِه (اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ،أَنَا شَهِيدٌ أَنَّكَ أَنْتَ الرَّبُّ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، أَنَا شَهِيدٌ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ،اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، أَنَا شَهِيدٌ أَنَّ الْعِبَادَ كُلَّهُمْ إِخْوَةٌ... )
    الحرية : كما اقر الإسلام مبدأ الحرية بأبعاده المتعددة ،قال تعالى ( وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ) (الكهف :29) ، وقال تعالى ( أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ )(يونس:99)، وتأكيدا لذلك اقر السلف الصالح بمبدأ الحرية، قال عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه)( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهم أحراراً )( ابن عبد الحكم: فتوح مصر / ص 290
    المساواة: كما اقر الإسلام مبدأ المساواة ، قال تعالى( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) ، وجاء فى خُطْبَةَ الرَسُولِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )فِي وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى، أَبَلَّغْتُ ) (رواه أحمد عَنْ أَبِي نَضْرَةَ)
    العدل : كما اقر الإسلام مبدأ العدل، قال تعالى: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.) ، وقال تعالى: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً)،
    أبعاد النزعة الانسانيه الاسلاميه:
    البعد الحكمي " الفلسفي"(حكمه"فلسفه"الاستخلاف): يتمثل البعد الحكمي "الفلسفي" للنزعة الانسانيه الاسلاميه ، في حكمه " فلسفه " الاستخلاف ، التي تقوم على محاوله تحديد العلاقة بين المستخلف" الله تعالى" والمستخلف"الإنسان" والمستخلف فيه "الكون"- اى محاوله تحديد العلاقة بين أطراف علاقة الاستخلاف - وذلك باتخاذ المفاهيم ألقرانيه الكلية ( التوحيد والاستخلاف والتسخير) مسلمات أولى ، ثم محاوله استنباط النتائج الحكمية"الفلسفية" لهذه المفاهيم الكلية، متخذه من اجتهادات أهل السنة - بمذاهبهم المتعددة- العقدية "الكلامية " - نقطه بداية- وليس نقطه نهايه - لهذا الاجتهاد.
    الاستخلاف كمفهوم محوري للبعد الحكمي "الفلسفي " للنزعة الانسانيه الاسلاميه : فالاستخلاف هو مفهوم محوري في البعد الحكمي "الفلسفي " للنزعة الانسانيه الاسلاميه، لأنه يمثل كعلاقة - الحكمة "الفلسفة" الإسلامية ، التي تحاول تحديد العلاقة بين أطراف علاقة الاستخلاف ،والتي تشكل البعد الفلسفي للنزعة الانسانيه الاسلاميه كما ذكرنا أعلاه، ، كما انه يمثل كمفهوم- احد المفاهيم الكلية التي تستند إليها هذا الحكمة " الفلسفة " الاسلاميه .
    تعريف الاستخلاف والأساس الفلسفي للنزعة الانسانيه الاسلاميه : والاستخلاف لغة النيابة والوكالة (الفخر الرازي، التفسير الكبير ومفاتيح الغيب،ج26،ص199). وإذا كانت الوكالة نوعان: عامه وخاصة فان الاستخلاف ورد في القران بما يقابل هذين النوعين، فقد ورد بمعنى الوكالة العامة ، وطبقا للمعنى الحقيقي للمصطلح ،وهو هنا يعنى أبدال وتغيير قوم بقوم آخرين ، كما في الاستخلاف التكويني ، كما ورد بمعنى الوكالة الخاصة، وطبقا للمعنى المجازى للمصطلح، حيث يصور القران الكريم الوجود بمملكه ملكها الله تعالى ، والإنسان نائب ووكيل عنه في الأرض،تكريما للإنسان، وهو الاستخلاف التكليفى ، يقول الراغب الاصفهانى (ألخلافه النيابة عن الغير إما لغيبه المنوب عنه... وإما لتشريف المستخلف)( المفردات في غريب القران ، ص156 ). وهذا التصور القرانى يمثل الأساس الحكمي " الفلسفي" للنزعة الانسانيه الاسلاميه،لأنه يتضمن تأكيد لقيمه الوجود الانسانى، دون أن يترتب على هذا التأكيد ، احاله هذا الوجود الانسانى إلى وجود مطلق وقائم بذاته ومستقل عن الوجود الالهى ، كما في النزعة الانسانيه الغربية .
    أقسام الاستخلاف وشمول النزعة الانسانيه الاسلاميه : يمكن تقسيم الاستخلاف إلى الأقسام التالية:
    أولا:الاستخلاف الخاص: هو استخلاف فرد معين، وهو مقصور على الأنبياء والرسل، ومن أدلته قوله تعالى ﴿ يا داؤد إنا جعلناك في الأرض خليفة فاحكم بين الناس بالحق﴾ ، وبختم النبوة وانقطاع الوحي بوفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم ) انتهى هذا القسم من أقسام الاستخلاف .
    ثانيا:الاستخلاف العام: وهو استخلاف الجماعة، ولا ينفرد به إي فرد أو فئة دونها ، ومن أدلته قوله تعالى ﴿ هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره﴾، ورد في تفسير ألنسفي ( .... والمعنى انه جعلكم خلفاء في أرضه وقد ملككم مقاليد التصرف فيها وسلطكم على ما فيها وأباح لكم منافعها لتشكروه بالتوحيد و الطاعة )( مدارك النزيل وحقائق التاويل، ص201) . وفي السنة قال الرسول (صلى الله عليه وسلم) ( إن الدنيا حلوة خضرة وان الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون) ( مسلم: ذكر, 99, الترمذي فتن36).وينقسم إلى قسمين :
يعمل...