بسم الله الرحمن الرحيم
أرجو من السادة المشرفين تثبيت هذا الموضوع البالغ الغاية القصوى من الأهمية ولكن بعد أن يأذن بذلك شيخ الإسلام سيدنا ومولانا أبو الفداء حفظه الله تعالى ونصر به وببركته الإسلام والمسلين.
واقعية المنهج الكلامي
ودورها في مواجهة التحديات الفلسفية المعاصرة
بقلم الدكتور / عبد المجيد النــجــــــار
[ALIGN=RIGHT]تمهيد:[/ALIGN]
يوجه النقد الشديد إلى الفكر الكلامي فيما جنح إليه من إيغال في التجريد عند معالجته للقضايا العَقَدية التي كانت قواماً له، وما يتصل بها من قضايا طبيعية وفلسفية استخدمت في تلك المعالجة، وقد عد بهذا التجريد فكراً عقيماً في مواجهة المشكلات الأيديولوجية الفلسفية التي تجابه المسلمين منذ بداية نهضتهم الحديثة، إذ أن هذه المشكلات متأتية من الواقع الجديد الذي طرأ على حياتهم إثر اتصالهم بالحضارة الغربية، بينما يسبح هذا الفكر في فضاء من مشكلات ماضية لم تكن على صلة وطيدة بواقع المسلمين على عهد نشأتها بله أن تكون كذلك بالنسبة لواقعهم الراهن. ولهذا السبب اتخذ هذا الفكر الكلامي مهجوراً من قِبل أكثر المهتمين بالمشكلات الثقافية الأيديولوجية للمسلمين على هذا العهد، بل اتخذ هزواً أحياناً، وذلك باعتبار أنه لا يصلح أداة للدفع في سبيل النهضة الثقافية الإسلامية.
والحقيقة أن هذا الموقف من الفكر الكلامي انبنى في الحكم عليه من تقويم سطحي اقتصر على الصورة التي انتهى إليها هذا الفكر لما آل إلى الضعف والجمود شأن الفكر الإسلامي عموماً، وهي الصورة التي آلت إلى أجيال هذا القرن عبر الثقافة الموروثة عن عهد الانحطاط، تغافلاً في ذلك عن الطور الذي كان فيه الفكر الكلامي حياً فعالاً في مواجهة مشاكل حقيقية ألمت بالمسلمين في حياتهم الثقافية العَقَدية، وهو ما فوت على الفكر الإسلامي المعاصر فرصة الاستفادة من الدور المهم الذي قام به الفكر الكلامي في ذلك الطور متمثلاً في صد الغزو الفكري والعَقَدي التي تعرضت له العقيدة الاسلامية ابتداءً من أواخر القرن الأول وتوطيد أيديولوجية إسلامية متينة ثابتة.
ولذلك فإنه من المهم أن يقع درس علم الكلام وهو في طوره الأول المتصف بالحيوية والواقعية لتبين المنهجية المجدية التي كان يتبعها لمعالجة ما يطرأ من مشكلات في واقع المسلمين معالجة عقدية، فإن الوقوف على هذه المنهجية في خاصيتها الواقعية مدخل أساسي لتقويم علم الكلام في مدى ما أسهم به في تثبيت أيديولوجية إسلامية حفظت المسار الحضاري العام وفق متطلبات الوحي، كما أنه مدخل للاستفادة منه في ترشيد الفكر الاسلامي اليوم وهو ينزع إلى صياغة أيديولوجية شاملة متأسسة على عقيدة الإسلام وتراثه، توجه الحياة الإسلامية إلى صراط الوحي ضمن واقع عالمي متداخل. وهذا ما سنحاول بيانه من خلال العناصر التالية:
ـ واقعية المنهج الكلامي قبل القرن الخامس:
نقصد بالواقعية في منهجية الفكر الكلامي ما كان لهذا الفكر في بنيته وموضوعه وأساليبه من صلة بالمشاكل الطارئة في حياة المسلمين فكرياً وسلوكياً، وبهذا المعنى فإن الفكر الكلامي ظل طيلة أربعة قرون بعد نشأته في أوائل القرن الثاني فكراً واقعياً شديد الواقعية. إذ تعتبر قضاياه ـ كما سنبينه بعد حين ـ ناشئة من أحداث ونوازل طرأت على المجتمع الاسلامي بسبب ثقافي أو سياسي أو اجتماعي، وأحدثت به توتراً على نحواً أو آخر باعتبار ما اتخذ هذا المجتمع لنفسه من مرجعية شاملة هي مرجعية الوحي الديني، فنشأت القضايا الكلامية تعالج ذلك التوتر في حياة المسلمين، وتهدف إلى توجيه الحياة بحسب ما يلائم مرجعية الوحي.
وقبل أن نفصل مظاهر الواقعية، من المهم أن نشير إلى أصلين يتعلقان بطبيعة الدين الإسلامي كان لهما أثر بين في صفة الواقعية التي اتصف بها الفكر الكلامي من حيث إنه فكر استحدث للحفاظ على أصول هذا الدين وهي الأصول العقدية التي تتفرع منها سائر فروع الأحكام والتعاليم الأخرى.
الأول هو الترابط الشامل في الدين الإسلامي بين حقيقة العقيدة وجمع مظاهر السلوك الفردي والاجتماعي، وهو ترابط يجعل هذه المظاهر لا تعدو أن تكون وجهاً عملياً لحقيقة العقيدة، حتى إن كثيراً من المسلمين اعتبروا تعطيل السلوك ـ متمثلاً فيما عرف بارتكاب الكبائر ـ ناقضاً لأصل الإيمان بالعقيدة، مخرجاً من الدين أساساً. وهذه الطبيعة للصلة بين العقيدة والسلوك تجعل النظر لمعالجة السلوك من حيث انحرافه عن تعاليم الوحي يمتد إلى النظر في أصله العَقَدي، وهو ما يؤدي بل قد أدى بالفعل إلى أن كثيراً من القضايا العَقَدية التي عالجها الفكر الكلامي كان منطلقها واقع السلوك في المجتمع الإسلامي كما سنبينه بعد حين مما كان له مدخل كبير في اتصاف هذا الفكر بالواقعية.
والثاني وضوح العقيدة الإسلامية وبساطتها مما لم يستلزم قيام فكر عَقَدي شرحي مثلما هو الأمر بالنسبة لعلم اللاهوت المسيحي الذي انطبع بطابع شرحي في سبيل تبرير تعقيدات المسيحية وغموضها، وإنما قام علم الكلام الإسلامي لغاية دفاعية إثباتاً للعقيدة الإسلامية ورداً للشبه الواردة عليها كما يعكس ذلك التعريف الذي تناقله العلماء لهذا العلم من أنه «علم بأمور يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية على الغير وإلزامه إياها بإيراد الحجج عليها ودفع الشبه عنها». وهذه الغاية الدفاعية استلزمت أن يكون الفكر الكلامي مترصداً لما يفرزه الواقع الثقافي مما فيه مجانبة للعقيدة الإسلامية فيكون مدافعاً له، وهو ما يجعله فكراً متصلاً بالواقع الجاري، فانطبع بصفة الواقعية في مناهضة التحديات الخارجية، كما انطبع بالواقعية في معالجة السلوك المنحرف عن الدين الناجم في المجتمع الإسلامي كما ذكرناه آنفاً. وإنه ليمكن تبين واقعية الفكر الكلامي في المظاهر التالية على وجه الخصوص:
1 ـ واقعية النشأة والتطور:
ظهر الفكر الكلامي ليكون متميزاً متقوماً بالاحتجاج للعقيدة أوائل القرن الثاني على يد المعتزلة، وإن كانت المطارحة العقلية في مسائل ذات صبغة عقدية ظهرت قبل ذلك بنصف قرن، حينما وقع التداول في «مرتكب الكبيرة» وفي «القدر» مما يمكن أن يعتبر إرهاصاً مبكراً للفكر الكلامي.
ولم تكن هذا النشأة إلا استجابة لضرورات واقعية ملحة تمثلت في مشكلات سياسية واجتماعية نجمت في حياة المسلمين، وباتت تهدد باستفحالها المطرد البناء الديني الذي قام عليه المجتمع الإسلامي، كما تمثلت في تحديات دينية وفلسفية من أهل الأديان والفلسفات القديمة باتت تروج بين المسلمين وتهدد بنية العقيدة الإسلامية. فهذه المشكلات والتحديات دفعت الفكر الإسلامي في سبيل الدفاع عن مرجعيته العقدية إلى أن يتجه إلى معالجتها معالجة كلامية، فكانت نشأة علم الكلام على يد المعتزلة بمنزلة الاستجابة لتحديات ناجمة من صميم واقع المسلمين.
وإذا كنا سنتعرض بعد حين إلى شرح أمثلة للتناسب بين القضايا الكلامية ومنابتها الواقعية، فإننا في هذا الموطن نود أن ندعم واقعية النشأة بحادثة لها دلالة عميقة في هذا الشأن، وهي الحادثة التي تناقلتها كتب الفرق الإسلامية على أنها تمثل المنطلق الأول لنشأة فرقة المعتزلة. وإذا كنا نعتبر أن الجذور الأساسية لنشأة هذه الفرقة بأسبابها إلى ما هو أعمق من هذه الحادثة، إلا أنه يمكن حسبانها النقطة الأخيرة التي لخصت تلك الأسباب الماضية، وأفاضت الكأس، فأفرزت تياراً فكرياً متميزاً هو التيار الاعتزالي الذي يمثل نشأة علم الكلام. ومن ثم اعتبرناها ذات دلالة عميقة في هذه النشأة من حيث صلتها بالواقع.
وهذه الحادثة كما رواها الشهرستاني هي أنه: «دخل واحد على الحسن البصري فقال له: يا إمام الدين لقد ظهرت له زماننا جماعة يكفرون أصحاب الكبائر والكبيرة عندهم كفر يخرج به عن الملة، وهم وعيدية الخوارج. وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان .. وهم مرجئة الأمة، فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقاداً؟ فتفكر الحسن في ذلك، وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلقاً ولا كافر مطلقاً، بل هو منزلة بين المنزلتين، لا مؤمن ولا كافر. ثم قام واعتزل إلى اسطوانة من اسطوانات المسجد يقرر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن، فقال الحسن: اعتزل عنا واصل، فسمى هو وأصحابه معتزلة».
ويبدو من هذه الحادثة أن نشوء المعتزلة وهو نفسه نشوء الفكر الكلامي كان بسبب حل مشكلة عملية تتعلق بتحديد حقيقة الإيمان، وتعيين منزلة مرتكب الكبيرة منه، وقد كان هذا الأمر منشأ لفتنة كبيرة في المجتمع الإسلامي اتخذت لها وجهتين: التذرع بالإرجاء في إتيان الآثام والمعاصي حيث لا تضر مع الإيمان معصية، والتذرع بتكفير المذنبين لإعمال القتل فيهم كما فعل الأزارقة من الخوارج. وقد ربط البغدادي بين هذا الواقع وخروج واصل بن عطاء بقوله بالمنزلة بين المنزلتين ربطاً سببياً حيث يقول: «فلما ظهرت فتنة الأزارقة بالبصرة والأهواز واختلف الناس عند ذلك في أصحاب الذنوب على الوجوه الخمسة التي ذكرناها خرج واصل بن عطاء عن قول جميع الفرق المتقدمة وزعم أن الفاسق من هذه الأمة لا مؤمن ولا كافر، وجعل الفسق منزلة بين منزلتي الكفر والإيمان». وبذلك يتأكد أن ظهور علم الكلام متمثلاً في الاعتزال كان معالجة تنظيرية عقدية لمشاكل واقعية سياسية واجتماعية.
وكما كان الفكر الكلامي واقعياً في نشأته فقد كان أيضاً واقعياً في تطوره، فقد كان تناميه في الموضوع وفي المنهج محكوماً بمقتضيات الأحوال الاجتماعية والثقافية. كما كان ترتيب مسائله في الظهور بحسب ذلك أيضاً، وهو ما تعكسه الكتب العقدية الأولى التي وصلتنا رغم أنها تعود إلى القرن الثالث مثل مؤلفات الأشعري والماتريدي، فقد كانت المسائل تعرض فيها عرضاً أقرب إلى نسقها التاريخي، وليس الترتيب الذي نجده في الكتب المتأخرة بعد القرن الخامس إلا صنعة عقلية منطقية لنظم المحصول الكلامي في سياق مدرسي.
2 ـ واقعية الموضوع:
تعنى بها أن الموضوعات التي بحثها الفكر الكلامي كانت موضوعات ذات صلة متينة بما يجري في واقع الحياة الإسلامية، وليس شأنها في ذلك شأن الموضوعات الفلسفية التي كانت تطرح على المنهج اليوناني، فليس ثَمَّ مسألة من المسائل الكلامية إلا تمثل رد فعل دفاعياً على حادثة ناشبة في الحياة الاجتماعية تخل بأغراض الدين فيها، أو مقولة طارئة من أهل المذاهب والأديان تنال بصفة مباشرة من العقيدة الإسلامية، ولا يند عن ذلك ما يبدو لنا اليوم من مسائل موغلة في التجريد لا تمت إلى الواقع بصلة.
ولو أردنا تأييد ذلك ببعض الشواهد من المسائل الكلامية التي تبدو أكثر تجريداً من غيرها لرأينا على سبيل المثال أن قضية الفعل الإنساني بين الحرية والجبرية قد أصبحت قضية كلامية لما تفشى في المجتمع الإسلامي أواخر القرن الأول من التعلل بالقدر المقدور في إتيان المعاصي واقتراف الآثام من قبل كثير من المتحللين من قيود الشريعة، وهو ما جاء يشكوه أحد المخلصين من المسلمين لعبدالله من عمر قائلاً: «ظهر في زماننا رجال يزنون ويسرقون، ويشربون الخمر التي حرم الله، ثم يحتجون علينا ويقولون: كان ذلك في علم الله». وكذلك لما أصبح بعض حكام بني أمية يتعللون بالقدر في تبرير ظلمهم وبغيهم على الناس، مثلما ذكر من أنه لما قُتل عمرو بن سعيد بن العاص على عهد الملك بن مروان طرحت رأسه من أعلى القصر بين يدي جمع من أصحابه كانوا يترقبونه، وقال الذي طرحها للمترقبين: إن أمير المؤمنين قد قتل صاحبكم بما كان من القضاء السابق والأمر النافذ. فهذه الظاهرة الخطيرة في سلوك الناس نشأت لمعالجتها مسألة «الفعل الإنساني» متمثلة في القول بحرية الإنسان في فعله ومسؤوليته عليه، وهو ما ابتدأه القدرية الأوائل: معبد الجهني، وغيلان الدمشقي، ثم طوره المعتزلة فأصبح أصلاً من أصولهم الخمسة سموه بأصل العدل.
ولو انتقلنا إلى قضيتي الذات والصفات، وخلق القرآن، لوجدنا أنهما على ما يبدو في الظاهر من افتقادهما للمبرر الواقعي فقد كان البحث فيهما رداً على محاولات مسيحية ومجوسية كانت غايتها التشويش على التوحيد الإسلامي الخالص، وصولاً إلى ضرب من التعددية التي قد تؤول به بمرور الزمن إلى عقيدة تعدد الإله.
وهكذا يبدو أن موضوعات الفكر الكلامي مهما بدت في ظاهرها عقلية مجردة فإنها في حقيقة نشأتها، وفي صيرورتها طيلة قرون ثلاثة على الأقل كانت تعالج مشاكل واقعية حية تروم حلها على أساس عقدي بقطع النظر عما حف بتلك المعالجة من ملابسات، وعما شابها أحياناً من مغالاة وشطط.
3 ـ واقعية المنهج:
كما كان الفكر الكلامي واقعياً في نشأته وتطوره وموضوعه، كان أيضاً واقعياً في منهجه، فقد كان يستعمل الأساليب الاستدلالية التي تناسب التحديات المطروحة، ويطور من تلك الأساليب بحسب تطور التحديات.
وقد كان الاستدلال النقلي أول الأساليب التي استعملت في الفكر الكلامي حيث يتخذ من نصوص القرآن والحديث شواهد على الآراء العقدية في الحوار الدائر بين الفرق الإسلامية، تأصيلاً لهذه الآراء في أصول الوحي بطريق التأويل، أو رداً للشواهد المخالفة لها بطريق النقد لما هو ضعيف منها أو منحول. وقد ظل هذا الاستدلال النقلي مواكباً للفكر الكلامي طيلة مسيرته في الحوار الداخلي بين المسلمين.
ولما نجمت تحديات أهل الأديان والمذاهب في القرن الثاني نشأ لدى المتكلمين الأسلوب العقلي في الاحتجاج، ذلك أن هذه التحديات كان أهلها من النصارى والمجوس متمرسين بالفلسفة اليونانية ومنطقها الصوري، فاستخدموا آليات هذه الفلسفة للاحتجاج نصرة لمعتقداتهم ونقداً للعقيدة الإسلامية، ولذلك بادر المعتزلة باستعمال الحجة العقلية في مقابلة هذا التحدي، وأصبح هذا الأسلوب هو الأسلوب الغالب على الفكر الكلامي.
لقد ظلت هذه الواقعية الحية صفة للفكر الكلامي يعالج من خلالها حادثات المشاكل الاجتماعية والثقافية في المجتمع الإسلامي، ويحقق في ذلك نتائج هامة في المحافظة على المرجعية العقدية للحياة الإسلامية، حتى قيل: إنه لولا هذا الفكر بواقعيته لكان مصير العقيدة الإسلامية عرضة لانحرافات جمة نظراً إلى شدة الهجمة التي تعرضت لها جهزة وخفاء من قبل الأديان والثقافات والفلسفات القديمة.
ولكن الانحدار العام الذي أصاب الفكر الإسلامي أصاب أيضاً الفكر الكلامي، فأصبح ينزع منزع التجريد الذي ينشغل به عن مجريات الواقعة المتعلقة بالأصول العقدية بصفة مباشرة أو غير مباشرة بمجادلات نظرية في المسائل القديمة، واحتجاجات تتعلق بتحديات ماضية، وميل إلى التأليف والترتيب للآراء والمقولات السابقة في نسق منطقي مدرسي، حتى إنه ليمكن القول بأن الصلة كادت تُفقد بين هذا الفكر وواقع المسلمين الذي لم يخل في أي عصر من تحديات داخلية وخارجية تهدد مرجعيته العقدية.
******
يتبع...
أرجو من السادة المشرفين تثبيت هذا الموضوع البالغ الغاية القصوى من الأهمية ولكن بعد أن يأذن بذلك شيخ الإسلام سيدنا ومولانا أبو الفداء حفظه الله تعالى ونصر به وببركته الإسلام والمسلين.
واقعية المنهج الكلامي
ودورها في مواجهة التحديات الفلسفية المعاصرة
بقلم الدكتور / عبد المجيد النــجــــــار
[ALIGN=RIGHT]تمهيد:[/ALIGN]
يوجه النقد الشديد إلى الفكر الكلامي فيما جنح إليه من إيغال في التجريد عند معالجته للقضايا العَقَدية التي كانت قواماً له، وما يتصل بها من قضايا طبيعية وفلسفية استخدمت في تلك المعالجة، وقد عد بهذا التجريد فكراً عقيماً في مواجهة المشكلات الأيديولوجية الفلسفية التي تجابه المسلمين منذ بداية نهضتهم الحديثة، إذ أن هذه المشكلات متأتية من الواقع الجديد الذي طرأ على حياتهم إثر اتصالهم بالحضارة الغربية، بينما يسبح هذا الفكر في فضاء من مشكلات ماضية لم تكن على صلة وطيدة بواقع المسلمين على عهد نشأتها بله أن تكون كذلك بالنسبة لواقعهم الراهن. ولهذا السبب اتخذ هذا الفكر الكلامي مهجوراً من قِبل أكثر المهتمين بالمشكلات الثقافية الأيديولوجية للمسلمين على هذا العهد، بل اتخذ هزواً أحياناً، وذلك باعتبار أنه لا يصلح أداة للدفع في سبيل النهضة الثقافية الإسلامية.
والحقيقة أن هذا الموقف من الفكر الكلامي انبنى في الحكم عليه من تقويم سطحي اقتصر على الصورة التي انتهى إليها هذا الفكر لما آل إلى الضعف والجمود شأن الفكر الإسلامي عموماً، وهي الصورة التي آلت إلى أجيال هذا القرن عبر الثقافة الموروثة عن عهد الانحطاط، تغافلاً في ذلك عن الطور الذي كان فيه الفكر الكلامي حياً فعالاً في مواجهة مشاكل حقيقية ألمت بالمسلمين في حياتهم الثقافية العَقَدية، وهو ما فوت على الفكر الإسلامي المعاصر فرصة الاستفادة من الدور المهم الذي قام به الفكر الكلامي في ذلك الطور متمثلاً في صد الغزو الفكري والعَقَدي التي تعرضت له العقيدة الاسلامية ابتداءً من أواخر القرن الأول وتوطيد أيديولوجية إسلامية متينة ثابتة.
ولذلك فإنه من المهم أن يقع درس علم الكلام وهو في طوره الأول المتصف بالحيوية والواقعية لتبين المنهجية المجدية التي كان يتبعها لمعالجة ما يطرأ من مشكلات في واقع المسلمين معالجة عقدية، فإن الوقوف على هذه المنهجية في خاصيتها الواقعية مدخل أساسي لتقويم علم الكلام في مدى ما أسهم به في تثبيت أيديولوجية إسلامية حفظت المسار الحضاري العام وفق متطلبات الوحي، كما أنه مدخل للاستفادة منه في ترشيد الفكر الاسلامي اليوم وهو ينزع إلى صياغة أيديولوجية شاملة متأسسة على عقيدة الإسلام وتراثه، توجه الحياة الإسلامية إلى صراط الوحي ضمن واقع عالمي متداخل. وهذا ما سنحاول بيانه من خلال العناصر التالية:
ـ واقعية المنهج الكلامي قبل القرن الخامس:
نقصد بالواقعية في منهجية الفكر الكلامي ما كان لهذا الفكر في بنيته وموضوعه وأساليبه من صلة بالمشاكل الطارئة في حياة المسلمين فكرياً وسلوكياً، وبهذا المعنى فإن الفكر الكلامي ظل طيلة أربعة قرون بعد نشأته في أوائل القرن الثاني فكراً واقعياً شديد الواقعية. إذ تعتبر قضاياه ـ كما سنبينه بعد حين ـ ناشئة من أحداث ونوازل طرأت على المجتمع الاسلامي بسبب ثقافي أو سياسي أو اجتماعي، وأحدثت به توتراً على نحواً أو آخر باعتبار ما اتخذ هذا المجتمع لنفسه من مرجعية شاملة هي مرجعية الوحي الديني، فنشأت القضايا الكلامية تعالج ذلك التوتر في حياة المسلمين، وتهدف إلى توجيه الحياة بحسب ما يلائم مرجعية الوحي.
وقبل أن نفصل مظاهر الواقعية، من المهم أن نشير إلى أصلين يتعلقان بطبيعة الدين الإسلامي كان لهما أثر بين في صفة الواقعية التي اتصف بها الفكر الكلامي من حيث إنه فكر استحدث للحفاظ على أصول هذا الدين وهي الأصول العقدية التي تتفرع منها سائر فروع الأحكام والتعاليم الأخرى.
الأول هو الترابط الشامل في الدين الإسلامي بين حقيقة العقيدة وجمع مظاهر السلوك الفردي والاجتماعي، وهو ترابط يجعل هذه المظاهر لا تعدو أن تكون وجهاً عملياً لحقيقة العقيدة، حتى إن كثيراً من المسلمين اعتبروا تعطيل السلوك ـ متمثلاً فيما عرف بارتكاب الكبائر ـ ناقضاً لأصل الإيمان بالعقيدة، مخرجاً من الدين أساساً. وهذه الطبيعة للصلة بين العقيدة والسلوك تجعل النظر لمعالجة السلوك من حيث انحرافه عن تعاليم الوحي يمتد إلى النظر في أصله العَقَدي، وهو ما يؤدي بل قد أدى بالفعل إلى أن كثيراً من القضايا العَقَدية التي عالجها الفكر الكلامي كان منطلقها واقع السلوك في المجتمع الإسلامي كما سنبينه بعد حين مما كان له مدخل كبير في اتصاف هذا الفكر بالواقعية.
والثاني وضوح العقيدة الإسلامية وبساطتها مما لم يستلزم قيام فكر عَقَدي شرحي مثلما هو الأمر بالنسبة لعلم اللاهوت المسيحي الذي انطبع بطابع شرحي في سبيل تبرير تعقيدات المسيحية وغموضها، وإنما قام علم الكلام الإسلامي لغاية دفاعية إثباتاً للعقيدة الإسلامية ورداً للشبه الواردة عليها كما يعكس ذلك التعريف الذي تناقله العلماء لهذا العلم من أنه «علم بأمور يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية على الغير وإلزامه إياها بإيراد الحجج عليها ودفع الشبه عنها». وهذه الغاية الدفاعية استلزمت أن يكون الفكر الكلامي مترصداً لما يفرزه الواقع الثقافي مما فيه مجانبة للعقيدة الإسلامية فيكون مدافعاً له، وهو ما يجعله فكراً متصلاً بالواقع الجاري، فانطبع بصفة الواقعية في مناهضة التحديات الخارجية، كما انطبع بالواقعية في معالجة السلوك المنحرف عن الدين الناجم في المجتمع الإسلامي كما ذكرناه آنفاً. وإنه ليمكن تبين واقعية الفكر الكلامي في المظاهر التالية على وجه الخصوص:
1 ـ واقعية النشأة والتطور:
ظهر الفكر الكلامي ليكون متميزاً متقوماً بالاحتجاج للعقيدة أوائل القرن الثاني على يد المعتزلة، وإن كانت المطارحة العقلية في مسائل ذات صبغة عقدية ظهرت قبل ذلك بنصف قرن، حينما وقع التداول في «مرتكب الكبيرة» وفي «القدر» مما يمكن أن يعتبر إرهاصاً مبكراً للفكر الكلامي.
ولم تكن هذا النشأة إلا استجابة لضرورات واقعية ملحة تمثلت في مشكلات سياسية واجتماعية نجمت في حياة المسلمين، وباتت تهدد باستفحالها المطرد البناء الديني الذي قام عليه المجتمع الإسلامي، كما تمثلت في تحديات دينية وفلسفية من أهل الأديان والفلسفات القديمة باتت تروج بين المسلمين وتهدد بنية العقيدة الإسلامية. فهذه المشكلات والتحديات دفعت الفكر الإسلامي في سبيل الدفاع عن مرجعيته العقدية إلى أن يتجه إلى معالجتها معالجة كلامية، فكانت نشأة علم الكلام على يد المعتزلة بمنزلة الاستجابة لتحديات ناجمة من صميم واقع المسلمين.
وإذا كنا سنتعرض بعد حين إلى شرح أمثلة للتناسب بين القضايا الكلامية ومنابتها الواقعية، فإننا في هذا الموطن نود أن ندعم واقعية النشأة بحادثة لها دلالة عميقة في هذا الشأن، وهي الحادثة التي تناقلتها كتب الفرق الإسلامية على أنها تمثل المنطلق الأول لنشأة فرقة المعتزلة. وإذا كنا نعتبر أن الجذور الأساسية لنشأة هذه الفرقة بأسبابها إلى ما هو أعمق من هذه الحادثة، إلا أنه يمكن حسبانها النقطة الأخيرة التي لخصت تلك الأسباب الماضية، وأفاضت الكأس، فأفرزت تياراً فكرياً متميزاً هو التيار الاعتزالي الذي يمثل نشأة علم الكلام. ومن ثم اعتبرناها ذات دلالة عميقة في هذه النشأة من حيث صلتها بالواقع.
وهذه الحادثة كما رواها الشهرستاني هي أنه: «دخل واحد على الحسن البصري فقال له: يا إمام الدين لقد ظهرت له زماننا جماعة يكفرون أصحاب الكبائر والكبيرة عندهم كفر يخرج به عن الملة، وهم وعيدية الخوارج. وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان .. وهم مرجئة الأمة، فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقاداً؟ فتفكر الحسن في ذلك، وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلقاً ولا كافر مطلقاً، بل هو منزلة بين المنزلتين، لا مؤمن ولا كافر. ثم قام واعتزل إلى اسطوانة من اسطوانات المسجد يقرر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن، فقال الحسن: اعتزل عنا واصل، فسمى هو وأصحابه معتزلة».
ويبدو من هذه الحادثة أن نشوء المعتزلة وهو نفسه نشوء الفكر الكلامي كان بسبب حل مشكلة عملية تتعلق بتحديد حقيقة الإيمان، وتعيين منزلة مرتكب الكبيرة منه، وقد كان هذا الأمر منشأ لفتنة كبيرة في المجتمع الإسلامي اتخذت لها وجهتين: التذرع بالإرجاء في إتيان الآثام والمعاصي حيث لا تضر مع الإيمان معصية، والتذرع بتكفير المذنبين لإعمال القتل فيهم كما فعل الأزارقة من الخوارج. وقد ربط البغدادي بين هذا الواقع وخروج واصل بن عطاء بقوله بالمنزلة بين المنزلتين ربطاً سببياً حيث يقول: «فلما ظهرت فتنة الأزارقة بالبصرة والأهواز واختلف الناس عند ذلك في أصحاب الذنوب على الوجوه الخمسة التي ذكرناها خرج واصل بن عطاء عن قول جميع الفرق المتقدمة وزعم أن الفاسق من هذه الأمة لا مؤمن ولا كافر، وجعل الفسق منزلة بين منزلتي الكفر والإيمان». وبذلك يتأكد أن ظهور علم الكلام متمثلاً في الاعتزال كان معالجة تنظيرية عقدية لمشاكل واقعية سياسية واجتماعية.
وكما كان الفكر الكلامي واقعياً في نشأته فقد كان أيضاً واقعياً في تطوره، فقد كان تناميه في الموضوع وفي المنهج محكوماً بمقتضيات الأحوال الاجتماعية والثقافية. كما كان ترتيب مسائله في الظهور بحسب ذلك أيضاً، وهو ما تعكسه الكتب العقدية الأولى التي وصلتنا رغم أنها تعود إلى القرن الثالث مثل مؤلفات الأشعري والماتريدي، فقد كانت المسائل تعرض فيها عرضاً أقرب إلى نسقها التاريخي، وليس الترتيب الذي نجده في الكتب المتأخرة بعد القرن الخامس إلا صنعة عقلية منطقية لنظم المحصول الكلامي في سياق مدرسي.
2 ـ واقعية الموضوع:
تعنى بها أن الموضوعات التي بحثها الفكر الكلامي كانت موضوعات ذات صلة متينة بما يجري في واقع الحياة الإسلامية، وليس شأنها في ذلك شأن الموضوعات الفلسفية التي كانت تطرح على المنهج اليوناني، فليس ثَمَّ مسألة من المسائل الكلامية إلا تمثل رد فعل دفاعياً على حادثة ناشبة في الحياة الاجتماعية تخل بأغراض الدين فيها، أو مقولة طارئة من أهل المذاهب والأديان تنال بصفة مباشرة من العقيدة الإسلامية، ولا يند عن ذلك ما يبدو لنا اليوم من مسائل موغلة في التجريد لا تمت إلى الواقع بصلة.
ولو أردنا تأييد ذلك ببعض الشواهد من المسائل الكلامية التي تبدو أكثر تجريداً من غيرها لرأينا على سبيل المثال أن قضية الفعل الإنساني بين الحرية والجبرية قد أصبحت قضية كلامية لما تفشى في المجتمع الإسلامي أواخر القرن الأول من التعلل بالقدر المقدور في إتيان المعاصي واقتراف الآثام من قبل كثير من المتحللين من قيود الشريعة، وهو ما جاء يشكوه أحد المخلصين من المسلمين لعبدالله من عمر قائلاً: «ظهر في زماننا رجال يزنون ويسرقون، ويشربون الخمر التي حرم الله، ثم يحتجون علينا ويقولون: كان ذلك في علم الله». وكذلك لما أصبح بعض حكام بني أمية يتعللون بالقدر في تبرير ظلمهم وبغيهم على الناس، مثلما ذكر من أنه لما قُتل عمرو بن سعيد بن العاص على عهد الملك بن مروان طرحت رأسه من أعلى القصر بين يدي جمع من أصحابه كانوا يترقبونه، وقال الذي طرحها للمترقبين: إن أمير المؤمنين قد قتل صاحبكم بما كان من القضاء السابق والأمر النافذ. فهذه الظاهرة الخطيرة في سلوك الناس نشأت لمعالجتها مسألة «الفعل الإنساني» متمثلة في القول بحرية الإنسان في فعله ومسؤوليته عليه، وهو ما ابتدأه القدرية الأوائل: معبد الجهني، وغيلان الدمشقي، ثم طوره المعتزلة فأصبح أصلاً من أصولهم الخمسة سموه بأصل العدل.
ولو انتقلنا إلى قضيتي الذات والصفات، وخلق القرآن، لوجدنا أنهما على ما يبدو في الظاهر من افتقادهما للمبرر الواقعي فقد كان البحث فيهما رداً على محاولات مسيحية ومجوسية كانت غايتها التشويش على التوحيد الإسلامي الخالص، وصولاً إلى ضرب من التعددية التي قد تؤول به بمرور الزمن إلى عقيدة تعدد الإله.
وهكذا يبدو أن موضوعات الفكر الكلامي مهما بدت في ظاهرها عقلية مجردة فإنها في حقيقة نشأتها، وفي صيرورتها طيلة قرون ثلاثة على الأقل كانت تعالج مشاكل واقعية حية تروم حلها على أساس عقدي بقطع النظر عما حف بتلك المعالجة من ملابسات، وعما شابها أحياناً من مغالاة وشطط.
3 ـ واقعية المنهج:
كما كان الفكر الكلامي واقعياً في نشأته وتطوره وموضوعه، كان أيضاً واقعياً في منهجه، فقد كان يستعمل الأساليب الاستدلالية التي تناسب التحديات المطروحة، ويطور من تلك الأساليب بحسب تطور التحديات.
وقد كان الاستدلال النقلي أول الأساليب التي استعملت في الفكر الكلامي حيث يتخذ من نصوص القرآن والحديث شواهد على الآراء العقدية في الحوار الدائر بين الفرق الإسلامية، تأصيلاً لهذه الآراء في أصول الوحي بطريق التأويل، أو رداً للشواهد المخالفة لها بطريق النقد لما هو ضعيف منها أو منحول. وقد ظل هذا الاستدلال النقلي مواكباً للفكر الكلامي طيلة مسيرته في الحوار الداخلي بين المسلمين.
ولما نجمت تحديات أهل الأديان والمذاهب في القرن الثاني نشأ لدى المتكلمين الأسلوب العقلي في الاحتجاج، ذلك أن هذه التحديات كان أهلها من النصارى والمجوس متمرسين بالفلسفة اليونانية ومنطقها الصوري، فاستخدموا آليات هذه الفلسفة للاحتجاج نصرة لمعتقداتهم ونقداً للعقيدة الإسلامية، ولذلك بادر المعتزلة باستعمال الحجة العقلية في مقابلة هذا التحدي، وأصبح هذا الأسلوب هو الأسلوب الغالب على الفكر الكلامي.
لقد ظلت هذه الواقعية الحية صفة للفكر الكلامي يعالج من خلالها حادثات المشاكل الاجتماعية والثقافية في المجتمع الإسلامي، ويحقق في ذلك نتائج هامة في المحافظة على المرجعية العقدية للحياة الإسلامية، حتى قيل: إنه لولا هذا الفكر بواقعيته لكان مصير العقيدة الإسلامية عرضة لانحرافات جمة نظراً إلى شدة الهجمة التي تعرضت لها جهزة وخفاء من قبل الأديان والثقافات والفلسفات القديمة.
ولكن الانحدار العام الذي أصاب الفكر الإسلامي أصاب أيضاً الفكر الكلامي، فأصبح ينزع منزع التجريد الذي ينشغل به عن مجريات الواقعة المتعلقة بالأصول العقدية بصفة مباشرة أو غير مباشرة بمجادلات نظرية في المسائل القديمة، واحتجاجات تتعلق بتحديات ماضية، وميل إلى التأليف والترتيب للآراء والمقولات السابقة في نسق منطقي مدرسي، حتى إنه ليمكن القول بأن الصلة كادت تُفقد بين هذا الفكر وواقع المسلمين الذي لم يخل في أي عصر من تحديات داخلية وخارجية تهدد مرجعيته العقدية.
******
يتبع...
تعليق