بسم الله الرحمان الرحيم
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا وصلّى الله وسلم وبارك على محمد سيد الأولين والآخرين وعلى آله وصحبه وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد..
إخواني السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هذه أول مشاركة لي في منتدى الأصلين .
أنا تونسي طالب جامعي في قسم الفلسفة، أشعري بفضل الله عز وجل.
واجهتني شبهة خلال دراستي للكتب الفلسفية وهي تخص مبدأ السببية أو العلية وفكرة الاقتران العادي الأشعرية.
لقد قرأت هذه الشبهة في كتب أحد أكبر الفلاسفة العرب النصارى المعاصرين و هو يوسف كرم ..أرجو أن تكونوا قد اطلعتم على كتبه فهي مفيدة جدا في الرد على الفلاسفة الأروبيين عامة من منطلق فلسفي وايماني-أقصد اثبات وجود الله وقدرة العقل على الاستدلال عليه ورد الشبهات حوله وحول القضايا الدينية عامة- متين.
اخواني يقول يوسف كرم في كتابه "العقل والوجود" طبعة دار المعارف بمصر 1956:
'' ... ولهذا المذهب [ يقصد طعن هيوم وكانط في مبدإ العلية] وجه آخر:
فقد اتخذ وسيلة لتأييد ركنين دينيين: الركن الأول أن الله لمّا كان الموجود بذاته فهو الفاعل الأوحد، وليست المخلوقات بفاعلة. والركن الثاني إمكان المعجزات على حين أن الترابط الضروري بين المسببات والأسباب يقضي على هذا الإمكان. وقد استغل الغزالي هذين المعنيين ضد الفلاسفة، قال ان " استمرار العادة [ بالأسباب والمسببات] مرة بعد أخرى يرسخ في أذهاننا جريانها على وفق العادة الماضية" [ ثم ساق كرم النصوص المشهورة لحجة الإسلام في نفس المعنى]..ثم قال عقبه: "هذا كلام صريح كل الصراحة لم يقل هيوم أو غيره من المحدثين أصرح منه"[...] ثم قال معقبا بالردّ:
" إنا لنعجب لهؤلاء المفكرين كيف لم يتنبّهوا إلى الإشكالات التي يثيرها مذهبهم هذا وهي كثيرة: أوّلها دور منطقي أو مصادرة على المطلوب تقطع عليهم الطريق إلى الله فتقضي على المذهب من أساسه؛ تليها إشكالات في حق الذات الالاهية، فأخرى في حق الموجودات.
أجل يلزمهم الدور المنطقي أو المصادرة حين يتحدثون عن الله وهم عاجزون عن البرهنة على وجود الله: ذلك بأن العلم الانساني بالله يكتسب بتطبيق مبدإ العلية للصعود من المخلوقات إلى الخالق، و لكن مبدأ العلية مجروح في نظرهم، غير ذي موضوع في المخلوقات وغير ذي قيمة، وإذن لا يجوز تطبيقه للبلوغ إلى الله...[ ثم ذكر كرم ما رآه إشكالا في حق الله يلزم عن الطعن في العلية وهو -على الطريقة الاعتزالية- أنه اذا كان الله هو الفاعل الاوحد الخالق في العباد أفعالهم فاليه تعود الأفعال الشريرة فلا يتصف بالكمال ..ومسألة أنه كيف يحاسبنا على أفعال خلقها هو سبحانه..] ثم يذكر الإشكال في حق الموجودات فيقول:
" وإذا اتجهنا الى المخلوقات وجدنا فيها شواهد أخرى على تهافتهم: انها جمبعا تبدو ناقصة نازعة الى الاستكمال و اذا لم يكن استكمال الموجود بفعل منه فلم يوجد؟ و بخاصة متى كان عاقلا مريدا مندوبا لاستكمال خلقي وديني. ثم ان لكل موجود طبيعة تبدو في أفعاله المطردة ونحن نسمي هذه الافعال طبيعية بسبب اطرادها فان اطّراد الفعل يدل على أنه صادر عن قوة قارة في الموجود، ولكل موجود هيئة أي تركيب من أجزاء أو أعضاء ولكل عضو أو جزء هيئة وتركيب فلم هذا التركيب العجيب المتناسق مع خصائص الاشياء بحيث نرى العين مثلا تدرك الضوء واللون ولا تدرك غير ذلك ...وهلم جرا.واذا تلف العضو أو اضطرب جزء منه انعدم الفعل أو اضطرب بنفس المقدار، فكيف لا نعتبر العضو أو جزءه علة؟ و ما وجه الضرورة لتركيبات مختلفة تصدر عنها أفعال مختلفة؟ و لم لا يحدث الله أيّ شيء من أيّ شيء بأي شيء أو بدون شيء؟؟
لقد ظنوا أن في اختصاص الله بالعلية وسلبها عن المخلوقات تمجيدا لله والامر على العكس فإن عالما فعالا لأشدّ اظهارا للقدرة الالاهية واعظم تمجيدا لله من عالم ساكن ميت مسرح أشباح وأوهام، أليس يقدّر الصانع بقدر صنعه؟ ؛ وظنوا أن علية المخلوقات قوة الاهية خالقة والأمر ينحصر في الإخراج من القوة الى الفعل دون ايجاد من عدم. فكما أن وجود المخلوقات مشاركة في الوجود الالاهي الذي هو الوجود بالذات كذلك علّية المخلوقات مشاركة في العلية الالاهية التي هي علية بالذات.فنحن بازاء علية أولى مستكفية بذاتها وعلية ثانية قابلة منها الوجود والقدرة على الفعل..." اهـ كلام يوسف كرم.
اخواني هذه هي "مشكلتي" التي لم أجد لها حلا فهل من حل بارك الله فيكم وجزاكم عني وعمن وقع أو يقع فيما وقعت فيه خير الجزاء ؟
وان كان يوجد رد لفضيلة الشيخ سعيد أو لغيره في المنتدى فانني لم أجده رغم البحث الطويل. فأحيلوني على مكانه لأقرأه منه ان كانت نفس هذه الشبه وارد الرد عليها فيه حتى لا تضيع جهودكم وأوقاتكم.
سامحوني ان أطلت فيما لا يزيكم رأيا راجحا ولا علما نافعا. ولكن لو لا علمي بحلمكم وحسن أخلاقكم وارادتكم الخير لاخوانكم ما شاركتكم ولا سألتكم ولا استعنت بكم .
لا حرمكم الله الاخلاص لوجهه الكريم وجعل عملكم في ميزان حسناتكم و نفعكم به يوم تلقونه وأسعدكم الله به بلقاء النبي صلى الله عليه وسلم وهو راض عنكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخوكم في الله سليم
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا وصلّى الله وسلم وبارك على محمد سيد الأولين والآخرين وعلى آله وصحبه وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد..
إخواني السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هذه أول مشاركة لي في منتدى الأصلين .
أنا تونسي طالب جامعي في قسم الفلسفة، أشعري بفضل الله عز وجل.
واجهتني شبهة خلال دراستي للكتب الفلسفية وهي تخص مبدأ السببية أو العلية وفكرة الاقتران العادي الأشعرية.
لقد قرأت هذه الشبهة في كتب أحد أكبر الفلاسفة العرب النصارى المعاصرين و هو يوسف كرم ..أرجو أن تكونوا قد اطلعتم على كتبه فهي مفيدة جدا في الرد على الفلاسفة الأروبيين عامة من منطلق فلسفي وايماني-أقصد اثبات وجود الله وقدرة العقل على الاستدلال عليه ورد الشبهات حوله وحول القضايا الدينية عامة- متين.
اخواني يقول يوسف كرم في كتابه "العقل والوجود" طبعة دار المعارف بمصر 1956:
'' ... ولهذا المذهب [ يقصد طعن هيوم وكانط في مبدإ العلية] وجه آخر:
فقد اتخذ وسيلة لتأييد ركنين دينيين: الركن الأول أن الله لمّا كان الموجود بذاته فهو الفاعل الأوحد، وليست المخلوقات بفاعلة. والركن الثاني إمكان المعجزات على حين أن الترابط الضروري بين المسببات والأسباب يقضي على هذا الإمكان. وقد استغل الغزالي هذين المعنيين ضد الفلاسفة، قال ان " استمرار العادة [ بالأسباب والمسببات] مرة بعد أخرى يرسخ في أذهاننا جريانها على وفق العادة الماضية" [ ثم ساق كرم النصوص المشهورة لحجة الإسلام في نفس المعنى]..ثم قال عقبه: "هذا كلام صريح كل الصراحة لم يقل هيوم أو غيره من المحدثين أصرح منه"[...] ثم قال معقبا بالردّ:
" إنا لنعجب لهؤلاء المفكرين كيف لم يتنبّهوا إلى الإشكالات التي يثيرها مذهبهم هذا وهي كثيرة: أوّلها دور منطقي أو مصادرة على المطلوب تقطع عليهم الطريق إلى الله فتقضي على المذهب من أساسه؛ تليها إشكالات في حق الذات الالاهية، فأخرى في حق الموجودات.
أجل يلزمهم الدور المنطقي أو المصادرة حين يتحدثون عن الله وهم عاجزون عن البرهنة على وجود الله: ذلك بأن العلم الانساني بالله يكتسب بتطبيق مبدإ العلية للصعود من المخلوقات إلى الخالق، و لكن مبدأ العلية مجروح في نظرهم، غير ذي موضوع في المخلوقات وغير ذي قيمة، وإذن لا يجوز تطبيقه للبلوغ إلى الله...[ ثم ذكر كرم ما رآه إشكالا في حق الله يلزم عن الطعن في العلية وهو -على الطريقة الاعتزالية- أنه اذا كان الله هو الفاعل الاوحد الخالق في العباد أفعالهم فاليه تعود الأفعال الشريرة فلا يتصف بالكمال ..ومسألة أنه كيف يحاسبنا على أفعال خلقها هو سبحانه..] ثم يذكر الإشكال في حق الموجودات فيقول:
" وإذا اتجهنا الى المخلوقات وجدنا فيها شواهد أخرى على تهافتهم: انها جمبعا تبدو ناقصة نازعة الى الاستكمال و اذا لم يكن استكمال الموجود بفعل منه فلم يوجد؟ و بخاصة متى كان عاقلا مريدا مندوبا لاستكمال خلقي وديني. ثم ان لكل موجود طبيعة تبدو في أفعاله المطردة ونحن نسمي هذه الافعال طبيعية بسبب اطرادها فان اطّراد الفعل يدل على أنه صادر عن قوة قارة في الموجود، ولكل موجود هيئة أي تركيب من أجزاء أو أعضاء ولكل عضو أو جزء هيئة وتركيب فلم هذا التركيب العجيب المتناسق مع خصائص الاشياء بحيث نرى العين مثلا تدرك الضوء واللون ولا تدرك غير ذلك ...وهلم جرا.واذا تلف العضو أو اضطرب جزء منه انعدم الفعل أو اضطرب بنفس المقدار، فكيف لا نعتبر العضو أو جزءه علة؟ و ما وجه الضرورة لتركيبات مختلفة تصدر عنها أفعال مختلفة؟ و لم لا يحدث الله أيّ شيء من أيّ شيء بأي شيء أو بدون شيء؟؟
لقد ظنوا أن في اختصاص الله بالعلية وسلبها عن المخلوقات تمجيدا لله والامر على العكس فإن عالما فعالا لأشدّ اظهارا للقدرة الالاهية واعظم تمجيدا لله من عالم ساكن ميت مسرح أشباح وأوهام، أليس يقدّر الصانع بقدر صنعه؟ ؛ وظنوا أن علية المخلوقات قوة الاهية خالقة والأمر ينحصر في الإخراج من القوة الى الفعل دون ايجاد من عدم. فكما أن وجود المخلوقات مشاركة في الوجود الالاهي الذي هو الوجود بالذات كذلك علّية المخلوقات مشاركة في العلية الالاهية التي هي علية بالذات.فنحن بازاء علية أولى مستكفية بذاتها وعلية ثانية قابلة منها الوجود والقدرة على الفعل..." اهـ كلام يوسف كرم.
اخواني هذه هي "مشكلتي" التي لم أجد لها حلا فهل من حل بارك الله فيكم وجزاكم عني وعمن وقع أو يقع فيما وقعت فيه خير الجزاء ؟
وان كان يوجد رد لفضيلة الشيخ سعيد أو لغيره في المنتدى فانني لم أجده رغم البحث الطويل. فأحيلوني على مكانه لأقرأه منه ان كانت نفس هذه الشبه وارد الرد عليها فيه حتى لا تضيع جهودكم وأوقاتكم.
سامحوني ان أطلت فيما لا يزيكم رأيا راجحا ولا علما نافعا. ولكن لو لا علمي بحلمكم وحسن أخلاقكم وارادتكم الخير لاخوانكم ما شاركتكم ولا سألتكم ولا استعنت بكم .
لا حرمكم الله الاخلاص لوجهه الكريم وجعل عملكم في ميزان حسناتكم و نفعكم به يوم تلقونه وأسعدكم الله به بلقاء النبي صلى الله عليه وسلم وهو راض عنكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخوكم في الله سليم
تعليق