الفكر القومى العربى : مراجعات نقدية تأصيلية(1)

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • صبرى محمد خليل خيرى
    طالب علم
    • Jan 2010
    • 416

    #1

    الفكر القومى العربى : مراجعات نقدية تأصيلية(1)

    الفكر القومى العربى : مراجعات نقدية تأصيلية(1)
    د.صبرى محمد خليل/ استاذ فلسفه القيم الاسلاميه فى جامعه الخرطوم
    sabri.m.khalil@gmail.com
    اولا:المراجعات والنقد الذاتي : المراجعة لغة الرَدُّ مرة أخرى إلى الأصل. أما اصطلاحا فهي عملية نقد ذاتي ، يقوم بها فرد أو جماعه ، لمفاهيمه " النظرية " ومواقفه " العملية " . فهي تتصل بالشكل الذاتي للنقد . ومضمون النقد - منهجيا - تجاوز موقفي الرفض والقبول المطلقين، إلى موقف " تقويمي" قائم على بيان ايجابيات وسلبيات مفهوم" نظري "أو موقف "عملي " انسانى معين، بهدف قبول الايجابيات ورفض السلبيات.
    التمييز بين النقد والنقض: ولكن يجب التمييز بين النقد والنقض، لان هدف النقد ايجابي هو التقويم والتصحيح وبالتالي البناء ، أما هدف النقض فهو سلبي هو الهدم ، فهو ليس شكل من أشكال نقد ، ولكن شكل من أشكال الرفض المطلق.
    الموقف النقدي من خصائص التفكير العقلاني: والموقف النقدي- بشكليه الذاتي"النقد الذاتي" و الموضوعي"النقد الموضوعي"- من خصائص التفكير العقلاني،خلافا لموقفي الرفض والقبول المطلقين، واللذان يعبران عن نمط التفكير الاسطورى،القائم على الانفعال "العاطفي" غير المقيد بالعقل،وقبول الأفكار بدونالفكر القومى العربى : مراجعات نقدية تأصيلية(1) دليل عقلي- منطقي.
    الموقف النقدي يتسق مع الموقف الاسلامى الصحيح من المفاهيم والتجارب الانسانيه: كما أن الموقف النقدي - بشكليه الذاتي"النقد الذاتي" و الموضوعي"النقد الموضوعي"- هو الموقف الذي يتسق مع الموقف الاسلامى الصحيح من المفاهيم والتجارب الانسانيه،وقد أشارت إليه الكثير من النصوص : قال تعالى(الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ﴾ (الزمر:17-18) ، وقال تعالى( لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ ..)(النساء :114)، وعن حذيفة بن اليمان "رضي الله عنه "أن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال : (لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً ... وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ ، إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا ، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا) (رواه الترمذي "2007" بإسناد ضعيف / ضعفه الألباني ولكن صححه من قول عبد الله بن مسعود). وهو الموقف الحقيقي لعلماء الإسلام من كثير من المفاهيم والمجالات المعرفية ، كموقف الإمام ابن تيمية الذي يقول في تقييم التصوف على سبيل المثال (لأجل ما وقع في كثير من الاجتهاد والتنازع فيه، تنازع الناس في طريقهم فطائفة ذمت الصوفية والتصوف وطائفة غلو فيهم ... وكلا طرفي هذه الأمور ذميم. ..) .اتساقا مع ما سبق أشارت بعض النصوص إلى النقد الذاتي - الشكل الذاتي للموقف النقدي - على سبيل الحث عليه كقيمه ايجابيه ، كما في قوله تعالى(وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم) (يوسف:53)، واتساقا مع هذا التزم السلف الصالح مع أفضليتهم على سائر المسلمين المنصوص عليها النقد الذاتي، قال أنس بن مالك " رضي الله عنه": (دخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه حائطاً فسمعته يقول- وبيني وبينه جدار- عمر بن الخطاب أمير المؤمنين بخ! والله لتتقينَّ الله يا ابن الخطاب أو ليعذبنّك(.
    قراءه نقديه للفكر القومى العربى: هذه الموقف النقدي - بشكليه الذاتي"النقد الذاتي" و الموضوعي"النقد الموضوعي"- من الفكر القومى العربى، يتحقق من خلال قراءه نقدية للفكر القومي ، والمقصود بالقراءة النقدية أنها تتجاوز موقفي الرفض المطلق والقبول المطلق من الفكر القومى العربى " لانهما من خصائص التفكير الاسطورى" ،إلى موقف نقدي منه، قائم على بيان أوجه الصواب والخطأ ،فى الحلول التي قدمها هذا الفكر ، للمشاكل الاساسيه التي طرحها الواقع العربي الحديث و المعاصر.
    ضروره التمييز بين القومية كعلاقة انتماء وكحركات مذاهب- سياسيه: هذه القراءة تقوم اولا على وجوب التمييز بين القومية كعلاقة انتماء إلى أمه، والقومية كحركات- مذاهب - سياسيه، فالأولى سابقه في الوجود على الاخيره، وبالتالي غير متوقفة عليها(وجودا أو عدما)، بينما الاخيرهالحركة السياسية القومية بمذاهبها المتعددة يتوقف وجودها على الأولى القومية كعلاقة انتماء إلى أمه ، اى أن وجود اى حركة- مذهب- سياسي قومي، يتوقف على مدى نجاحه أو فشله في التعبير عن القومية كعلاقة انتماء إلى أمه ، ومدى نجاحه أو فشله في تحقيق أهداف ومصالح الامه.وهذا التمييز يترتب عليه: اولا: انه لا يجوز اتخاذ فشل اى حركه مذهب سياسى قومى فى تحقيق مصالح واهداف الامه، كحجه لانكار علاقه انتماء الى الامه.ثانيا:ان هدف وحده الامه لا ينفرد بالسعى لتحقيقه حركه او مذهب سياسى معين- قومى او غير قومى- دون غيره ، بل هو هدف تسعى لتحقيقه كل الامه بجميع حركاتها مذاهبها - السياسيه. فالحركات - المذاهب السيايه القوميه تفترق هنا عن غيرها فقط فى تركزها على هذا الهدف .
    ضروره الانتقال من مرحله رد الفعل العاطفى الى الى الفعل العقلانى:كما ان هذه القراءه تقوم ثانيا على ضروره انتقال الفكر القومى العربى من مرحله رد الفعل العاطفى التى ميزت نشاته وظل لاحقا اسيرها فى اغلب الاحيان - الى مرحله الفعل العقلانى . فقد كانت بدايه الحركة القومية العربية في المشرق العربي أولا في مطلع القرن العشرين، لأنها ظهرت كرد فعل على حركه التتريك التي حاولت سلب العرب خصائصهم القومية ، يقول د. عصمت سيف الدولة (ولم تلبث الحركة القومية التركية " الطورانيه " ممثله في قيادتها" جمعيه الاتحاد والترقي" أن ألغت فعليا دوله الخلافة من حيث هي دوله مشتركه بين أمتين العربية والتركية، وحولوها إلى دوله تركية تحكم العرب وتحاول سلب خصائصهم القومية بتتريكهم ،وحيث بدأ الهجوم بدأت المقاومة، وبدا الدفاع عن القومية العربية حيث بدأ الهجوم على القومية العربية)( عن العروبة والإسلام، ص131).
    الحريه وضروره الربط بين مشكلتى بين التبعيه "الخارجيه" والاستبداد"الداخلى ": اعتبرت قطاعات واسعه من الفكر القومى الحريه احد اهداف المشروع القومى(بالاضافه الى الوحده والعداله الاجتماعيه " الاشتراكيه")،والحريه تقتضى التحرر من كل قيد داخلى " كالاستبداد"، او خارجى " كالاستعمار"، غير ان قطاعات واسعه من الفكر القومى ركزت على مشكله الاستعمار الخارجي، وتجاهلت او قللت من أهميه- مشكله الاستبداد الداخلي، فاعطت الاولويه للتحرر من الاستعمار على مقاومه الاستبداد .هذا الموقف جاء كرد فعل" متطرف" على موقف اخر" تمثله بعض القوى الليبراليه"، قائم على التركيز على مشكله الاستبداد الداخلي ، وتجاهل او التقليل من أهميه-مشكله الاستعمار الخارجي ، اى اولويه مقاومه الاستبداد على من التبعيه.غير ان كلا الموقفين خاطىْ ، لانهما يقومان على ذات الاساس الخاطىْ ،وهوالتركيز على احد المشكلتين وتجاهل الأخرى، وبينما الموقف الصحيح هو الربط بين مشكلتي الاستبداد الداخلي والاستعمار الخارجي،باعتبار ان الاول هو قيد داخلي على حرية الشعوب ، بينما الثاني هو قيد خارجي عليها. فالاستبداد هو قيد داخلي على حرية الشعوب لأنه انفراد اقليه (فرد او فئة) بالسلطة دون الشعب .والاستعمار هو قيد خارجي على حرية الشعوب لأنه استيلاء شعب على إمكانيات شعب أخر وتسخيرها لخدمة مصالحه.
    اسلوب التغييروضروه الالتزام اساليب التغيير الجماهيرى السلمى : اعتمدت كثير من مذاهب الفكر القومى الانقلابات العسكريه كاسلوب للتغيير،غير انها لا تنفرد بذلك، ذلك ان الانقلابات العسكريه كظاهره تكاد تكون المرحلة التالية لمرحلة التحرر من الاستعمار على مستوى العالم الثالث كله. وهذه الظاهره هى حصيله فشل تطبيق الديمقراطية فى العالم الثالث نتيجة للتخلف الديمقراطي : انعدام أو ضعف التقاليد الديمقراطية بفعل الاستعمار وما صاحبه من تخلف ثقافي ومادي، إضافة إلى تطبيق المفهوم الليبرالي القائم على سلبية الدولة بالنسبة للممارسة الديمقراطية. إذا الانقلابات العسكريه تعبر عن مرحله تاريخيه انقضت او تكاد تنقضي، ولابد من استحداث أساليب تغييراخرى ،أهمها اسلوب التغييرالجماهيري السلمي بالياته المختلفة.
    علاقات الانتماء المتعدده وضروره الانتقال من الوحده المطلقه الى الجمع بين الوحده والتعدد: اذا كان الفكر القومى قائم اساسا على اثبات علاقه الانتماء القوميه للشخصيه العربيه ، فان تحديد علاقتها بعلاقات الانتماء الاخرى للشخصيه العربيه( الوطنيه ، الدينيه، التاريخيه، القاريه، العرقيه، الانسانيه...) تتصل بمشكله الوحدة والتعدد كقضية فلسفيه لها تطبيقاتها الثقافية،السياسية،الاقتصادية...: اى هل نقول بوحدة مطلقه تلغى اى شكل من أشكال التعدد أم نقول بتعدد مطلق يلغى اى شكل من أشكال الوحدة أم نجمع بين الوحدة التعدد اى نقول بوحدة نسبيه وتعدد نسبى. والفكر القومى العربى مدعو الى تجاوزمذهب الوحدة المطلقة ،الذى يرى أن العلاقة بين علاقات الانتماء المتعددة للشخصيه الحضاريه المعينه" هى هنا الشخصيه العربيه" هي علاقة تناقض، وبالتالي فان استناده إلى علاقة الانتماء المعينة" هى هنا علاقه الانتماء القوميه" يقتضى إلغاء علاقات الانتماء الأخرى.. هذه الوحدة المطلقة في مجال الهوية تلزم منها وحدة مطلقه في المجال السياسي الاقتصادي القانوني... مضمونها وجوب انفراد جماعات قبلية معينه (هى هنا الجماعات العربيه باعتبارها ممثلا لعلاقة الانتماء القوميه) بالسلطة و الثروة ... دون باقي الجماعات القبلية أو الشعوبية الاخرى.
    هذا التجاوز لمذهب الوحده المطلقه يتحقق سلبا من خلال وجوب التمييز بين الفكر القومى و مذهب العصبية القبلية العربية الذى سنقوم بنقده ادناه - والذى يفهم العروبة على أساس عرقي وليس اساس لغوي حضاري. كما ان هذا التجاوز لمذهب الوحده المطلقه يتحقق ايجابا من خلال تبنى الفكر القومى لمذهب العلاقة الجدلية بين الوحدة والتعدد القائم على اعتبار أن الشخصية العربيهه ذات علاقات انتماء متعددة،وان العلاقة بينها علاقة تكامل لا تناقض ،و إن العلاقة الجدلية بين الوحدة والتعدد في مجال الهوية ترتبط بالعلاقة الجدلية بين الوحدة و التعدد في المجال السياسي الاقتصادي القانوني...متمثله في التأكيد على الوحدة (بتقرير المساواة بين الجماعات القبلية والشعوبية المكونة للامه العربيه)، وفى ذات الوقت التأكيد على التعددية (بتقرير حرية هذه الجماعات القبلية والشعوبية).
    تحقيق الوحده وضروره الانتقال من التصور غير العلمى -غير الواقعى"القفز" الى التصور العلمى الواقعى "التدرج" : اذا كانت الوحده هى الهدف المشترك لكل مذاهب الفكر القومى فان هذه المذاهب تختلف فى كيفيه تحقيق الوحده، حيث يشيع عن بعض هذا المذاهب تصور مثالى لكيفيه تحقيق الوحده مضمونه القفز مما هو كائن " التجزئه" الى ما ينبغى ان يكون" الوحده" .بينما الفكر القومى مدعو الى الالتزام بالتصور العلمى القائم على احترام سنه التدرج اى الانتقال ما هو كائن " التجزئة والتفتيت"، إلى ما ينبغي أن يكون" الوحده" من خلال الممكن ، ومضمونه اتخاذ كل الخطوات الممكنة في اتجاه الوحدة عبر مراحل، اى ان العمل على توحيد الامه يجب ان يتم بشكل تدريجي سلمى مؤسساتي ،عن طريق إيجاد وتفعيل مؤسسات العمل المشترك،كإنشاء السوق المشتركة،اتفاق الدفاع المشترك، البرلمان المشترك ، إلغاء أو تخفيف القيود على حركه العمالة والتجارة ...
يعمل...