السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته:
وجدت هذا الموضوع لأحد الكتّاب النصارى يوضح فيه علاقة ذات الله تعالى بصفاته, ويرد-كما يزعم- على الفلاسفة والمتكلمين بحلول شافية وافية. ومما لا شك فيه أن وقفة قصيرة عند هذا المقال تكشف عن القصور الذي احتواه:
العلاقة بين صفات الله وذاته مشكلة معقدة. ومما زادها تعقيداً أن كل فريق من الفلاسفة عزّز رأيه بأدلة لا يُستطاع الكشف عن موضع الخطأ فيها بسهولة. ولذلك نرى من الواجب أن نعرض فيما يلي ملخص هذه المشكلة على هيئة سؤال وجواب، بحسب مواجهة العقل لها، ليتضح لنا الأساس الحقيقي للإشكال.
1 - هل لله صفات أم ليست له صفات؟
الجواب : له صفات لأنه موجود، وكل موجود له صفات. وبذلك تسقط حجة القائلين إن صفات الله اعتبارية، أو إنها مجرد اعتقاد، أو إنها وسط بين العدم والوجود.
2 - إذا كانت لله صفات، فهل هي سلبية أو إيجابية؟
الجواب : إنها إيجابية، لأن الصفات السلبية صفات ناقصة، وإسنادها وحدها إلى الله معناه إسناد النقص إليه، وهو الكامل كل الكمال! وبذلك تسقط حجة القائلين إن الله يتصف بالصفات السلبية دون الإيجابية، أو إن الأولى أكثر مناسبة لكماله من الثانية.
3 - وإن كانت إيجابية، فهل تُطلَق عليه بالاعتبار الذي نطلقها به على غيره، أم باعتبار آخر؟
الجواب : إن أطلقنا الصفات على الله باعتبار يختلف عن ذاك الذي نطلقها به على غيره، وبمعنى يختلف عن ذات المعنى الذي يُفهم منها، لأصبح الله غير مدرَك لدينا. وبما أن غرضه من الإعلان عن ذاته هو أن ندركه على حقيقته، إذاً لا شك في أنه قصد بالصفات " التي أعلن أنه متصف بها " نفس المعاني التي نفهمها منها، لكن طبعاً بدرجة تتناسب معه. فمثلاً عندما أعلن لنا أنه رحوم لا يمكن أن يكون قد قصد بذلك إلا أنه رحوم بالمعنى المفهوم لدينا، إنما بدرجة تتوافق مع كماله الذي لا حدَّ له. وبذلك تسقط حجة القائلين إن صفات الله تُطلَق عليه باعتبارٍ غير الذي تُطلق به على الكائنات.
4 - وإن قلنا إنها إيجابية، فهل هي ذاته، أم غير ذاته، أم ليست ذاته ولا غير ذاته؟
الجواب : الفقرة الأخيرة من هذا السؤال لا معنى لها، لأن صفات الله إما أن تكون ذاته أو غير ذاته، إذ ليس هناك وسط بين الأمرين إلا العدم. فيكفي إذاً أن نعرف : هل صفات الله هي ذاته، أم غير ذاته؟ إن قلنا إنها ذاته جعلنا الصفة موصوفاً والموصوف صفة، أو المعنى ذاتاً والذات معنى. وهذا باطل. وإن قلنا إنها غير ذاته افترضنا وجود أشياء منفصلة عن ذاته أو ملتصقة بها، وكل ذلك باطل. وواضح أن صفات الله هي غير ذاته، لكن لا يمكن أن تكون منفصلة عن ذاته أو ملتصقة بها، بل أن تكون عاملة بينه وبين ذاته. وعملها بينه وبين ذاته لا يتأتى إلا إذا كانت وحدانيته جامعة مانعة، كما سيتضح بالتفصيل في آخر هذا الفصل.
إن صفات الله لا تنفصل عن ذاته، إذ لا انفصال لكائن عن صفاته، ولأن التصاقها به يؤدي إلى وجود تركيب فيه " والحال أنه لا تركيب فيه " . هذا هو الجزء الأول من الإشكال الذي سندرسه ونبيّن السبيل إلى حله في آخر هذا الفصل.
5 - وإن قلنا أيضاً إنها إيجابية، فهل هي حادثة أم قديمة، أم معلولة بالذات؟
الجواب : تدخل الفقرة الأخيرة من هذا السؤال ضمن الفقرة الأولى، لأن اعتبار الصفات معلولة بذات الله معناه أنه هو الذي أوجدها، ولذلك تكون حادثة، أو ليست أزلية كأزلية ذاته. فيكفي إذاً أن نعرف : هل صفات الله حادثة أم قديمة؟ إن قلنا إنها حادثة أسندنا إلى الله التعلق بحادث، وهذا باطل. لأن التعلّق بحادث يعرّض صاحبه لطروء الحدوث أو التغيّر عليه، والله منزه عن هذا وذاك. وإن قلنا إنها قديمة افترضنا وجود كائنات معه أزلاً كان يحبها ويسمعها ويكلمها، أو افترضنا وجود تركيب في ذاته، لأن هذه الصفات تستلزم في ممارستها وجود أكثر من كائن واحد، أو وجود كائن مركب،من هيولي وصورة، أو من جوهر وعرض. وهذا باطل، لأن الله لا شريك له ولا تركيب في ذاته.
وهذا هو الجزء الثاني من الإشكال الذي سنتولى أيضاً دراسته، وإيضاح السبيل إلى حله في آخر هذا الفصل.
ثالثاً - حلول رجال الدين و مكانتها من الصواب :
أما الآن، فنرى من الواجب أن نعرض الحلول التي لجأ إليها رجال الأديان للتوفيق بين اتصاف الله بالصفات الإيجابية أزلاً، وكون وحدانيته وحدانية مطلقة، لنعرف أولاً مكانة حلولهم من الصواب.
1 - إن كانت صفات الله تتجه في الأزل إلى الكائنات التي كان في قصده أن يخلقها، فليس هناك تناقض بين اتّصافه بهذه الصفات أزلاً وكون وحدانيته وحدانية مطلقة .
النقد : لو أن صفات الله كانت تتجه في الأزل إلى الكائنات التي كان في قصده أن يخلقها، لكان وجود هذه الكائنات أمراً ضرورياً لوجود صفاته، وهذا باطل. لأن الله كامل كل الكمال في ذاته وصفاته، بغضّ النظر عن وجود الكائنات أو عدم وجودها.
2 - كان الله في الأزل يشاهد ذاته ويعيها، ولذلك ليس هناك تناقض بين اتّصافه بالصفات الإيجابية أزلاً، وكون وحدانيته وحدانية مطلقة .
النقد : إن اعتبرنا وحدانية الله وحدانية مطلقة، تعذَّر علينا القول إنه يشاهد ذاته ويعيها، لأن هذا العمل يؤدي إلى تكوّن الله من إثنين هما " أ " هو " ب " وذاته، كما يؤدي إلى وجود علاقة له بينه وبين ذاته. والوحدانية المطلقة ليست مركبة، ولا علاقة لها بينها وبين ذاتها. كما تعذَّر علينا القول إنه كان يريد ذاته أو يحب ذاته، أو يسمع ذاته أزلاً. لأن ممارسته في الأزل لهذه الصفات " بل لكل صفاته الأخرى " تتطلّب إما وجود كائن أو كائنات ملازمة له أزلاً، أو وجود تركيب في ذاته. وبما أن الله واحد لا شريك له، وفي الوقت نفسه لا تركيب فيه على الإطلاق، إذاً فهذا الحل ليس على شيء من الصواب أيضاً.
3 - ليس من الضروري لإثبات أزلية صفات الله، ضرورة ممارسته لها أزلاً، لأنه ليس من الضروري مثلاً ألا يُدعَى البصير بصيراً ما لم يبصر شيئاً، فقد يكون بصيراً دون أن يكون هناك شيء يبصره، ولذلك ليس هناك تناقض بين اتصاف الله بالصفات قبل وجود أي كائن سواء، وكون وحدانيته وحدانية مطلقة .
النقد : حقاً قد يكون هناك شخص بصير دون أن يكون هناك شيء يبصره. لكن إذا أدركنا أن الله كامل في ذاته كل الكمال، وأنه لذلك لا يتغير أو يتطور أو يكتسب لذاته شيئاً على الإطلاق، تبيَّن لنا أنه لا يمكن أن صفاته كانت في الأزل عاطلة، ثم أصبحت بعد ذلك صفات عاملة، بسبب وجود الكائنات التي خلقها في الزمان. بل من المؤكد أن صفاته كانت عاملة من تلقاء ذاتها أزلاً لدرجة الكمال، قبل وجود أي كائن من الكائنات سواه. وعملها هذا، على اعتبار أن وحدانيته وحدانية مطلقة، يقتضي وجود كائن أو كائنات ملازمة له أزلاً، أو وجود تركيب في ذاته كما مرَّ بنا. لأنه لولا ذلك لما كان لصفاته عمل حينذاك. وبما أن الله لا شريك له ولا تركيب فيه، إذاً فهذا الحل ليس على شيء من الصواب كذلك.
وقد يقول قائل إنه لا يُعقل أن صفتي الرحمة والعدالة وبعض الصفات الأخرى، كانت بالفعل في الله قبل وجود الناس على الأرض، لأنه لم يكن لها مجال للعمل قبل وجودهم، ولذلك فإن اعتبار جميع صفات الله بالفعل أزلاً، لا يتفق مع الحقيقة الواقعة.
وللرد على ذلك نقول : إن الرحمة والعدالة وجميع الصفات الأخرى الخاصة بالله، لا تخرج عن كونها وجوهاً للكمال الذي يتصف به منذ الأزل. فمن البديهي أن تكون هاتان الصفتان وغيرهما من الصفات عاملة في الكمال الذي يتصف به منذ الأزل، أي قبل وجود أي كائن في الوجود سواه.
وقد يقول قائل آخر إن الكتاب المقدس يُسنِد إلى الله الغضب، ولا يُعقَل أن الغضب كان أزلاً، لأنه لم يكن هناك ما يدعو الله للغضب حينذاك. كما أن الغضب يدل على حدوث تأثر فيه، والتأثر يقتضي التغيّر، والله لا يتغير!
وللرد على ذلك نقول : إذا نظرنا إلى وحدانية الله كوحدانية جامعة مانعة، اتضح لنا أن مبدأ التأثر لا بد وأن يكون موجوداً فيه منذ الأزل، لأنه بسبب هذه الوحدانية يكون محباً ومحبوباً، وعالماً ومعلوماً، ومريداً ومراداً، ومتكلماً وسامعاً، منذ الأزل. فضلاً عن ذلك، فإن الغضب المسنَد إلى الله بسبب قيام الناس بعمل الشر، لا يُراد به حدوث انفعال فيه، بل يُراد به فقط عدم رضائه عن فعل الشر، وذلك وجه من الوجوه السلبية للكمال الذي يتصف به أزلاً، لأن الكمال لا يحب الخير فقط، بل ويبغض الشر أيضاً. وبما أن كمال الله كان بالفعل أزلاً، فمن البديهي أن يكون للغضب ضد الشر أساس في ذاته أزلاً أيضاً.
4 - إن قِدَم السمع والبصر في الله لا يستلزم قِدَم المسموعات والمرئيات، كما لايستلزم قِدَم العلم والقدرة قدم المعلومات والمقدورات. ولذلك ليس هناك تناقض بين اتصاف الله بالصفات أزلاً، وكون وحدانيته وحدانية مطلقة .
النقد : هذا الحل يشبه الحلين السابقين، وهو خطأ مثلهما، لأنه من دواعي كمال الله أن تكون صفاته بالفعل أزلاً " سواء أدركنا كيفية عملها أزلاً أم لم ندرك " . وبما أن ممارسته لأية صفة من هذه الصفات أزلاً تستلزم وجود كائنات أزلية معه، أو وجود تركيب في ذاته، لذلك فهذا الحل ليس على شيء من الصواب أيضاً، لأن الله لا شريك له ولا تركيب فيه.
5 - إن للصفات متعلقات ثلاثة : الأول تنجيزي " أي ما هو بالفعل " قديم بذاته تعالى، والثاني صلوحي " أي ما هو بالقوة " قديم بذواتنا، والثالث تنجيزي حادث، عند وجودنا في العالم .
النقد : يصف هذا الرأي فقط صفات الله من جهات ثلاث، فيطلق عليها من الجهة الأزلية اسم تنجيزي قديم، ويطلق عليها من حيث صلاحيتها بالنسبة لعلاقة الله بنا اسم صلوحي قديم، ويطلق عليها من حيث ممارسته لها بالفعل عند خلقه للعالم، اسم تنجيزي حادث. لكنه لا يبين لنا كيف تكون صفات الله قديمة دون أن تكون هناك كائنات أزلية معه أو يكون هناك تركيب في ذاته، ولا كيف تكون حادثة دون أن يترتب على ذلك تعرضه للتطوّر والتغيّر. ولذلك فهذا الرأي لا يتعرض لحل المشكلة على الإطلاق.
هذه هي الآراء الرئيسية لعلماء الدين، على اختلاف مذاهبهم في التوفيق بين صفات الله واعتبار وحدانيته وحدانية مطلقة، وهي كما اتضح لنا قد تركت المشكلة كما هي.
رابعاً - الحل المناسب للمشكلة
وإن كانت مشكلة العلاقة بين صفات الله وذاته مشكلة معقدة لكن من المؤكد أن يكون لها حل، لأنه لا يمكن أن يكون هناك تناقض أو غموض في ذات الله. ولنعرف الحل يجب أن نعرف أولاً السبب الحقيقي في تضارب آراء الفلاسفة وعلماء الدين في هذا الموضوع.
فما هو هذا السبب؟
الجواب : إذا صرفنا النظر عن آراء القائلين بوحدة الوجود، فإن تضارب آراء المؤمنين بأن الله ذات يرجع إلى اعتقادهم أن وحدانيته هي وحدانية مطلقة، لأن هذه الوحدانية هي وحدانية غامضة، إذا أنها لا تتميز بمميزات تكون بها صفات صاحبها بالفعل أزلاً. لكن لو أنهم نظروا إلى وحدانية الله كوحدانية جامعة مانعة، أي قائمة بمميزات تكون بها صفات الله بالفعل أزلاً، لما استعصى على واحد منهم إدراك العلاقة بين صفات الله وذاته. لماذا؟ لأنه على أساس هذه الوحدانية، لا يبقى مجال للتساؤل عما إذا كانت صفاته هي ذاته أم غير ذاته، إذ من الواضح أن تكون غير ذاته. وكونها غير ذاته لا يترتب عليه في هذه الحالة وجودها في حالة الالتصاق به أو الانفصال عنه، لأنها تكون فقط عاملة بينه وبين ذاته. ولا يبقى مجال للتساؤل عما إذا كانت قديمة أو حادثة، إذ من الواضح أن تكون قديمة قِدم ذاته، لأنه على أساس هذه الوحدانية تكون صفاته ملازمة له أزلاً، دون أن يتطلب ذلك وجود كائنات أزلية معه، أو وجود تركيب في ذاته.
وجدت هذا الموضوع لأحد الكتّاب النصارى يوضح فيه علاقة ذات الله تعالى بصفاته, ويرد-كما يزعم- على الفلاسفة والمتكلمين بحلول شافية وافية. ومما لا شك فيه أن وقفة قصيرة عند هذا المقال تكشف عن القصور الذي احتواه:
العلاقة بين صفات الله وذاته مشكلة معقدة. ومما زادها تعقيداً أن كل فريق من الفلاسفة عزّز رأيه بأدلة لا يُستطاع الكشف عن موضع الخطأ فيها بسهولة. ولذلك نرى من الواجب أن نعرض فيما يلي ملخص هذه المشكلة على هيئة سؤال وجواب، بحسب مواجهة العقل لها، ليتضح لنا الأساس الحقيقي للإشكال.
1 - هل لله صفات أم ليست له صفات؟
الجواب : له صفات لأنه موجود، وكل موجود له صفات. وبذلك تسقط حجة القائلين إن صفات الله اعتبارية، أو إنها مجرد اعتقاد، أو إنها وسط بين العدم والوجود.
2 - إذا كانت لله صفات، فهل هي سلبية أو إيجابية؟
الجواب : إنها إيجابية، لأن الصفات السلبية صفات ناقصة، وإسنادها وحدها إلى الله معناه إسناد النقص إليه، وهو الكامل كل الكمال! وبذلك تسقط حجة القائلين إن الله يتصف بالصفات السلبية دون الإيجابية، أو إن الأولى أكثر مناسبة لكماله من الثانية.
3 - وإن كانت إيجابية، فهل تُطلَق عليه بالاعتبار الذي نطلقها به على غيره، أم باعتبار آخر؟
الجواب : إن أطلقنا الصفات على الله باعتبار يختلف عن ذاك الذي نطلقها به على غيره، وبمعنى يختلف عن ذات المعنى الذي يُفهم منها، لأصبح الله غير مدرَك لدينا. وبما أن غرضه من الإعلان عن ذاته هو أن ندركه على حقيقته، إذاً لا شك في أنه قصد بالصفات " التي أعلن أنه متصف بها " نفس المعاني التي نفهمها منها، لكن طبعاً بدرجة تتناسب معه. فمثلاً عندما أعلن لنا أنه رحوم لا يمكن أن يكون قد قصد بذلك إلا أنه رحوم بالمعنى المفهوم لدينا، إنما بدرجة تتوافق مع كماله الذي لا حدَّ له. وبذلك تسقط حجة القائلين إن صفات الله تُطلَق عليه باعتبارٍ غير الذي تُطلق به على الكائنات.
4 - وإن قلنا إنها إيجابية، فهل هي ذاته، أم غير ذاته، أم ليست ذاته ولا غير ذاته؟
الجواب : الفقرة الأخيرة من هذا السؤال لا معنى لها، لأن صفات الله إما أن تكون ذاته أو غير ذاته، إذ ليس هناك وسط بين الأمرين إلا العدم. فيكفي إذاً أن نعرف : هل صفات الله هي ذاته، أم غير ذاته؟ إن قلنا إنها ذاته جعلنا الصفة موصوفاً والموصوف صفة، أو المعنى ذاتاً والذات معنى. وهذا باطل. وإن قلنا إنها غير ذاته افترضنا وجود أشياء منفصلة عن ذاته أو ملتصقة بها، وكل ذلك باطل. وواضح أن صفات الله هي غير ذاته، لكن لا يمكن أن تكون منفصلة عن ذاته أو ملتصقة بها، بل أن تكون عاملة بينه وبين ذاته. وعملها بينه وبين ذاته لا يتأتى إلا إذا كانت وحدانيته جامعة مانعة، كما سيتضح بالتفصيل في آخر هذا الفصل.
إن صفات الله لا تنفصل عن ذاته، إذ لا انفصال لكائن عن صفاته، ولأن التصاقها به يؤدي إلى وجود تركيب فيه " والحال أنه لا تركيب فيه " . هذا هو الجزء الأول من الإشكال الذي سندرسه ونبيّن السبيل إلى حله في آخر هذا الفصل.
5 - وإن قلنا أيضاً إنها إيجابية، فهل هي حادثة أم قديمة، أم معلولة بالذات؟
الجواب : تدخل الفقرة الأخيرة من هذا السؤال ضمن الفقرة الأولى، لأن اعتبار الصفات معلولة بذات الله معناه أنه هو الذي أوجدها، ولذلك تكون حادثة، أو ليست أزلية كأزلية ذاته. فيكفي إذاً أن نعرف : هل صفات الله حادثة أم قديمة؟ إن قلنا إنها حادثة أسندنا إلى الله التعلق بحادث، وهذا باطل. لأن التعلّق بحادث يعرّض صاحبه لطروء الحدوث أو التغيّر عليه، والله منزه عن هذا وذاك. وإن قلنا إنها قديمة افترضنا وجود كائنات معه أزلاً كان يحبها ويسمعها ويكلمها، أو افترضنا وجود تركيب في ذاته، لأن هذه الصفات تستلزم في ممارستها وجود أكثر من كائن واحد، أو وجود كائن مركب،من هيولي وصورة، أو من جوهر وعرض. وهذا باطل، لأن الله لا شريك له ولا تركيب في ذاته.
وهذا هو الجزء الثاني من الإشكال الذي سنتولى أيضاً دراسته، وإيضاح السبيل إلى حله في آخر هذا الفصل.
ثالثاً - حلول رجال الدين و مكانتها من الصواب :
أما الآن، فنرى من الواجب أن نعرض الحلول التي لجأ إليها رجال الأديان للتوفيق بين اتصاف الله بالصفات الإيجابية أزلاً، وكون وحدانيته وحدانية مطلقة، لنعرف أولاً مكانة حلولهم من الصواب.
1 - إن كانت صفات الله تتجه في الأزل إلى الكائنات التي كان في قصده أن يخلقها، فليس هناك تناقض بين اتّصافه بهذه الصفات أزلاً وكون وحدانيته وحدانية مطلقة .
النقد : لو أن صفات الله كانت تتجه في الأزل إلى الكائنات التي كان في قصده أن يخلقها، لكان وجود هذه الكائنات أمراً ضرورياً لوجود صفاته، وهذا باطل. لأن الله كامل كل الكمال في ذاته وصفاته، بغضّ النظر عن وجود الكائنات أو عدم وجودها.
2 - كان الله في الأزل يشاهد ذاته ويعيها، ولذلك ليس هناك تناقض بين اتّصافه بالصفات الإيجابية أزلاً، وكون وحدانيته وحدانية مطلقة .
النقد : إن اعتبرنا وحدانية الله وحدانية مطلقة، تعذَّر علينا القول إنه يشاهد ذاته ويعيها، لأن هذا العمل يؤدي إلى تكوّن الله من إثنين هما " أ " هو " ب " وذاته، كما يؤدي إلى وجود علاقة له بينه وبين ذاته. والوحدانية المطلقة ليست مركبة، ولا علاقة لها بينها وبين ذاتها. كما تعذَّر علينا القول إنه كان يريد ذاته أو يحب ذاته، أو يسمع ذاته أزلاً. لأن ممارسته في الأزل لهذه الصفات " بل لكل صفاته الأخرى " تتطلّب إما وجود كائن أو كائنات ملازمة له أزلاً، أو وجود تركيب في ذاته. وبما أن الله واحد لا شريك له، وفي الوقت نفسه لا تركيب فيه على الإطلاق، إذاً فهذا الحل ليس على شيء من الصواب أيضاً.
3 - ليس من الضروري لإثبات أزلية صفات الله، ضرورة ممارسته لها أزلاً، لأنه ليس من الضروري مثلاً ألا يُدعَى البصير بصيراً ما لم يبصر شيئاً، فقد يكون بصيراً دون أن يكون هناك شيء يبصره، ولذلك ليس هناك تناقض بين اتصاف الله بالصفات قبل وجود أي كائن سواء، وكون وحدانيته وحدانية مطلقة .
النقد : حقاً قد يكون هناك شخص بصير دون أن يكون هناك شيء يبصره. لكن إذا أدركنا أن الله كامل في ذاته كل الكمال، وأنه لذلك لا يتغير أو يتطور أو يكتسب لذاته شيئاً على الإطلاق، تبيَّن لنا أنه لا يمكن أن صفاته كانت في الأزل عاطلة، ثم أصبحت بعد ذلك صفات عاملة، بسبب وجود الكائنات التي خلقها في الزمان. بل من المؤكد أن صفاته كانت عاملة من تلقاء ذاتها أزلاً لدرجة الكمال، قبل وجود أي كائن من الكائنات سواه. وعملها هذا، على اعتبار أن وحدانيته وحدانية مطلقة، يقتضي وجود كائن أو كائنات ملازمة له أزلاً، أو وجود تركيب في ذاته كما مرَّ بنا. لأنه لولا ذلك لما كان لصفاته عمل حينذاك. وبما أن الله لا شريك له ولا تركيب فيه، إذاً فهذا الحل ليس على شيء من الصواب كذلك.
وقد يقول قائل إنه لا يُعقل أن صفتي الرحمة والعدالة وبعض الصفات الأخرى، كانت بالفعل في الله قبل وجود الناس على الأرض، لأنه لم يكن لها مجال للعمل قبل وجودهم، ولذلك فإن اعتبار جميع صفات الله بالفعل أزلاً، لا يتفق مع الحقيقة الواقعة.
وللرد على ذلك نقول : إن الرحمة والعدالة وجميع الصفات الأخرى الخاصة بالله، لا تخرج عن كونها وجوهاً للكمال الذي يتصف به منذ الأزل. فمن البديهي أن تكون هاتان الصفتان وغيرهما من الصفات عاملة في الكمال الذي يتصف به منذ الأزل، أي قبل وجود أي كائن في الوجود سواه.
وقد يقول قائل آخر إن الكتاب المقدس يُسنِد إلى الله الغضب، ولا يُعقَل أن الغضب كان أزلاً، لأنه لم يكن هناك ما يدعو الله للغضب حينذاك. كما أن الغضب يدل على حدوث تأثر فيه، والتأثر يقتضي التغيّر، والله لا يتغير!
وللرد على ذلك نقول : إذا نظرنا إلى وحدانية الله كوحدانية جامعة مانعة، اتضح لنا أن مبدأ التأثر لا بد وأن يكون موجوداً فيه منذ الأزل، لأنه بسبب هذه الوحدانية يكون محباً ومحبوباً، وعالماً ومعلوماً، ومريداً ومراداً، ومتكلماً وسامعاً، منذ الأزل. فضلاً عن ذلك، فإن الغضب المسنَد إلى الله بسبب قيام الناس بعمل الشر، لا يُراد به حدوث انفعال فيه، بل يُراد به فقط عدم رضائه عن فعل الشر، وذلك وجه من الوجوه السلبية للكمال الذي يتصف به أزلاً، لأن الكمال لا يحب الخير فقط، بل ويبغض الشر أيضاً. وبما أن كمال الله كان بالفعل أزلاً، فمن البديهي أن يكون للغضب ضد الشر أساس في ذاته أزلاً أيضاً.
4 - إن قِدَم السمع والبصر في الله لا يستلزم قِدَم المسموعات والمرئيات، كما لايستلزم قِدَم العلم والقدرة قدم المعلومات والمقدورات. ولذلك ليس هناك تناقض بين اتصاف الله بالصفات أزلاً، وكون وحدانيته وحدانية مطلقة .
النقد : هذا الحل يشبه الحلين السابقين، وهو خطأ مثلهما، لأنه من دواعي كمال الله أن تكون صفاته بالفعل أزلاً " سواء أدركنا كيفية عملها أزلاً أم لم ندرك " . وبما أن ممارسته لأية صفة من هذه الصفات أزلاً تستلزم وجود كائنات أزلية معه، أو وجود تركيب في ذاته، لذلك فهذا الحل ليس على شيء من الصواب أيضاً، لأن الله لا شريك له ولا تركيب فيه.
5 - إن للصفات متعلقات ثلاثة : الأول تنجيزي " أي ما هو بالفعل " قديم بذاته تعالى، والثاني صلوحي " أي ما هو بالقوة " قديم بذواتنا، والثالث تنجيزي حادث، عند وجودنا في العالم .
النقد : يصف هذا الرأي فقط صفات الله من جهات ثلاث، فيطلق عليها من الجهة الأزلية اسم تنجيزي قديم، ويطلق عليها من حيث صلاحيتها بالنسبة لعلاقة الله بنا اسم صلوحي قديم، ويطلق عليها من حيث ممارسته لها بالفعل عند خلقه للعالم، اسم تنجيزي حادث. لكنه لا يبين لنا كيف تكون صفات الله قديمة دون أن تكون هناك كائنات أزلية معه أو يكون هناك تركيب في ذاته، ولا كيف تكون حادثة دون أن يترتب على ذلك تعرضه للتطوّر والتغيّر. ولذلك فهذا الرأي لا يتعرض لحل المشكلة على الإطلاق.
هذه هي الآراء الرئيسية لعلماء الدين، على اختلاف مذاهبهم في التوفيق بين صفات الله واعتبار وحدانيته وحدانية مطلقة، وهي كما اتضح لنا قد تركت المشكلة كما هي.
رابعاً - الحل المناسب للمشكلة
وإن كانت مشكلة العلاقة بين صفات الله وذاته مشكلة معقدة لكن من المؤكد أن يكون لها حل، لأنه لا يمكن أن يكون هناك تناقض أو غموض في ذات الله. ولنعرف الحل يجب أن نعرف أولاً السبب الحقيقي في تضارب آراء الفلاسفة وعلماء الدين في هذا الموضوع.
فما هو هذا السبب؟
الجواب : إذا صرفنا النظر عن آراء القائلين بوحدة الوجود، فإن تضارب آراء المؤمنين بأن الله ذات يرجع إلى اعتقادهم أن وحدانيته هي وحدانية مطلقة، لأن هذه الوحدانية هي وحدانية غامضة، إذا أنها لا تتميز بمميزات تكون بها صفات صاحبها بالفعل أزلاً. لكن لو أنهم نظروا إلى وحدانية الله كوحدانية جامعة مانعة، أي قائمة بمميزات تكون بها صفات الله بالفعل أزلاً، لما استعصى على واحد منهم إدراك العلاقة بين صفات الله وذاته. لماذا؟ لأنه على أساس هذه الوحدانية، لا يبقى مجال للتساؤل عما إذا كانت صفاته هي ذاته أم غير ذاته، إذ من الواضح أن تكون غير ذاته. وكونها غير ذاته لا يترتب عليه في هذه الحالة وجودها في حالة الالتصاق به أو الانفصال عنه، لأنها تكون فقط عاملة بينه وبين ذاته. ولا يبقى مجال للتساؤل عما إذا كانت قديمة أو حادثة، إذ من الواضح أن تكون قديمة قِدم ذاته، لأنه على أساس هذه الوحدانية تكون صفاته ملازمة له أزلاً، دون أن يتطلب ذلك وجود كائنات أزلية معه، أو وجود تركيب في ذاته.
تعليق