الفكر العربي المعاصر: قراءه منهجية للمشاريع الفكرية العربيه المعاصره(2)
د. صبرى محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه فى جامعه الخرطوم
Sabri.m.khalil@gmail.com
زكى نجيب محمود و قيود العقل العربي
من التغريب إلي التجديد: مر زكى نجيب محمود" شانه شان كثير من المفكرين العرب والمسلمين" بتجربة الانتقال من التغريب إلي التجديد، إذ يروى عن نفسه انه في شبابه كان رافضاً لقراءة التراث العربي مبهوراً للإنجاز الفلسفى الغربي الأوروبي والأمريكي، ولكنه وبعد مرحلة كبيرة من البحث أيقن أن كثيراً من التراث العربي يستحق القراءة.
معيار المنفعة: ولكن كان السؤال المهم الذي طرحه لأمراض العقل العربي هو ماذا نقرأ ونأخذ من تراث الأسلاف؟ يقول د.زكى نجيب إن ما يجب أخذه من التراث هو ما نستطيع تطبيقه اليوم عملياً، فيضاف إلى الطرائق الجديدة المستحدثة، أما ما لا ينفع نفعاً عملياً تطبيقياً فهو الذي نتركه غير آسفين.
قيود ومعوقات العقل العربي
القيد الأول : أن صاحب السلطان هو صاحب الرأي وليس صاحب رأى : و أن أساس البلاء هو أن يجتمع السيف" السلطة" والرأي "الفكر" .
القيد الثاني : سلطان الماضي على الحاضر : القديم له رهبة وسحر وجلال، ولكن أن يتحول الإعجاب إلى تقديس تلك هي المشكلة .
القيد الثالث : تعطيل القوانين الطبيعية : فهو يرى اننا أننا نميل ميلاً شديداً إلى أن تكون قوانين الطبيعة لعبة في أيدي نفر من أصحاب القلوب الطيبة الورعة، فيكفى أن يكون الفرد صالحاً لينصرف صلاحه إلى تعطيل قوانين الطبيعة.وهو هنا يشير الى مفهوم "كرامات الأولياء" عند الصوفية.
نقد:
من التغريب الى التجديد: وهكذا فان زكى نجيب محمود استطاع تجاوز الموقف التغريبي ، القائم على افتراض أن تحقيق التقدم لا يتم إلا باجتثاث الجذور الحضارية للامه، في مرحلته الفكرية الاولي" التبني الكامل للوضعية المنطقية"، إلى الموقف التجديدي ،القائم على استيعاب ما لا يناقض الهيكل الحضاري للامه، من اجتهادات ذاتيه أو إسهامات الشعوب الأخرى المعاصرة.
المنفعه ليست المعيار الوحيد :ولكنه" ربما تأثرا بالبراجماتية" يستند إلى معيار المنفعة في تحديد ماذا نأخذ من التراث، لكن المنفعة ضابط ذاتي للحركة، لا يصلح وحده كمعيار موضوعي، إذ لابد أولا من التمييز بين ما ينتمي إلى الهيكل المعرفي الاساسى للعقل العربي المسلم، والبناء المعرفي المكتسب عليه، ثم جعل المنفعة احد معايير- وليس المعيار الوحيد- الأخذ أو الرفض من الأخير
عدم التمييز بين الدلالات المختلفه لمفهوم الكرامه:كما لم يميز زكى نجيب بين دلالالتين لمفهوم الكرامه ، الاول تجعلها خرق للعاده المطردة ممثله فى قوانين الطبيعه،وبالتالى تتعارض مع العلم ، والثانيه تجعلها خرق لعاده اغلب الناس دون خرق لقونين الطبيعه.،وبالتالى لاتتعارض مع العلم.
مذاهب وحده الوجود فى الفكر العربى المعاصر:
ا/ عبد الجبار الوائلي و " وحدة الوجود العقلية":
عقلنة المادة: يرى الوائلي ان الخلية الحية تملك قسطًا من العقل ما دامت تتصف بالحياة وكذلك تملك الذرة عقلاً يتناسب مع بساطتها. وهذا يعني أن العالم كلَّه ما هو إلا "عقول أولية" تتصف بإمكانية التفاعل المستمر.
العقل العام (الله تعالى) : و العقل العام ( الله تعالى ) عند الوائلى هو مجموعة العقول المنبثقة في ذرات العالم كلِّه. فكل ما في الوجود ما هو إلا ركام العقول المتفاوتة في الدرجات التي تؤلِّف العقل العام؛ وهذا الأخير لا يأخذ شيئًا من خارجه، باعتباره هو الطبيعة ذاتها.
العلاقه بين العقل العام (الله) والعقول البسيطة (العلم): والعقول البسيطه هي أفكار في العقل العام، تُمِدُّه بأفكارها العقلية. وإنها لا تأخذ شيئًا من العقل العام، كما أنها غير قادرة على الذوبان فيه.
ب/ رائق النقري و "وحدة الوجود الحيوية ":
التصور الحيوى لمفهوم الألوهية: يقدم د. رائق النقري في كتابه "الإيديولوجية الحيوية" مذهب فى وحده الوجود ، ينطلق من تصور حيوى للالوهيه ، مضمونه ان الله تعالى موجود كمسلَّمة، وهو كل حيوي كقوة الخلاقة ودفق مستمر في الكائنات كلها. وهو ليس جوهر ، بل هو قابلية التحول الدائم للأشياء.
ادوار فكره الالوهيه: ويرى النقرى ان فكرةُ الالوهيه مرت بأدوار عدة، وفقًا لحركة القانون الحيوي للمجتمع: فكانت الخطوة الأولى هي معرفة الله من خلال فكرة الخوف من الموت والحلال والحرام. حتى وصلت إلى فكره الإله المجرد الذي ليس له شبيه ولا شكل ولا وزن ولا صفة. وهى الفكره التى يرى النقرى انها تتوافق مع فكره الفلسفه الحيويه للالوهيه ، رغم انها تربط الالوهيه بالزمن، وتنفى انها تحرك العالم بل تجعلها والعالم حركه.
اراده الحياه: فالنقرى يرى - استنادا الى تصوره الحيوى للالوهيه - أن تجربة الحق والخلق هي تجربة إلهية بقدر ما هي تجربة إنسانية وكونية. إنها تجربة الحياة ذاتها إرادة الحياة.
(محمد الراشد، إشكالية وحدة الوجود في الفكر العربي الإسلامي، دار الأوائل، ط2 ، دمشق 2002)
نقد:
محاوله الوائلي هى تعريب وأسلمة لمذهب ليبنيز فى وحدة الوجود العقلية القائم على الذرات الروحية " المونادات، ويلزم من عقلنة المادة فى هذه المحاوله انكار الوجود الموضوعي للمادة.
كما ان محاوله النقرى هى تعريب واسلمه للفلسفه الحيويه عند برجسون ،كما ان تصوره الحيوى للوجود يترتب عليها انكار الوجود الموضوعي للمادة الجامدة "غير الحية"،فضلا عن كونه باعتباره مذهب فلسفى حيوى- معادل فلسفى للديانة الارواحية "عباده الارواح"التى سادت عند اغلب الشعوب القديمه.
تناقض مفهوم وحده الوجود مع التصور الإسلامي للوجود: وهذه المحاولات تتجاهل حقيقة ان مضمون مفهوم وحده الوجود، أن للخالق وحده وجود حقيقي، أما المخلوقات فوجودها وهمي، ، وبالتالى يترتب عليه وحده الخالق والمخلوق، هذا المفهوم يتناقض في ذاته وفى ما يلزم منطقيا منه مع التصور الاسلامى الصحيح للعلاقة بين الوجود الالهى والوجود الكوني الطبيعي، والمستند إلى مفهومي التنزيه و التوحيد، فمضمون مفهوم التنزيه أن وجوده تعالى غير محدود بالحركة خلال الزمان، أو الوجود في المكان، ولا تتوافر للإنسان إمكانية إدراكه بحواسه وعقله، وبالتالي يترتب عليه عدم جواز الخلط والدمج بين الوجوديين الالهى والطبيعي بخلاف هذا المفهوم، كما أن مضمون مفهوم التوحيد إفراد الوجود المطلق -وليس إفراد الوجود- لله تعالى، وبالتالي فانه طبقا لمفهوم التوحيد فان لله تعالى وجود حقيقي مطلق وللكون وجود حقيقي محدود ، بخلاف مفهوم وحده الوجود الذى يرى أن الوجود الالهى وحده هو الوجود الحقيقي، أما الوجود الكوني الطبيعي فهو مجرد تجلى للوجود الالهى ،وليس له اى وجود حقيقي ،ومصدر اعتقادنا بوجوده خداع الحواس.
عصمت سيف الدو لة وقراءتان لتراثه الفكرى:
تعريف بالتراث الفكرى للدكتور عصمت سيف الدوله : يتضمن التراث الفكرى للدكتور عصمت سيف الدوله رحمه الله تعالى ثلاثه مستويات هى:
اولا المستوى الفلسفى : ويتضمن جانب نفى يتضمن نقده للفلسفات الغربيه الاساسيه كالماركسيه والليبراليه والوجوديه ، كما يتضمن جانب اثبات يتضمن ما اسماه الفلسفه الانسانيه.
ثانيا المستوى المنهجى: ويتضمن جانب نفى يتضمن نقده لمناهج المعرفه الغربيه الاساسيه (كالمنهج الجدلى بشكله المثالى كما عند هيجل ، وشكله المادى كما عند ماركس، والمنهج الليبرالى)،وجانب اثبات يتضمن ما اسماه منهج جدل الانسان.
ثالثا المستوى المذهبى: ويتضمن جانب نفى ويتضمن نقد للمذاهب السياسية الغربيه الأساسيه(كالمذاهب السياسيه الليبراليه والماركسيه)، وجانب اثبات يتضمن ما اسماه نظريه الثوره العربيه بأركانها الثلاثه المنطلق والغايات والوسيله.
تعدد القراءات: وهناك تعدد فى قراءات التراث الفكرى عند الدكتور عصمت سيف الدوله، ويرجع هذا التعدد فى القراءات الى العديد من الاسباب لامجال لذكرها هنا غير انه يمكن تقرير ان هناك قراءتان اساسيتان لهذا التراث الفكرى وهما:
القراءه الاولى القراءه العلمانيه: وهى قراءه تنظر الى التراث الفكرى للدكتور عصمت سيف الدوله باعتباره كل قائم بذاته ومستقل عن من سواه ، وهى قراءه علمانية إذا كان المقصود بهذا السوى الذى يستقل عنه هذا التراث الفكرى- الدين الاسلامى، بمعنى انها قراءه تفصل بين هذا التراث الفكرى باعتباره مذهب سياسى والاسلام كدين ، استنادا الى ان العلمانيه نزعه تعمل على الفصل بين ماهو دينى وماهو سياسى.
نقد القراءه الاولى (تناقضات القراءه العلمانيه(:
أولا:رفض الدكتور عصمت سيف الدوله للعلمانيه: هذه القراءة تتناقض مع موقف الدكتور عصمت سيف الدوله الرافض للعلمانيه ، سواء ضمنا كما فى مؤلفاته السابقة على كتابه (عن العروبة والاسلام: مركز دراسات الوحدة العربيه، بيروت ، 1986) ، وصراحة كما فى هذا الكتاب . حيث يقرر ان (للعلمانيه نظاما وللاسلام نظاما وهما لا يلتقيان فى أكثر من وجه) (ص240)
ثانيا: رفض الدكتور عصمت سيف الدوله لليبراليه :لا يمكن الحديث عن قراءه ليبرالية للتراث الفكري للدكتور عصمت سيف الدوله والعلمانيه عنده احد اركانها كنظام شامل متكامل للحياه لانه كان قاطعا فى رفضه لليبراليه ، وهوما يتضح من خلال نقده لليبراليه كفلسفة ومنهج ومذهب فى أغلب كتبه .
ثالثا : التناقض بين القبول المطلق والموقف النقدي: كما ان هذه القراءة قائمه على موقف القبول المطلق للتراث الفكري للدكتور عصمت سيف الدوله ، والذي يتناقض مع الموقف الحقيقى للدكتور عصمت سيف الدوله من القضايا الفكرية الاجتهادية التى تتجاوز موقفى القبول او الرفض المطلقين الى الموقف النقدى، الذى يميز بين الايجابيات والسلبيات ، فيقبل الاولى ويرفض الثانيه.
القراءه الثانيه القراءه الاسلاميه المستنيره:
التحديد التكليفى: تنظرهذه القراءه الى التراث الفكرى للدكتور عصمت سيف الدوله كاجتهاد انسانى محدود تكليفيا بالاصول التى مصدرها النصوص اليقينيه الورود القطعيه الدلاله ، فهذه الاصول تحده فتكمله وتغنيه ولكن لا تلغيه .
تجاوز موقفى القبول والرفض المطلقين الى الموقف النقدى: كما أنها تتجاوز كل من موقفي الرفض والقبول المطلقين، الى موقف نقدي قائم على مستوى الأصول- على قبول ما يتفق مع هذه الاصول، ورفض ما يختلف معها، كما انه قائم على مستوى الفروع على قبول ما كان صوابا فى هذا التراث الفكرى ، ورفض ما كان خطاْ فيه ، يقول د.عصمت سيف الدوله (..اى ان تكون الممارسة النضالية وسيلة لإغناء وتصحيح ثم تدعيم الفكر الطليعى وطريقا لنشره والتدليل على صحته)( الطريق ،دار الوحده، بيروت ،ج2، ص270)
مذهب إسلامي مستنير: وهذه القراءة تنظر الى هذا التراث الفكري باعتباره مذهب إسلامي مستنير. لانه يهدف- على المستوى الذاتي- إلى تحرير عقل الإنسان المسلم من القيود التي تعوق فعاليته كوسيلة للمعرفة كأنماط التفكير الخرافي والاسطورى والبدعى ، باعتبار أن ذلك هو شرط ذاتي لنقل المجتمعات المسلمة من تخلف النمو الحضاري إلي التقدم الحضاري ، كما يهدف على المستوى الموضوعي إلى حل للمشاكل التي يطرحها واقع المجتمعات المسلمة المعين زمانا ومكانا.
مرحلتا التطور الفكرى للدكتور عصمت سيف الدوله: وهنا نشير الى ان هناك مرحلتين من مراحل التطور الفكرى للدكتور عصمت سيف الدوله:
المرحله الاسلاميه الكامنه: المرحله الاولى هى المرحله الاسلاميه الكامنة(وليست المرحله العلمانية كما يرى البعض)،وتمثلها مؤلفاته قبل عن العروبة والاسلام(الأسس ، النظريه، الطريق)، حيث يقول فى الأسس (الجواب الثانى كان متاحا بالإسلام كعقيدة وشريعه الاسلام كعقيدة وشريعة غير محدود بالزمان والمكان وغير مقصور على مجتمع دون اخر وهو بهذا دين وليس مذهبا.. لهذا كان التماس الجواب فى الاسلام يقتضي جهدا بالغا ليستخلص من محتواه الانسانى الشامل كعقيدة وشريعة منهجا تصاغ على هديه الحياة فى الوطن العربى فى القرن العشرين)(د.عصمت سيف الدوله،الاسس، ص6-7(
المرحله الاسلاميه الظاهرة: المرحله الثانيه هى المرحله الاسلاميه الظاهره ، ويمثلها بصوره اساسيه مؤلفه عن العروبه الاسلام. مع وجوب تقرير تداخل المرحلتين فى كثير من الأحيان. وقد ساهم فى عدم اكتشاف الطابع الاسلامى الكامن فى المرحله الاولى استخدام الدكتور عصمت لمصطلحات ماركسيه وليبراليه وان كان بدلالات مفارقه تحت تأثير الصراع الفكرى مع هذه التيارات التى كان لها سطوة على النخبه المثقفه حينها. بل ان هذه القراءة ترى ان الدكتور عصمت سيف الدوله كان يرى وجوب اتخاذ اجتهادات أهل السنة نقطة بداية للاجتهاد الفكري حيث يقول فى مقال له بعنوان: رسالة عن المذاهب فى الاسلام (فالامه العربيه مثلا وهى امه كامله التكوين التاريخى والاجتماعى تغلب عليها آراء اهل السنة فى مسألة الخلافة أو الإمامة او الحكم ) .
الاستخلاف كنسق معرفي : إنساني / روحى/ مستنير (كاتب الدراسه):
تعريف:ينطلق هذا المشروع الفكرى من الأبعاد الفلسفية والمنهجية والمذهبية لمفهوم الاستخلاف القرانى، لتأسيس نسق معرفي "إسلامي - معاصر" ، ذو أبعاد فلسفية - منهجية - مذهبية ، و طابع: إنساني - روحى" دينى " مستنير.
اولا: البعد الفلسفي لمفهوم الاستخلاف ( فلسفه الاستخلاف): يتمثل البعد الفلسفي لمفهوم الاستخلاف ، في فلسفه الاستخلاف ، التي تقوم على محاوله تحديد العلاقة بين المستخلف بكسر اللام الله تعالى ، والمستخلف بفتح اللامالإنسان ، والمستخلف فيه الكون- اى محاوله تحديد العلاقة بين أطراف علاقة الاستخلاف وذلك باتخاذ المفاهيم القرآنية الكلية ( التوحيد والاستخلاف والتسخير) مسلمات أولى ، ثم محاوله استنباط النتائج الفلسفية لهذه المفاهيم الكلية، متخذة من اجتهادات أهل السنة بمذاهبهم العقدية الكلامية المتعددة نقطة بداية- وليس نقطة نهاية لهذا الاجتهاد.
ثانيا: البعد المنهجي لمفهوم الاستخلاف (منهج الاستخلاف): ويتمثل البعد المنهجي لمفهوم الاستخلاف، في الاستخلاف كمنهج للمعرفة ، ومضمونه أن صفات الربوبية (اى ما دل على الفعل المطلق لله تعالى) تظهر في عالم الشهادة على شكلين:
الشكل الأول : تكويني: يتمثل في السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود الشهادى ، وهى على نوعين:
ا/ السنن الالهيه الكلية:التي تضبط حركه الوجود الشامل للطبيعة المسخرة للإنسان المستخلف ، وهى سنن"الحركة ، التغير،التأثير المتبادل".
ب/السنن الالهيه النوعية: التي تضبط حركة نوع معين من أنواع الوجود الشهادى ،كسنه الكدح إلى الله المقصورة على الإنسان ، والتي تشير إليها الآية " يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه" .
الشكل الثاني : تكليفي : يتمثل في المفاهيم والقيم والقواعد الكلية التي مصدرها الوحي ، وهو يحدد الشكل التكويني كما يحدد الكل الجزء فيكمله ويغنيه ولكن لا يلغيه.
فلسفه ومنهج معرفة ذوى طابع إنساني - روحي:من العرض السابق نخلص إلى أن البعدين الفلسفى والمنهجي لمفهوم الاستخلاف ( اى فلسفه الاستخلاف ومنهج الاستخلاف) يقومان على تأكيد قيمة الوجود الانسانى، وإثبات هذا الوجود بأبعاده المتعددة، مع التأكيد على انه وجود محدود تكليفيا "بالسنن الالهيه" ، و تكليفيا "بالوحي "، وبالتالي يجعلان العلاقة بين الوجود الإلهى والوجود الانسانى بأبعاده المتعددة علاقة تحديد وتكامل- فالوجود الإلهى يحدد الوجود الانسانى ولكن لا يلغيه - وليست علاقة إلغاء وتناقض " كما في النزعة الإنسانية الغربية ، التي تطرفت في تأكيد الوجود الإنساني، فحولته من وجود محدود "تكوينيا وتكليفيا" ، إلى وجود مطلق "قائم بذاته ومستقل عن غيره" .
ثالثا: البعد المذهبي لمفهوم الاستخلاف (مذهب الاستخلاف): ويتمثل البعد المذهبي لمفهوم الاستخلاف، في الاستخلاف كمذهب اى كمجموعة من الحلول للمشاكل التي يطرحها الواقع المعين.
الوعد الالهى باستخلاف الأمة : فقد اشار القران الكريم أشار إلى الوعد الالهى باستخلاف أمه التكليف بأممها وشعوبها التكوينية المتعددة في قوله تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ )(النور:55).
الاستخلاف العام الثانى للامه: وتتضمن الآية الإشارة - صراحة او ضمنا- إلى أنماط متعددة من الاستخلاف - الاصلى او التبعى - ومثال للاخير الاستخلاف العام الثانى للامه ، وهو استخلاف الأمة في الحاضر-موضوع الدراسه-
شروط الاستخلاف: وتتضمن شروط الاستخلاف بمستوياته المتعددة:
ا/شروط نصية مطلقة: وتشمل تحقيق الاستخلاف فى كل زمان"الماضى والحاضر والمستقبل"، وكل مكان " كل الامم والشعوب التكوينية لامه التكليف "الأمة الإسلامية" ، وتتمثل في جمله من المفاهيم والقيم والقواعد الكلية ، التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة ،والتى تحدد- ولا تلغى- الاستخلاف بمستوياته المتعددة.
ب/ شروط اجتهادية مقيدة : وتقتصر على تحقيق الاستخلاف فى زمان معين " الحاضر" ،ومكان معين " الامه العربيه- المسلمه بشعوبها المتعددة "، وتتمثل في مفاهيم وقيم وقواعد: الحرية والعدالة الاجتماعية و الوحدة والجمع بين الأصالة والمعاصرة "التجديد" باعتبارها شروط للاستخلاف "السياسى ، الاقتصادى، الاجتماعى،الحضارى" على التوالى ، على وجه لا يتناقض مع أصول الدين النصية الثابتة ، استنادا الى ان هذه المفاهيم والقيم والقواعد حث عليها الاسلام ،وما قرره العلماء من ان السياسة الشرعية هي ما كل يحقق مصلحة الجماعة ولو لم يرد فيه نص، كقول ابْنُ عَقِيلٍ(السِّيَاسَةُ مَا كَانَ فِعْلاً يَكُونُ مَعَهُ النَّاسُ أَقْرَبَ إلَى الصَّلَاحِ، وَأَبْعَدَ عَنْ الْفَسَادِ، وَإِنْ لَمْ يَضَعْهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا نَزَلَ بِهِ وَحْيٌ)( ابن القيم / كتاب الطرق الحكمية في السياسة الشرعية)
الاستخلاف ومنهج التغيير كيفيه ومراحل تحقيق الاستخلاف :وهناك مرحلتين أساسيتين للتغير- تمثل أيضا مراحل لتحقيق الاستخلاف:
المرحلة الأولى"الاستطاعة": هي مرحله الانتقال مما هو كائن، إلى ما هو ممكن ، والتي يمكن التعبير عنها بمصطلح الاستطاعة ، ومن أدلتها: تقرير النصوص لقواعد متعددة مها قاعدة الاستطاعة (فَاتّقُوا ْاللّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ). ولهذه المرحلة مستويان :
مستوى أصلى: هو مستواها الاعتقادى"الفكري" . ويتضمن الاجتهاد فى وضع الحلول النظرية للمشاكل التى يطرحها واقع الأمة المعاصر
تيار الاستخلاف: ويتضمن هذا المستوى التأسيس لتيار فكري شامل - لا يقصي اى فئه من فئات الأمة - فيشمل كل من يلتزم بهذه الحلول النظريه- او بعضها- حتى ولو لم يكن هناك رابط تنظيمى بينهم .
مستوى فرعى: هو مستواها العملي"التطبيقي". ويتضمن ان تنبثق من هذا التيار الفكري الشامل مبادرات شعبية منظمة "مؤسسيه"، تسعى لتحقيق ما هو ممكن من هذه الحلول النظريه، فى الواقع العملى للامة ، بأساليب سلمية وشكل تدريجي.
المرحلة الثانية " العزم ":هي مرحله الانتقال مما هو ممكن إلى ما ينبغي أن يكون ، ويمكن التعبير عنها بمصطلح العزم ، و من أدلتها مفهوم العزم الذي يرتبط بما ينبغي أن يكون كما في قوله (إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ )( الشورى: 43 ) ، وهذه المرحلة لها مستويان :
مستوى أصلى : هو مستواها العملي"التطبيقي" .ويتضمن الانتقال مما هو ممكن الى ما ينبغي ان يكون. باكمال التنفيذ العملى لكل هذه الحلول النظرية فى واقع الأمة.
مستوى فرعي: هو مستواها الاعتقادي"الفكري". ويتضمن الاجتهاد العلمي فى وضع حلول نظرية جديده، للمشاكل الجديدة التى سيطرحها الواقع العملى للامه، بعد حل المشاكل السابقه.
مذهب مستنير: مما سبق نخلص إلى أن مذهب الاستخلاف هو بالأصالة مذهب مستنير، طبقا للدلالة العامة- المشتركة لمصطلح التنوير- التى تتفق مع الاسلام - و التى تتمثل في التنوير كمفهوم مجرد تشترك في فهمه كل الفلسفات والمناهج ، ومضمونها أن تحرير عقل الإنسان من القيود التي تعوق فعاليته كوسيلة للمعرفة " كأنماط التفكير الخرافي والأسطوري"،هو احد شروط نقل اى مجتمع من التخلف الحضاري إلي التقدم الحضاري. ومرجع ذلك اى كونه مذهب مستنير - انه يهدف- على المستوى الذاتي- إلى تحرير عقل الإنسان المسلم من القيود التي تعوق فعاليته كوسيلة للمعرفة كأنماط التفكير الخرافي والأسطوري والبدعى ، باعتبار أن ذلك هو شرط ذاتي لنقل المجتمعات المسلمة من تخلف النمو الحضاري إلي التقدم الحضاري، كما يهدف- على المستوى الموضوعي- إلى حل للمشاكل التي يطرحها واقع المجتمعات المسلمة المعين زمانا ومكانا.
. ________________________
الموقع الرسمي للدكتور/ صبري محمد خليل خيري | دراسات ومقالات https://drsabrikhalil.wordpress.com
د. صبرى محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه فى جامعه الخرطوم
Sabri.m.khalil@gmail.com
زكى نجيب محمود و قيود العقل العربي
من التغريب إلي التجديد: مر زكى نجيب محمود" شانه شان كثير من المفكرين العرب والمسلمين" بتجربة الانتقال من التغريب إلي التجديد، إذ يروى عن نفسه انه في شبابه كان رافضاً لقراءة التراث العربي مبهوراً للإنجاز الفلسفى الغربي الأوروبي والأمريكي، ولكنه وبعد مرحلة كبيرة من البحث أيقن أن كثيراً من التراث العربي يستحق القراءة.
معيار المنفعة: ولكن كان السؤال المهم الذي طرحه لأمراض العقل العربي هو ماذا نقرأ ونأخذ من تراث الأسلاف؟ يقول د.زكى نجيب إن ما يجب أخذه من التراث هو ما نستطيع تطبيقه اليوم عملياً، فيضاف إلى الطرائق الجديدة المستحدثة، أما ما لا ينفع نفعاً عملياً تطبيقياً فهو الذي نتركه غير آسفين.
قيود ومعوقات العقل العربي
القيد الأول : أن صاحب السلطان هو صاحب الرأي وليس صاحب رأى : و أن أساس البلاء هو أن يجتمع السيف" السلطة" والرأي "الفكر" .
القيد الثاني : سلطان الماضي على الحاضر : القديم له رهبة وسحر وجلال، ولكن أن يتحول الإعجاب إلى تقديس تلك هي المشكلة .
القيد الثالث : تعطيل القوانين الطبيعية : فهو يرى اننا أننا نميل ميلاً شديداً إلى أن تكون قوانين الطبيعة لعبة في أيدي نفر من أصحاب القلوب الطيبة الورعة، فيكفى أن يكون الفرد صالحاً لينصرف صلاحه إلى تعطيل قوانين الطبيعة.وهو هنا يشير الى مفهوم "كرامات الأولياء" عند الصوفية.
نقد:
من التغريب الى التجديد: وهكذا فان زكى نجيب محمود استطاع تجاوز الموقف التغريبي ، القائم على افتراض أن تحقيق التقدم لا يتم إلا باجتثاث الجذور الحضارية للامه، في مرحلته الفكرية الاولي" التبني الكامل للوضعية المنطقية"، إلى الموقف التجديدي ،القائم على استيعاب ما لا يناقض الهيكل الحضاري للامه، من اجتهادات ذاتيه أو إسهامات الشعوب الأخرى المعاصرة.
المنفعه ليست المعيار الوحيد :ولكنه" ربما تأثرا بالبراجماتية" يستند إلى معيار المنفعة في تحديد ماذا نأخذ من التراث، لكن المنفعة ضابط ذاتي للحركة، لا يصلح وحده كمعيار موضوعي، إذ لابد أولا من التمييز بين ما ينتمي إلى الهيكل المعرفي الاساسى للعقل العربي المسلم، والبناء المعرفي المكتسب عليه، ثم جعل المنفعة احد معايير- وليس المعيار الوحيد- الأخذ أو الرفض من الأخير
عدم التمييز بين الدلالات المختلفه لمفهوم الكرامه:كما لم يميز زكى نجيب بين دلالالتين لمفهوم الكرامه ، الاول تجعلها خرق للعاده المطردة ممثله فى قوانين الطبيعه،وبالتالى تتعارض مع العلم ، والثانيه تجعلها خرق لعاده اغلب الناس دون خرق لقونين الطبيعه.،وبالتالى لاتتعارض مع العلم.
مذاهب وحده الوجود فى الفكر العربى المعاصر:
ا/ عبد الجبار الوائلي و " وحدة الوجود العقلية":
عقلنة المادة: يرى الوائلي ان الخلية الحية تملك قسطًا من العقل ما دامت تتصف بالحياة وكذلك تملك الذرة عقلاً يتناسب مع بساطتها. وهذا يعني أن العالم كلَّه ما هو إلا "عقول أولية" تتصف بإمكانية التفاعل المستمر.
العقل العام (الله تعالى) : و العقل العام ( الله تعالى ) عند الوائلى هو مجموعة العقول المنبثقة في ذرات العالم كلِّه. فكل ما في الوجود ما هو إلا ركام العقول المتفاوتة في الدرجات التي تؤلِّف العقل العام؛ وهذا الأخير لا يأخذ شيئًا من خارجه، باعتباره هو الطبيعة ذاتها.
العلاقه بين العقل العام (الله) والعقول البسيطة (العلم): والعقول البسيطه هي أفكار في العقل العام، تُمِدُّه بأفكارها العقلية. وإنها لا تأخذ شيئًا من العقل العام، كما أنها غير قادرة على الذوبان فيه.
ب/ رائق النقري و "وحدة الوجود الحيوية ":
التصور الحيوى لمفهوم الألوهية: يقدم د. رائق النقري في كتابه "الإيديولوجية الحيوية" مذهب فى وحده الوجود ، ينطلق من تصور حيوى للالوهيه ، مضمونه ان الله تعالى موجود كمسلَّمة، وهو كل حيوي كقوة الخلاقة ودفق مستمر في الكائنات كلها. وهو ليس جوهر ، بل هو قابلية التحول الدائم للأشياء.
ادوار فكره الالوهيه: ويرى النقرى ان فكرةُ الالوهيه مرت بأدوار عدة، وفقًا لحركة القانون الحيوي للمجتمع: فكانت الخطوة الأولى هي معرفة الله من خلال فكرة الخوف من الموت والحلال والحرام. حتى وصلت إلى فكره الإله المجرد الذي ليس له شبيه ولا شكل ولا وزن ولا صفة. وهى الفكره التى يرى النقرى انها تتوافق مع فكره الفلسفه الحيويه للالوهيه ، رغم انها تربط الالوهيه بالزمن، وتنفى انها تحرك العالم بل تجعلها والعالم حركه.
اراده الحياه: فالنقرى يرى - استنادا الى تصوره الحيوى للالوهيه - أن تجربة الحق والخلق هي تجربة إلهية بقدر ما هي تجربة إنسانية وكونية. إنها تجربة الحياة ذاتها إرادة الحياة.
(محمد الراشد، إشكالية وحدة الوجود في الفكر العربي الإسلامي، دار الأوائل، ط2 ، دمشق 2002)
نقد:
محاوله الوائلي هى تعريب وأسلمة لمذهب ليبنيز فى وحدة الوجود العقلية القائم على الذرات الروحية " المونادات، ويلزم من عقلنة المادة فى هذه المحاوله انكار الوجود الموضوعي للمادة.
كما ان محاوله النقرى هى تعريب واسلمه للفلسفه الحيويه عند برجسون ،كما ان تصوره الحيوى للوجود يترتب عليها انكار الوجود الموضوعي للمادة الجامدة "غير الحية"،فضلا عن كونه باعتباره مذهب فلسفى حيوى- معادل فلسفى للديانة الارواحية "عباده الارواح"التى سادت عند اغلب الشعوب القديمه.
تناقض مفهوم وحده الوجود مع التصور الإسلامي للوجود: وهذه المحاولات تتجاهل حقيقة ان مضمون مفهوم وحده الوجود، أن للخالق وحده وجود حقيقي، أما المخلوقات فوجودها وهمي، ، وبالتالى يترتب عليه وحده الخالق والمخلوق، هذا المفهوم يتناقض في ذاته وفى ما يلزم منطقيا منه مع التصور الاسلامى الصحيح للعلاقة بين الوجود الالهى والوجود الكوني الطبيعي، والمستند إلى مفهومي التنزيه و التوحيد، فمضمون مفهوم التنزيه أن وجوده تعالى غير محدود بالحركة خلال الزمان، أو الوجود في المكان، ولا تتوافر للإنسان إمكانية إدراكه بحواسه وعقله، وبالتالي يترتب عليه عدم جواز الخلط والدمج بين الوجوديين الالهى والطبيعي بخلاف هذا المفهوم، كما أن مضمون مفهوم التوحيد إفراد الوجود المطلق -وليس إفراد الوجود- لله تعالى، وبالتالي فانه طبقا لمفهوم التوحيد فان لله تعالى وجود حقيقي مطلق وللكون وجود حقيقي محدود ، بخلاف مفهوم وحده الوجود الذى يرى أن الوجود الالهى وحده هو الوجود الحقيقي، أما الوجود الكوني الطبيعي فهو مجرد تجلى للوجود الالهى ،وليس له اى وجود حقيقي ،ومصدر اعتقادنا بوجوده خداع الحواس.
عصمت سيف الدو لة وقراءتان لتراثه الفكرى:
تعريف بالتراث الفكرى للدكتور عصمت سيف الدوله : يتضمن التراث الفكرى للدكتور عصمت سيف الدوله رحمه الله تعالى ثلاثه مستويات هى:
اولا المستوى الفلسفى : ويتضمن جانب نفى يتضمن نقده للفلسفات الغربيه الاساسيه كالماركسيه والليبراليه والوجوديه ، كما يتضمن جانب اثبات يتضمن ما اسماه الفلسفه الانسانيه.
ثانيا المستوى المنهجى: ويتضمن جانب نفى يتضمن نقده لمناهج المعرفه الغربيه الاساسيه (كالمنهج الجدلى بشكله المثالى كما عند هيجل ، وشكله المادى كما عند ماركس، والمنهج الليبرالى)،وجانب اثبات يتضمن ما اسماه منهج جدل الانسان.
ثالثا المستوى المذهبى: ويتضمن جانب نفى ويتضمن نقد للمذاهب السياسية الغربيه الأساسيه(كالمذاهب السياسيه الليبراليه والماركسيه)، وجانب اثبات يتضمن ما اسماه نظريه الثوره العربيه بأركانها الثلاثه المنطلق والغايات والوسيله.
تعدد القراءات: وهناك تعدد فى قراءات التراث الفكرى عند الدكتور عصمت سيف الدوله، ويرجع هذا التعدد فى القراءات الى العديد من الاسباب لامجال لذكرها هنا غير انه يمكن تقرير ان هناك قراءتان اساسيتان لهذا التراث الفكرى وهما:
القراءه الاولى القراءه العلمانيه: وهى قراءه تنظر الى التراث الفكرى للدكتور عصمت سيف الدوله باعتباره كل قائم بذاته ومستقل عن من سواه ، وهى قراءه علمانية إذا كان المقصود بهذا السوى الذى يستقل عنه هذا التراث الفكرى- الدين الاسلامى، بمعنى انها قراءه تفصل بين هذا التراث الفكرى باعتباره مذهب سياسى والاسلام كدين ، استنادا الى ان العلمانيه نزعه تعمل على الفصل بين ماهو دينى وماهو سياسى.
نقد القراءه الاولى (تناقضات القراءه العلمانيه(:
أولا:رفض الدكتور عصمت سيف الدوله للعلمانيه: هذه القراءة تتناقض مع موقف الدكتور عصمت سيف الدوله الرافض للعلمانيه ، سواء ضمنا كما فى مؤلفاته السابقة على كتابه (عن العروبة والاسلام: مركز دراسات الوحدة العربيه، بيروت ، 1986) ، وصراحة كما فى هذا الكتاب . حيث يقرر ان (للعلمانيه نظاما وللاسلام نظاما وهما لا يلتقيان فى أكثر من وجه) (ص240)
ثانيا: رفض الدكتور عصمت سيف الدوله لليبراليه :لا يمكن الحديث عن قراءه ليبرالية للتراث الفكري للدكتور عصمت سيف الدوله والعلمانيه عنده احد اركانها كنظام شامل متكامل للحياه لانه كان قاطعا فى رفضه لليبراليه ، وهوما يتضح من خلال نقده لليبراليه كفلسفة ومنهج ومذهب فى أغلب كتبه .
ثالثا : التناقض بين القبول المطلق والموقف النقدي: كما ان هذه القراءة قائمه على موقف القبول المطلق للتراث الفكري للدكتور عصمت سيف الدوله ، والذي يتناقض مع الموقف الحقيقى للدكتور عصمت سيف الدوله من القضايا الفكرية الاجتهادية التى تتجاوز موقفى القبول او الرفض المطلقين الى الموقف النقدى، الذى يميز بين الايجابيات والسلبيات ، فيقبل الاولى ويرفض الثانيه.
القراءه الثانيه القراءه الاسلاميه المستنيره:
التحديد التكليفى: تنظرهذه القراءه الى التراث الفكرى للدكتور عصمت سيف الدوله كاجتهاد انسانى محدود تكليفيا بالاصول التى مصدرها النصوص اليقينيه الورود القطعيه الدلاله ، فهذه الاصول تحده فتكمله وتغنيه ولكن لا تلغيه .
تجاوز موقفى القبول والرفض المطلقين الى الموقف النقدى: كما أنها تتجاوز كل من موقفي الرفض والقبول المطلقين، الى موقف نقدي قائم على مستوى الأصول- على قبول ما يتفق مع هذه الاصول، ورفض ما يختلف معها، كما انه قائم على مستوى الفروع على قبول ما كان صوابا فى هذا التراث الفكرى ، ورفض ما كان خطاْ فيه ، يقول د.عصمت سيف الدوله (..اى ان تكون الممارسة النضالية وسيلة لإغناء وتصحيح ثم تدعيم الفكر الطليعى وطريقا لنشره والتدليل على صحته)( الطريق ،دار الوحده، بيروت ،ج2، ص270)
مذهب إسلامي مستنير: وهذه القراءة تنظر الى هذا التراث الفكري باعتباره مذهب إسلامي مستنير. لانه يهدف- على المستوى الذاتي- إلى تحرير عقل الإنسان المسلم من القيود التي تعوق فعاليته كوسيلة للمعرفة كأنماط التفكير الخرافي والاسطورى والبدعى ، باعتبار أن ذلك هو شرط ذاتي لنقل المجتمعات المسلمة من تخلف النمو الحضاري إلي التقدم الحضاري ، كما يهدف على المستوى الموضوعي إلى حل للمشاكل التي يطرحها واقع المجتمعات المسلمة المعين زمانا ومكانا.
مرحلتا التطور الفكرى للدكتور عصمت سيف الدوله: وهنا نشير الى ان هناك مرحلتين من مراحل التطور الفكرى للدكتور عصمت سيف الدوله:
المرحله الاسلاميه الكامنه: المرحله الاولى هى المرحله الاسلاميه الكامنة(وليست المرحله العلمانية كما يرى البعض)،وتمثلها مؤلفاته قبل عن العروبة والاسلام(الأسس ، النظريه، الطريق)، حيث يقول فى الأسس (الجواب الثانى كان متاحا بالإسلام كعقيدة وشريعه الاسلام كعقيدة وشريعة غير محدود بالزمان والمكان وغير مقصور على مجتمع دون اخر وهو بهذا دين وليس مذهبا.. لهذا كان التماس الجواب فى الاسلام يقتضي جهدا بالغا ليستخلص من محتواه الانسانى الشامل كعقيدة وشريعة منهجا تصاغ على هديه الحياة فى الوطن العربى فى القرن العشرين)(د.عصمت سيف الدوله،الاسس، ص6-7(
المرحله الاسلاميه الظاهرة: المرحله الثانيه هى المرحله الاسلاميه الظاهره ، ويمثلها بصوره اساسيه مؤلفه عن العروبه الاسلام. مع وجوب تقرير تداخل المرحلتين فى كثير من الأحيان. وقد ساهم فى عدم اكتشاف الطابع الاسلامى الكامن فى المرحله الاولى استخدام الدكتور عصمت لمصطلحات ماركسيه وليبراليه وان كان بدلالات مفارقه تحت تأثير الصراع الفكرى مع هذه التيارات التى كان لها سطوة على النخبه المثقفه حينها. بل ان هذه القراءة ترى ان الدكتور عصمت سيف الدوله كان يرى وجوب اتخاذ اجتهادات أهل السنة نقطة بداية للاجتهاد الفكري حيث يقول فى مقال له بعنوان: رسالة عن المذاهب فى الاسلام (فالامه العربيه مثلا وهى امه كامله التكوين التاريخى والاجتماعى تغلب عليها آراء اهل السنة فى مسألة الخلافة أو الإمامة او الحكم ) .
الاستخلاف كنسق معرفي : إنساني / روحى/ مستنير (كاتب الدراسه):
تعريف:ينطلق هذا المشروع الفكرى من الأبعاد الفلسفية والمنهجية والمذهبية لمفهوم الاستخلاف القرانى، لتأسيس نسق معرفي "إسلامي - معاصر" ، ذو أبعاد فلسفية - منهجية - مذهبية ، و طابع: إنساني - روحى" دينى " مستنير.
اولا: البعد الفلسفي لمفهوم الاستخلاف ( فلسفه الاستخلاف): يتمثل البعد الفلسفي لمفهوم الاستخلاف ، في فلسفه الاستخلاف ، التي تقوم على محاوله تحديد العلاقة بين المستخلف بكسر اللام الله تعالى ، والمستخلف بفتح اللامالإنسان ، والمستخلف فيه الكون- اى محاوله تحديد العلاقة بين أطراف علاقة الاستخلاف وذلك باتخاذ المفاهيم القرآنية الكلية ( التوحيد والاستخلاف والتسخير) مسلمات أولى ، ثم محاوله استنباط النتائج الفلسفية لهذه المفاهيم الكلية، متخذة من اجتهادات أهل السنة بمذاهبهم العقدية الكلامية المتعددة نقطة بداية- وليس نقطة نهاية لهذا الاجتهاد.
ثانيا: البعد المنهجي لمفهوم الاستخلاف (منهج الاستخلاف): ويتمثل البعد المنهجي لمفهوم الاستخلاف، في الاستخلاف كمنهج للمعرفة ، ومضمونه أن صفات الربوبية (اى ما دل على الفعل المطلق لله تعالى) تظهر في عالم الشهادة على شكلين:
الشكل الأول : تكويني: يتمثل في السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود الشهادى ، وهى على نوعين:
ا/ السنن الالهيه الكلية:التي تضبط حركه الوجود الشامل للطبيعة المسخرة للإنسان المستخلف ، وهى سنن"الحركة ، التغير،التأثير المتبادل".
ب/السنن الالهيه النوعية: التي تضبط حركة نوع معين من أنواع الوجود الشهادى ،كسنه الكدح إلى الله المقصورة على الإنسان ، والتي تشير إليها الآية " يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه" .
الشكل الثاني : تكليفي : يتمثل في المفاهيم والقيم والقواعد الكلية التي مصدرها الوحي ، وهو يحدد الشكل التكويني كما يحدد الكل الجزء فيكمله ويغنيه ولكن لا يلغيه.
فلسفه ومنهج معرفة ذوى طابع إنساني - روحي:من العرض السابق نخلص إلى أن البعدين الفلسفى والمنهجي لمفهوم الاستخلاف ( اى فلسفه الاستخلاف ومنهج الاستخلاف) يقومان على تأكيد قيمة الوجود الانسانى، وإثبات هذا الوجود بأبعاده المتعددة، مع التأكيد على انه وجود محدود تكليفيا "بالسنن الالهيه" ، و تكليفيا "بالوحي "، وبالتالي يجعلان العلاقة بين الوجود الإلهى والوجود الانسانى بأبعاده المتعددة علاقة تحديد وتكامل- فالوجود الإلهى يحدد الوجود الانسانى ولكن لا يلغيه - وليست علاقة إلغاء وتناقض " كما في النزعة الإنسانية الغربية ، التي تطرفت في تأكيد الوجود الإنساني، فحولته من وجود محدود "تكوينيا وتكليفيا" ، إلى وجود مطلق "قائم بذاته ومستقل عن غيره" .
ثالثا: البعد المذهبي لمفهوم الاستخلاف (مذهب الاستخلاف): ويتمثل البعد المذهبي لمفهوم الاستخلاف، في الاستخلاف كمذهب اى كمجموعة من الحلول للمشاكل التي يطرحها الواقع المعين.
الوعد الالهى باستخلاف الأمة : فقد اشار القران الكريم أشار إلى الوعد الالهى باستخلاف أمه التكليف بأممها وشعوبها التكوينية المتعددة في قوله تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ )(النور:55).
الاستخلاف العام الثانى للامه: وتتضمن الآية الإشارة - صراحة او ضمنا- إلى أنماط متعددة من الاستخلاف - الاصلى او التبعى - ومثال للاخير الاستخلاف العام الثانى للامه ، وهو استخلاف الأمة في الحاضر-موضوع الدراسه-
شروط الاستخلاف: وتتضمن شروط الاستخلاف بمستوياته المتعددة:
ا/شروط نصية مطلقة: وتشمل تحقيق الاستخلاف فى كل زمان"الماضى والحاضر والمستقبل"، وكل مكان " كل الامم والشعوب التكوينية لامه التكليف "الأمة الإسلامية" ، وتتمثل في جمله من المفاهيم والقيم والقواعد الكلية ، التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة ،والتى تحدد- ولا تلغى- الاستخلاف بمستوياته المتعددة.
ب/ شروط اجتهادية مقيدة : وتقتصر على تحقيق الاستخلاف فى زمان معين " الحاضر" ،ومكان معين " الامه العربيه- المسلمه بشعوبها المتعددة "، وتتمثل في مفاهيم وقيم وقواعد: الحرية والعدالة الاجتماعية و الوحدة والجمع بين الأصالة والمعاصرة "التجديد" باعتبارها شروط للاستخلاف "السياسى ، الاقتصادى، الاجتماعى،الحضارى" على التوالى ، على وجه لا يتناقض مع أصول الدين النصية الثابتة ، استنادا الى ان هذه المفاهيم والقيم والقواعد حث عليها الاسلام ،وما قرره العلماء من ان السياسة الشرعية هي ما كل يحقق مصلحة الجماعة ولو لم يرد فيه نص، كقول ابْنُ عَقِيلٍ(السِّيَاسَةُ مَا كَانَ فِعْلاً يَكُونُ مَعَهُ النَّاسُ أَقْرَبَ إلَى الصَّلَاحِ، وَأَبْعَدَ عَنْ الْفَسَادِ، وَإِنْ لَمْ يَضَعْهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا نَزَلَ بِهِ وَحْيٌ)( ابن القيم / كتاب الطرق الحكمية في السياسة الشرعية)
الاستخلاف ومنهج التغيير كيفيه ومراحل تحقيق الاستخلاف :وهناك مرحلتين أساسيتين للتغير- تمثل أيضا مراحل لتحقيق الاستخلاف:
المرحلة الأولى"الاستطاعة": هي مرحله الانتقال مما هو كائن، إلى ما هو ممكن ، والتي يمكن التعبير عنها بمصطلح الاستطاعة ، ومن أدلتها: تقرير النصوص لقواعد متعددة مها قاعدة الاستطاعة (فَاتّقُوا ْاللّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ). ولهذه المرحلة مستويان :
مستوى أصلى: هو مستواها الاعتقادى"الفكري" . ويتضمن الاجتهاد فى وضع الحلول النظرية للمشاكل التى يطرحها واقع الأمة المعاصر
تيار الاستخلاف: ويتضمن هذا المستوى التأسيس لتيار فكري شامل - لا يقصي اى فئه من فئات الأمة - فيشمل كل من يلتزم بهذه الحلول النظريه- او بعضها- حتى ولو لم يكن هناك رابط تنظيمى بينهم .
مستوى فرعى: هو مستواها العملي"التطبيقي". ويتضمن ان تنبثق من هذا التيار الفكري الشامل مبادرات شعبية منظمة "مؤسسيه"، تسعى لتحقيق ما هو ممكن من هذه الحلول النظريه، فى الواقع العملى للامة ، بأساليب سلمية وشكل تدريجي.
المرحلة الثانية " العزم ":هي مرحله الانتقال مما هو ممكن إلى ما ينبغي أن يكون ، ويمكن التعبير عنها بمصطلح العزم ، و من أدلتها مفهوم العزم الذي يرتبط بما ينبغي أن يكون كما في قوله (إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ )( الشورى: 43 ) ، وهذه المرحلة لها مستويان :
مستوى أصلى : هو مستواها العملي"التطبيقي" .ويتضمن الانتقال مما هو ممكن الى ما ينبغي ان يكون. باكمال التنفيذ العملى لكل هذه الحلول النظرية فى واقع الأمة.
مستوى فرعي: هو مستواها الاعتقادي"الفكري". ويتضمن الاجتهاد العلمي فى وضع حلول نظرية جديده، للمشاكل الجديدة التى سيطرحها الواقع العملى للامه، بعد حل المشاكل السابقه.
مذهب مستنير: مما سبق نخلص إلى أن مذهب الاستخلاف هو بالأصالة مذهب مستنير، طبقا للدلالة العامة- المشتركة لمصطلح التنوير- التى تتفق مع الاسلام - و التى تتمثل في التنوير كمفهوم مجرد تشترك في فهمه كل الفلسفات والمناهج ، ومضمونها أن تحرير عقل الإنسان من القيود التي تعوق فعاليته كوسيلة للمعرفة " كأنماط التفكير الخرافي والأسطوري"،هو احد شروط نقل اى مجتمع من التخلف الحضاري إلي التقدم الحضاري. ومرجع ذلك اى كونه مذهب مستنير - انه يهدف- على المستوى الذاتي- إلى تحرير عقل الإنسان المسلم من القيود التي تعوق فعاليته كوسيلة للمعرفة كأنماط التفكير الخرافي والأسطوري والبدعى ، باعتبار أن ذلك هو شرط ذاتي لنقل المجتمعات المسلمة من تخلف النمو الحضاري إلي التقدم الحضاري، كما يهدف- على المستوى الموضوعي- إلى حل للمشاكل التي يطرحها واقع المجتمعات المسلمة المعين زمانا ومكانا.
. ________________________
الموقع الرسمي للدكتور/ صبري محمد خليل خيري | دراسات ومقالات https://drsabrikhalil.wordpress.com