بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وبه نستعين
أولا لما علمت من أن بعض الاخوان أو حتى المشائخ يرمون الزيديه بالمعتزله ويقولون أنهم على عقيده واحده وخالج الامر مني وبلغ مبلغه ولكن لم تتيسر الامور لبحث متكامل أو لم تسمح الفرصه للعمل في مثل ما نحن بصدده
ولكن مما أعلمه من الزيديه مخالفة المعتزله ومخالفة الاشاعره وإن وافقو المعتزله في الأكثر إلا أن لهم عقيده مستقله بهم يخالفون الاشاعره ويخالفون المعتزله
وأحببت أن أنقل لكم المقال
الزيدية والمعتزلة .. ( والتأثّر ) .. قراءة مُتأنيّة !
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمُرسلين ، سيدنا محمد النبي الأمين ، وعلى آله الطيبين الطاهرين ، ورضوانه على الصحابة الراشدين والتابعين لهم بخيرٍ وإحسانٍ إلى يوم الدّين .
وبعد :
الزيدية فرقةٌ من فرق المسلمين ، تنتمي إلى أهل البيت عليهم السلام عموماً ، وإلى الإمام زيد بن علي زين العابدين بن الحسين السبط عليه وعلى آبائه السلام خصوصاً ، حيثُ أنّ الزيدية تنظرُ إلى الإمام زيد بن علي (ع) على أنّه فاتِحُ باب الجهاد والإجتهاد بعد جدّه أبي الأحرار الحسين السبط (ع) ، فجَعَلَتْ من حَرَكَته رمزاً لها حتى قالَ شيخ آل الرسول في زمانه عبدالله المحض بن الحسن المثنى : ( العَلَمُ بيننا وبين الناس علي بن أبي طالب ، والعَلَمُ بيننا وبين الشيعة زيد بن علي ) ، فقامَت الزيدية وعلى رأسها سادات أهل البيت من بني الحسن والحسين اقتداءً منهم بعلَم الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر زيد بن علي (ع)، ومِن قبلهِ اقتداءً بجدّهم رسول الله صلوات الله عليه وآله ، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، وأبي محمد الحسن وأبي عبدالله الحسين عليهم السلام ، وكانَ شعارُ هؤلاء الدعوة إلى إحياء السنن وإماتة البدع ورفعُ من رفَعَهم الله وأعزهم ، من خلال الدعوة إلى الرضا من آل محمد والذي هو شعارُ أئمة وثُوار الزيدية عليهم السلام ، مع الأخذ في الإعتبار أنّهم يقومون بأخذ البيعات لأنفسهم لا لغيرهم كما يحاول البعض أن يُوهمَ بذلك والتاريخ شاهدٌ على ذلك .
[ بماذا تميّزت الزيدية ؟ ]
لعلّه من المُلفِت للنظر أن الزيدية هي الفرقة الوحيدة التي احتوى مَذهَبهَا على سادات أهل البيت من أبناء الحسن والحسين (ع) ، حيث أنّهم مُمَهّدي مسالكها ومؤصلي قواعدها وناقلي أخبارها ، فبينما نجد أنّ مذهب الشيعة الجعفرية قامَ على أكتاف سليم بن قيس - إن صحَّّ كتابه الموسوم بالسقيفة - ، وعلى أكتاف الحافظ محمد بن يعقوب الكليني ، وعلى أكتاف مشائخ القميين ، وعلى أكتاف الشيخ المفيد ، و مذاهب أهل السنة والجماعة قامت على أكتاف الأئمة الأربعة أحمد ومالك وأنس والشافعي رحمهم الله تعالى ، والمتأخرين من أهل السنة والجماعة على أكتاف ابن تيمية وتلميذه المخلص ابن القيم ، وأيضاَ نجد الأشاعرة قامَ مذهبهم على أكتاف أبي الحسن الأشعري والجيلاني والجويني ، والكل من هؤلاء يدّعي المتابعة لأهل البيت (ع) !! بينما نجد مذهب الزيدية قامَ على أكتاف أئمة أهل البيت أنفُسهم ( تأمّل ) ومنهُم ، الإمام فقيه آل محمد أحمد بن عيسى بن زيد بن علي الحسيني ، و الإمام زاهد الآل عبدالله بن موسى الجون بن عبدالله المحض الحسني ، و الإمام نجم آل الرسول وترجمان الدين القاسم الرسي بن إبراهيم طباطبا الحسني ، و إمام أهل البيت وسيدهم علي الرضا ابن موسى الكاظم الحسيني ، و الإمام الخضم محمد بن القاسم الرسي الحسني ، و ابن أخيه الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم الرسي ، وإمام طبرستان الإمام الناصر للحق الحسن بن علي بن الحسن الأطروش الحسيني ، وعلى أكتاف أشراف وسادة الجيل والديلم السادة الهارونيين أسباط الحسن بن زيد ، وعلى أكتاف مسند أهل الكوفة ومُحدثهم الشريف الحافظ أبي عبدالله محمد بن علي العلوي الحسني ، وعلى أكتاف تلميذه المُخلص الثَبْتْ المُتابع الشريف عمر بن إبراهيم الكوفي الحسني ، وعلى أكتاف الإمام المنصور بالله القاسم بن علي العياني الرسي الحسني ، وعلى أكتاف علي بن محمد بن عبيدالله العباسي العلوي - صاحب الإمام الهادي وراوي سيرته - ، وعلى أكتاف أشراف الحجاز أبناء موسى الجون السليمانيين منهم والقتادات - أبناء الأمير الشريف أبو عزيز قتادة بن إدريس بن مطاعن - وغيرهم الكثير كسادة اليمن أبناء الحسن والحسين ، تركنا ذكرهم اختصاراً ، وإلاّ فسيرهم مبسوطة في مظانها .
[ الزيدية والمعتزلة ]
للأسف أنّ الكثير من المؤرخين والنُقّاد عُلماءَ و مُثقفين ، خَلَطوا بين الزيدية والمعتزلة ، وجَعَلوا من الأخيرة دخيلةً على الإسلام والمسلمين ، والأُولى تابعةً لها !! إذاً فالكل فِكرٌ مُنحرفٌ عن العقيدة المحمدية الصحيحة !! . وهذا وَهْمٌ سنُنبهُ عنه باختصار ، بعد أن نذكرَ خمسةَ أقوالٍ لا سادسَ لها ، يحتجُ بها مَن وَهِمَ أن الزيدية معتزلةٌ في الأصول ، ومُقلّدةٌ لها .
القول الأول :
أنَّ الزيدية تأثّرَت وبدَّلَت مسارَ سلفها من أهل البيت (ع) بمسار الإعتزال بعدَ أن أحضرَ القاضي جعفر بن أحمد بن عبدالسلام ( ت576 هـ ) كُتُبَ المعتزلة من العراق بعدَ أن كادَت تُحرَقُ على أيدي العباسيين ، وذلكَ بأمرٍ من الإمام الحسني أحمد بن سليمان عليه السلام ( ت 556هـ ) ، فَمن هنا تتلمذَ عُلماء الزيدية على هذه الكتب فَدَرَسُوهَا ودَرَّسُوها .
والجواب على صاحب هذا القول :
أنَّ من يحتجُ بهذا القول فإنّه في الحقيقة لا يُريدُ إلاّ التهويل والتضخيم!! لهذه المسألة وإعطاءها أكبر من حجمها ، كيفَ لا وفِكرُ الزيدية قد أُصِّلَ وتُحُدِّدَ اتجاهه أصولاً وفروعاً من قبل أن يقوم القاضي جعفر رحمه الله بإنقاذ الفكر المعتزلي من الإندثار والتحريق ، وجلبِ الكُتب إلى اليمن ، فهذا الإمام الهادي إلى الحق (ع) ( 246-298هـ ) قد كَتبَ وألّفَ المجلدات الضخام مُبيناً مذهب أهل البيت (ع) وبينَه وبينَ حادثة نقل الكتب ثلاثة قرون تقريباً وكذلك مؤلفات ابنيه الإمامين المرتضى والناصر ، ومؤلفات إمام طبرستان الناصر الأطروش ( ت 303 هـ ) ، ومؤلفات الإمام المنصور بالله القاسم العياني وابنه المهدي لدين الله الحسين بن القاسم (ع) ، وكذلك مؤلفات سادة الجيل والديلم ، وهُم جميعاً قبل هذه الحادثة!! . ويجدر بنا أن نَذكُرَ أن عقيدةَ أئمة الزيدية فيما بعدَ حادثة نقل الكتب المعتزلية موافقة لعقيدة سلفهم المعاصرون لما قبلَ حادثة نقل هذه الكتب .
قارن بين :
عقيدة الإمام الزيدي المنصور بالله عبدالله بن حمزة (ت614هـ) ، المُعاصر لحقبَة ما بَعد نقل الكُتب.
وعقيدة الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين (ت298هـ) ، المُعاصِر لحقبَة ما قبلَ نقل الكُتب.
وعليه فإنّ جُهودَ مَن يُحاولُ أن يَعزي انجراف زيدية اليوم عن زيدية الأمس إلى حادِثَة نقل الكُتُب المعتزلية إلى البلاد اليمَانيّة ، آيلةٌ إلى الفَشل ( بالعقل قبل النقل ) ، فعقيدةُ الزيدية ثابتةٌ و مُدوّنةٌ قبل نقل الكُتُب ! .
القول الثاني :
أنَّ الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين (ع) قَد تَتَلمَذَ على أيدي مشائخ أهل الإعتزال والذي منهم أبو القاسم البلخي ، فَمِن هُنا بدأ التحول يدبُّ في مذهب أهل البيت ، ويُغيّر مسارَه إلى الإعتزال .
والجواب على صاحب هذا القول :
أنّه لا يَخفى على الجميع ، أنّ للإمام الهادي إلى الحق (ع) دورٌ بارزٌ في فكّ متون كلام سلفه من أهل البيت (ع) ، ومِن توطيدٍ ظاهرٍ للمذهب الزيدي أصولاً وأحكاماً . إلاَّ أنّهُ معَ ذلك لمْ يأتِ بعقائدَ دخيلةٍ على مذهبِ سَلَفِهِ من أهل البيت (ع) ، وسيتّضحَ قولنا هذا عندما تعرف أنّ مذهب الزيدية قد أُصِّلَ وحُدِّدَ مساره واتجاهه مِن قبل الهادي إلى الحق (ع) على يد عمّه في المدينة المنورة الإمام وشيبة الحمد محمد بن القاسم الرسي (ع) ، وعلى يد جدّه الإمام ترجمان الدين القاسم الرسي (ع) ، فمَن اطَّلَعَ على تُراثِ مَن ذَكَرنا ، وقَارَنَهُ بُتراثِ الهادي إلى الحق الفكري وَجَدَهُ تُراثاً واحداً ، ومذهباً واحداً .
قارن بين :
عقيدة الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين (ت298هـ ) ، المُتهم بأنّه أوّل من غيّر وحرّف دين أهل البيت (ع) .
وعقيدة جدّه الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي (ت246هـ ) ، والذي تُوفّيَ وعُمرُ حفيده الهادي سنةٌ واحِدة ! .
ومنه فإنّ جُهودَ مَن يُحاولُ أن يُعزيَ انحراف زيدية اليوم عن زيدية الأمس إلى الإمام الهادي إلى الحق (ع) آيلَةٌ إلى الفَشل ، فعقيدة الزيدية ( التي هيَ عليها الآن ) مُدوّنةٌ قبلَ ولادَةِ الهادي (ع) ! على يد جدّه القاسم وعمّه محمد بن القاسم (ع) .
القول الثالث :
أنّ ترجمان الدين ونجم آل الرسول القاسم بن إبراهيم الرسي (ع) ( 169 -246هـ ) ، قد تأثّر بأبي الهذيل العلاّف المعتزلي ( ت 235هـ ) ، وذلكَ عندما قابلَه في مصر ، ومِن هُنا بدأت الزيدية طور التحول إلى مذهب الإعتزال .
والجواب على صاحب هذا القول من أربعة وجوه :
الوجه الأول :
أنَّ هذا الكلام ممجوجٌ عقلاً ، تَرفُضُه الفِطَرُ السليمة ، فالإمام القاسم (ع) كانَ قد عاصرَ سادات آل محمد في أوقاتهم ، ورَبَى بينهم ، وتنَقَّلَ في دورهم ، وتعلَّمَ مِن عِلمِهِم ، وانتهَلَ مما انتهلوا منه ، فأجْمَعت الأمة الإسلامية قاطبةً - وبدون مبالغة - على جلالته وعلى عظيم مَنزِلَته . ( لَن يعيَ هذا الاستبعاد في حق القاسم بن إبراهيم إلاَّ مَن عَرفَ مَن هُوَ القاسم بن إبراهيم! )
ثم أضف إلى معلوماتك أنَّ الإمام القاسم (ع) خرجَ إلى مصر داعياً بالإمامة لأخيه محمد بن إبراهيم طباطبا ، وعُمرُه - القاسم - آنذاك ستٌ وعشرن سنة ، فبالله عليكَ يا مُدّعي السوء في هذا الإمام ، هل عَسَيتَ أن يكونَ قدْ خرجَ من مدينة جده الرسول وهُوَ بهذا العمر خالي الصدر من عقيدة أهل بيته المُعاصِرِ لهم فضلاً عن الماضين؟ أم أنّه من الذين ضَلّوا على عِلْم ، وبدّلوا دينَ أهل البيت عناداً واغتراراً ؟ ثم يجب ألاّ يفوتُك أخي طالب الحق والنجاة أن الإمام محمد بن إبراهيم كانَ قد استُشهِد وأخوه القاسم الرسي يدعو له في مصر ، فما إن سَمِعَ القاسم بخبر استشهاد أخيه حتّى دعا لنفسه بالإمامة باسم الرضا من آل محمد ، وأخذَ البيعاتَ لنفسه ، والإمام لا يكونُ إماماً إلاّ وهُو ذا علمٍ وقاد وعزيمةٍ قوية ولعلّ في هذا جوابُ على من يُريدُ أن يقولَ بأن الإمام القاسم (ع) ذهبَ إلى مصر وهُو غير مُسلحٍ بعلومِ آباءه وأهل بيته (ع) ، ثمّ لا يفوتك أيضاً أنّ سادات أهل البيت قد اجتمعوا حولَه وبايعوه أمثال عبدالله بن موسى الجون وأحمد بن عيسى بن زيد ، والحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد عليهم السلام ، وكان الحسن بن يحيى فقيه أهل الكوفة قَد سُئِلَ عن القاسم الرسي فأجاب : (( سيّدُنا وكَبيرُنَا، والمَنظورُ إليهِ مِن أهلِنَا، ومَا فِي زَمَانِنَا هَذا أعلَمُ مِنه، )) ، ثمّ لا يفوتك أيضاً تأمّلَ ما قالَهُ الإمام القاسم الرسي (ع) : ( أدركتُ مشيخةَ آل محمد من بني الحسن والحسين وما بينهم اختلاف ) وفي هذا فتأمّل ، ثمَّ لا يفوتُك أيضاً أن تتأمّل تاريخَ مولِد القاسم الرسي (ع) (169 - 246 هـ) وأن تجعلَ فِطرَتكَ السليمة الخالية من التمذهب والأحكام المُسبَقة تَحكُمُ على مَن مِثلُه وفي زَمَنِه وفي بيئته .
الوجه الثاني :
وإضافةً إلى أنَّ هذا القول مرفوضٌ عقلاً ، فإنّه سقيمٌ يتيمٌ تاريخياً !! ، إذ ليسَ عليه دلالاتٌ قوية تُؤيد حُصولَ هذا التأثر بأبي الهذيل رحمه الله ، ومَن ذكرَ هذه العلاقَة أشارَ إليها إشارةً عابرَة ، لا تكادُ تصمدُ هذه الإشارة أمامَ الحقائق العقلية قبل النقلية ، التي تُفيدُ بأنَّ مذهب الإمام القاسم الرسي (ع) هُوَ مذهبُ مُعاصريه وسابقيه من أهل البيت (ع) .
ثُمَّ فلنفرض أنه قد ثبتَ أن الإمام القاسم (ع) قد التقا بأبي الهذيل في مصر ، فهل هذا الإلتقاء دلالةٌ كافيةٌ على أن القاسم تأثّر بمذهب العلاف ؟ ثُمّ لماذا لا تكون مجالسة القاسم لأبي الهذيل كمجالسة الإمام زيد بن علي (ع) لواصل بن عطاء - رأس المعتزلة - ، مُجالسَةَ عالمٍ لِعالِم ، ائتلفا لمّا التقت أفكارهم في العدل والتوحيد الذي هو أساس مذهب أهل البيت والمعتزلة ، كما التقت أفكارُ الإمام زيد مع أفكار واصل بن عطاء ، بدون أن يتتلمذَ زيدٌ على واصل ، ولا القاسم على العلاف. وسنتعرّف قريباً ما سبب تقارب الفكر الزيدي وأئمته والفكر المعتزلي وقُضاته .
الوجه الثالث :
أنّ الزيدية تروي كُتُباً ورَسائلَ للإمام الحسيني زيد بن علي (ع) ، تَحكي عقيدَته الزيدية ، والمُتأمّلُ لهذه الرسائل ولرسائل الإمام القاسم(ع) يجد أن عقيدتهما في الله واحدة ، فليسَ الإمام القاسم (ع) أولَ من أدخلَ هذه العلوم والمعتقدات على مذهب أهل البيت ، فقد كانَ يدينُ الله بها مِن قبلِه زيد بن علي (ع) ، وهذه العقائد نفسها هي ما يدينُ الله به الزيدية اليوم .
قارن بين :
عقيدة الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي (ت264هـ) ، المُتهم بتغيير وتبديل وتحريف! دين أهل البيت (ع) .
وعقيدة الإمام زيد بن علي زين العابدين (ت122هـ) ، المُدوّنَة قبلَ ولادَة القاسم بنصف قرن تقريباً!! .
الوجه الرابع :
وهو عبارةٌ عن استنتاجٍ عقلي يَحكي تديّنَ أهل البيت (ع) بما زعَم البعض أن القاسم الرسي(ع) أتى بِهِ من الإغريق وفلسفات اليونان !! ، وهُو أنّ الدولة العباسية بعموم - في الغالب - كانت تنصُرُ مذهب الإعتزال الذي هُو قريبٌ من مذهب الزيدية ، وخصوصاً المأمون العباسي صاحبُ محنة خلق القرآن مع الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ، والكل يعلم أن المأمون العباسي كانَ قد أدنى أمير المؤمنين وإمام أهل البيت علي بن موسى الرضا (ع) منه ، وَزوّجَه ابنته ، وضربَ السكّة بإسمه ، وخَطَبَ له على المنابر ، فَمِن هذهِ المنزلة التي أظهرها المأمون لعلي الرضا (ع) يَستنتجُ العقل أنّ علي الرضا (ع) كانَ ذا كَلِمَةٍ نافِذة ومسموعةٍ لدى المأمون ، ومعَ هذا فإنَّ مذهب أهل العدل والتوحيد الذي هُو دين الزيدية والمعتزلة لَم يَبلُغ أوْجَهُ إلاّ في عهد المأمون العباسي !! ، فهَل عسى العاقِل أن يقول بأنّ علي بن موسى الرضا (ع) سكتَ عن المنكر !! أم أنّهُ سيقول بأنّ الرضا (ع) لم يسكت على أمرٍ كهذا في الأهمية والإرتباط بالدين المحمدي إلاَّ وهُوَ راضٍ تمامَ الرضا عن هذا الإظهار لمذهب أهل العدل والتوحيد !! ، أضف إلى ذلكَ أن المأمون كانَ يُسمّي الإمام علي بن موسى (ع) بـ " الرضا من آل محمد " ، وهذا شِعارُ الزيدية وأئمتها ، الذي خرجَ يدعو به زيد بن علي (ع) ، والذي خرجَ يدعو به القاسم الرسي (ع) .
.
============
_________________
للمقال بقيه
الحمد لله رب العالمين وبه نستعين
أولا لما علمت من أن بعض الاخوان أو حتى المشائخ يرمون الزيديه بالمعتزله ويقولون أنهم على عقيده واحده وخالج الامر مني وبلغ مبلغه ولكن لم تتيسر الامور لبحث متكامل أو لم تسمح الفرصه للعمل في مثل ما نحن بصدده
ولكن مما أعلمه من الزيديه مخالفة المعتزله ومخالفة الاشاعره وإن وافقو المعتزله في الأكثر إلا أن لهم عقيده مستقله بهم يخالفون الاشاعره ويخالفون المعتزله
وأحببت أن أنقل لكم المقال
الزيدية والمعتزلة .. ( والتأثّر ) .. قراءة مُتأنيّة !
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمُرسلين ، سيدنا محمد النبي الأمين ، وعلى آله الطيبين الطاهرين ، ورضوانه على الصحابة الراشدين والتابعين لهم بخيرٍ وإحسانٍ إلى يوم الدّين .
وبعد :
الزيدية فرقةٌ من فرق المسلمين ، تنتمي إلى أهل البيت عليهم السلام عموماً ، وإلى الإمام زيد بن علي زين العابدين بن الحسين السبط عليه وعلى آبائه السلام خصوصاً ، حيثُ أنّ الزيدية تنظرُ إلى الإمام زيد بن علي (ع) على أنّه فاتِحُ باب الجهاد والإجتهاد بعد جدّه أبي الأحرار الحسين السبط (ع) ، فجَعَلَتْ من حَرَكَته رمزاً لها حتى قالَ شيخ آل الرسول في زمانه عبدالله المحض بن الحسن المثنى : ( العَلَمُ بيننا وبين الناس علي بن أبي طالب ، والعَلَمُ بيننا وبين الشيعة زيد بن علي ) ، فقامَت الزيدية وعلى رأسها سادات أهل البيت من بني الحسن والحسين اقتداءً منهم بعلَم الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر زيد بن علي (ع)، ومِن قبلهِ اقتداءً بجدّهم رسول الله صلوات الله عليه وآله ، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، وأبي محمد الحسن وأبي عبدالله الحسين عليهم السلام ، وكانَ شعارُ هؤلاء الدعوة إلى إحياء السنن وإماتة البدع ورفعُ من رفَعَهم الله وأعزهم ، من خلال الدعوة إلى الرضا من آل محمد والذي هو شعارُ أئمة وثُوار الزيدية عليهم السلام ، مع الأخذ في الإعتبار أنّهم يقومون بأخذ البيعات لأنفسهم لا لغيرهم كما يحاول البعض أن يُوهمَ بذلك والتاريخ شاهدٌ على ذلك .
[ بماذا تميّزت الزيدية ؟ ]
لعلّه من المُلفِت للنظر أن الزيدية هي الفرقة الوحيدة التي احتوى مَذهَبهَا على سادات أهل البيت من أبناء الحسن والحسين (ع) ، حيث أنّهم مُمَهّدي مسالكها ومؤصلي قواعدها وناقلي أخبارها ، فبينما نجد أنّ مذهب الشيعة الجعفرية قامَ على أكتاف سليم بن قيس - إن صحَّّ كتابه الموسوم بالسقيفة - ، وعلى أكتاف الحافظ محمد بن يعقوب الكليني ، وعلى أكتاف مشائخ القميين ، وعلى أكتاف الشيخ المفيد ، و مذاهب أهل السنة والجماعة قامت على أكتاف الأئمة الأربعة أحمد ومالك وأنس والشافعي رحمهم الله تعالى ، والمتأخرين من أهل السنة والجماعة على أكتاف ابن تيمية وتلميذه المخلص ابن القيم ، وأيضاَ نجد الأشاعرة قامَ مذهبهم على أكتاف أبي الحسن الأشعري والجيلاني والجويني ، والكل من هؤلاء يدّعي المتابعة لأهل البيت (ع) !! بينما نجد مذهب الزيدية قامَ على أكتاف أئمة أهل البيت أنفُسهم ( تأمّل ) ومنهُم ، الإمام فقيه آل محمد أحمد بن عيسى بن زيد بن علي الحسيني ، و الإمام زاهد الآل عبدالله بن موسى الجون بن عبدالله المحض الحسني ، و الإمام نجم آل الرسول وترجمان الدين القاسم الرسي بن إبراهيم طباطبا الحسني ، و إمام أهل البيت وسيدهم علي الرضا ابن موسى الكاظم الحسيني ، و الإمام الخضم محمد بن القاسم الرسي الحسني ، و ابن أخيه الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم الرسي ، وإمام طبرستان الإمام الناصر للحق الحسن بن علي بن الحسن الأطروش الحسيني ، وعلى أكتاف أشراف وسادة الجيل والديلم السادة الهارونيين أسباط الحسن بن زيد ، وعلى أكتاف مسند أهل الكوفة ومُحدثهم الشريف الحافظ أبي عبدالله محمد بن علي العلوي الحسني ، وعلى أكتاف تلميذه المُخلص الثَبْتْ المُتابع الشريف عمر بن إبراهيم الكوفي الحسني ، وعلى أكتاف الإمام المنصور بالله القاسم بن علي العياني الرسي الحسني ، وعلى أكتاف علي بن محمد بن عبيدالله العباسي العلوي - صاحب الإمام الهادي وراوي سيرته - ، وعلى أكتاف أشراف الحجاز أبناء موسى الجون السليمانيين منهم والقتادات - أبناء الأمير الشريف أبو عزيز قتادة بن إدريس بن مطاعن - وغيرهم الكثير كسادة اليمن أبناء الحسن والحسين ، تركنا ذكرهم اختصاراً ، وإلاّ فسيرهم مبسوطة في مظانها .
[ الزيدية والمعتزلة ]
للأسف أنّ الكثير من المؤرخين والنُقّاد عُلماءَ و مُثقفين ، خَلَطوا بين الزيدية والمعتزلة ، وجَعَلوا من الأخيرة دخيلةً على الإسلام والمسلمين ، والأُولى تابعةً لها !! إذاً فالكل فِكرٌ مُنحرفٌ عن العقيدة المحمدية الصحيحة !! . وهذا وَهْمٌ سنُنبهُ عنه باختصار ، بعد أن نذكرَ خمسةَ أقوالٍ لا سادسَ لها ، يحتجُ بها مَن وَهِمَ أن الزيدية معتزلةٌ في الأصول ، ومُقلّدةٌ لها .
القول الأول :
أنَّ الزيدية تأثّرَت وبدَّلَت مسارَ سلفها من أهل البيت (ع) بمسار الإعتزال بعدَ أن أحضرَ القاضي جعفر بن أحمد بن عبدالسلام ( ت576 هـ ) كُتُبَ المعتزلة من العراق بعدَ أن كادَت تُحرَقُ على أيدي العباسيين ، وذلكَ بأمرٍ من الإمام الحسني أحمد بن سليمان عليه السلام ( ت 556هـ ) ، فَمن هنا تتلمذَ عُلماء الزيدية على هذه الكتب فَدَرَسُوهَا ودَرَّسُوها .
والجواب على صاحب هذا القول :
أنَّ من يحتجُ بهذا القول فإنّه في الحقيقة لا يُريدُ إلاّ التهويل والتضخيم!! لهذه المسألة وإعطاءها أكبر من حجمها ، كيفَ لا وفِكرُ الزيدية قد أُصِّلَ وتُحُدِّدَ اتجاهه أصولاً وفروعاً من قبل أن يقوم القاضي جعفر رحمه الله بإنقاذ الفكر المعتزلي من الإندثار والتحريق ، وجلبِ الكُتب إلى اليمن ، فهذا الإمام الهادي إلى الحق (ع) ( 246-298هـ ) قد كَتبَ وألّفَ المجلدات الضخام مُبيناً مذهب أهل البيت (ع) وبينَه وبينَ حادثة نقل الكتب ثلاثة قرون تقريباً وكذلك مؤلفات ابنيه الإمامين المرتضى والناصر ، ومؤلفات إمام طبرستان الناصر الأطروش ( ت 303 هـ ) ، ومؤلفات الإمام المنصور بالله القاسم العياني وابنه المهدي لدين الله الحسين بن القاسم (ع) ، وكذلك مؤلفات سادة الجيل والديلم ، وهُم جميعاً قبل هذه الحادثة!! . ويجدر بنا أن نَذكُرَ أن عقيدةَ أئمة الزيدية فيما بعدَ حادثة نقل الكتب المعتزلية موافقة لعقيدة سلفهم المعاصرون لما قبلَ حادثة نقل هذه الكتب .
قارن بين :
عقيدة الإمام الزيدي المنصور بالله عبدالله بن حمزة (ت614هـ) ، المُعاصر لحقبَة ما بَعد نقل الكُتب.
وعقيدة الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين (ت298هـ) ، المُعاصِر لحقبَة ما قبلَ نقل الكُتب.
وعليه فإنّ جُهودَ مَن يُحاولُ أن يَعزي انجراف زيدية اليوم عن زيدية الأمس إلى حادِثَة نقل الكُتُب المعتزلية إلى البلاد اليمَانيّة ، آيلةٌ إلى الفَشل ( بالعقل قبل النقل ) ، فعقيدةُ الزيدية ثابتةٌ و مُدوّنةٌ قبل نقل الكُتُب ! .
القول الثاني :
أنَّ الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين (ع) قَد تَتَلمَذَ على أيدي مشائخ أهل الإعتزال والذي منهم أبو القاسم البلخي ، فَمِن هُنا بدأ التحول يدبُّ في مذهب أهل البيت ، ويُغيّر مسارَه إلى الإعتزال .
والجواب على صاحب هذا القول :
أنّه لا يَخفى على الجميع ، أنّ للإمام الهادي إلى الحق (ع) دورٌ بارزٌ في فكّ متون كلام سلفه من أهل البيت (ع) ، ومِن توطيدٍ ظاهرٍ للمذهب الزيدي أصولاً وأحكاماً . إلاَّ أنّهُ معَ ذلك لمْ يأتِ بعقائدَ دخيلةٍ على مذهبِ سَلَفِهِ من أهل البيت (ع) ، وسيتّضحَ قولنا هذا عندما تعرف أنّ مذهب الزيدية قد أُصِّلَ وحُدِّدَ مساره واتجاهه مِن قبل الهادي إلى الحق (ع) على يد عمّه في المدينة المنورة الإمام وشيبة الحمد محمد بن القاسم الرسي (ع) ، وعلى يد جدّه الإمام ترجمان الدين القاسم الرسي (ع) ، فمَن اطَّلَعَ على تُراثِ مَن ذَكَرنا ، وقَارَنَهُ بُتراثِ الهادي إلى الحق الفكري وَجَدَهُ تُراثاً واحداً ، ومذهباً واحداً .
قارن بين :
عقيدة الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين (ت298هـ ) ، المُتهم بأنّه أوّل من غيّر وحرّف دين أهل البيت (ع) .
وعقيدة جدّه الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي (ت246هـ ) ، والذي تُوفّيَ وعُمرُ حفيده الهادي سنةٌ واحِدة ! .
ومنه فإنّ جُهودَ مَن يُحاولُ أن يُعزيَ انحراف زيدية اليوم عن زيدية الأمس إلى الإمام الهادي إلى الحق (ع) آيلَةٌ إلى الفَشل ، فعقيدة الزيدية ( التي هيَ عليها الآن ) مُدوّنةٌ قبلَ ولادَةِ الهادي (ع) ! على يد جدّه القاسم وعمّه محمد بن القاسم (ع) .
القول الثالث :
أنّ ترجمان الدين ونجم آل الرسول القاسم بن إبراهيم الرسي (ع) ( 169 -246هـ ) ، قد تأثّر بأبي الهذيل العلاّف المعتزلي ( ت 235هـ ) ، وذلكَ عندما قابلَه في مصر ، ومِن هُنا بدأت الزيدية طور التحول إلى مذهب الإعتزال .
والجواب على صاحب هذا القول من أربعة وجوه :
الوجه الأول :
أنَّ هذا الكلام ممجوجٌ عقلاً ، تَرفُضُه الفِطَرُ السليمة ، فالإمام القاسم (ع) كانَ قد عاصرَ سادات آل محمد في أوقاتهم ، ورَبَى بينهم ، وتنَقَّلَ في دورهم ، وتعلَّمَ مِن عِلمِهِم ، وانتهَلَ مما انتهلوا منه ، فأجْمَعت الأمة الإسلامية قاطبةً - وبدون مبالغة - على جلالته وعلى عظيم مَنزِلَته . ( لَن يعيَ هذا الاستبعاد في حق القاسم بن إبراهيم إلاَّ مَن عَرفَ مَن هُوَ القاسم بن إبراهيم! )
ثم أضف إلى معلوماتك أنَّ الإمام القاسم (ع) خرجَ إلى مصر داعياً بالإمامة لأخيه محمد بن إبراهيم طباطبا ، وعُمرُه - القاسم - آنذاك ستٌ وعشرن سنة ، فبالله عليكَ يا مُدّعي السوء في هذا الإمام ، هل عَسَيتَ أن يكونَ قدْ خرجَ من مدينة جده الرسول وهُوَ بهذا العمر خالي الصدر من عقيدة أهل بيته المُعاصِرِ لهم فضلاً عن الماضين؟ أم أنّه من الذين ضَلّوا على عِلْم ، وبدّلوا دينَ أهل البيت عناداً واغتراراً ؟ ثم يجب ألاّ يفوتُك أخي طالب الحق والنجاة أن الإمام محمد بن إبراهيم كانَ قد استُشهِد وأخوه القاسم الرسي يدعو له في مصر ، فما إن سَمِعَ القاسم بخبر استشهاد أخيه حتّى دعا لنفسه بالإمامة باسم الرضا من آل محمد ، وأخذَ البيعاتَ لنفسه ، والإمام لا يكونُ إماماً إلاّ وهُو ذا علمٍ وقاد وعزيمةٍ قوية ولعلّ في هذا جوابُ على من يُريدُ أن يقولَ بأن الإمام القاسم (ع) ذهبَ إلى مصر وهُو غير مُسلحٍ بعلومِ آباءه وأهل بيته (ع) ، ثمّ لا يفوتك أيضاً أنّ سادات أهل البيت قد اجتمعوا حولَه وبايعوه أمثال عبدالله بن موسى الجون وأحمد بن عيسى بن زيد ، والحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد عليهم السلام ، وكان الحسن بن يحيى فقيه أهل الكوفة قَد سُئِلَ عن القاسم الرسي فأجاب : (( سيّدُنا وكَبيرُنَا، والمَنظورُ إليهِ مِن أهلِنَا، ومَا فِي زَمَانِنَا هَذا أعلَمُ مِنه، )) ، ثمّ لا يفوتك أيضاً تأمّلَ ما قالَهُ الإمام القاسم الرسي (ع) : ( أدركتُ مشيخةَ آل محمد من بني الحسن والحسين وما بينهم اختلاف ) وفي هذا فتأمّل ، ثمَّ لا يفوتُك أيضاً أن تتأمّل تاريخَ مولِد القاسم الرسي (ع) (169 - 246 هـ) وأن تجعلَ فِطرَتكَ السليمة الخالية من التمذهب والأحكام المُسبَقة تَحكُمُ على مَن مِثلُه وفي زَمَنِه وفي بيئته .
الوجه الثاني :
وإضافةً إلى أنَّ هذا القول مرفوضٌ عقلاً ، فإنّه سقيمٌ يتيمٌ تاريخياً !! ، إذ ليسَ عليه دلالاتٌ قوية تُؤيد حُصولَ هذا التأثر بأبي الهذيل رحمه الله ، ومَن ذكرَ هذه العلاقَة أشارَ إليها إشارةً عابرَة ، لا تكادُ تصمدُ هذه الإشارة أمامَ الحقائق العقلية قبل النقلية ، التي تُفيدُ بأنَّ مذهب الإمام القاسم الرسي (ع) هُوَ مذهبُ مُعاصريه وسابقيه من أهل البيت (ع) .
ثُمَّ فلنفرض أنه قد ثبتَ أن الإمام القاسم (ع) قد التقا بأبي الهذيل في مصر ، فهل هذا الإلتقاء دلالةٌ كافيةٌ على أن القاسم تأثّر بمذهب العلاف ؟ ثُمّ لماذا لا تكون مجالسة القاسم لأبي الهذيل كمجالسة الإمام زيد بن علي (ع) لواصل بن عطاء - رأس المعتزلة - ، مُجالسَةَ عالمٍ لِعالِم ، ائتلفا لمّا التقت أفكارهم في العدل والتوحيد الذي هو أساس مذهب أهل البيت والمعتزلة ، كما التقت أفكارُ الإمام زيد مع أفكار واصل بن عطاء ، بدون أن يتتلمذَ زيدٌ على واصل ، ولا القاسم على العلاف. وسنتعرّف قريباً ما سبب تقارب الفكر الزيدي وأئمته والفكر المعتزلي وقُضاته .
الوجه الثالث :
أنّ الزيدية تروي كُتُباً ورَسائلَ للإمام الحسيني زيد بن علي (ع) ، تَحكي عقيدَته الزيدية ، والمُتأمّلُ لهذه الرسائل ولرسائل الإمام القاسم(ع) يجد أن عقيدتهما في الله واحدة ، فليسَ الإمام القاسم (ع) أولَ من أدخلَ هذه العلوم والمعتقدات على مذهب أهل البيت ، فقد كانَ يدينُ الله بها مِن قبلِه زيد بن علي (ع) ، وهذه العقائد نفسها هي ما يدينُ الله به الزيدية اليوم .
قارن بين :
عقيدة الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي (ت264هـ) ، المُتهم بتغيير وتبديل وتحريف! دين أهل البيت (ع) .
وعقيدة الإمام زيد بن علي زين العابدين (ت122هـ) ، المُدوّنَة قبلَ ولادَة القاسم بنصف قرن تقريباً!! .
الوجه الرابع :
وهو عبارةٌ عن استنتاجٍ عقلي يَحكي تديّنَ أهل البيت (ع) بما زعَم البعض أن القاسم الرسي(ع) أتى بِهِ من الإغريق وفلسفات اليونان !! ، وهُو أنّ الدولة العباسية بعموم - في الغالب - كانت تنصُرُ مذهب الإعتزال الذي هُو قريبٌ من مذهب الزيدية ، وخصوصاً المأمون العباسي صاحبُ محنة خلق القرآن مع الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ، والكل يعلم أن المأمون العباسي كانَ قد أدنى أمير المؤمنين وإمام أهل البيت علي بن موسى الرضا (ع) منه ، وَزوّجَه ابنته ، وضربَ السكّة بإسمه ، وخَطَبَ له على المنابر ، فَمِن هذهِ المنزلة التي أظهرها المأمون لعلي الرضا (ع) يَستنتجُ العقل أنّ علي الرضا (ع) كانَ ذا كَلِمَةٍ نافِذة ومسموعةٍ لدى المأمون ، ومعَ هذا فإنَّ مذهب أهل العدل والتوحيد الذي هُو دين الزيدية والمعتزلة لَم يَبلُغ أوْجَهُ إلاّ في عهد المأمون العباسي !! ، فهَل عسى العاقِل أن يقول بأنّ علي بن موسى الرضا (ع) سكتَ عن المنكر !! أم أنّهُ سيقول بأنّ الرضا (ع) لم يسكت على أمرٍ كهذا في الأهمية والإرتباط بالدين المحمدي إلاَّ وهُوَ راضٍ تمامَ الرضا عن هذا الإظهار لمذهب أهل العدل والتوحيد !! ، أضف إلى ذلكَ أن المأمون كانَ يُسمّي الإمام علي بن موسى (ع) بـ " الرضا من آل محمد " ، وهذا شِعارُ الزيدية وأئمتها ، الذي خرجَ يدعو به زيد بن علي (ع) ، والذي خرجَ يدعو به القاسم الرسي (ع) .
.
============
_________________
للمقال بقيه
تعليق