كثيرٌ ممّن يتصدّى للكلام في العقليّات وأصول الدّين من المعاصرين، لا يعدو أن يكون كلامهم لغوًا وسقطًا مليء التّناقض والتّهافت، فالأجدر بمثل كلامهم الإعراضُ عنه وعدمُ الاشتغال به، إلّا أنّ هذا لا يمنع من نقد ما يصدر عنهم، لكشف عوارهم، والتّنفير من طريقتهم وكلامهم.
ومن ذلك ما كتبه (محمد المجذوب) أحدهم تحت عنوان: المعجزة القرآنية برهان للإيمان بالله: حوار مع مناقشي الملحد
فكان مقالًا شديد التّهافت، لا حاصل من ورائه إلّا التّخليط، وقد كتبت عليه بعض تعليقاتٍ، أحببت مشاركتها، عسى أن يكون فيها بعضُ فائدة.
كلام الكاتب المعلّق عليه سيكون بعد كلمة 'المجذوب'، والتعّليق ما يليه.
المجذوب: "لقد تبيّن ... عجز الاتجاه العقلي عن حل المسألة الميتافيزيقية"
هذه دعوى عاريةٌ عن البرهان، وإلّا فنحن ندّعي أنّ الممثّل الأجدر للاتّجاه العقليّ هم متكلّمو أهل السنّة، وهم لم يعجزوا عن حلّ ما يسّميه الكاتب 'بالمسألة الميتافيزيقيّة'، نعم، قد يحصل الخطأ من بعضهم، أو من غيرهم ممّن ادّعى أنّ بناءه الفكر قائِمٌ على أحكام العقل.
⦁ المجذوب: "العقل لا ينتج يقينا بل ينتج احتمالا"
نفس هذا الحُكم الذي طرحه الكاتب، إن كان يدّعي أنّه من نتاج العقل، فهو احتماليٌّ غيرُ قطعيٍّ، بمعنى أنّه "من الممكن والمحتمل ألّا يُنتج العقل قطعًا ويقينًا أبدًا، بل لا يُنتج إلّا مجرّد احتمالٍ"، والاحتمال المضادّ له حينها يكون ممكنًا كذلك، بمعنى أنّه من المحتمل أنّ العقل قد يُنتج القطع واليقين، وهذا ما لا يريده الكاتب، بل يُبطل نفسَ القاعدة التي مفادها عدم إمكانِ ذلك، وهذا شأن القضايا الفاسدة، فإنّها تنقض نفسها.
وصاحب المقال إن كان يريد أنّ الإنسان لا يُمكنه في الواقع أن يجزم بالأحكام التي تنتج عن النّظر العقليّ، فذلك باطلٌ، فإنّ كلّ إنسانٍ يجد من نفسه ضرورةً التّصديق ببعض الأحكام الصّادرة عن النّظر العقليّ تصديقًا لا يحتمل النّقيض (كأغلب مسائل الرّياضيّات)، فيكون العقل بذلك جازمًا وقاطعًا ببعض الأحكام، خلافًا لما يدّعيه الكاتب.
وإن قصد صاحب المقال أنّ العقل ليس من شأنه القطع، لكون القطع واليقين أعلى من مقامه وطوره، فهو وإن قطع في بعض أحكامه، فقطه ذلك لا ينبغي له، لعدم أهليّته لذلك وهو ما يظهر أنّ الكاتب يشير إليه-، فهذا حُكمٌ باطلٌ كذلك،
وذلك أنّ العقل وسيلةُ وآلةُ النّفس في الإدراك، وقد تكون أحكامه بديهيّةً أوليّةً، ككون الكلِّ أكبرَ من الجزء، واستحالةِ اجتماع النّقيضين، وهذا القسم من أحكامه لا سبيل إلى القول بالاحتمال وعدم الجزم فيه، بل قائِلُ ذلك يُلحق بالسّفسطة، والقسم الثّاني من أحكام العقل هو الأحكام النّظريّة، وهي ما توقّف على استدلالٍ، وفي هذا القسم يجب على العقلِ القطعُ بما انبنى على أحكام القسم الأوّل (القضايا الأوليّة الضّروريّة) انبناءً منطقيًّا صحيحًا، بأن تكون المقدّمات المستعملة في أدلّة الأحكام التي يجزم بها العقل، مستندةً وراجعةً إلى الضّروريّات.
⦁ المجذوب: "فالعقل لا يحسم التناقض بين الآراء العقلية المتناقضة"
استحالة اجتماعِ النّقيضين وارتفاعِهما من الأوّليّات العقليّة التي لا يُمكن أن يشكّ فيها عاقلٌ يعي ما يقول، فالعقل يحسم في كلّ تناقضٌ يعرض له بأنّه لا يُمكن أن يجتمع طرفاه، ولا يُمكن أن يرتفعا، لكنّه بعد ذلك قد يتوقّف في الجزم بوقوع أحد المتناقضين وارتفاع الآخر لعدم وجود دليلٍ معتبرٍ عنده يرجّح وقوع أحدهما، إلّا أنّه إن وجدَ دليلًا على ذلك، فهو يجزم بوقوع أحد المتناقضين وارتفاع الآخر.
والكلام في تناقض هذا الكلام كالكلام في سابقه، فنقيض القضيّة التي ساقها هذا الكاتب: (العقل قد يحسم التّناقض بين الآراء العقليّة المتناقضة)، فلا يجوز للكاتب بناءً على قاعدته أن يُطلق الحُكم الذي ساقه سابقًا، لأنّه حينها يكون قد حسم بين رأيين عقليّين متناقضين، وهذا ما تفعله السّفسطة ويفعله الجهل والتّخليط بصاحبه.
ويلزم على كلام هذا الكاتب أنّ العقل لا يمكنه حسم قضيّة وجود الله وعدم وجوده، وهذا كُفرٌ بيّن، وقد ينفصل عن هذا الإلزام بكون العقل يستمدّ هذا الحكم من الشّرع والوحي، إلّا أنّه لا يفيده ذلك، لأنّ العقل هو الحاكم بحقيّة الوحي والشّرع، فإذا لم يثبت وجود إلهٍ أصلًا عند العقل، فلا معنى لأن يستند على وحيه والمبلّغ عنه (الرّسول).
⦁ المجذوب: "بل إن الدليل العقلي يمكن هدمه بدليل عقلي آخر معارض له"
ليس كلّ دليلٍ صحيحًا، بل الكثير من الأدلّة واهياتٌ لا يصحّ الاستناد عليها (كمثل التّهافتات التي تصدر من صاحب هذا المقال)، فنحن نسلّم أنّه يُمكن أن يُعارض أيّ دليلٍ عقليٍّ بآخرَ، لكنّ هذه المعارضة ليست بالضّرورة مبطلةً للدّليل الأوّل، ما لم يكن الدّليل الثّاني صحيحًا والأوّل باطلًا أو العكس.
⦁ المجذوب: "عقل الإنساني مخلوق وبالتالي فهو لا يحيط بالخالق."
الكاتب لا زال غارقًا في بحر تناقضاته، فهو هُنا يستعمل دليلًا عقليًّا، مع أنّه قرّر قبلًا أنّ الدّليل العقليّ لا يُنتج يقينًا، ويُمكن أن يُعارض بغيره، مع أنّ ما ذكره لا يصحّ أصلًا أن يُكون دليلًا على شيءٍ، فليس فيه من الضّوابط والشّوط المعتبرة في الدّلالة، إذا إنّه لم يبيّن كيف أنّ كون العقل الإنسانيّ مخلوقًا مفيدٌ لكونه غيرَ محيطٍ بالخالق.
ويبدو أنّ الكاتب نظر إلى مثل كلامه الضّعيف هذا، وظنّ أنّ جميع الأدلّة العقليّة في ضعفه وتهافته، فحكم بكونها غير مفيدةً لليقين.
ونحن وإن كنّا نوافق على أنّ العقل لا يحيط علمًا بالخالق، إلّا أنّا لا نمنع مع كونه مدركًا لبعض الأحكام المتعلّقة به (ككونه تعالى موجودًا عالمًا قادرًا) مستقلًّا في الكشف عنها.
⦁ المجذوب: "ليس معنى هذا إلغاء وظائف الحواس والعقل في المعرفة، لا، ولكن يعني العمل على هداية الحواس والعقل والقلب بهدي الوحي"
من المقرّر والمعلوم أنّ ثبوت الشّرع عند المكلّف متوقّفٌ على ثبوت وجود الله تعالى، وكونه قادرًا مريدًا عالمًا حيًّا، فالدّعوة إلى اتّباع الوحي في أحكامه لا يصلح مع الطّعن في أحكام العقل.
⦁ المجذوب: "الوحي هو الذي يطلعنا على القضايا الغيبية، ومعرفته حجة علي ذلك المادي المنكر للغيب جملة، وعلي ذلك الشاك، أو علي ذلك المؤمن أصلا، أو علي ذلك المتأله الذي يحاول إثبات وجود الله تعالى بالأدلة العقلية."
لا يُمكن أن يكون الوحي من حيث كونه وحيًا- حجّةً على من لم يثبت عنده حقيّته إلّا بعد أن يُثبت له ما يتوقّف عليه عقلًا صحّة هذا الوحي ممّا ذكرنا سابقًا، وبالتّالي فكلام هذا الكاتب متهافتٌ.
⦁ المجذوب: "كيف وهو الكلام الذي ثبت عقلا أنه نازل من عالم الغيب والشهادة"
يصرّح صاحبنا هنا أنّ العقل أثبت كون الكلام نازلًا من عالم الغيب والشّهادة، وهذا ما يناقض ما أجهد الكاتب نفسه في تقريره أوّلًا من إبطال قطعيّة أحكام العقل، وإمكانه بالحسم في القضايا المتناقضة، اللهمّ إلّا إن كان يعرض هذه القضيّة على سبيل الاحتمال، لا على سبيل القطع، وعندما يكون كلامه ضائِعًا، إذ ما لم يثبت صحّة فلا ينبغي الدّعوة إليه والبناء عليه.
- المجذوب: "إن الحواس وهي مصادر المعرفة العقلية تدرك المحسوسات، أما الذات الإلهية واليوم الآخر وسائر الغيبيات فهي غير محسوسة، فمن أين للعقل أن يدركها وهي لا تحس وهو لا يجرد مقولاته إلا بالاعتماد على المحسوس وعلى الحواس التي هي وسائل المعرفة عند البشر."
مصادر المعرف العقليّة أعمّ ممّا ادّعاه الكاتب، فليست محصورةً بالحواسّ كما ذكر، ولو كلّف الكاتب نفسه قراءة بعض كتب المنطق الصّغيرة، لحصل على فائدةٍ في المسألة، وكان خيرًا له من التّهافت الذي يفضح نفسه به.
وباقي المقال فيه تكرارٌ لما ذكره الكاتب أوّلًا،
وكاتبُ هذا المقال المتهافت نموذجٌ ومثالٌ 'للمفكّرين' المعاصرين الذين لم يضبطوا مبادئ العلوم الأصليّة التي قرّرها ساداتنا العلماء، فالإعراض عنهم وفضحه جهلهم وكشف عوارهم لازمٌ ليلّا ينخدع بكلاهم أحدٌ، والله الموفّق.
ومن ذلك ما كتبه (محمد المجذوب) أحدهم تحت عنوان: المعجزة القرآنية برهان للإيمان بالله: حوار مع مناقشي الملحد
فكان مقالًا شديد التّهافت، لا حاصل من ورائه إلّا التّخليط، وقد كتبت عليه بعض تعليقاتٍ، أحببت مشاركتها، عسى أن يكون فيها بعضُ فائدة.
كلام الكاتب المعلّق عليه سيكون بعد كلمة 'المجذوب'، والتعّليق ما يليه.
المجذوب: "لقد تبيّن ... عجز الاتجاه العقلي عن حل المسألة الميتافيزيقية"
هذه دعوى عاريةٌ عن البرهان، وإلّا فنحن ندّعي أنّ الممثّل الأجدر للاتّجاه العقليّ هم متكلّمو أهل السنّة، وهم لم يعجزوا عن حلّ ما يسّميه الكاتب 'بالمسألة الميتافيزيقيّة'، نعم، قد يحصل الخطأ من بعضهم، أو من غيرهم ممّن ادّعى أنّ بناءه الفكر قائِمٌ على أحكام العقل.
⦁ المجذوب: "العقل لا ينتج يقينا بل ينتج احتمالا"
نفس هذا الحُكم الذي طرحه الكاتب، إن كان يدّعي أنّه من نتاج العقل، فهو احتماليٌّ غيرُ قطعيٍّ، بمعنى أنّه "من الممكن والمحتمل ألّا يُنتج العقل قطعًا ويقينًا أبدًا، بل لا يُنتج إلّا مجرّد احتمالٍ"، والاحتمال المضادّ له حينها يكون ممكنًا كذلك، بمعنى أنّه من المحتمل أنّ العقل قد يُنتج القطع واليقين، وهذا ما لا يريده الكاتب، بل يُبطل نفسَ القاعدة التي مفادها عدم إمكانِ ذلك، وهذا شأن القضايا الفاسدة، فإنّها تنقض نفسها.
وصاحب المقال إن كان يريد أنّ الإنسان لا يُمكنه في الواقع أن يجزم بالأحكام التي تنتج عن النّظر العقليّ، فذلك باطلٌ، فإنّ كلّ إنسانٍ يجد من نفسه ضرورةً التّصديق ببعض الأحكام الصّادرة عن النّظر العقليّ تصديقًا لا يحتمل النّقيض (كأغلب مسائل الرّياضيّات)، فيكون العقل بذلك جازمًا وقاطعًا ببعض الأحكام، خلافًا لما يدّعيه الكاتب.
وإن قصد صاحب المقال أنّ العقل ليس من شأنه القطع، لكون القطع واليقين أعلى من مقامه وطوره، فهو وإن قطع في بعض أحكامه، فقطه ذلك لا ينبغي له، لعدم أهليّته لذلك وهو ما يظهر أنّ الكاتب يشير إليه-، فهذا حُكمٌ باطلٌ كذلك،
وذلك أنّ العقل وسيلةُ وآلةُ النّفس في الإدراك، وقد تكون أحكامه بديهيّةً أوليّةً، ككون الكلِّ أكبرَ من الجزء، واستحالةِ اجتماع النّقيضين، وهذا القسم من أحكامه لا سبيل إلى القول بالاحتمال وعدم الجزم فيه، بل قائِلُ ذلك يُلحق بالسّفسطة، والقسم الثّاني من أحكام العقل هو الأحكام النّظريّة، وهي ما توقّف على استدلالٍ، وفي هذا القسم يجب على العقلِ القطعُ بما انبنى على أحكام القسم الأوّل (القضايا الأوليّة الضّروريّة) انبناءً منطقيًّا صحيحًا، بأن تكون المقدّمات المستعملة في أدلّة الأحكام التي يجزم بها العقل، مستندةً وراجعةً إلى الضّروريّات.
⦁ المجذوب: "فالعقل لا يحسم التناقض بين الآراء العقلية المتناقضة"
استحالة اجتماعِ النّقيضين وارتفاعِهما من الأوّليّات العقليّة التي لا يُمكن أن يشكّ فيها عاقلٌ يعي ما يقول، فالعقل يحسم في كلّ تناقضٌ يعرض له بأنّه لا يُمكن أن يجتمع طرفاه، ولا يُمكن أن يرتفعا، لكنّه بعد ذلك قد يتوقّف في الجزم بوقوع أحد المتناقضين وارتفاع الآخر لعدم وجود دليلٍ معتبرٍ عنده يرجّح وقوع أحدهما، إلّا أنّه إن وجدَ دليلًا على ذلك، فهو يجزم بوقوع أحد المتناقضين وارتفاع الآخر.
والكلام في تناقض هذا الكلام كالكلام في سابقه، فنقيض القضيّة التي ساقها هذا الكاتب: (العقل قد يحسم التّناقض بين الآراء العقليّة المتناقضة)، فلا يجوز للكاتب بناءً على قاعدته أن يُطلق الحُكم الذي ساقه سابقًا، لأنّه حينها يكون قد حسم بين رأيين عقليّين متناقضين، وهذا ما تفعله السّفسطة ويفعله الجهل والتّخليط بصاحبه.
ويلزم على كلام هذا الكاتب أنّ العقل لا يمكنه حسم قضيّة وجود الله وعدم وجوده، وهذا كُفرٌ بيّن، وقد ينفصل عن هذا الإلزام بكون العقل يستمدّ هذا الحكم من الشّرع والوحي، إلّا أنّه لا يفيده ذلك، لأنّ العقل هو الحاكم بحقيّة الوحي والشّرع، فإذا لم يثبت وجود إلهٍ أصلًا عند العقل، فلا معنى لأن يستند على وحيه والمبلّغ عنه (الرّسول).
⦁ المجذوب: "بل إن الدليل العقلي يمكن هدمه بدليل عقلي آخر معارض له"
ليس كلّ دليلٍ صحيحًا، بل الكثير من الأدلّة واهياتٌ لا يصحّ الاستناد عليها (كمثل التّهافتات التي تصدر من صاحب هذا المقال)، فنحن نسلّم أنّه يُمكن أن يُعارض أيّ دليلٍ عقليٍّ بآخرَ، لكنّ هذه المعارضة ليست بالضّرورة مبطلةً للدّليل الأوّل، ما لم يكن الدّليل الثّاني صحيحًا والأوّل باطلًا أو العكس.
⦁ المجذوب: "عقل الإنساني مخلوق وبالتالي فهو لا يحيط بالخالق."
الكاتب لا زال غارقًا في بحر تناقضاته، فهو هُنا يستعمل دليلًا عقليًّا، مع أنّه قرّر قبلًا أنّ الدّليل العقليّ لا يُنتج يقينًا، ويُمكن أن يُعارض بغيره، مع أنّ ما ذكره لا يصحّ أصلًا أن يُكون دليلًا على شيءٍ، فليس فيه من الضّوابط والشّوط المعتبرة في الدّلالة، إذا إنّه لم يبيّن كيف أنّ كون العقل الإنسانيّ مخلوقًا مفيدٌ لكونه غيرَ محيطٍ بالخالق.
ويبدو أنّ الكاتب نظر إلى مثل كلامه الضّعيف هذا، وظنّ أنّ جميع الأدلّة العقليّة في ضعفه وتهافته، فحكم بكونها غير مفيدةً لليقين.
ونحن وإن كنّا نوافق على أنّ العقل لا يحيط علمًا بالخالق، إلّا أنّا لا نمنع مع كونه مدركًا لبعض الأحكام المتعلّقة به (ككونه تعالى موجودًا عالمًا قادرًا) مستقلًّا في الكشف عنها.
⦁ المجذوب: "ليس معنى هذا إلغاء وظائف الحواس والعقل في المعرفة، لا، ولكن يعني العمل على هداية الحواس والعقل والقلب بهدي الوحي"
من المقرّر والمعلوم أنّ ثبوت الشّرع عند المكلّف متوقّفٌ على ثبوت وجود الله تعالى، وكونه قادرًا مريدًا عالمًا حيًّا، فالدّعوة إلى اتّباع الوحي في أحكامه لا يصلح مع الطّعن في أحكام العقل.
⦁ المجذوب: "الوحي هو الذي يطلعنا على القضايا الغيبية، ومعرفته حجة علي ذلك المادي المنكر للغيب جملة، وعلي ذلك الشاك، أو علي ذلك المؤمن أصلا، أو علي ذلك المتأله الذي يحاول إثبات وجود الله تعالى بالأدلة العقلية."
لا يُمكن أن يكون الوحي من حيث كونه وحيًا- حجّةً على من لم يثبت عنده حقيّته إلّا بعد أن يُثبت له ما يتوقّف عليه عقلًا صحّة هذا الوحي ممّا ذكرنا سابقًا، وبالتّالي فكلام هذا الكاتب متهافتٌ.
⦁ المجذوب: "كيف وهو الكلام الذي ثبت عقلا أنه نازل من عالم الغيب والشهادة"
يصرّح صاحبنا هنا أنّ العقل أثبت كون الكلام نازلًا من عالم الغيب والشّهادة، وهذا ما يناقض ما أجهد الكاتب نفسه في تقريره أوّلًا من إبطال قطعيّة أحكام العقل، وإمكانه بالحسم في القضايا المتناقضة، اللهمّ إلّا إن كان يعرض هذه القضيّة على سبيل الاحتمال، لا على سبيل القطع، وعندما يكون كلامه ضائِعًا، إذ ما لم يثبت صحّة فلا ينبغي الدّعوة إليه والبناء عليه.
- المجذوب: "إن الحواس وهي مصادر المعرفة العقلية تدرك المحسوسات، أما الذات الإلهية واليوم الآخر وسائر الغيبيات فهي غير محسوسة، فمن أين للعقل أن يدركها وهي لا تحس وهو لا يجرد مقولاته إلا بالاعتماد على المحسوس وعلى الحواس التي هي وسائل المعرفة عند البشر."
مصادر المعرف العقليّة أعمّ ممّا ادّعاه الكاتب، فليست محصورةً بالحواسّ كما ذكر، ولو كلّف الكاتب نفسه قراءة بعض كتب المنطق الصّغيرة، لحصل على فائدةٍ في المسألة، وكان خيرًا له من التّهافت الذي يفضح نفسه به.
وباقي المقال فيه تكرارٌ لما ذكره الكاتب أوّلًا،
وكاتبُ هذا المقال المتهافت نموذجٌ ومثالٌ 'للمفكّرين' المعاصرين الذين لم يضبطوا مبادئ العلوم الأصليّة التي قرّرها ساداتنا العلماء، فالإعراض عنهم وفضحه جهلهم وكشف عوارهم لازمٌ ليلّا ينخدع بكلاهم أحدٌ، والله الموفّق.