معلوم لدارس علم الكلام والفلسفات قدر الجدل والخلاف الذي ثار حول مسألة أفعال البشر وهل يخلقون هم أفعالهم كما قالته بعض القدرية وتبعهم فيه بعض الفرق كالمعتزلة والزيدية والإمامية ، أو أن الأفعال مخلوقة لله بتوسط الكسب كما قاله سادتنا الأشاعرة ، لكن بحث القدماء كان يستند في الغالب إلى النظر العقلي المجرد ، ربما لعدم توفر معينات تعينهم على البحث التجريبي كما هو متوفر اليوم .
قام عالم العصبيات neuroscience بنيامين ليبيت Libet في العام 1982 بإجراء تجربة مثيرة جدا ومحورية في دراسة كيفية اتخاذ القرارات الإرادية في الدماغ البشري ، يمكن تلخيص التجربة بما يلي :
ضع يدك أمامك واثْنِ معصمك أو حرك أصبعك أو اقبض أصابعك كلها !
إن سئلنا عن كيفية وقوع هذه الحركة فإن الجواب الغالب أن هاجسَ/فكرة ثني المعصم وتحريك اليد خطرت/تكونت ابتداءً في أدمغتنا ، ثم تُرجم ذلك الخاطر واقعا عبر الأعصاب الموصلة لليد بالدماغ فتحركت اليد وثُنيَ المعصم .
لكن تجربة "ليبيت" في ثمانينيات القرن الميلادي الماضي جعلتنا نعيد النظر في هذا الافتراض .
أوصل ليبيت رؤوس الأشخاص المشاركين في تجربته بجهاز EEG لقياس النشاط الكهربي للدماغ ، ثم طلب منهم اختيار فعل بسيط كتحريك اليد أو الأصبع عندما يحس الواحد منهم من نفسه إرادة ذلك الفعل والرغبة فيه ، وجعلهم يسجلون الوقت الذي اتخذ فيه كل واحد منهم قرار تحريك اليد وهو مدرك لاتخاذه ذلك القرار ولإرادته ذلك الفعل ، ثم قام بمقارنة النشاط الكهربي الذي سجلته آلة قياس نشاط الدماع الكهربي مع الوقت المسجل لحدوث الاختيار لتحريك اليد في نفس كل مشارك .
إن كان الفرض الأول سبق الإرادةم / الفكرة للحركة صحيحا لكان الوقت المسجل لحدوث اختيار الفعل في نفس المشارك متقدما على أي نشاط كهربائي يمكن أن تقيسه آلة القياس المتصلة بروؤس المشاركين .
لكن "ليبيت" وجد في كل الحالات التي درسها أن آلة القياس تسجل وقوع وحدوث نشاط كهربائي في دماغ كل مشارك يسبق اللحظة التي سجل فيها المشارك إرادته تحريك يده بزمن معتبر .
هذه الملاحظة تعني أن ثمة شيء يحدث في الدماع تلقائيا فينتج عنه نشاط كهربي يسبق اتخاذنا أي قرار أو وجود أي إرادة لأي فعل ، بمعنى أن الإرادة التي نتوهم كونها حرة تقع باختيارنا تكون دائما مسبوقة بنشاط كهربائي دماغي يسبق وجودها ويؤدي إليها فيما يظهر ، وهو ما يعني أن وجود الإرادة تابع لوجود ذلك النشاط الكهربي .
فإن علمنا من علم العصبيات ووظائف الأعضاء أن حركة اليد تنتج عن ذلك النشاط الكهربائي في الدماغ الذي ينتقل عبر الأعصاب إلى عضلات اليد محدثا الحركة ، فإن ذلك يعني ببساطة أن اتخاذ قرار تحريك اليد وإرادتنا تحريك اليد لم ينتج عنه تحريك اليد فعليا وإنما نتج عن نشاط كهرباي لا إرادي يقع في الدماغ سابقا لوجود الإرادة/الاختيار ، ما يعني أن الاختيار/الإرادة تأتي تابعة لوجود منشيء الفعل الحقيقي في ادمعتنا ،
باختصار : الإرادة الواعية لم تنتج الفعل وإنما أنتجه نشاط كهربائي دماغي سابق لوجود تلك الإرادة التي نسميها بالحرة ، فالحركة إذن ابتدأ سببها قبل أن يريد الشخص أة يدرك أي شيء .
أدت هذه النتائج بالكثيرين إلى اعتبار "الإرادة الحرة" مجرد وهم لا أكثر ، وأن قراراتنا الواعية التي نظنها بمحض اختيارنا وإرادتنا ليست إلا تقارير لاحقة عن أمور حدثت وانتهت بالفعل ، فهي تقارير توهم الإنسان أنه أراد ما فعل لكنها ليست العلة الفعلية لما وقع من فعل .
عارض آخرون هذا التفسير ، وكان في مقدمتهم "ليبيت" نفسه صاحب التجربة ، إذ قال إنه بالرغم من عدم امتلاكنا إرادة حرة كما هو ظاهر من هذه التجربة إلا إننا ما زلنا نملك حرية الامتناع Free wont ، نوع من "حق النقض" الذي يبتدئ في الدماغ عند ابتداء النشاط الكهربي ثم حدوث إدراك الوعي لصدور تلك الحركة عن الشخص بما يمكنه من إيقاف وقوع تلك الحركة في أي وقت .
لكن ما قدمه ليبيت لا يوفر فرقا كبيرا عند التأمل في رأيي ، فغاية ما قاله أننا يمكن أن نمنع وقوع الفعل الذي ابتدأ سببه في ادمعتنا بواسطة وعينا بذلك الفعل وقدرتنا على إيقاف وقوعه ، لكنه لم ينف أن ابتداء صدور الفعل لا يد للإنسان فيه ويقع في دماغه لا إراديا ، فلم ينف أن منشأ الأفعال جبري اضطراري ، لكنه جعل الإرادة الحرة والوعي حاكمين بما يسمح له من الأفعال أن يقع وما يمنع .
وفي المقابل انتصر للتفسير الجبري لنتائج تجربة "ليبيت" كثر وكتب فيه عدة مقالات وكتب لعل أشهرها كتاب داعية الإلحاد "سام هاريس" المسمى "الإرادة الحرة Free will .
وقد سألتُ من قبل هنا في هذه الصفحة وأعيد السؤال : من أين تأتينا الأفكار والخواطر ما دام وعينا به وإدراكنا لها لاحق لوقوعها ، فإن قلنا إنها تنتج عن أفكار/خواطر أخرى تسبقها فهو التسلسل أو الدور وكلاهما محال ، وإن قلنا إنها تنتج بلا مرجح لوجودها بعد عدمها فهو أيضا محال عقلي .
جرت الكثير من النقاشات الأكاديمية والجماهيرية حول هذه النقاط في الغرب وكذلك حول تجربة "ليبيت" ، لكن المفارقة تظهر في تبني المؤمنين بوجود إله للكون للموقف المناصر لوجود إرادة حرة بينما الغالب على خصومهم من الملاحدة الانتصار للحتمية/الجبرية.
قام عالم العصبيات neuroscience بنيامين ليبيت Libet في العام 1982 بإجراء تجربة مثيرة جدا ومحورية في دراسة كيفية اتخاذ القرارات الإرادية في الدماغ البشري ، يمكن تلخيص التجربة بما يلي :
ضع يدك أمامك واثْنِ معصمك أو حرك أصبعك أو اقبض أصابعك كلها !
إن سئلنا عن كيفية وقوع هذه الحركة فإن الجواب الغالب أن هاجسَ/فكرة ثني المعصم وتحريك اليد خطرت/تكونت ابتداءً في أدمغتنا ، ثم تُرجم ذلك الخاطر واقعا عبر الأعصاب الموصلة لليد بالدماغ فتحركت اليد وثُنيَ المعصم .
لكن تجربة "ليبيت" في ثمانينيات القرن الميلادي الماضي جعلتنا نعيد النظر في هذا الافتراض .
أوصل ليبيت رؤوس الأشخاص المشاركين في تجربته بجهاز EEG لقياس النشاط الكهربي للدماغ ، ثم طلب منهم اختيار فعل بسيط كتحريك اليد أو الأصبع عندما يحس الواحد منهم من نفسه إرادة ذلك الفعل والرغبة فيه ، وجعلهم يسجلون الوقت الذي اتخذ فيه كل واحد منهم قرار تحريك اليد وهو مدرك لاتخاذه ذلك القرار ولإرادته ذلك الفعل ، ثم قام بمقارنة النشاط الكهربي الذي سجلته آلة قياس نشاط الدماع الكهربي مع الوقت المسجل لحدوث الاختيار لتحريك اليد في نفس كل مشارك .
إن كان الفرض الأول سبق الإرادةم / الفكرة للحركة صحيحا لكان الوقت المسجل لحدوث اختيار الفعل في نفس المشارك متقدما على أي نشاط كهربائي يمكن أن تقيسه آلة القياس المتصلة بروؤس المشاركين .
لكن "ليبيت" وجد في كل الحالات التي درسها أن آلة القياس تسجل وقوع وحدوث نشاط كهربائي في دماغ كل مشارك يسبق اللحظة التي سجل فيها المشارك إرادته تحريك يده بزمن معتبر .
هذه الملاحظة تعني أن ثمة شيء يحدث في الدماع تلقائيا فينتج عنه نشاط كهربي يسبق اتخاذنا أي قرار أو وجود أي إرادة لأي فعل ، بمعنى أن الإرادة التي نتوهم كونها حرة تقع باختيارنا تكون دائما مسبوقة بنشاط كهربائي دماغي يسبق وجودها ويؤدي إليها فيما يظهر ، وهو ما يعني أن وجود الإرادة تابع لوجود ذلك النشاط الكهربي .
فإن علمنا من علم العصبيات ووظائف الأعضاء أن حركة اليد تنتج عن ذلك النشاط الكهربائي في الدماغ الذي ينتقل عبر الأعصاب إلى عضلات اليد محدثا الحركة ، فإن ذلك يعني ببساطة أن اتخاذ قرار تحريك اليد وإرادتنا تحريك اليد لم ينتج عنه تحريك اليد فعليا وإنما نتج عن نشاط كهرباي لا إرادي يقع في الدماغ سابقا لوجود الإرادة/الاختيار ، ما يعني أن الاختيار/الإرادة تأتي تابعة لوجود منشيء الفعل الحقيقي في ادمعتنا ،
باختصار : الإرادة الواعية لم تنتج الفعل وإنما أنتجه نشاط كهربائي دماغي سابق لوجود تلك الإرادة التي نسميها بالحرة ، فالحركة إذن ابتدأ سببها قبل أن يريد الشخص أة يدرك أي شيء .
أدت هذه النتائج بالكثيرين إلى اعتبار "الإرادة الحرة" مجرد وهم لا أكثر ، وأن قراراتنا الواعية التي نظنها بمحض اختيارنا وإرادتنا ليست إلا تقارير لاحقة عن أمور حدثت وانتهت بالفعل ، فهي تقارير توهم الإنسان أنه أراد ما فعل لكنها ليست العلة الفعلية لما وقع من فعل .
عارض آخرون هذا التفسير ، وكان في مقدمتهم "ليبيت" نفسه صاحب التجربة ، إذ قال إنه بالرغم من عدم امتلاكنا إرادة حرة كما هو ظاهر من هذه التجربة إلا إننا ما زلنا نملك حرية الامتناع Free wont ، نوع من "حق النقض" الذي يبتدئ في الدماغ عند ابتداء النشاط الكهربي ثم حدوث إدراك الوعي لصدور تلك الحركة عن الشخص بما يمكنه من إيقاف وقوع تلك الحركة في أي وقت .
لكن ما قدمه ليبيت لا يوفر فرقا كبيرا عند التأمل في رأيي ، فغاية ما قاله أننا يمكن أن نمنع وقوع الفعل الذي ابتدأ سببه في ادمعتنا بواسطة وعينا بذلك الفعل وقدرتنا على إيقاف وقوعه ، لكنه لم ينف أن ابتداء صدور الفعل لا يد للإنسان فيه ويقع في دماغه لا إراديا ، فلم ينف أن منشأ الأفعال جبري اضطراري ، لكنه جعل الإرادة الحرة والوعي حاكمين بما يسمح له من الأفعال أن يقع وما يمنع .
وفي المقابل انتصر للتفسير الجبري لنتائج تجربة "ليبيت" كثر وكتب فيه عدة مقالات وكتب لعل أشهرها كتاب داعية الإلحاد "سام هاريس" المسمى "الإرادة الحرة Free will .
وقد سألتُ من قبل هنا في هذه الصفحة وأعيد السؤال : من أين تأتينا الأفكار والخواطر ما دام وعينا به وإدراكنا لها لاحق لوقوعها ، فإن قلنا إنها تنتج عن أفكار/خواطر أخرى تسبقها فهو التسلسل أو الدور وكلاهما محال ، وإن قلنا إنها تنتج بلا مرجح لوجودها بعد عدمها فهو أيضا محال عقلي .
جرت الكثير من النقاشات الأكاديمية والجماهيرية حول هذه النقاط في الغرب وكذلك حول تجربة "ليبيت" ، لكن المفارقة تظهر في تبني المؤمنين بوجود إله للكون للموقف المناصر لوجود إرادة حرة بينما الغالب على خصومهم من الملاحدة الانتصار للحتمية/الجبرية.
تعليق