د.عبد العظيم الديب
الاستشراق في الميزان
المنهج عند المستشرقين
تُقدّر الأبحاث والكتب التي كتبها (المستشرقون عن الإسلام، في الفترة من مطلع القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين، بنحو ستين ألف كتاب!!.فَلِمَ كلُّ هذا الاهتمام؟؟.
إن الاستشراق يرمي من وراء ذلك إلى غايتين:
أولاهما: حماية الإنسان الغربي من أن يرى نور الإسلام، فيؤمن به، ويحمل رايته ويجاهد في سبيله، كما كان من المسيحيين في الشام، ومصر، والشمال الإفريقي، وإسبانيا، من قَبْلُ. حين دخل الإسلام هذه الأصقاع، فدخل أهلها في دين الله أفواجاً، وصاروا من دعاة هذا الدين الحنيف، وحماته والمنافحين عنه.
وثانيتهما: هي معرفة الشرق، ودراسته، أرضه، ومياهه، وطقسه، وجباله وأنهاره، وزروعه، وثماره، وأهله، ورجاله، وعلمه وعلمائه، ودينه، وعقائده، وعاداته، وتقاليده، ولغاته و... و... كل ذلك لكي يعرف كيف يصل إليه، فقد ظلت دار الإسلام مرهوبة مخوفة، لم تستطع الصليبية المقهورة أن تحاول ـ مجرد محاولة ـ اختراقها لعدة قرون، وكانت المناوشات، والاحتكاكات على الثغور والأطراف تُحْسَمُ دائماً لمصلحة الإسلام والمسلمين، ولما حاولت الصليبية بجحافلها الغاشمة اختراق ديار الإسلام في مطلع القرن السادس الهجري، رجعت بعد نحو قرنين (690-489هـ/679-478و. ر) من الزمان مقهورة مدحورة.
ولكنها ما فتئت تدبر وتقدر، وتحاول الإلتفات حول ديار الإسلام، لما استعصى عليها اختراقها، وكان الاستشراق هو رائدها الذي يرتاد لها الطريق.
[هكذا كان من عمل المستشرقين، ارتياد ديار الإسلام و(معرفتها)، و(التعريف بها) حتى يضمن للزحف الصليبي الجديد أن يسير على هدى وبصيرة].
وإذا كنا نقول هذا استنتاجاً صحيحاً، من قراءة الوقائع والأحداث، ومما تنطق به جولات الصراع الذي دار ـ ويدور ـ بين الصليبية، وديار الإسلام. إذ كنا نقول هذا استملاءً من لسان الحال، حال التاريخ القريب والبعيد، فقد صدقه المستشرقون أنفسهم، وقالوه بلسان المقال، فهذا هو المستشرق الأمريكي (روبرت بين) يقول في مقدمة كتابه (السيف المقدس): إن لدينا أسباباً قوية لدراسة العرب، والتعرف إلى طريقتهم، فقد غَزَوا الدنيا كلَّها من قبلُ، وقد يفعلونها مرة ثانية، إن النار التي أشعلها محمد لا تزال تشتعل بقوة، وهناك ألف سبب للاعتقاد بأنها شعلة غير قابلة للانطفاء".
وبهذه الصراحة أو أشد منها ـ إذا كان هناك أشد منها ـ يأتي قول الأمير (كايتاني) ذلك الأمير الإيطالي الذي "جهز على نفقته الخاصة ثلاث قوافل، لترتاد مناطق الفتح الإسلامي، وترسمها جغرافيا وطبوغرافيا، وجمع كل الدوريات والأخبار الواردة عن حركة الفتح في اللغات القديمة... واستخلص تاريخ الفتح في تسعة مجلدات ضخمة بعنوان: (حوليات الإسلام) بلغ بها سنة أربعين هجرية... قال هذا الأمير الذي استهلك كل ثروته الطائلة في هذه الأبحاث، حتى أفلس تماماً، قال في مقدمة كتابه (حوليات الإسلام) هذه: إنه إنما يريد بهذا العمل أن يفهم سر المصيبة الإسلامية التي انتزعت من الدين المسيحي ملايين من الأتباع في شتى أنحاء الأرض، ما يزالون حتى اليوم يؤمنون برسالة محمد، ويدينون به نبيّاً ورسولاً".
ويكتب المستشرق الألماني (باول شمتز) كتاباً يتناول فيه عناصر القوة الكامنة في العالم الإسلامي، والإسلام، فيسمى هذا الكتاب: (الإسلام قوة الغد العالمية) فلماذا كتب هذا الكتاب، وقام بهذه الدراسة؟، إنه لا يتورع أن يعلن صراحة وبدون مواربة عن هدفه، الذي هو تبصير أوروبا الغافلة عن هذه القوة التي هي "صوت نذير لأوروبا، وهتاف يجوب آفاقها، يدعو إلى التجمع والتساند الأوروبي لمواجهة هذا العملاق، الذي بدأ يصحو، وينفض النوم عن عينيه، فهل يسمع أحد؟... هل من مجيب؟" بهذه العبارة التي ختمها بذاك النداء الصارخ، ينهي (شمتز) كتابه، والكتاب كلُّه يحكمه هذا الروح.
ولذلك حق للناشر الألماني أن يقول عن هذا الكتاب: "إنه يوضح الخطر المتوهج الذي يمر عليه الإنسان في أوروبا بكلِّ بساطة، وفي غير اكتراث فأصحاب الإيمان بالإسلام يقفون اليوم (1936 م قبيل الحرب العالمية الثانية) في جبهة موحدة معادية للغرب، ... وهذا الكتاب، هو نداء وتحذير يجب أن يلقي الاحترام الجدِّيَّ من أجل مصالح الغرب وحدها".
ويكرر هذا المعنى نفسه (ألبير شاميدور) في كتابه: (حمراء غرناطة) فيقول بعد أن تحدث عن عظمة الآثار الإسلامية في غرناطة: "... إن هذا العربي الذكي الشجاع الذي استطاع أن يجمع علم العالم في مئة عام، كما استطاع أن يفتح نصف العالم أيضاً في مئة عام، قد ترك لنا في (حمراء غرناطة) آثار علمه وفنه.
إن هذا العربي الذي نام نوماً عميقاً مئات السنين، قد استقيظ وأخذ ينادي العالم: ها أنذا أعود إلى الحياة.. فمن يدري قد يعود اليوم الذي تصبح فيه بلاد الفرنج مهددة بالعرب، فيهبطون من السماء لغزو العالم مرة ثانية".
ثم يقول: "لست أدعي النبوة، لكن الأمارات الدالة على هذه الاحتمالات كثيرة، لا تقوى الذرة ولا الصواريخ على وقف تيارها".
ثم ينادي صارخاً، "أبيدوا أشباح العرب في (الحمراء)... أبيدوها قبل أن تبعث!! ثم يبالغ في الإنذار والتخويف، فيقول: "هيهات أن نستطيع إلى ذلك سبيلاً"!!
هكذا وبكلِّ وضوح يكشف القومُ عن أهدافهم، ولكن جماعة منا ـ عفا الله عنهم ـ مازالوا حتى يومنا هذا، بل لحظتنا هذه، يصفون هذه الأعمال بأنها (علمية) (أكاديمية) (فكرية)... الخ ويذبحون في الثناء عليها المقالات والكتب ويلقِّنون أجيالنا الناشئة ذلك.
ولعل ما يفصل بيننا وبين قومنا في هذه القضية هو قول (روجيه جارودي) ذلك الفيلسوف، الذي كان زعيم المذهب الوجودي ومفسر طلاسم سارتر ضمير العصر ـ على حدِّ قول (فلاسفتنا) (العظام ـ والذي كان مرشحاً لزعامة الحزب الشيوعي قال: "لم يكن الاستشراق حركة نزيهة منذ البداية، إذ كان الهدف منه تنفيذ مشروع يرمي إلى إدخال المسلمين في النصرانية".
حول تطوّر الدراسات الاستشراقية
بعض بني جلدتنا حينما نضع أمامهم هذه النصوص الناطقة بأهداف المستشرقين الشاهدة على بعدهم عن العلم والبحث، ومجافاتهم روح (الأكاديمية) والمنهج ـ يقول بعضنا هذا: "ما لكم تتشبثون بهذه العبارات، وتقفون عند هذه الأخبار ولا تتجاوزونها؟؟ إن ذلك كان في القرن التاسع عشر، وقبل القرن التاسع عشر، كان في أيام الاستعمار وطغيان الاستعمار، كان في أيام الصراع المحتدم بين الشرق والغرب، أما منذ القرن العشرين، فقد تطورت الدراسات الاستشراقية، وصارت (علمية) (منهجية) تبحث عن العلم المجرد، لذات العلم، والمعرفة، وانتهى عهد التهجم على الإسلام: نبيّه، وقرآنه، ورجاله، عقائده، وحضارته، لقد صارت الدراسات الاستشراقية آية في النزاهة، وقدوة في الالتزام بالمنهج العلمي، والإخلاص للبحث والتجرد للحقيقة!!!.. كذا يقولون!!
وقد يكون هذا الكلام صحيحاً في بعضه، أعني أن أبحاث الاستشراق خلت من السبِّ والشتم، والتقبيح، والتشنيع على الإسلام، وأهله، فذلك صحيح في جملته، ولكن ذلك لم يكن بسبب التزام الاستشراق بالمنهج العلمي وقواعد البحث الأكاديمي، ولكن لسبب آخر، سنعرض له فيما بعد، أما المنهج العلمي الصحيح، والتجرد للبحث وخدمة الحقيقة فما زال ـ وسيظل ـ الاستشراق بعيداً عنها، لأسباب كثيرة بعضها راجع لطبيعة الاستشراق، وهدفه، ونشأته، وبعضُها راجعٌ لعجزِ طبعي فطري، في هؤلاء الأعاجم، يحول بينهم وبين امتلاك وسائل البحث في العلوم الإسلامية، وأدواته.
ونستطيع ببساطة ويسر، أن نُحيل هؤلاء، إلى ما عرضناه من شهادات المستشرقين وأقوالهم بألسنتهم، وهم من المعاصرين، في قرننا العشرين هذا، بل منهم من عاش إلى قريب من أيامنا هذه.
وإن لم يكف ما تقدم، فنضع أمام أعينهم، ما كتبه الدكتور (جلوور) في كتابه: تقدم التبشير العالمي، الذي نشره سنة 1960م قال: "إن سيف محمد والقرآن أشد عدو، وأكبر معاند للحضارة والحرية والحق، ومن أخطر العوامل الهدامة التي اطلع عليها العالم إلى الآن"، وقال أيضاً: "القرآن خليط عجيب من الحقائق والخرافات، ومن الشرائع والأساطير، كما هو مزيج غريب للأغلاظ التاريخية، والأوهام الفاسدة، وفوق ذلك هو غامض جدّاً، لا يمكن أن يفهمه أحد إلا بتفسير خاص له".
ثم ينتقد شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم قائلاً: "... كان محمد (صلى الله عليه وسلم)، حاكماً مطلقاً، وكان يعتقد أن من حق الملك على الشعب، أن يتبع هواه ويعمل ما يشاء، وكان مجبولاً على هذه الفكرة، فقد كان عازماً على أن يقطع عنق كلِّ من لا يوافقه في هواه، أما جيشه العربي، فكان يتعطش للتهديد والتغلب، وقد أرشدهم رسولهم أن يقتلوا كلَّ من يرفض أتِّباعَهم، ويبعد عن طريقهم".
ولعل تعبير المستشرق (ليوبولدفايس) الذي أسلم وتسمى باسم (محمد أسد) عن أزمة الأوروبي تجاه الإسلام، وأزمة المستشرق بصفة خاصة ـ هو أوضح تعبير، وأصدقه حيث جاء من واقع الخبرة، والممارسة العريضة العميقة لكتابات المستشرقين، قال: "... لا تجد موقف الأوروبي تجاه الإسلام، موقف كره في غير مبالاة فحسب، كما هي الحال في موقفه من سائر الأديان والثقافات، بل هو كره عميق الجذور، يقوم في الأكثر على صدور من التعصب الشديد، وهذا الكره ليس عقلياً فحسب، ولكنه يصطبغ أيضاً بصبغة عاطفية قوية... إن الأوروبي لا يحتفظ تجاه الإسلام بموقف عقلي متزن، مبني على التفكير، بل حالماً يتجه إلى الإسلام يختل التوازن، ويأخذ الميل العاطفي بالتسرب، حتى إن أبرز المستشرقين جعلوا من أنفسهم فريسة التحزب، غير العلمي في كتاباتهم عن الإسلام.
ويظهر في جميع بحوثهم على الأكثر كما لو أن الإسلام، لا يمكن أن يعالج على أنه موضوع بحت في البحث العلمي، بل على أنه متهم يقف أمام قضاته، إن بعض المستشرقين يمثلون دور المدعي العام، الذي يحاول إثبات الجريمة، وبعضهم يقوم مقام المحامي في الدفاع، فهو مع اقتناعه شخصيّاً بإجرام موكله، لا يستطيع أكثر من أن يطلب له مع شيء، من الفتور، اعتبارَ الأسباب المخففة.
ثم يقول بعد مبيِّناً أن الإسلام وحده، دون الثقافات الأجنبية المختلفة، وقفت منه الدراسات الغربية هذا الموقف: "... أما فيما يتعلق بالإسلام، فإن الاحتقار التقليدي أخذ يتسلل في شكل تحزب غير معقول إلى بحوثهم العلمية. وبقي هذا الخليج الذي حفره التاريخ بين أوروبة والعالم الإسلامي، غير معقود فوقه بجسر، ثم أصبح احتقار الإسلام جزءاً أساسيّاً من التفكير الأوروبي".
والواقع أن المستشرقين في الأعصر الحديثة كانوا مبشرين نصارى يعملون في البلاد الإسلامية، وكانت الصورة المشوَّهة التي اصطنعوها عن تعاليم الإسلام وتاريخه، مدَّبرةً على أساس يضمن التأثير في موقف الأوروبيين من (الوثنيين) غير أن هذا الالتواء العقلي، قد استمر مع أن علوم الاستشراق قد تحررت من نفوذ التبشير، ولم يبق لعلوم الاستشراق هذا عذر من حمية دينية جاهلية تسيء توجيهها. أما تحامل المستشرقين على الإسلام، فغريزة موروثة وخاصة طبيعية، تقوم على المؤثرات التي خلفتها الحروب الصليبية، بكلِّ ما لها من ذيول في عقول الأوروبيين الأولين".
هكذا أصبح تحامل المستشرقين على الإسلام غريزة موروثة، وخاصة طبيعية، تزول المؤثرات، والدوافع، والأسباب، ولا تزول هذه الغريزة، فكيف يقال: إن الدراسات الاستشراقية قد تطورت؟؟
لمن يكتب المستشرقون؟
لم نكن بحاجة إلى هذا العناء، وتناول هذا الموضوع ـ موضوع المستشرقين وأعمال المستشرقين ـ أصلاً، لو أن بني قومنا عرفوا لمن يكتب المستشرقون، لو أن المثقف المسلم، وصاحب القلم المسلم، ورجل الفكر المسلم، عرفوا لمن يكتب المستشرقون، لو وقفوا من هذه الأعمال الاستشراقية الموقف الصحيح، فتركوها لمن كتبت له.
لم يكن المستشرقون ـ في تقديري ـ يتوجهون بهذه الأعمال، وبهذه البحوث كلِّها إلا إلى المثقف الغربي، يخافون عليه، ويحصنونه، من أن يقع في إسار الإسلام، ديناً وفكراً وحضارة، كان الاستشراق ـ بهذه الأعمال ـ يريد أن يضرب ستاراكثيفا، من التشويش، والتشويه، بين المثقف الأوروبي وبين الإسلام.
ومن هنا نجدهم في كتاباتهم الأولى، يكتفون بالسب والشتم، في الإسلام وفي رسول الإسلام ـ صلى الله عليه وسلم، وتنزه عما قالوا ـ واختلاق الأكاذيب عن المسلمين، ونظام حياتهم ومجتمعاتهم، ثم تطورت هذه الدراسات رويداً رويداً، فبعد أن كانت في أول فجة ساذجة، صارت تتجه إلى الترتيب والتنسيق والاستدلال، وأخذت في التعمق، وارتداء ثوب البحث، وطيلسان الأكاديمية، ولكنها ظلت، وفية لهدفها الأول، لم تنسه ولم تتخلَّ عنه، وهو تحصين الإنسان الأوروبي، ضد الإسلام.
ويظن بعضٌ من أبناء أمتي حين يرون هذا التغيّر، أن هذا تطور في الدراسات الاستشراقية، وتغيير للأهداف، وتنازل عن الأحقاد، وأن القوم ثابوا إلى الإنصاف، فكفوا عن السب، والشتم، والتقبيح، ومالوا إلى العلمية، والتزموا بالموضوعية.
ولكن الواقع أنه ليس في الأمر، موضوعية، ولا منهجية، ولا اعتدال، ولا استقامة وإنما كان هذا التغير، أو التطور في الأساليب فقط، وكان تغيير الأساليب ضرورة أملتها الظروف وواقع الحال، كان لابد من تغيير الأساليب لتتلاءم وتتواءم مع المواطن الأوروبي المسيحي نفسه ـ المخاطب أصلاً بالدراسات الاستشراقية ـ فحيثما كان العصر عصر أمنيّة وجهالة، وهمجية، كان يكفيهم أن يكتبوا لهم سبّاً وشتمّاً، في الإسلام ورسول صلى الله عليه وسلم، وفي المسلمين، حتى يقبِّحوه ويشوِّهوه، في أعينهم، وينفروهم منه. أما مع التطور والاستنارة، ومعرفة هؤلاء الأوروبيين بالمسلمين والإسلام، نتيجةً للاحتكاك في القتال، والتجارة والانتقال، فكان لابد من أن يغير هؤلاء أساليبهم، حتى تنطليَ على عقول الأجيال الجديدة، وكان تغيير الأساليب يتلاءم، ويتواءم، مع درجة معرفة هؤلاء عن الإسلام والمسلمين.
يقول المستشرقين الانجليزي المعاصر "مونتجومري وات" وهو يتحدث عن (مآخذ أخلاقية مزعومة) ادعاها الغربيون في كتاباتهم عن النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: "ليس بين كبار رجال العلم رجل كثر شانئوه كمحمد (صلى الله عليه وسلم) ومن الصعب فهم السب الذي دعا إلى ذلك. فقد كان الإسلام خلال قرون عدة العدوَّ الأكبر للمسيحية، ولم تكن المسيحية في الحقيقة على اتصال مباشر بأية دولة أخرى منظمة توازي الإسلام في القوة، فلقد هوجمت الامبراطورية البيزنطية، بعد أن فقدت مقاطعاتها في سورية ومصر، وآسيا الصغرى، بينما كانت أوروبا الغربية مهددة في إسبانيا وصقلية.
وأخذت الدعاية الكبرى في عصر ازدهار الحضارة الإسلامية ـ حتى قبل أن توحِّد الحربُ الصليبية اهتمامَ المسيحيين حول طرد العرب من الأرض المقدسة ـ تعمل على إقرار فكرة "العدو الأكبر" في الأذهان، ولو كانت تلك الدعاية تلك خالية من كلِّ موضوعية.
وأصبح محمد "أمير الظلمات" حتى إذا ما حلَّ القرن الحادي عشر، كان للأفكار الخرافية المتعلقة بالإسلام والمسلمين، والقائمة في أذهان الصليبيين تأثير يؤسف عليه.
فقد أُنذر الصليبيون بأن ينظروا أسوأ الأمور من الأعداء، ولما وجدوا بين هؤلاء الأعداء كثيراً من المحاربين الفرسان، شعروا بالريبة من السلطات الدينية المسيحية.
ولهذا حاول بطرس الراهب أن يعالج هذا الوضع بإذاعة معلومات أصدق عن محمد والديانة التي يدعو إليها.
وقد حدث تطور كبير في هذا السبيل، ولا سيما في قرنين من الزمن، وإن ظل كثير من الأوهام عالقاً في الأذهان.
فها هو يكشف عن سر هذا (التطور) "وجدوا (أي الصليبيون) بين هؤلاء الأعداء (أي المسلمين) كثيراً من المحاربين الفرسان (أي النبلاء والأبطال) فشعروا بالريبة من السلطات الدينية المسيحية". هكذا اطَّلع مسيحيو أوروبا في أثناء الحرب الصليبية، على صورة للمسلمين، غير الصورة التي صورها لهم رهبانهم (المستشرقون) فحاول بطرس الراهب (من قواد الحروب الصليبية ومشعلي أوارها) أن يعالج هذا الوضع، (الشعور بالريبة من السلطات الدينية المسيحية) بإذاعة معلومات أصدق عن محمد (صلى الله عليه وسلم) والديانة التي يدعو إليها".
وبعد ذلك، ومع ذلك، نجد من (الأساتذة الكبار) من يبشر فينا بتطور الدراسات الاستشراقية، والتزامها بالمنهج، وأصول البحث، وتجردها ونزاهتها!!
الاستشراق في الميزان
المنهج عند المستشرقين
تُقدّر الأبحاث والكتب التي كتبها (المستشرقون عن الإسلام، في الفترة من مطلع القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين، بنحو ستين ألف كتاب!!.فَلِمَ كلُّ هذا الاهتمام؟؟.
إن الاستشراق يرمي من وراء ذلك إلى غايتين:
أولاهما: حماية الإنسان الغربي من أن يرى نور الإسلام، فيؤمن به، ويحمل رايته ويجاهد في سبيله، كما كان من المسيحيين في الشام، ومصر، والشمال الإفريقي، وإسبانيا، من قَبْلُ. حين دخل الإسلام هذه الأصقاع، فدخل أهلها في دين الله أفواجاً، وصاروا من دعاة هذا الدين الحنيف، وحماته والمنافحين عنه.
وثانيتهما: هي معرفة الشرق، ودراسته، أرضه، ومياهه، وطقسه، وجباله وأنهاره، وزروعه، وثماره، وأهله، ورجاله، وعلمه وعلمائه، ودينه، وعقائده، وعاداته، وتقاليده، ولغاته و... و... كل ذلك لكي يعرف كيف يصل إليه، فقد ظلت دار الإسلام مرهوبة مخوفة، لم تستطع الصليبية المقهورة أن تحاول ـ مجرد محاولة ـ اختراقها لعدة قرون، وكانت المناوشات، والاحتكاكات على الثغور والأطراف تُحْسَمُ دائماً لمصلحة الإسلام والمسلمين، ولما حاولت الصليبية بجحافلها الغاشمة اختراق ديار الإسلام في مطلع القرن السادس الهجري، رجعت بعد نحو قرنين (690-489هـ/679-478و. ر) من الزمان مقهورة مدحورة.
ولكنها ما فتئت تدبر وتقدر، وتحاول الإلتفات حول ديار الإسلام، لما استعصى عليها اختراقها، وكان الاستشراق هو رائدها الذي يرتاد لها الطريق.
[هكذا كان من عمل المستشرقين، ارتياد ديار الإسلام و(معرفتها)، و(التعريف بها) حتى يضمن للزحف الصليبي الجديد أن يسير على هدى وبصيرة].
وإذا كنا نقول هذا استنتاجاً صحيحاً، من قراءة الوقائع والأحداث، ومما تنطق به جولات الصراع الذي دار ـ ويدور ـ بين الصليبية، وديار الإسلام. إذ كنا نقول هذا استملاءً من لسان الحال، حال التاريخ القريب والبعيد، فقد صدقه المستشرقون أنفسهم، وقالوه بلسان المقال، فهذا هو المستشرق الأمريكي (روبرت بين) يقول في مقدمة كتابه (السيف المقدس): إن لدينا أسباباً قوية لدراسة العرب، والتعرف إلى طريقتهم، فقد غَزَوا الدنيا كلَّها من قبلُ، وقد يفعلونها مرة ثانية، إن النار التي أشعلها محمد لا تزال تشتعل بقوة، وهناك ألف سبب للاعتقاد بأنها شعلة غير قابلة للانطفاء".
وبهذه الصراحة أو أشد منها ـ إذا كان هناك أشد منها ـ يأتي قول الأمير (كايتاني) ذلك الأمير الإيطالي الذي "جهز على نفقته الخاصة ثلاث قوافل، لترتاد مناطق الفتح الإسلامي، وترسمها جغرافيا وطبوغرافيا، وجمع كل الدوريات والأخبار الواردة عن حركة الفتح في اللغات القديمة... واستخلص تاريخ الفتح في تسعة مجلدات ضخمة بعنوان: (حوليات الإسلام) بلغ بها سنة أربعين هجرية... قال هذا الأمير الذي استهلك كل ثروته الطائلة في هذه الأبحاث، حتى أفلس تماماً، قال في مقدمة كتابه (حوليات الإسلام) هذه: إنه إنما يريد بهذا العمل أن يفهم سر المصيبة الإسلامية التي انتزعت من الدين المسيحي ملايين من الأتباع في شتى أنحاء الأرض، ما يزالون حتى اليوم يؤمنون برسالة محمد، ويدينون به نبيّاً ورسولاً".
ويكتب المستشرق الألماني (باول شمتز) كتاباً يتناول فيه عناصر القوة الكامنة في العالم الإسلامي، والإسلام، فيسمى هذا الكتاب: (الإسلام قوة الغد العالمية) فلماذا كتب هذا الكتاب، وقام بهذه الدراسة؟، إنه لا يتورع أن يعلن صراحة وبدون مواربة عن هدفه، الذي هو تبصير أوروبا الغافلة عن هذه القوة التي هي "صوت نذير لأوروبا، وهتاف يجوب آفاقها، يدعو إلى التجمع والتساند الأوروبي لمواجهة هذا العملاق، الذي بدأ يصحو، وينفض النوم عن عينيه، فهل يسمع أحد؟... هل من مجيب؟" بهذه العبارة التي ختمها بذاك النداء الصارخ، ينهي (شمتز) كتابه، والكتاب كلُّه يحكمه هذا الروح.
ولذلك حق للناشر الألماني أن يقول عن هذا الكتاب: "إنه يوضح الخطر المتوهج الذي يمر عليه الإنسان في أوروبا بكلِّ بساطة، وفي غير اكتراث فأصحاب الإيمان بالإسلام يقفون اليوم (1936 م قبيل الحرب العالمية الثانية) في جبهة موحدة معادية للغرب، ... وهذا الكتاب، هو نداء وتحذير يجب أن يلقي الاحترام الجدِّيَّ من أجل مصالح الغرب وحدها".
ويكرر هذا المعنى نفسه (ألبير شاميدور) في كتابه: (حمراء غرناطة) فيقول بعد أن تحدث عن عظمة الآثار الإسلامية في غرناطة: "... إن هذا العربي الذكي الشجاع الذي استطاع أن يجمع علم العالم في مئة عام، كما استطاع أن يفتح نصف العالم أيضاً في مئة عام، قد ترك لنا في (حمراء غرناطة) آثار علمه وفنه.
إن هذا العربي الذي نام نوماً عميقاً مئات السنين، قد استقيظ وأخذ ينادي العالم: ها أنذا أعود إلى الحياة.. فمن يدري قد يعود اليوم الذي تصبح فيه بلاد الفرنج مهددة بالعرب، فيهبطون من السماء لغزو العالم مرة ثانية".
ثم يقول: "لست أدعي النبوة، لكن الأمارات الدالة على هذه الاحتمالات كثيرة، لا تقوى الذرة ولا الصواريخ على وقف تيارها".
ثم ينادي صارخاً، "أبيدوا أشباح العرب في (الحمراء)... أبيدوها قبل أن تبعث!! ثم يبالغ في الإنذار والتخويف، فيقول: "هيهات أن نستطيع إلى ذلك سبيلاً"!!
هكذا وبكلِّ وضوح يكشف القومُ عن أهدافهم، ولكن جماعة منا ـ عفا الله عنهم ـ مازالوا حتى يومنا هذا، بل لحظتنا هذه، يصفون هذه الأعمال بأنها (علمية) (أكاديمية) (فكرية)... الخ ويذبحون في الثناء عليها المقالات والكتب ويلقِّنون أجيالنا الناشئة ذلك.
ولعل ما يفصل بيننا وبين قومنا في هذه القضية هو قول (روجيه جارودي) ذلك الفيلسوف، الذي كان زعيم المذهب الوجودي ومفسر طلاسم سارتر ضمير العصر ـ على حدِّ قول (فلاسفتنا) (العظام ـ والذي كان مرشحاً لزعامة الحزب الشيوعي قال: "لم يكن الاستشراق حركة نزيهة منذ البداية، إذ كان الهدف منه تنفيذ مشروع يرمي إلى إدخال المسلمين في النصرانية".
حول تطوّر الدراسات الاستشراقية
بعض بني جلدتنا حينما نضع أمامهم هذه النصوص الناطقة بأهداف المستشرقين الشاهدة على بعدهم عن العلم والبحث، ومجافاتهم روح (الأكاديمية) والمنهج ـ يقول بعضنا هذا: "ما لكم تتشبثون بهذه العبارات، وتقفون عند هذه الأخبار ولا تتجاوزونها؟؟ إن ذلك كان في القرن التاسع عشر، وقبل القرن التاسع عشر، كان في أيام الاستعمار وطغيان الاستعمار، كان في أيام الصراع المحتدم بين الشرق والغرب، أما منذ القرن العشرين، فقد تطورت الدراسات الاستشراقية، وصارت (علمية) (منهجية) تبحث عن العلم المجرد، لذات العلم، والمعرفة، وانتهى عهد التهجم على الإسلام: نبيّه، وقرآنه، ورجاله، عقائده، وحضارته، لقد صارت الدراسات الاستشراقية آية في النزاهة، وقدوة في الالتزام بالمنهج العلمي، والإخلاص للبحث والتجرد للحقيقة!!!.. كذا يقولون!!
وقد يكون هذا الكلام صحيحاً في بعضه، أعني أن أبحاث الاستشراق خلت من السبِّ والشتم، والتقبيح، والتشنيع على الإسلام، وأهله، فذلك صحيح في جملته، ولكن ذلك لم يكن بسبب التزام الاستشراق بالمنهج العلمي وقواعد البحث الأكاديمي، ولكن لسبب آخر، سنعرض له فيما بعد، أما المنهج العلمي الصحيح، والتجرد للبحث وخدمة الحقيقة فما زال ـ وسيظل ـ الاستشراق بعيداً عنها، لأسباب كثيرة بعضها راجع لطبيعة الاستشراق، وهدفه، ونشأته، وبعضُها راجعٌ لعجزِ طبعي فطري، في هؤلاء الأعاجم، يحول بينهم وبين امتلاك وسائل البحث في العلوم الإسلامية، وأدواته.
ونستطيع ببساطة ويسر، أن نُحيل هؤلاء، إلى ما عرضناه من شهادات المستشرقين وأقوالهم بألسنتهم، وهم من المعاصرين، في قرننا العشرين هذا، بل منهم من عاش إلى قريب من أيامنا هذه.
وإن لم يكف ما تقدم، فنضع أمام أعينهم، ما كتبه الدكتور (جلوور) في كتابه: تقدم التبشير العالمي، الذي نشره سنة 1960م قال: "إن سيف محمد والقرآن أشد عدو، وأكبر معاند للحضارة والحرية والحق، ومن أخطر العوامل الهدامة التي اطلع عليها العالم إلى الآن"، وقال أيضاً: "القرآن خليط عجيب من الحقائق والخرافات، ومن الشرائع والأساطير، كما هو مزيج غريب للأغلاظ التاريخية، والأوهام الفاسدة، وفوق ذلك هو غامض جدّاً، لا يمكن أن يفهمه أحد إلا بتفسير خاص له".
ثم ينتقد شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم قائلاً: "... كان محمد (صلى الله عليه وسلم)، حاكماً مطلقاً، وكان يعتقد أن من حق الملك على الشعب، أن يتبع هواه ويعمل ما يشاء، وكان مجبولاً على هذه الفكرة، فقد كان عازماً على أن يقطع عنق كلِّ من لا يوافقه في هواه، أما جيشه العربي، فكان يتعطش للتهديد والتغلب، وقد أرشدهم رسولهم أن يقتلوا كلَّ من يرفض أتِّباعَهم، ويبعد عن طريقهم".
ولعل تعبير المستشرق (ليوبولدفايس) الذي أسلم وتسمى باسم (محمد أسد) عن أزمة الأوروبي تجاه الإسلام، وأزمة المستشرق بصفة خاصة ـ هو أوضح تعبير، وأصدقه حيث جاء من واقع الخبرة، والممارسة العريضة العميقة لكتابات المستشرقين، قال: "... لا تجد موقف الأوروبي تجاه الإسلام، موقف كره في غير مبالاة فحسب، كما هي الحال في موقفه من سائر الأديان والثقافات، بل هو كره عميق الجذور، يقوم في الأكثر على صدور من التعصب الشديد، وهذا الكره ليس عقلياً فحسب، ولكنه يصطبغ أيضاً بصبغة عاطفية قوية... إن الأوروبي لا يحتفظ تجاه الإسلام بموقف عقلي متزن، مبني على التفكير، بل حالماً يتجه إلى الإسلام يختل التوازن، ويأخذ الميل العاطفي بالتسرب، حتى إن أبرز المستشرقين جعلوا من أنفسهم فريسة التحزب، غير العلمي في كتاباتهم عن الإسلام.
ويظهر في جميع بحوثهم على الأكثر كما لو أن الإسلام، لا يمكن أن يعالج على أنه موضوع بحت في البحث العلمي، بل على أنه متهم يقف أمام قضاته، إن بعض المستشرقين يمثلون دور المدعي العام، الذي يحاول إثبات الجريمة، وبعضهم يقوم مقام المحامي في الدفاع، فهو مع اقتناعه شخصيّاً بإجرام موكله، لا يستطيع أكثر من أن يطلب له مع شيء، من الفتور، اعتبارَ الأسباب المخففة.
ثم يقول بعد مبيِّناً أن الإسلام وحده، دون الثقافات الأجنبية المختلفة، وقفت منه الدراسات الغربية هذا الموقف: "... أما فيما يتعلق بالإسلام، فإن الاحتقار التقليدي أخذ يتسلل في شكل تحزب غير معقول إلى بحوثهم العلمية. وبقي هذا الخليج الذي حفره التاريخ بين أوروبة والعالم الإسلامي، غير معقود فوقه بجسر، ثم أصبح احتقار الإسلام جزءاً أساسيّاً من التفكير الأوروبي".
والواقع أن المستشرقين في الأعصر الحديثة كانوا مبشرين نصارى يعملون في البلاد الإسلامية، وكانت الصورة المشوَّهة التي اصطنعوها عن تعاليم الإسلام وتاريخه، مدَّبرةً على أساس يضمن التأثير في موقف الأوروبيين من (الوثنيين) غير أن هذا الالتواء العقلي، قد استمر مع أن علوم الاستشراق قد تحررت من نفوذ التبشير، ولم يبق لعلوم الاستشراق هذا عذر من حمية دينية جاهلية تسيء توجيهها. أما تحامل المستشرقين على الإسلام، فغريزة موروثة وخاصة طبيعية، تقوم على المؤثرات التي خلفتها الحروب الصليبية، بكلِّ ما لها من ذيول في عقول الأوروبيين الأولين".
هكذا أصبح تحامل المستشرقين على الإسلام غريزة موروثة، وخاصة طبيعية، تزول المؤثرات، والدوافع، والأسباب، ولا تزول هذه الغريزة، فكيف يقال: إن الدراسات الاستشراقية قد تطورت؟؟
لمن يكتب المستشرقون؟
لم نكن بحاجة إلى هذا العناء، وتناول هذا الموضوع ـ موضوع المستشرقين وأعمال المستشرقين ـ أصلاً، لو أن بني قومنا عرفوا لمن يكتب المستشرقون، لو أن المثقف المسلم، وصاحب القلم المسلم، ورجل الفكر المسلم، عرفوا لمن يكتب المستشرقون، لو وقفوا من هذه الأعمال الاستشراقية الموقف الصحيح، فتركوها لمن كتبت له.
لم يكن المستشرقون ـ في تقديري ـ يتوجهون بهذه الأعمال، وبهذه البحوث كلِّها إلا إلى المثقف الغربي، يخافون عليه، ويحصنونه، من أن يقع في إسار الإسلام، ديناً وفكراً وحضارة، كان الاستشراق ـ بهذه الأعمال ـ يريد أن يضرب ستاراكثيفا، من التشويش، والتشويه، بين المثقف الأوروبي وبين الإسلام.
ومن هنا نجدهم في كتاباتهم الأولى، يكتفون بالسب والشتم، في الإسلام وفي رسول الإسلام ـ صلى الله عليه وسلم، وتنزه عما قالوا ـ واختلاق الأكاذيب عن المسلمين، ونظام حياتهم ومجتمعاتهم، ثم تطورت هذه الدراسات رويداً رويداً، فبعد أن كانت في أول فجة ساذجة، صارت تتجه إلى الترتيب والتنسيق والاستدلال، وأخذت في التعمق، وارتداء ثوب البحث، وطيلسان الأكاديمية، ولكنها ظلت، وفية لهدفها الأول، لم تنسه ولم تتخلَّ عنه، وهو تحصين الإنسان الأوروبي، ضد الإسلام.
ويظن بعضٌ من أبناء أمتي حين يرون هذا التغيّر، أن هذا تطور في الدراسات الاستشراقية، وتغيير للأهداف، وتنازل عن الأحقاد، وأن القوم ثابوا إلى الإنصاف، فكفوا عن السب، والشتم، والتقبيح، ومالوا إلى العلمية، والتزموا بالموضوعية.
ولكن الواقع أنه ليس في الأمر، موضوعية، ولا منهجية، ولا اعتدال، ولا استقامة وإنما كان هذا التغير، أو التطور في الأساليب فقط، وكان تغيير الأساليب ضرورة أملتها الظروف وواقع الحال، كان لابد من تغيير الأساليب لتتلاءم وتتواءم مع المواطن الأوروبي المسيحي نفسه ـ المخاطب أصلاً بالدراسات الاستشراقية ـ فحيثما كان العصر عصر أمنيّة وجهالة، وهمجية، كان يكفيهم أن يكتبوا لهم سبّاً وشتمّاً، في الإسلام ورسول صلى الله عليه وسلم، وفي المسلمين، حتى يقبِّحوه ويشوِّهوه، في أعينهم، وينفروهم منه. أما مع التطور والاستنارة، ومعرفة هؤلاء الأوروبيين بالمسلمين والإسلام، نتيجةً للاحتكاك في القتال، والتجارة والانتقال، فكان لابد من أن يغير هؤلاء أساليبهم، حتى تنطليَ على عقول الأجيال الجديدة، وكان تغيير الأساليب يتلاءم، ويتواءم، مع درجة معرفة هؤلاء عن الإسلام والمسلمين.
يقول المستشرقين الانجليزي المعاصر "مونتجومري وات" وهو يتحدث عن (مآخذ أخلاقية مزعومة) ادعاها الغربيون في كتاباتهم عن النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: "ليس بين كبار رجال العلم رجل كثر شانئوه كمحمد (صلى الله عليه وسلم) ومن الصعب فهم السب الذي دعا إلى ذلك. فقد كان الإسلام خلال قرون عدة العدوَّ الأكبر للمسيحية، ولم تكن المسيحية في الحقيقة على اتصال مباشر بأية دولة أخرى منظمة توازي الإسلام في القوة، فلقد هوجمت الامبراطورية البيزنطية، بعد أن فقدت مقاطعاتها في سورية ومصر، وآسيا الصغرى، بينما كانت أوروبا الغربية مهددة في إسبانيا وصقلية.
وأخذت الدعاية الكبرى في عصر ازدهار الحضارة الإسلامية ـ حتى قبل أن توحِّد الحربُ الصليبية اهتمامَ المسيحيين حول طرد العرب من الأرض المقدسة ـ تعمل على إقرار فكرة "العدو الأكبر" في الأذهان، ولو كانت تلك الدعاية تلك خالية من كلِّ موضوعية.
وأصبح محمد "أمير الظلمات" حتى إذا ما حلَّ القرن الحادي عشر، كان للأفكار الخرافية المتعلقة بالإسلام والمسلمين، والقائمة في أذهان الصليبيين تأثير يؤسف عليه.
فقد أُنذر الصليبيون بأن ينظروا أسوأ الأمور من الأعداء، ولما وجدوا بين هؤلاء الأعداء كثيراً من المحاربين الفرسان، شعروا بالريبة من السلطات الدينية المسيحية.
ولهذا حاول بطرس الراهب أن يعالج هذا الوضع بإذاعة معلومات أصدق عن محمد والديانة التي يدعو إليها.
وقد حدث تطور كبير في هذا السبيل، ولا سيما في قرنين من الزمن، وإن ظل كثير من الأوهام عالقاً في الأذهان.
فها هو يكشف عن سر هذا (التطور) "وجدوا (أي الصليبيون) بين هؤلاء الأعداء (أي المسلمين) كثيراً من المحاربين الفرسان (أي النبلاء والأبطال) فشعروا بالريبة من السلطات الدينية المسيحية". هكذا اطَّلع مسيحيو أوروبا في أثناء الحرب الصليبية، على صورة للمسلمين، غير الصورة التي صورها لهم رهبانهم (المستشرقون) فحاول بطرس الراهب (من قواد الحروب الصليبية ومشعلي أوارها) أن يعالج هذا الوضع، (الشعور بالريبة من السلطات الدينية المسيحية) بإذاعة معلومات أصدق عن محمد (صلى الله عليه وسلم) والديانة التي يدعو إليها".
وبعد ذلك، ومع ذلك، نجد من (الأساتذة الكبار) من يبشر فينا بتطور الدراسات الاستشراقية، والتزامها بالمنهج، وأصول البحث، وتجردها ونزاهتها!!
تعليق