السادة الأكارم أعضاء المنتدى، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
سأنقل لكم كلاماً قرأته لأحد الكتّاب يُشنِّع فيه على علم الكلام ويَنسب إلى أعلامه تحريمه وتراجعهم عنه، ويبدو أنه قد خلط بين الفلسفة وعلم الكلام والمنطق، وقد توفي هذا الكاتب قبل سنوات إلا أن ما كتبه شائع بين كثير من الناس عالق في أذهانهم، كما شاع تراجع الإمام الأشعري عن مذهب الأشاعرة قبل موته . .
فأرجو من الإخوة الأفاضل أن يبينوا لنا كيفية الرد على مثل هذه الأقوال بأسلوب علمي موثق.
بعد أن ذكر الكاتب تحريم بعض العلماء الاشتغال بالفلسفة كالإمام السيوطي وابن الصلاح والنووي ورجوع الغزالي إلى تحريمه قال: "إنه ليس من السهل أن تنقل العقيدة الربانية بوسائل بشرية وتفكيرات إنسانية، كما أنه لا يمكنك أن تنقل اللبن الطاهر بكأس أثرها خمرة، ولذا فليس من السهل أن تنقل التصور الإسلامي الرباني الصافي بقوالب فلسفية لأنها تطفئ نوره وإشعاعه وتقتله، وتصبح العقيدة جافة بعد نداوتها، سلبية بعد إيجابيتها، معقدة بعد سهولتها: (ولقد يسّرنا القرآن للذكر فهل من مدكر).
ولقد حاول بعض الجهابذة من العلماء الأفاضل نقل العقيدة عن طريق علم الكلام والمنطق ـ بعد أن افتتنوا بها ـ وذلك كحجة الإسلام أبي حامد الغزالي المتوفى سنة 505هـ وإمام الحرمين الجويني، وفخر الدين الرازي سنة 606هـ. إلا أن التجربة كانت لديهم مرّة، وكانت حصيلتها أن كادت تنزلق نفوسهم، وتضطرب تصوراتهم، مما اضطر الثلاثة أن يرجعوا عن الكلام أخيراً.
فقد كتب الغزالي رسالته التي أسماها (إلجام العوام عن علم الكلام) وقال: (فلم يكن الكلام في حقي كافياً ولا لدائي الذي كنت أشكوه شافياً)، وقال: (الحق أن علم الكلام حرام إلا لشخصين) نقله الكاتب عن كتاب فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة للغزالي ص90، وأما الجويني فكان يعض أصابع الندم في أواخر سني حياته لما فرط فيه في البحث عن الكلام. وكان يقول: (عليكم بدين العجائز، فإن لم يدركني الحق بلطيف بره فأموت على دين العجائز ويختم عاقبة أمري عند الرحيل بكلمة الإخلاص فالويل لابن الجويني) نقله الكاتب عن كتاب تلبيس ابليس لابن الجوزي، ص93.
ويقول الرازي:
نهاية إقدامِ العقول عقال وغايةُ سعي العالمين ضلالُ
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
نقله الكاتب عن كتاب شرح الفقه الأكبر لملا علي القاري، ص7.
ويقول الشهرستاني، صاحب كتاب الملل والنحل:
لعمري لقد طفتُ المعاهد كلها وسيرتُ طرفي بين تلك المعالم
فلم أرَ إلا واضعاً كفَّ حائر على ذقنٍ أو قارعاً سن نادم
نقله الكاتب عن المرجع السابق، ص7.
ثم تابع قائلاً: نعم لقد تراجع الأعلام الثلاثة عن علم الكلام ولكن متى؟ بعد أن أغرقوا العقيدة بالمنطق والكلام اليوناني المشوب بالأساطير الوثنية. وكيف يمكن لعقيدة التوحيد الخالصة التي نزلت من رب العالمين أن تنقل بالتفكير الإغريقي الملوث بالوثنية؟ إنه محال.
وكذلك فإن هؤلاء الأئمة كانوا عباقرة في علم الأصول فحاولوا أن ينقلوا الأصول بواسطة علم الكلام والمنطق فعقدوا الأصول وأصبح علم الأصول جافاً بعد أن كان سهلاً مبسطاً، وإن كنت في ريب مما أقول فاقرأ رسالة الإمام الشافعي وانظر يسرها وبساطتها وقارن ـ إن شئت ـ بينها وبين كتاب مثل جمع الجوامع للسبكي، والتحرير للكمال بن الهمام، وانظر الفرق الشاسع والبون الواسع.
وأعجب العجب أن يبقى المنطق وعلم الكلام يدرسان إلى يومنا هذا بحجة أن هذين ضروريان للعقيدة والأصول.
إن العقيدة الربانية التي تكفل القرآن ببيانها وإظهارها بيسر وبساطة لا يجوز أن تنقل بوسائل من تفكير بشري، يقول الشافعي: (لئن يُبتلى العبد بكل شيء نُهي عنه غير الكفر أيسر من أن يُبتلى بعلم الكلام) نقله الكاتب عن كتاب إعلام الموقعين لابن القيم، [248:4]، وتلبيس إبليس، ص91 ، وقال الإمام أحمد: (لا يفلح صاحب كلام أبداً، علماء الكلام زنادقة) نقله عن المرجع السابق، وهذا يقودنا إلى قضية ضرورية جداً وهي ضرورة صفاء العقيدة ونقائها من آراء البشر. وهذه نقطة مهمة جداً بل أساسية في العقيدة التي نزلت من عند الله إذا اختلطت بآراء البشر فإنها لا تبقى ربانية ولا تبقى هي التي تقود إلى السعادة في الدارين". انتهى. ثم شرع الكاتب بضرب الأمثلة على كلامه السابق من تحريفات اليهود والنصارى لعقيدة التوحيد التي جاء بها القرآن الكريم.
وبعد صفحات نقل عن الإمام أبي حنيفة قولاً: (وله يد ووجه ونفس، فما ذكره الله تعالى في القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف، ولا يقال إن يده قدرته أو نعمته لأن فيه إبطال الصفة وهو قول أهل القدر والاعتزال، ولكن يده صفته بلا كيف). نقله الكاتب عن كتب شرح الفقه الأكبر، ص36.
الرجاء توضيح كلام الإمام إن صحت النسبة إليه، أليس هذا القول الذي ينسبه إلى أهل القدر والمعتزلة هو قول المؤولة من الأشاعرة؟
سأنقل لكم كلاماً قرأته لأحد الكتّاب يُشنِّع فيه على علم الكلام ويَنسب إلى أعلامه تحريمه وتراجعهم عنه، ويبدو أنه قد خلط بين الفلسفة وعلم الكلام والمنطق، وقد توفي هذا الكاتب قبل سنوات إلا أن ما كتبه شائع بين كثير من الناس عالق في أذهانهم، كما شاع تراجع الإمام الأشعري عن مذهب الأشاعرة قبل موته . .
فأرجو من الإخوة الأفاضل أن يبينوا لنا كيفية الرد على مثل هذه الأقوال بأسلوب علمي موثق.
بعد أن ذكر الكاتب تحريم بعض العلماء الاشتغال بالفلسفة كالإمام السيوطي وابن الصلاح والنووي ورجوع الغزالي إلى تحريمه قال: "إنه ليس من السهل أن تنقل العقيدة الربانية بوسائل بشرية وتفكيرات إنسانية، كما أنه لا يمكنك أن تنقل اللبن الطاهر بكأس أثرها خمرة، ولذا فليس من السهل أن تنقل التصور الإسلامي الرباني الصافي بقوالب فلسفية لأنها تطفئ نوره وإشعاعه وتقتله، وتصبح العقيدة جافة بعد نداوتها، سلبية بعد إيجابيتها، معقدة بعد سهولتها: (ولقد يسّرنا القرآن للذكر فهل من مدكر).
ولقد حاول بعض الجهابذة من العلماء الأفاضل نقل العقيدة عن طريق علم الكلام والمنطق ـ بعد أن افتتنوا بها ـ وذلك كحجة الإسلام أبي حامد الغزالي المتوفى سنة 505هـ وإمام الحرمين الجويني، وفخر الدين الرازي سنة 606هـ. إلا أن التجربة كانت لديهم مرّة، وكانت حصيلتها أن كادت تنزلق نفوسهم، وتضطرب تصوراتهم، مما اضطر الثلاثة أن يرجعوا عن الكلام أخيراً.
فقد كتب الغزالي رسالته التي أسماها (إلجام العوام عن علم الكلام) وقال: (فلم يكن الكلام في حقي كافياً ولا لدائي الذي كنت أشكوه شافياً)، وقال: (الحق أن علم الكلام حرام إلا لشخصين) نقله الكاتب عن كتاب فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة للغزالي ص90، وأما الجويني فكان يعض أصابع الندم في أواخر سني حياته لما فرط فيه في البحث عن الكلام. وكان يقول: (عليكم بدين العجائز، فإن لم يدركني الحق بلطيف بره فأموت على دين العجائز ويختم عاقبة أمري عند الرحيل بكلمة الإخلاص فالويل لابن الجويني) نقله الكاتب عن كتاب تلبيس ابليس لابن الجوزي، ص93.
ويقول الرازي:
نهاية إقدامِ العقول عقال وغايةُ سعي العالمين ضلالُ
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
نقله الكاتب عن كتاب شرح الفقه الأكبر لملا علي القاري، ص7.
ويقول الشهرستاني، صاحب كتاب الملل والنحل:
لعمري لقد طفتُ المعاهد كلها وسيرتُ طرفي بين تلك المعالم
فلم أرَ إلا واضعاً كفَّ حائر على ذقنٍ أو قارعاً سن نادم
نقله الكاتب عن المرجع السابق، ص7.
ثم تابع قائلاً: نعم لقد تراجع الأعلام الثلاثة عن علم الكلام ولكن متى؟ بعد أن أغرقوا العقيدة بالمنطق والكلام اليوناني المشوب بالأساطير الوثنية. وكيف يمكن لعقيدة التوحيد الخالصة التي نزلت من رب العالمين أن تنقل بالتفكير الإغريقي الملوث بالوثنية؟ إنه محال.
وكذلك فإن هؤلاء الأئمة كانوا عباقرة في علم الأصول فحاولوا أن ينقلوا الأصول بواسطة علم الكلام والمنطق فعقدوا الأصول وأصبح علم الأصول جافاً بعد أن كان سهلاً مبسطاً، وإن كنت في ريب مما أقول فاقرأ رسالة الإمام الشافعي وانظر يسرها وبساطتها وقارن ـ إن شئت ـ بينها وبين كتاب مثل جمع الجوامع للسبكي، والتحرير للكمال بن الهمام، وانظر الفرق الشاسع والبون الواسع.
وأعجب العجب أن يبقى المنطق وعلم الكلام يدرسان إلى يومنا هذا بحجة أن هذين ضروريان للعقيدة والأصول.
إن العقيدة الربانية التي تكفل القرآن ببيانها وإظهارها بيسر وبساطة لا يجوز أن تنقل بوسائل من تفكير بشري، يقول الشافعي: (لئن يُبتلى العبد بكل شيء نُهي عنه غير الكفر أيسر من أن يُبتلى بعلم الكلام) نقله الكاتب عن كتاب إعلام الموقعين لابن القيم، [248:4]، وتلبيس إبليس، ص91 ، وقال الإمام أحمد: (لا يفلح صاحب كلام أبداً، علماء الكلام زنادقة) نقله عن المرجع السابق، وهذا يقودنا إلى قضية ضرورية جداً وهي ضرورة صفاء العقيدة ونقائها من آراء البشر. وهذه نقطة مهمة جداً بل أساسية في العقيدة التي نزلت من عند الله إذا اختلطت بآراء البشر فإنها لا تبقى ربانية ولا تبقى هي التي تقود إلى السعادة في الدارين". انتهى. ثم شرع الكاتب بضرب الأمثلة على كلامه السابق من تحريفات اليهود والنصارى لعقيدة التوحيد التي جاء بها القرآن الكريم.
وبعد صفحات نقل عن الإمام أبي حنيفة قولاً: (وله يد ووجه ونفس، فما ذكره الله تعالى في القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف، ولا يقال إن يده قدرته أو نعمته لأن فيه إبطال الصفة وهو قول أهل القدر والاعتزال، ولكن يده صفته بلا كيف). نقله الكاتب عن كتب شرح الفقه الأكبر، ص36.
الرجاء توضيح كلام الإمام إن صحت النسبة إليه، أليس هذا القول الذي ينسبه إلى أهل القدر والمعتزلة هو قول المؤولة من الأشاعرة؟
إنه ليس من السهل أن تنقل العقيدة الربانية بوسائل بشرية وتفكيرات إنسانية، كما أنه لا يمكنك أن تنقل اللبن الطاهر بكأس أثرها خمرة، ولذا فليس من السهل أن تنقل التصور الإسلامي الرباني الصافي بقوالب فلسفية لأنها تطفئ نوره وإشعاعه وتقتله، وتصبح العقيدة جافة بعد نداوتها، سلبية بعد إيجابيتها، معقدة بعد سهولتها، ولقد يسّرنا القرآن للذكر فهل من مدكر
[/ALIGN]
تعليق