ملاحظة وتعقيب
غلب على كثير من الناس أن يقولوا إن الفارق بين السوفسطائية وبين المتصوفة أن السوفسطائية تنكر مطلق الوجود أي تقول لا موجود أصلا، أو لا وجود، أي إن لا شيء أصلاً سواء كان وجود الواجب أو وجود الممكن، وبتعبير آخر ينكرون العلم والمعلوم ويثبتون الحسَّ فقط، وهذا هو الكفر المحض.
بخلاف المتصوفة فإن الكون ثابت عندهم بلا وجود، فيعترفون بثبوت الأعيان كالعكوس في المرايا العدمية، وينكرون وجود ما سوى الله تعالى، إذ إن أهل التصوف لا ينكرون مطلق الوجود بل ينكرون وجود الممكن المقيد في جانب وجود الحقّ ضرورة إثباتهم وجود الواجب وحصر الوجود فيه، تخصيصهم التدبير والتقدير به.
هكذا يبين بعضهم الفارق بين الصوفية!! وبين السوفسطائية.
ولنا على هذا الكلام ملاحظات:
أولاً: إن الذين يقولون بعدم وجود غير الله تعالى ليسوا هم الصوفية هكذا على الإطلاق، بل هم الصوفية القائلون بوحدة الوجود، سواء أكانوا أتباع ابن عربي أم غيرهم. فلا يصح إطلاق لفظ الصوفية بلا تقييد. مع أن هذا الإطلاق شائع في كلمات كثير من الناس، وقد يسوغ الإطلاق أحياناً للعلم بأن المراد هم الوجودية القائلين بوحدة الوجود منهم عرفاً، ولكن غفلة الكثير عن ذلك يوهمه أن المراد هو عموم الصوفية، وعلى هذا جرى كثير من الناس، وهو وهمٌ يعارضه العلم.
ثانيا: إن الصوفية الذين يمشون على مذهب أهل السنة لا يقولون بنفي وجود الممكنات، ولا يقولون بأن لا وجود إلا لله تعالى، بل هم موافقون لمتكلميهم بأن الله تعالى موجود بوجود خاص به وهو وجود واجب، وأن الممكنات الحادثة خلقها الله تعالى وأوجدها وجعل لها وجودا خاصا إمكانيا. فالوجود متعدد عندهم كالموجود خلافا للصوفية الوجودية.
ثالثا: صحيح إن السوفسطائية لا يقولون بإمكانية العلم بوجود الله تعالى مثلا، وقد يقولون بعدم إمكانية الجزم بوجود غيره أيضاً بل قد يقول بعضهم بنفي الوجودات كلها، ولكن أساس المشكلة عندهم معرفية، فهم يدعون عدم كفاية الوسائل المعرفية لإدراك ما هو خارج الحس، وقد يشككون في الحسيات أيضا كما هو معلوم.
وقد حكم عليهم الأعلام بالسفسطة لإنكارهم الوسائل المعرفية الظاهرة، ومنها العقل وقولهم بعدم كفايته إن ثبت، وذلك لأنهم أنكروا أمورا بلا دليل بل بمجرد التحكم، فكانوا سوفسطائية بذلك.
وأما الصوفية الوجودية فأنكروا أيضا وجود الممكنات الحادثة بوجود خاص بها حتى لو كان بإيجاد الله تعالى مع أن هذا فرض محال في مذهبهم، فإيجاد الله تعالى للوجود الحادث محال عندهم أصلاً، وقالوا إن ما يظنه غيرهم موجودا بوجود خاص به من الممكنات والعالم مجرد وهم، فالقطع بالوجود الخاص عندهم وهم، وعند الجماهير من غيرهم هو أمر ضروريّ ويقين علمي لا مجرد وهم، فهم إذن ينكرون هنا بعض ما ثبت بالضـرورة العلمية بحجج غير مستقيمة وبتأويلات لا تقل بعدا عما اعتمد عليه السوفسطائية، فهم لا يبتعدون عن السوفسطائية من هذه الناحية. خصوصا أنهم يسلمون بأن الحكم بوجود الموجودات الخاص على سبيل القطع بلحاظ العقل والحس صحيح، ولكنهم يعارضون ذلك بالكشف على ما يزعمون!
صحيح أنهم يثبتون وجود الله تعالى، ولكنهم وقعوا في إشكال عندما قالوا إن العالم كله بما فيه مجرد صور ومظاهر قائمة بعين الوجود الإلهي، وهذا خلاف الضـرورة، وخلاف مذهب أهل الحق أيضاً، بل خلاف مذهب جماهير العقلاء....
رابعا: مَنْ اقتصر مِن السوفسطائية على الحسيات وأنكر العقل قد لا ينكرون الوجودات المحسوسة أصلا، فلا يلزمهم -على سبيل العموم- إنكار العالم كما هو ظاهر، بل يقتصرون على إنكار ما وراءه، وقد يتوقفون في ذلك الإنكار لعدم كفاية الحس للإنكار والنفي. فظهر أن بعض السوفسطائية يثبتون الوجودات الإمكانية، خلافا للصوفيه الوجودية الذين ينكرونها حتما، ويزعمون أن إثبات وجود خاص لها شرك بالله فضلا عن كون هذا الإثبات مبنيا على وهمٍ! لا عقلٍ! لاعتقادهم أن الوجود هو الله فلا يتعدد أصلاً، فإذا كان الإله هو الوجود، فلا يتعدد الوجود لاستحالة تعدد الإله! وهذا أي زعمهم أن الإله هو الوجود هكذا، مجرد وهم ومغالطة كشَفَ عنها أهلُ العلم في كتبهم الكلامية المعتمدة.
خامساً: إذا أضفنا تشكيك بعض الصوفية الوجودية بكفاية العقل في الدلالة على وجود الله تعالى وقدحهم في سلامته الدلالية، وزعمهم أنه مبني على الوهم والخيال في أصله، يظهر أن هذا الصنف من الصوفية وهم من الوجودية يوافقون السوفسطائية في إنكار كفاية العقل للدلالة على الله تعالى وما وراء الحواس. وهذا -أعني: نفي صحة كون العقل دليلا- نوع من السفسطة أيضاً. ويلزمه لوازم باطلة كما ترى.
سادسا: أما قوله بثبوت الأعيان في المرايا العدمية كعكوس، فهو كلام لا محصل وراءه، ولا يقام له وزن عند أهل العقل، وهو أشبه بسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً، ولعلنا نتكلم على ذلك.
غلب على كثير من الناس أن يقولوا إن الفارق بين السوفسطائية وبين المتصوفة أن السوفسطائية تنكر مطلق الوجود أي تقول لا موجود أصلا، أو لا وجود، أي إن لا شيء أصلاً سواء كان وجود الواجب أو وجود الممكن، وبتعبير آخر ينكرون العلم والمعلوم ويثبتون الحسَّ فقط، وهذا هو الكفر المحض.
بخلاف المتصوفة فإن الكون ثابت عندهم بلا وجود، فيعترفون بثبوت الأعيان كالعكوس في المرايا العدمية، وينكرون وجود ما سوى الله تعالى، إذ إن أهل التصوف لا ينكرون مطلق الوجود بل ينكرون وجود الممكن المقيد في جانب وجود الحقّ ضرورة إثباتهم وجود الواجب وحصر الوجود فيه، تخصيصهم التدبير والتقدير به.
هكذا يبين بعضهم الفارق بين الصوفية!! وبين السوفسطائية.
ولنا على هذا الكلام ملاحظات:
أولاً: إن الذين يقولون بعدم وجود غير الله تعالى ليسوا هم الصوفية هكذا على الإطلاق، بل هم الصوفية القائلون بوحدة الوجود، سواء أكانوا أتباع ابن عربي أم غيرهم. فلا يصح إطلاق لفظ الصوفية بلا تقييد. مع أن هذا الإطلاق شائع في كلمات كثير من الناس، وقد يسوغ الإطلاق أحياناً للعلم بأن المراد هم الوجودية القائلين بوحدة الوجود منهم عرفاً، ولكن غفلة الكثير عن ذلك يوهمه أن المراد هو عموم الصوفية، وعلى هذا جرى كثير من الناس، وهو وهمٌ يعارضه العلم.
ثانيا: إن الصوفية الذين يمشون على مذهب أهل السنة لا يقولون بنفي وجود الممكنات، ولا يقولون بأن لا وجود إلا لله تعالى، بل هم موافقون لمتكلميهم بأن الله تعالى موجود بوجود خاص به وهو وجود واجب، وأن الممكنات الحادثة خلقها الله تعالى وأوجدها وجعل لها وجودا خاصا إمكانيا. فالوجود متعدد عندهم كالموجود خلافا للصوفية الوجودية.
ثالثا: صحيح إن السوفسطائية لا يقولون بإمكانية العلم بوجود الله تعالى مثلا، وقد يقولون بعدم إمكانية الجزم بوجود غيره أيضاً بل قد يقول بعضهم بنفي الوجودات كلها، ولكن أساس المشكلة عندهم معرفية، فهم يدعون عدم كفاية الوسائل المعرفية لإدراك ما هو خارج الحس، وقد يشككون في الحسيات أيضا كما هو معلوم.
وقد حكم عليهم الأعلام بالسفسطة لإنكارهم الوسائل المعرفية الظاهرة، ومنها العقل وقولهم بعدم كفايته إن ثبت، وذلك لأنهم أنكروا أمورا بلا دليل بل بمجرد التحكم، فكانوا سوفسطائية بذلك.
وأما الصوفية الوجودية فأنكروا أيضا وجود الممكنات الحادثة بوجود خاص بها حتى لو كان بإيجاد الله تعالى مع أن هذا فرض محال في مذهبهم، فإيجاد الله تعالى للوجود الحادث محال عندهم أصلاً، وقالوا إن ما يظنه غيرهم موجودا بوجود خاص به من الممكنات والعالم مجرد وهم، فالقطع بالوجود الخاص عندهم وهم، وعند الجماهير من غيرهم هو أمر ضروريّ ويقين علمي لا مجرد وهم، فهم إذن ينكرون هنا بعض ما ثبت بالضـرورة العلمية بحجج غير مستقيمة وبتأويلات لا تقل بعدا عما اعتمد عليه السوفسطائية، فهم لا يبتعدون عن السوفسطائية من هذه الناحية. خصوصا أنهم يسلمون بأن الحكم بوجود الموجودات الخاص على سبيل القطع بلحاظ العقل والحس صحيح، ولكنهم يعارضون ذلك بالكشف على ما يزعمون!
صحيح أنهم يثبتون وجود الله تعالى، ولكنهم وقعوا في إشكال عندما قالوا إن العالم كله بما فيه مجرد صور ومظاهر قائمة بعين الوجود الإلهي، وهذا خلاف الضـرورة، وخلاف مذهب أهل الحق أيضاً، بل خلاف مذهب جماهير العقلاء....
رابعا: مَنْ اقتصر مِن السوفسطائية على الحسيات وأنكر العقل قد لا ينكرون الوجودات المحسوسة أصلا، فلا يلزمهم -على سبيل العموم- إنكار العالم كما هو ظاهر، بل يقتصرون على إنكار ما وراءه، وقد يتوقفون في ذلك الإنكار لعدم كفاية الحس للإنكار والنفي. فظهر أن بعض السوفسطائية يثبتون الوجودات الإمكانية، خلافا للصوفيه الوجودية الذين ينكرونها حتما، ويزعمون أن إثبات وجود خاص لها شرك بالله فضلا عن كون هذا الإثبات مبنيا على وهمٍ! لا عقلٍ! لاعتقادهم أن الوجود هو الله فلا يتعدد أصلاً، فإذا كان الإله هو الوجود، فلا يتعدد الوجود لاستحالة تعدد الإله! وهذا أي زعمهم أن الإله هو الوجود هكذا، مجرد وهم ومغالطة كشَفَ عنها أهلُ العلم في كتبهم الكلامية المعتمدة.
خامساً: إذا أضفنا تشكيك بعض الصوفية الوجودية بكفاية العقل في الدلالة على وجود الله تعالى وقدحهم في سلامته الدلالية، وزعمهم أنه مبني على الوهم والخيال في أصله، يظهر أن هذا الصنف من الصوفية وهم من الوجودية يوافقون السوفسطائية في إنكار كفاية العقل للدلالة على الله تعالى وما وراء الحواس. وهذا -أعني: نفي صحة كون العقل دليلا- نوع من السفسطة أيضاً. ويلزمه لوازم باطلة كما ترى.
سادسا: أما قوله بثبوت الأعيان في المرايا العدمية كعكوس، فهو كلام لا محصل وراءه، ولا يقام له وزن عند أهل العقل، وهو أشبه بسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً، ولعلنا نتكلم على ذلك.
تعليق