الرائية الصغرى للعلامة الشيخ يوسف النبهاني
الحمد لله معز الحق وناصره ومذل الباطل وقاصره , والصلاة على من جاء بأمته من الظلمات إلى النور، وأفاء عليهم الظل بعد الحرور , وبعد :
فهذه قصيدة رائية لشاعر كأنما جمع الكلام حوله حتى انتقى منه وانتخب، وتناول منه ما طلب، وترك بعد ذلك أذناباً لا رؤوساً، وأجساداً لا نفوساً , لسانه يغيض البحور ويفلق الصخور ....
كتب الشيخ النبهاني قصيدته هذه مندفعاً منبعثاً لنداء عقيدته ودينه , غيرة للحق ونصحاً للخلق , فكان كلامه السحر الحلال , والماء الزلال , وفي القوة الشلال , النازل من مكان عال ..
وتكمن أهمية هذه القصيدة لكونها ليست قصيدة بليغة فحسب , بل هي قطعة تأريخية تكشف بعضاً من الحقائق الغائبة عن الكثير , وتظهر ما لم يكن في الضمير , وتدون كثيراً من الأحداث المهمة , وتصور تلك الفترة المدلهمة , كتبها شاهد عيان ليميز خبيث القول من طيبه , وبِكره من ثيبه , سطرَتها يداه بعدما شاهدت أحداثها مقلتاه , وبعدما عاين الشيخ شدّة متعبة , وعانى أموراً مستصعبة ...
يستهل الشيخ قصيدته بحمد الله وشكره , والصلاة على أشرف خلقه ورسله :
هوَ اللَّه لا نُحصي لآلائهِ شكرا = لهُ الحمدُ في الأولى له الحمدُ في الأخرى
وَكيفَ نؤدّيهِ بشكر حقوقهِ = وَنعمتهُ بالشكرِ تَستوجبُ الشُكرا
وَأشهدُ أَن اللَّه لا ربّ غيره = وَأنّ لهُ في خلقهِ النفعَ والضرّا
لهُ كلُّ ما قَد كان أو هو كائنٌ = وَما لِسواه في الورى ذرّةٌ صغرى
وَمَهما يَكُن منهم ومهما يكُن لهم = فَإنّ لهُ في ذلكَ الخلق والأمرا
غَنيٌّ على الإطلاقِ عن كلّ كائنٍ = وَكلٌّ له بالفقرِ قد أحرزَ الفخرا
همُ الكلُّ مَقهورون تحتَ قضائهِ = وَلن يَقدروا أَن يَدفعوا عنهمُ القهرا
وَكلُّ فِعال الفاعلينَ فعالهُ = إِذا فَعلوا خيراً وإن فَعلوا شرّا
وَليسَ لَهُم مِنهم سوى كسبِ فعلهم= فَنالوا بهِ إِثماً ونالوا به أجرا
لإحسانهِ كلُّ الورى كلّ لمحةٍ = مَحاويجُ لولا لطفهُ اِنعدموا فورا
وَهُم درجاتٌ يَجتبي من يشاءهُ = فَيمنحهُ قُرباً ويمنحه برّا
وَيختصُّ مَن يختارهُ بِشفاعةٍ = إِذا شاءَ في الدُنيا وإن شاء في الأخرى
وَمَن يحجر الوهّاب عن فيض فضلهِ = فلا رحمَ الرحمنُ من يزعمُ الحجرا
وَأشهدُ أنّ المُصطفى خير رسلهِ = وَأعظمُهم فَضلاً وأرفَعهم قدرا
محمّدٌ المُختارُ مِن معدنِ الوَرى = كَما اِختارَ مِن بينِ الحَصا الحاذق الدرّا
عَليهِ صلاةُ اللَّه مقدار فضلهِ = صَلاةً تفوقُ العدّ والحدَّ والحَصرا
وَكيفَ نؤدّيهِ بشكر حقوقهِ = وَنعمتهُ بالشكرِ تَستوجبُ الشُكرا
وَأشهدُ أَن اللَّه لا ربّ غيره = وَأنّ لهُ في خلقهِ النفعَ والضرّا
لهُ كلُّ ما قَد كان أو هو كائنٌ = وَما لِسواه في الورى ذرّةٌ صغرى
وَمَهما يَكُن منهم ومهما يكُن لهم = فَإنّ لهُ في ذلكَ الخلق والأمرا
غَنيٌّ على الإطلاقِ عن كلّ كائنٍ = وَكلٌّ له بالفقرِ قد أحرزَ الفخرا
همُ الكلُّ مَقهورون تحتَ قضائهِ = وَلن يَقدروا أَن يَدفعوا عنهمُ القهرا
وَكلُّ فِعال الفاعلينَ فعالهُ = إِذا فَعلوا خيراً وإن فَعلوا شرّا
وَليسَ لَهُم مِنهم سوى كسبِ فعلهم= فَنالوا بهِ إِثماً ونالوا به أجرا
لإحسانهِ كلُّ الورى كلّ لمحةٍ = مَحاويجُ لولا لطفهُ اِنعدموا فورا
وَهُم درجاتٌ يَجتبي من يشاءهُ = فَيمنحهُ قُرباً ويمنحه برّا
وَيختصُّ مَن يختارهُ بِشفاعةٍ = إِذا شاءَ في الدُنيا وإن شاء في الأخرى
وَمَن يحجر الوهّاب عن فيض فضلهِ = فلا رحمَ الرحمنُ من يزعمُ الحجرا
وَأشهدُ أنّ المُصطفى خير رسلهِ = وَأعظمُهم فَضلاً وأرفَعهم قدرا
محمّدٌ المُختارُ مِن معدنِ الوَرى = كَما اِختارَ مِن بينِ الحَصا الحاذق الدرّا
عَليهِ صلاةُ اللَّه مقدار فضلهِ = صَلاةً تفوقُ العدّ والحدَّ والحَصرا
وبعد ذلك أعلنها حرباً على أعداء الله ورسوله , فحشد وحشر , وضم ونشر , ثم بيّن فضل سيد العالمين على أمته , وبجل أئمة الإسلام وذكر مننهم التي تضعف لحملها عواتق الأطواد، ويتضاعف حملها على السبع الشداد , فيقول :
وَبعدُ فإنّي سقتُ نحوَ عداتهِ = عَساكرَ تُرديهم وإن حُسبَت شِعرا
بِإمدادهِ أقسامها خمسةً أتت = مُنظّمةً قد أحرَزَت كلُّها النَصرا
أَتى المُصطفى والناسُ في ليلِ غيّهم = فَأشرقَ في أُفقِ الهُدى بينَهم بَدرا
أَتانا بدينٍ فاقَ حُكماً وحِكمةً = وقَد قهَرَ الأديانَ بُرهانُهُ قَهرا
أَتى بكتابِ اللَّه للناسِ مُعجزاً = وَضمّنَ كلّ العلمِ منه لنا سِفرا
وَكلُّ علومِ الخلقِ مِن كلّ عالمٍ = تُرى قطرةً إِن قابلت ذلك البحرا
وَقَد فضَلَ القرآنُ كلَّ مقالةٍ = كَما فضَل المَولى خلائقَهُ طرّا
وَلَو قَصَدت كلُّ الخلائقِ فَهمهُ = لَما فَهِموا مِن عُشرِ أَسرارهِ العُشرا
بِقدرِ التُقى للَّه يفهم سرّهُ = وَما بِسوى تَقواهُ يُفهمُهم سرّا
وَسنَّتهُ تِربٌ له وهيَ شرحهُ = وَمَن جاءَ بِالقرآنِ فهوَ به أدرى
وَما نطقَ المُختارُ قطُّ عَنِ الهوى = وَما بِسوى وَحيٍ لهُ أعملَ الفِكرا
هُما نيّرا أفقِ الهُدى كلُّ مُهتدٍ = يَرى مِنهُما الشمسَ المُنيرةَ والبدرا
وَما كلُّ مَعنىً مِنهُما مُتعسّرٌ = لكلِّ اِمرئٍ لكن مع عُسرهِ يُسر
فَما كانَ مَعلوماً منَ الدينِ ظاهراً = فَهِمناهُ لا نحتاجُ تقليدَنا حبرا
وَما اِحتيجَ منهُ لاِجتهادٍ فإنّنا = بِأحكامهِ نَقفو أئمّتنا الغرّا
مُحمّدٌ النعمانُ أحمدُ مالكٌ = بُحورُ علومٍ كَم لنا قذفت درّا
نُجومُ هدىً شمسُ النبيِّ تُمدّهم = بِأنوارِهم للناسِ ثغرُ الهدى اِفترّا
لِطاعةِ مَولاهُم وَتقواهُ لازموا = وَصاموا وَقاموا داوَموا الفكر والذِكرا
فَعلَّمَهم أَحكامهُ من كتابهِ = وَأَفهَمهم مِن سنّةِ المُصطَفى السرّا
وَأَشهَدهم ما لَم يرِد فيهما مَعاً = بِنورِهما قاسوا عَلى قدرهِ قدرا
فَأَقوالُهم منهُ وليسَ لَهُم سوى = مَظاهرِهم أَجرى بها اللَّه ما أجرى
وَكلُّ خِلافٍ جاء عنهم فإنّه = لَنا رَحمةٌ مع أنّه قَد أتى نزرا
فَبَعضٌ أَتانا القولُ عنه مُخفّفاً = وَبَعضٌ بقصدِ الأجرِ قد شدّد الأمرا
فَكلٌّ على حقٍّ ومَن قال بعضهم = عَلى خطأٍ قَد قال إنّ لهُ أجرا
فَما اِختَلفوا في الدينِ إلّا لحكمةٍ = وَما اِبتدَعوا في الدينِ نَهياً ولا أمرا
أُولئكَ أهل الذكرِ كانوا حياتَهم = وَمِن بَعدِهم أَبقى لهم ربُّهم ذِكرا
وَما القصدُ إلّا عِلمهم وهو حاصلٌ = إِذا خاطَبونا أَو قَرَأنا لهُم سفرا
بِهِم أُمّةُ المُختارِ في دينها اِقتَدت = مَذاهِبُهُم لِلحشرِ لا تفقدُ النَشرا
رَواها بِحُسنِ الضبطِ عَنهم أئمّةٌ = وَقَد ملؤوا الأقطارَ مِن نشرِها عطرا
وَما هيَ إلّا مِن شريعةِ أحمدٍ = جَداولُ تَجري كلُّ قومٍ لهم مجرى
وَقَد أشبهَ الإسلامُ بيتاً مُربّعاً = عَليها اِستَوى قَصراً وقامَ بها حصرا
مَذاهِبُهم مثلُ المَرايا صَقيلةٌ = بِها اِرتَسم القُرآنُ والسنّةُ الغرّا
فَأقوالُهم آياتهُ وَحديثها = بِمَعناهُما لكن عباراتُهم أخرى
قَدِ اِقتَبسوا مِن نورِ أحمد نورهم = فَبانَ لهُم ما في شَريعتهِ أجرى
وَمِن بَعدهم جاؤوا بمِقدارِ بُعدهم = عنِ المُصطفى صارَ الظلام لهم سِترا
بِنسبةِ بُعدِ الشمسِ يحصلُ نورها = لِقومٍ غَدا قلّاً لقومٍ غَدا كُثرا
وَكُلُّ إمامٍ جاءَ عنهم وصيّةٌ = لأصحابهِ ما بَينهم لَم تَزل تُقرا
إِذا صحّ قولُ المصطفى فهو مذهبي = وَما قلتهُ مِن قبلُ فاِرموا بهِ الجُدرا
وَما زالتِ الحفّاظُ من كلِّ مذهبٍ = تُحرّرهُ حتّى غَدا ذَهباً نضرا
شَريعةُ خيرِ الخلقِ شمسٌ منيرةٌ = وَأنوارُها قَد عمّتِ البرَّ وَالبحرا
أَضاءَت بها الأكوانُ بعدَ ظَلامِها = وكَم ذا أمدّت مِن أئمّتنا بدرا
لَقَد أَشرَقَت فيهم وفي كلِّ مؤمنٍ = وَأَعطَت لكلٍّ مِن أشعّتها قدرا
وَلكن بِقدرِ القابليّة نورُها = يَكونُ قَليلاً بالمقابلِ أو نزرا
وَهل يَستوي أَن قابلت بشُعاعها = جَواهِرَهم أو أنّها قابلَت صخرا
وَأجهلُ خلقِ اللَّه من قال إنّها = بإِشراقها ساوَت معَ الحجرِ الدرّا
وَكَم مِن إمامٍ جاءَ في كلِّ مذهب = كبيرٍ بهِ قَد أحرزَ المذهبَ الفخرا
وَما مِنهمُ فردٌ بِدعوى اِجتهادهِ = سَمِعنا لهُ في غير مذهبهِ مَسرى
بَلى مِن طريقٍ للولايةِ واضحٍ = يَجوزُ بقاءُ الإجتهاد ولا حجرا
وَأَمّا طريقُ الدرسِ بالنفسِ والهوى = فَكَم أوصَلَت للسالكينَ بها شَرّا
قَدِ اِجتَهدوا فيها بحُكم نُفوسهم = فَنالوا بِها مِنها الكبائرَ والكِبرا
نَعَم كلُّ قَرنٍ يبعثُ اللَّه فيه من = يُجدّدُ أمرَ الدينِ ينصرهُ نَصرا
وَذلكَ إمّا واحدٌ أو جَماعةٌ = بِكثرةِ عِلمٍ أو بِمَنقبةٍ أخرى
عَلى الكلِّ مِن مولاهُ هتّانُ رحمةٍ = تُمازجُ منهُ الروحَ والجسمَ وَالقبرا
ثم شن حربه على دعاة التنوير والتحلل من مذاهب الأئمة قائلا :
وَكَم مِن قُرونٍ قَد تَوالت ولَم يُجِل = بِدَعوى اِجتهادٍ مُطلق عالمٌ فِكرا
فَكيفَ اِدّعاهُ الجاهلونَ بِعَصرنا = فَما أَقبحَ الدَعوى وَما أَفظعَ الأمرا
فَكيفَ اِدّعاهُ الجاهلونَ بِعَصرنا = فَما أَقبحَ الدَعوى وَما أَفظعَ الأمرا
وبدأ بشيخهم ورئيسهم جمال الأفغاني , الذي هاج تلك الفتن وأباحها، وأثار تلك الإحن وصار لقاحها:
وَأوّلُهم قَد كانَ شَيخاً مُشرّداً = بهِ مَلكُ الأفغانِ أَجرى الّذي أجرى
أَراد فَساداً في ديانةِ قومهِ = عَلى قربهِ منهُ فَأبعدهُ قهرا
تَسمّى جَمالَ الدينِ مع قبحِ فعلهِ = كَما وَضعوا لفظَ المفازَةِ للصَحرا
يَقولونَ هذا المُصلحُ الأكبرُ الّذي = بهِ صارَ حُكمُ الدينِ في عَصرِنا يُسرا
مَذاهبُ أهلِ العلمِ ممّن تَقدّموا = تُوافقُ أَحوالَ الزَمانِ الّذي مرّا
وَأَبدعَ هَذا الشيخُ لِلناسِ مَذهباً = يُوافقُ في تَيسيرِ أَحكامهِ العَصرا
غَدا كلُّ عَبدٍ فيه صاحبَ مَذهبٍ = بهِ صارَ في الأحكامِ مُجتهداً حرّا
فَقد كانَ تنّوراً لطوفانِ غيّهم = وَلكن محلَّ الماءِ فارَ لَهُم جَمرا
أَتى مصرَ مَطروداً فعاثَ بقُطرها = فَيا قبحهُ شَيخاً ويا حُسنهُ قطرا
وذكر حادثة حصلت في الأزهر الشريف , إذ جاء الأفغاني إلى درس الإمام الأكبر الشربيني , وألقى عليه بعض الأسئلة , ففاض بحر الإمام , حتى أغرق الأفغاني , وشم الإمام من هذا الرجل العقيدة المدخولة والطوية المعلولة , فيقول الشيخ :
بِتاريخِ ستٍّ والثمانين قَد تَلت = مَع المائتينِ الألفَ في الهجرة الغرّا
حَضرتُ بفقهِ الشافعيّ خطيبهُ = عَلى شيخِ شربينٍ فألفيتهُ بَحرا
وَجاءَ جَمالُ الدين يَوماً لدرسهِ = فَألقى عَلى الأستاذِ أسئِلةً تَترى
فَفاضَت عَليهِ مِن مَعارفِ شَيخنا = سُيولٌ أَرتهُ علمهُ عندهُ قَطرا
وَإِذ شمَّ منهُ الشيخُ ريح ضلالهِ = وَإِلحادهِ أَولاهُ مَع طردهِ زَجرا
وَذاكرتهُ يَوماً فأخبرَ أنّه = كَأُستاذِنا لَم يُلفِ في مصرهِ حبرا
يتبع..
تعليق