علاقة الحجارة والجبال بالإيمان: تكامل المجالات المعرفية فى منهج المعرفة الاسلامى(2)

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • صبرى محمد خليل خيرى
    طالب علم
    • Jan 2010
    • 416

    #1

    علاقة الحجارة والجبال بالإيمان: تكامل المجالات المعرفية فى منهج المعرفة الاسلامى(2)

    علاقة الحجارة والجبال بالإيمان: تكامل المجالات المعرفية فى منهج المعرفة الاسلامى(2)
    د. صبرى محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه فى جامعه الخرطوم
    Sabri.m.khalil@gmail.com
    مذاهب تفسير الآيات الكونية:
    مذهب التطابق "الخلط" بين العلم والدين / رد الأصل "العلم التجريبى" إلى الفرع"القران":
    التطابق والخلط: هذا المذهب يجعل العلاقة بين العلم التجريبي والدين علاقة تطابق وخلط.
    رد الأصل الى الفرع: هذا المذهب يقوم برد الاصل " العلم التجريبى "، الى الفرع " القرآن " ، وهو ما يتضح من خلال :
    تأويله للنص القرآني ليتفق مع النظريات العلمية التجريبية ، ودون تمييز بين آيات الأصول والمتضمنة للآيات الكونية القطعية الدلالة، وآيات الفروع والمتضمنة للآيات الكونية الظنية الدلالة ..
    اعتباره الآيات العلمية والكونية بمثابة غايات للنص القرآني وليست وسائل له .
    شروعه في استخراج النظريات العلمية من هذه الآيات وليس من الكون نفسه.
    إشكالية مصطلح" الإعجاز العلمى فى القران" : اتساقا مع هذا فان مصطلح " الإعجاز العلمى فى القران " يوحى بجعل الاصل"القران " فرع " العلم التجريبى"
    نقد المذهب: هذا المذهب يلزم منه- موضوعيا وبصرف النظر عن النوايا الذاتية لأنصاره -
    جعل العلم التجريبى" الأصل ، والنص القرآنى الفرع
    التشكيك فى صحة القران: أن النظريات العلمية التجريبية (كشكل من أشكال المعرفة الإنسانية) محدودة نسبية ، لذا تحتمل الصواب والخطأ ، وبالتالي فإن اعتبارها من القرآن يؤدي إلي نسبة هذا الخطأ إليه .كما حدث فى اوريا فى العصور الوسطى عندما اعتبرت الكنيسة ان النظريات العلميه جزء من كتابهم المقدس.
    احاله القران الى كتاب فى العلوم: يحيل القران الى كتاب فى العلوم التجريبيه، بدلا من كونه كتاب لهدايه الناس لما فيه صلاحهم فى الدنيا والاخره فى كل زمان ومكان.
    نقد العلماء المتقدمين للمذهب: وقد وجه العديد من العلماء المتقدمين هذا المذهب عندما ظهر فى عصرهم . فالإمام الشاطبي يقرر ان النص القرآني لم يخرج عما ألفه العرب من علوم، وان هذا المذهب لم يقل به السلف الصالح (جاءت الشريعة على معهود العرب ، وما تعرفه من علوم ولم تخرج مما ألفوه، وان كثيرا من الناس تجاوزوا في الدعوى على القران الحد، فأضافوا إليه كل علم يذكره المتقدمين والمتأخرين... وكان السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم كانوا أعرف بالقران وعلومه وما أودع فيه ، ولم يبلغنا أن تكلم منهم احد من شيء من هذا المدعى ، سوى ما تقدم من أحكام التكاليف وأحكام الآخرة... ) . كما وجه الإمام الغزالي النقد إلي بعض الذين حاولوا الانتصار إلي او نقض بعض النظريات العلمية ، استنادا الى معايير دينية"كالنصوص" ، وليس من معايير علمية كالمعايير الهندسية والرياضية والتجريبيه وهو من خصائص هذا المذهب - (القسم الثاني ما لا يصدم مذهبهم فيه أصلاً من أصول الدين، و ليس من ضرورة تصديق الأنبياء و الرسل منازعتهم ، كقولهم أن كسوف القمر عبارة عن انمحاء ضوءه بتوسط الأرض بينه وبين الشمس ، ومن ظن أن المناظرة في إبطال هذا من الدين ، فقد جنى على الدين وضعف أمره ، فإن هذا أمر تقوم على براهين هندسية وحسابية لا تبقى معها ريبة في من يطلعه عليها.. ومن ظن وإذا قيل له أن هذا على خلاف الشرع لم يسترب في الشرع، وضرر الشرع بمن تنصره بغير طريقة أكثر ممن يطعن عليه بطريقه)( الغزالي، تهافت الفلاسفة ،طبع بيروت، بدون تاريخ،ص111)

    المذهب الثاني: اتساق "عدم تناقض" العلم مع الدين / رد الفرع"العلم التجريبى" إلى الأصل "القران" :
    اتساق" عدم تناقض": العلاقة الصحيحة بين الدين والعلم هى علاقة اتساق "عدم تناقض"، من خلال كونها من جهه علاقه ارتباط ووحدة - وليست علاقه خلط وتطابق- وهو ما يتحقق من خلال فلسفه العلم و امكانية انطلاقها من مفاهيم وقيم وقواعد الدين الكليه- وعلاقه تمييز- وليست علاقة فصل - من خلال تقرير ان لكل من المجالين منهج وموضوع مغاير .
    التمييز بين آيات الاصول وايات الفرع: أن الفهم الصحيح للآيات العلمية والكونية ينتهي بنا إلى ضرورة التمييز بين: آيات الأصول : التي تتضمن أسس المنهج العلمي والدعوة إلى استعماله ، والآيات الكونية القطعية الدلالة ، التي هي بمثابة أمثله مضروبة للناس لاستعمال هذا المنهج العلمي، للكشف عن السنن الالهيه في الطبيعة والإنسان. وآيات الفروع التي تتضمن الآيات الكونية ظنية الدلالة"تحتمل التأويل".
    تفسير ايات الفروع جزء من التفسير وليس جزء من النص : ويمكن تفسير آيات الفروع بما ينتهي إليه البحث العلمي من نظريات أثبت صحتها بالتجربة والاختبار، مع وجوب تقرير أن هذا التفسير اجتهاد انسانى محدود يحتمل الصواب والخطأ .وطبقا لهذا تصبح هذه النظريات العلمية هي جزء من هذا التفسير وليست جزء من النص القرآني.
    الاعجاز القرانى فى العلم: والمصطلح الذي يتسق مع مضمون هذا المذهب هو " الإعجاز القرآني فى العلم" ،لانه يجعل النص هو الأصل و العلم التجريبى هو الفرع، من جهة كون الاول " النص" مصدر فلسفة العلم الإسلامية .
    اجتهادات العلماء: استنادا الى هذا المذهب يمكننا الاشارة الى اجتهاد بعض العلماء المسلمين القدماء والمعاصرين، فى تفسير الآيات الكونية والعلمية التى تصف الحجارة والجبال،والتى تبين اتساقها عدم تناقضها- مع العلوم التجريبية الحديثه والمعاصره ، التي تدرس الحجارة والجبال ، كعلوم الجيولوجيا وعلوم التربة والزراعه...
    حثت بعض النصوص المسلمين على البحث العلمى فى العلوم التى تدرس الحجاره والجبال - وغيرها من علوم- والكشف عن القوانين الموضوعيه "السنن الالهيه بالتعبير القرانى" التى تضبط حركتها ، "وقد عبر القران عن ذلك بمصطلح "النظر فى الكيفيه" قال تعالى: (أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ*وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ*وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ)(الغاشية:19).
    كما أشارت النصوص الى فوائد الجبال للانسان كما فى قوله تعالى( وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا، مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ) [النازعات:32-33].وهي الفوائد التي أكدتها العلوم التي تدرسها والتكنولوجيا التى جاءت كتطبيق عملي لها كاستخراج الثروات المعدنية منها ،وكذلك الكثير من لمواد التى تستخدم فى العديد من الصناعات و الصيدلانية الجبلية التى تشمل الأعشاب والنباتات الطبية الجبلية. والمنتجات الجبلية الحيوانية والاستشفاء الطبيعي في الأماكن الجبلية والينابيع والعيون التى تنبع منها.
    تشبيه النص القرآني لعملية ايجاد الجبال بالالقاء كما فى قوله تعالى(والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي) تقارب وصف هذه العلوم لعمليه تكون الجبال جيولوجيًا عبر العصور نتيجة حدوث البراكين وما يقذفه من باطن الأرض الملتهب من خروج للحمم والصهارة إلى الأعلى ثم عودتها لتستقر على سطح الأرض
    تشبيه النص للجبال بالأوتاد" وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا " (النبأ: 7). يتسق مع تقرير هذه العلوم بان للجبال جذوراً مغروسة في أعماق الأرض.
    استخدام النصوص لمسطحات تفيد التثبيت الإرساء كما فى قوله تعالى (وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا) ، ورد في تفسير ابن كثير(وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا أي أقرها وأثبتها في أماكنها‏، وانها تحقق التوازن كما فى قوله تعالى (وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ) . وهو ما يتسق مع تقرير هذه العلوم دور الجبال على حواف القارات (الألواح) في تثبيت الأرض وهي ضمان لثبات القشرة الأرضية ومنعها من أن تضطرب ويختل توازنها.
    ربط بعض النصوص بين الجبال والمطر كما فى قوله تعالى "وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتا" (المرسلات: 27). وهو ما يتسق مع تقرير هذه العلوم دور الجبال في عملية سقوط الأمطار ، نتيجه اصطدام السحب بقمم الجبال .
    ربط بعض النصوص بين الجبال و البناء كما فى قوله تعالى( وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً ) (الشعراء : 149)، وهو أكده تطور صناعة البناء والتشييد كاستخدم الكثير من المواد الجيليه فى علميات البناء كالحجر الجيري والرملي والرخام.. ( للمزيد انظر: الدكتور أحمد مليجي ، موسوعة الاعجاز العلمى فى القران والسنه )
    المنظور الفلسفي : لم تتناول الفلسفة الحجارة والجبال فى ذاتها ، و طبقا لمستوى جزئى عينى كما فى المنظورالعلمى، لكن يمكن تناولها طبقا للمنظور الفلسفي كأحد مكونات الطبيعة ،وطبقا لمستوى كلى مجرد ، ومن خلال بعض فروع الفلسفة مباحث الوجود والميتافيزيقا و فلسفه الدين ...
    الفلسفه الحيويه: هى فلسفه ترى ان كل الموجودات حيه ، سواء كانت من الاحياء او من الجمادات- والتى تشمل الحجاره والجبال- فالأولى فيها حياة نشطة والثانيه فيها حياة كامنه.
    نقد: اكتشفت الفلسفة الحيوية ان للجمادات- بما فيها من حجارة وجبال- بعد روحى غيبى. لكنها لم تستند فى ذلك الى التصور التنزيهي للإله تحت تأثير الديانات الوثنيه فاحالت هذه الفلسفة الى معادل فلسفى لديانة عبادة أرواح الأجداد(الروحية) التي تفسر كافة مظاهر الحياة بالأرواح الخيرة.
    الفلسفه الذريه : ترى أن الوجود عبارة عن ذرات تتحرك فى فراغ وان من تجمع هذه الذرات تتكون الأشياء-التى تشمل الحجاره والجبال- ومن انفصالها يحدث فنائها ، وهذا التجمع والانفصال يحدث بالصدفة
    نقد: تقدمت الفلسفة الذرية بالعلم الطبيعي خطوه ،إذ كان تحليل الوجود قبلهم يقف عند تحليله إلى الحالات الأربع وأضافوا تحليله إلى ذرات ، وهو ما ظل مستمرا إلى عام1911حيث اكتشف رذرفورد التركيب الداخلي للذرة( إلكترون، بروتون ، نيوترون) . الا ان تصورها للذرة فيه كثير من الأخطاء كقولهم أن الذرات تختلف في الحجم والشكل. بالإضافة الى محاولتها تفسير خلق العالم-الموضوعي- بالصدفه الذاتيه- التي مرجعها قصور فى المعرفه والاراده الانسانيين.
    الفلسفه الماديه : ترى أن المادة وحدها ذات الوجود الحقيقي، أما ما سواها (مثل الفكر أو الروح..) فما هو إلا انعكاس للمادة ليس له وجود حقيقي.
    نقد: طبقا لهذه الفلسفة فإن الحجارة والجبال ذات بعد واحد هو البعد المادي( الشهادى) وليس لها اى بعد غيبى(روحى)، وهى عبارة عن مرحله سابقة من مراحل تطور المادة .
    الفلسفة المثالية الموضوعية:وهى فلسفه ترى أن الفكر والعقل أو الروح وحدة الوجود الحقيقي أما ما سواه (مثل الظواهر والأشياء المادة) فما هي إلا تجلي لهذا الفكر أو العقل ليس لها وجود حقيقي
    نقد: هذه الفلسفة ترفض الاقرار بالوجود الموضوعي لسائر الموجودات الماديه- ومنها الحجاره والجبال وتعتبره مجرد تجلى للفكر المطلق الذى هو غير فكر الانسان.
    الفلسفه الثنائية: وهي فلسفه ترى أن هناك وجودان حقيقيان متساويان في الدرجة
    نقد: طبقا لهذه الفلسفة فان لسائر الموجودات المادية- ومنها الحجارة والجبال من جهة ، والعقل من جهه اخرى وجود مستقل قائم بذاته ومستقل عن الآخر.
    (للمزيد انظر: أميره حلمي مطر،الفلسفة اليونانية دار جامعة القاهرة للطباعة والنشر ، 1988م)
    المراجع:
    1. ابن القيم، بدائع الفوائد ج1،طبعه القاهرة ،1977.
    2. ابن القيم، مدارج السالكين، ج3 ، بدون تاريخ.
    3. ابن تيمية ،مجموع الفتاوى،الجزء الأول ، طبعة القاهرة ، د.ت.
    4. ابن تيميه، مجموعة الرسائل الكبرى،طبعه بيروت،1958.
    5. أحمد مليجي ، موسوعة الاعجاز العلمى فى القران والسنه
    6. أميره حلمي مطر،الفلسفة اليونانية دار جامعة القاهرة للطباعة والنشر ، 1988م.
    7. . الغزالي، تهافت الفلاسفة ،طبع بيروت، بدون تاريخ.
    --------------------------
    الموقع الرسمي للدكتور/ صبري محمد خليل خيري | دراسات ومقالات https://drsabrikhalil.wordpress.com
    .
يعمل...