كتاب إسلامية المعرفة، تأليف الدكتور محمد عمارة
يمكنني أن أصنف الكتاب بعبارة وصفية واحدة، وهي إن الكتاب أحادي الفكرة، نهج فيه منهجا أقرب إلى الوعظي والخطابي منه إلى العلمي التقريري، أو النقدي. ويكثر في الكتاب التكرار، بحيث يمكننا أن نلخصه في حجم أقل بكثير مما هو عليه مع الحفاظ على الأفكار الأساسية أو الفكرة الأساسية التي اشتمل عليها، وهو في الحقيقة يدور حول فكرة واحدة بدأ بها وانتهى بها تدور حول توضيح مفهوم إسلامية المعرفة، ومجملها كما قال في ص16:"وإذا كانت العلوم والمعارف الإلهية الشرعية إسلامية الموضوع والكليات وفيها من المدني اجتهادات المجتهدين وفقه الفقهاء في الفروع والجزئيات وفي التقعيد، فإن علوم الكون ومعارفه بشرية مدنية الموضوع والكليات والمنطلقات، وإسلاميتها إنما تعني إيجاب علاقة بينها وبين السنن والإلهية التي جاء بها الوحي في الكون والإنسان والاجتماع وكذلك توظيف هذه العلوم والمعارف عن طريق أسمة فلسفتها لتحقيق المقاصد والغايات الشرعية التي حددها الوحي "حكمة" لخلق الله سبحانه وتعالى الكون والإنسان"اهـ
فأنا أستطيع أن أقول بكل ثقة إن أساس الكتاب كله يتلخص في هذه الفكرة، وكل ما سوَّد به الصفحات بعد ذلك ما هو إلا إعادة وشرح وتكرار أو تمثيل للفكرة.
نعم لقد ذكر بعض الملاحظات التي بها يؤيد أو يقرب ما يذهب إليه، كالقول بأن الحسَّ ليس السبب الوحيد للمعرفة، وأكد غير مرة على أن الوحي سبب للمعرفة وأساس لها أيضا ولا يجوز إهماله، ولكن خطابه هذا لا يصح أن يتوجه به إلى غير المسلمين، بل لا يمكن توجيهه إلا إلى من يؤمن بالإسلام فقط، لأنه لم يذكر عليه من الأدلة العقلية المستقلة ما يكون به مقنع للمنكرين للدين!وهذا في نظري نقص ظاهر في الكتاب.
وفي كلامه السابق الذي نقلته نقص وقصور، بيان ذلك: أنه قال إن إسلامية المعرفة معناه إيجاد علاقة بين العلوم الكونية وبين السنن الإلهية الموحى بها، وهذا يستلزم أن المعرفة الكونية تبقى معرفة على ما هي ليه، إلا أن النقص فيها عدم وجود علاقة بينها وبين العلوم الإلهية والأحكام الدينية، ولكن هذا المعنى لا يصح أن يطلق عليه بعد ذلك بأن المعرفة صارت إسلامية، فالإسلامي ما هو إلا التزام المخلوقات بالأحكام الدينية، وذلك بالانقياد لها والدوران في محيطها، أما مجرد إثبات نسبة فهل هذا يكفي للقول بأنها صارت إسلامية؟
فعلم الاقتصاد مثلا يمكن أن يكون مبنيا على أسس علمانية أو شيوعية، أو غير ذلك، وذلك العلم لا يكون إسلاميا بمجرد إيجاد نسبة بينه وبين الإسلام، ولكن كونه إسلاميا يستلزم أن يعاد بناؤه على أسس وقواعد مأخوذة ومستمدة من الإسلام نفسه، ولا يجوز الاقتصار على الغاية منه فقط بل يجب الاهتمام بطريقة بنائه والقواعد التي تحكمه.
وأما العلوم المحضة كالطب والهندسة ونحوها، فلا معنى لكونها إسلامية إلا على معنى أنها جائزة أو واجبة أو مستحبة، أما وصفها بأنها إسلامية بملاحظة عمل الناس بها لخدمة الدين أو نحوها، فأنا أرى أنه لا معنى لهذا الوصف، فإنه يستلزم وصفها بأنها غير إسلامية إذا عمل بها على خلاف الدين وأحكام الدين، وهذا اللازم باطل لا محالة!
والخلاصة أن علم الطب إذا اشتغل به طبيب مسلم والتزم بالأحكام الإسلامية، فالموصوف بأنه إسلامي هنا ليس نفس علمه بالطب، بل عمله بذلك العلم.
ولذلك فأنا أرى أنه لا معنى لتعريف المؤلف ووصف المعرفة بأنها إسلامية من الجهة التي ذكرها.
ولا بدَّ أن نذكر حسنة ظاهرة من حسنات محمد عمارة وهي الإشارة العابرة التي ذكرها في آخر كتابه، من أن المنهج الإسلامي يعتبر كلا من الحس والعقل والنقل أو الوحي، ولا يقتصر على الحسِّ وحده. ولكنه لم يكمل هذه الحسنة، فلميله إلى المذهب الاعتزالي اكتفى بأن ينصَّ على أنَّ القائلين بذلك هم المعتزلة (واصل بن عطاء) مع العلم بأن هذا القول ليس من الأمور التي يختص بها المعتزلة، وذلك حينما ذكر مناظرة الجهم مع السُّمَنية وعدم تمكنه من إلزامهم ورجوعه بعد ذلك إلى واصل بن عطاء حيث فهمه كيف يستدل عليهم[انظر ص75 وما بعدها].
ومن حسناته أيضا الإشارة إلى تأثر العديد من الفلاسفة الغربيين في فلسفاتهم بالكنيسة وسياستها التي كانت تمارسها على الأوروبيين آنذاك، فكانت فلسفاتهم في أغلبها عبارة عن ردات فعل على ذلك الموقف.
ولكن هذه الفكرة ليست ميزة لهذا الكتاب، بل إنها صارت مشهورة في كتابات الناقدين للفسلفة الغربية، من الغربيين والشرقيين[انظر ص85-86].
وأشار أيضا إلى بطلان نظرية المراحل الثلاث التي جاء بها فيلسوف المذهب الوضعي أوجست كونت لتفسير تطول المعرفة الإنسانية [انظر ص89وما بعدها].
ونقد هذا المذهب مشهور معروف أيضا!
وأشار إلى أن أغلب المذاهب الفلسفية الغربية تميل إلى الأساس الحسي الدهري، وهذا كما لا يخفى وصف عام لا يصدق على الأغلب بل ربما يصدق على الغالب من المذاهب في فترات دون أخرى.
وأخيرا لا أملك إلا أن أقول: إن الكتاب لا يتسم بالعمق، ولا بدقة التحليل، ولا بشمول الفكرة، وهو مجرد لمحات ربما طرأت في فكر الكاتب، فألف الكتاب بناء عليها! وهذه جهة نقص أخرى.
تعليق