سؤال إلى شيخي سعيد فودة-حفظه الله-

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • يونس حديبي العامري
    طالب علم
    • May 2006
    • 1049

    #1

    سؤال إلى شيخي سعيد فودة-حفظه الله-

    سؤال إلى شيخي سعيد فودة-حفظه الله-


    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ابنك الحبيب يونس العامري: أود أن اطرح عليك جملة من الأسئلة التي أريد منك ان تجيبني عليها ببعض التوسع نظرا لي قصور المناهج الدراسية في مادة الفلسفة عندنا فهي لا تلبي حاجتي لذا أرجو منك أن تتكرم علي بالجواب وأجركم على الله وإن كنا قد طالعنا لمجموعة كبيرة من كتبكم وفيها ما يكفي لكن هنالك بعض المفاهيم التي لم تتضح لي بعد

    1- درس في الشعور واللاشعور: س من المقرر علينا دراسة لفرضية الفيلسوف المشهور ديكارت صاحب المقولة أنا أفكر إذا أنا موجود ولقد طالعت ما كتبته في تدعيم المنطق في نقض هذه الفرضية -في نفيه للاشعور وإرجاع اللاشعور إلى الحياة الفيزولوجيا فهو يعتبر الحياة كلها شعورية إلا ماستثناه ومما درسناه نقض هذه النظرية للطبيب النفسي فرويد وبالغ في نفيه للشعور حيث أرجع اعتبر الإبداع ما هو إلا تعبير لا شعوري وقسم نظريته إلى الأنا العلى والهو والأنا وجعل لكل مصطلح وتعريف ؟؟فهل نعتبر أن ديكارت حقا بالغ في نفيه للاشعور أم أن فرويد قد ألزم نفسه حينما يعالج مرضاه فهو في الواقع يقول بأنه يرجعهم من اللاشعور إلى الشعور فهل هذا اعتراف من فرويد بالشعور وتناقض منه.
    2- العادة: يقال في فرضية خير عادة ان لا نتعلم أي عادة ممادى صحت ذلك؟؟
    3- ما هي المعايير لقياس الأخلاق
    4- الحسن والتقبيح مسألة من المسائل التي أخطأ المعتزلة في التعبير عنها ولقد طالعت ما كتبته في شرحك لعقيدة ابن الحاجب والسنوسي وبعض تلخيصاتك لبعض الكتب في هذه المسألة وإن كان ما ذكرته كافيا وشافيا لكن أريد منك أن توضح لي الركيزة أو القاعدة التي اعتمد عليها المعتزلة في التعبير عن قولهم في هذه المسألة وخطأهم في ذلك.
    5- الفكر واللغة أيهما أسبق الفكر أم اللغة ؟؟
    ''يجب ان يتصور المعنى قبل وضع اللفظ ليدل عليه'' قولكم في تدعيم المنطق ص75 فهذا كلام صريح في أسبقية الفكر للغة ولكن نقلكم عن مغني الطالب "إن الحد بالكتابة والإشارة داخلان في تعريف الحد لأن الكتابة دالة على الألفاظ والألفاظ على المعاني المعقولة فيكون الحد بالكتابة قولا معقولا وكذا الإشارة دالة على معاني معقولة فتكون قولا معقولا" فمن الأسبق وهل اللغة تقف عند حد معين أي تخرص الألفاظ عند الحالات الوجودية التي لا يستطيع الإنسان التعبير عنها في حالة الجذب كقولهم لمجنون ليلى من أنت قال أنا ليلى وشعره المشهور في نظر القمر بعينها ام ان الجهل بالمصلحات هو الذي ولد عدم القدرة عن التعبير؟؟ وهذه المسألة مهمة جدا كما لا يخفى لفضيلتك؟
    6- إدراكنا للأشياء تتوقف على فاعلية الذات ما معنى هل هذا صحيح؟؟
    7- المنطق لقد تحدثت في بحثك الرائع "تدعيم المنطق" على علاقة المنطق ببعض العلوم كالأصول وعلم الكلام ونقلت في المقدمة عن البعض علاقة المنطق بالرياضيات ولكنك لم تفصل نظرا لعدم علاقة الموضوع ببحثك فأرجو منك ان تفهمني في العلاقة أي علاقة الرياضيات بالمنطق ولو ملخصا.
    8- الذكاء هل هو فطري أم مكتسب؟؟ ومما يجدر بالذكر قولك أثناء الرد على المبتدع الحرّاني ابن تيمية في رده لعلم المنطق على قولك بالعقل المكتسب وضح ذلك أكثر.
    9- ما الفرق بين البديهة والمسلمة؟؟ الفرق الفلسفي.
    10- الاشتراكية والرأس المالية قطبي التناقض هنالك بعض المراجع عندنا ممن لا يفقهون ويكتبون ما لا يعلمون يجعلون النظام الإسلامي تركيب ودمج لهما ؟؟؟ ما رأيك.
    11- لقد طالعت في كتابك الكاشف الصغير وتقسيم ابن تيمية للخيال والحس والوهم والعقل فأرجو منك توضيح ذلك وماذا يريد ابن تيمية وراء هذا التقسيم هل هو الإلزام-أي الخصم-؟؟؟ ام التوضيح؟؟ مع أنه قد أوقع نفسه في الحفرة التي بناها بتقسيمه هذا إن كان يريد التوضيح.



    وبعد هذه الأسئلة أرجو منك إحالتي لبعض المراجع والكتب في المنطق وعلم الكلام الموسع غير كتاب شيخ الإسلام مصطفى صبري رضي الله عنه الذي تنصحون به في أغلب كتبكم وبارك الله فيك وجعل ما تقول وتقرئ في ميزان حسناتك أرجو منك ان تعذرني على هذا التطفل فمثلكم لا يطردون السائلين وهذا الذي عهدتك عليه والله الموفق لما يحبه ويرضاه.
    وصلّ اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم
  • سعيد فودة
    المشرف العام
    • Jul 2003
    • 2444

    #2
    سأجيبك عن أسئلتك أيها العزيز،
    ولكني الآن على سفر ربما إن تيسر لي أثناءه أو بعدما أرجع
    وفقك الله
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

    تعليق

    • يونس حديبي العامري
      طالب علم
      • May 2006
      • 1049

      #3
      أعانك الله وبارك الله فيك وأرجعك إلى أهلك غانما والسلام
      وصلّ اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم

      تعليق

      • يونس حديبي العامري
        طالب علم
        • May 2006
        • 1049

        #4
        عجل الله لكم سفركم هذا لكي نستفيد من علمكم والسلام
        وصلّ اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم

        تعليق

        • سعيد فودة
          المشرف العام
          • Jul 2003
          • 2444

          #5
          بسم الله الرحمن الرحيم
          الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفضل الأنبياء والمرسلين، وبعد، ‏
          فإن الأسئلة التي وجهتها إليَّ أيها الأخ الفاضل وطالب العلم الذكي المثابر، لا يكفي مثلك ‏أن يجاب عنها جوابا إجماليا، وقد كان بمقدوري أن أفعل ذلك في يوم أو ساعة، ولكني لما ‏أن رأيتها فضلت أن يكون الجواب على قدر السائل،فأرجأت الجواب إلى حين أن يأتي ‏وقت أتمكن فيه من الإجابة وطباعة الجواب، وتحريره ليكون مرجعا مفيدا لكل ولطلاب ‏العلم، فإنني في نفسي أحبُّ البحث في نحو هذه المسائل التي وجهتها إليَّ، ويندر أن يهتمَّ ‏إنسان بمثل هذا المستوى من البحوث فضلا عن أن يطلب بحثا معمقاً فيها. ‏
          ولما طال الوقت، وتكاثرت الأشغال، نسيت أصل الأسئلة، وكلما كنت تطلب مني ‏الإجابة عنها، أتذكرها فيدور في ذهني ما لخصته لك سابقاً، فأعزف عن الجواب الإجمالي ‏إلى التحرير والتدقيق، وذكر ما يناسب تلك البحوث اللطيفة، وذكر ما قد وقع فيه بعض ‏المفكرين في هذا الزمان من مغالطات ومآزق فكرية في هذا الباب. ‏
          ولما رأيت تذكيرك لي أخيرا بتلك الأسئلة مع ما أحسسته فيك من حزن على عدم ‏الجواب، عزَّ عليَّ ما شعرته، فما أتأمله فيك ليس ضئيلاً. ‏
          فقررت أخيراً أن أبدأ الجواب عنها واحدا واحداً لا جميعها دفعة واحدة، وألا أبدأها على ‏الترتيب. ‏
          ولا يخفى عليك أن غيرك من طلاب العلم الأفاضل يوجهون إليَّ العديد من الأسئلة وكثيرا ‏ما يحصل معهم نفس ما حصل معك. ‏
          والرجاء منهم أن يقدروا ما أنا فيه من ضيق وقت وكثير مهام وانشغالات وواجبات لا ‏يطيقها العديد من الناس، بل لا يقدرون على بعضها. ‏

          ولا أريد أن أطيل فأبدأ الأجوبة، فأقول والله المستعان:

          السؤال الأول
          ما الفرق بين البديهية والمسلمة
          قبل أن نوضح الفرق بين البديهية والمسلمة، لا بد أن نذكر التعريفات من بعض الكتب ‏والمراجع المعتمدة، ليتسنى لنا من بعدُ أن نعلق عليها بما يناسب.‏
          التعريفات:
          تعريف البديهية ‏Axiom‏: ‏
          ورد في المعجم الفلسفي، للدكتور عبد المنعم الحفني:"البديهية هي القضية الضرورية التي لا ‏يتوقف التصديق بها على نظر وكسب، وهي أصل اليقينيات. ‏
          والقضايا البديهية على ستة أنواع ‏
          الأولية: التي يصدق بها العقل لذاتها بدون سبب خارجي، مثل قولنا "الكل أعظم من ‏الجزء". ‏
          والمشاهدة، وتسمى المحسوسة: وهي التي يحكم بها العقل بواسطة الحسِّ. ‏
          والتجريبية أو المجربة: وهي التي يحكم بها العقل بواسطة تكرار المشاهدة. ‏
          والمتواترة: التي تسكن إليها النفس سكونا يزول معه الشكُّ، ويحصل الجزم القاطع بواسطة ‏إخبار جماعة يمتنع تواطؤهم على الكذب واتفاقهم على الخطأ. ‏
          والحدسية : التي مبدأ الحكم بها حدس من النفس قويٌّ جداً يزول معه الشكُّ. ‏
          والفطرية: التي قياساتها معها، مثل حكمنا بأنَّ الاثنين خمس العشرة. "اهـ
          قال العلامة الأحمد نكري في دستور العلماء (1/159):" والبديهيات ستة أقسام ‏بالاستقراء:‏
          ووجه الضبط: أن القضايا البديهية إما أن يكون تصور طرفيها مع النسبة كافيا في الحكم ‏والجزم أو لا يكون، فالأول هو الأوليات؛ كقولنا الكل أعظم من الجزء، والثاني لا بد أن ‏يكون الحكم فيه بواسطة لا تغيب عن ‏
          الذهن عند تصور الأطراف أو لا تكون كذلك، والأول هو الفطريات، وتسمى قضايا ‏قياساتها معها كقولنا الأربعة زوج؛ فإنَّ من تصور الأربعة والزوج تصور الانقسام ‏بمتساويين فيحصل في ذهنه أن الأربعة منقسمة بمتساويين وكل منقسم بمتساويين فهو زوج ‏فالأربعة زوج. ‏
          وعلى الثاني: إما أن تكون تلك الواسطة حسا فقط فهي المشاهدات؛ فإن كان ذلك الحس ‏من الحواس الظاهرة فهي الحسيات مثل الشمس مضيئة والنار حارة ‏
          أو من الحواس الباطنة فهي الوجدانيات كقولك إن لنا خوفا وجوعا‏
          أو مركبا من الحس والعقل فالحس إما أن يكون حس السمع أو غيره فإن كان حس ‏السمع فهي المتواترات وهي قضايا يحكم العقل بها بواسطة السماع من جمع كثير يستحيل ‏العقل توافقهم على الكذب مثل مكة موجودة.‏
          وإن لم تكن تلك الواسطة مركبة من الحس والعقل بل يكون العقل حاكما بواسطة ‏الحدس أو بواسطة كثرة التجربة فالأول هي الحدسيات كقولنا نور القمر مستفاد من ‏الشمس لاختلاف تشكلاته النورية بحسب اختلاف أوضاعه من الشمس قربا وبعدا، ‏والثاني التجربيات مثل قولنا شرب السقمونيا مسهل للصفراء."اهـ
          ومن المهم في الفلسفة وعلم الكلام أن تفهم علل التعريفات، أي أحكامها وما تدلُّ عليه. ‏
          فلو نظرنا في البديهيات لعرفنا أن جميع البديهيات تشترك في أمر معين، وهو أن خضوع ‏النفس لها وانكسارها أمامها، ليس راجعا لإرادة النفس ورغبتها بذلك، بل إن سبب ذلك ‏الخضوع هو من خارج النفس، فالنفس منفعلة بذلك، وليست فاعلة له. ‏
          وهذا هو المعنى المقصود من البديهيات جميعها، بغض النظر عن أسبابها، ولا بدَّ أنه قد ظهر ‏الآن أن تلك الأقسام التي ذكرناها للبديهيات راجعة إلى السبب الذي بواسطته تخضع ‏النفس (العقل) للبديهيات. وليس شيء من تلك الأسباب الإرادة والشهوة أو الرغبة ‏والهوى. ‏
          فالنفس لا تضع تلك البديهيات وضعا بالإرادة أو القصد، بل تأتيها تلك البديهيات من ‏خارجها، أي من خارج كونها مريدة، وما هو خارجها -بهذا القيد- ما هو إلا حقيقة الوجود، فلا بدَّ من علاقة فعل أو انفعال ‏‏(أي نوع من الاضطرار) الذي لا يتوقف على الإرادة الإنسانية حال تمامه. ‏
          ولا شك أن البديهيات ههنا بمعنى الضروريات، وهو استعمال شائع بين العلماء في الكلام ‏والفلسفة يستعملون البديهيات بمعنى الضروريات، وقد نبهت إلى ذلك في حاشيتي على ‏شرح صغرى الصغرى. ‏
          وربما يخصون البديهيات بما لا يتوقف العقل في إدراكه على الحس أو تجربة أو غيره، بل لا ‏يتوقف إلا على تصور طرفيه، وهذا هو معنى البديهي الأخص. ‏
          ولا يخفى أن الضروري قد يطلق ويراد به كل ما يستحيل الانفكاك فيه بين محموله ‏وموضوعه، بديهيا كان أو نظرياً. ولذلك أطلق بعض علماء الأشاعرة كالإمام الجويني ‏والإمام الرازي وغيرهما القول فقالوا: "كل العلوم ضرورية"اهـ أي بهذا المعنى. وهو ‏إطلاق صحيح تماماً. ‏
          والبديهي يطلق على ما جزم العقل به بلا توقف على كسب ونظر، وهو ما قلنا فيه سابقاً ‏إنه ما يكفي للجزم به مجرد تصور طرفيه، وهو يرادف الأوليَّ بهذا المعنى. ومقابله النظريُّ.‏
          ثم يمكن تقسيم الضرورة من جهات أخرى، فيقال : الضرورة إما أزلية وهي التي لا علة ‏لها، أو ذاتية وهي الحاصلة ما دامت ذات الموضوع موجودة، أو وصفية باعتبار وصف ‏الموضوع، أو وقتية باعتبار وقته أو ذهنية وهي الأولية التي وضحناها سابقاً. ‏
          ثم بعد هذا كله تأمل فيما ذكره العلامة التهانوي في كشاف اصطلاحات الفنون ‏‏(1/158):"البديهي هو في عرف العلماء يطلق على معانٍ. ‏
          منها مرادف للضروري المقابل للنظري ويجيء في صل الراء المهملة من باب الضاد ‏المعجمة، منها المقدمات الأولية وهي ما يكفي تصور الطرفين والنسبة في جزم العقل به، ‏وبعبارة أخرى ما يقتضيه العقل عند تصور الطرفين والنسبة من غير استعانته بشيء، وهذا ‏المعنى أخصًّ من الأول لعدم شموله التصور، بخلاف المعنى الأول، ولعدم شموله الحسيات ‏والتجربيات وغيرها بخلاف الأول، ويجيء تحقيقه في لفظ الأوليات في فصل اللام من ‏باب الواو. ‏
          ومنها ما يثبته العقل بمجرد التفاته إليه من غير استعانته بحسٍّ أو غيره تصوراً كان أن ‏تصديقاً، وهذا أعمُ من الثاني لشموله التصور والتصديق، وأخصُّ من الأول أي من ‏الضروري، لأنَّ الضروري هو الذي لا يكون تحصيله مقدورا لنا، بأن لا يكو له سبب ‏مقدور لنا يدور معه وجوده وعدمه، وذلك إما بأن لا يكون له سبب يدور معه، وهو ‏البديهي، أو يكون له سبب يدور معه لكن لا يكون مقدوراً، كالحسيات والتجربيات ‏والعاديات وغير ذلك. ‏
          فاستقمه فإنه قد زلَّت في أقدام. كذا ذكر المولوي عبد الحكيم في حاشية شرح المواقف في ‏تقسيم العلم الحادث إلى الضروري والنظري في الموقف الأول. "اهـ
          ولا يخفى أن في هذا الكلام تحقيقات عالية مرتبة فاجتهد في فهمها وذكرها. ‏
          وقال العلامة التهانوي في كشاف اصطلاحات الفنون:"الأوليات تطلق على قسم من ‏المقدمات اليقينية الضرورية وتسمى بالبديهيات أيضاً، وهي ما لا يخلو النفس عنها بعد ‏تصور الطرفين، أي من حيث إنهما طرفان، فيشتمل تصور النسبة أيضا. ‏
          والمراد بتصور الطرفين ما هو مناط الحكم أعم من أن يكون بالبداهة أو بطريق الكسب ‏والنظر والحاصل أن الحكم فيه لا يتوقف بعد حصول تصور الطرفين على ما هو مناط ‏الحكم على شيء آخر بشرط سلامة الغريزة، فلا يرد الصبيان وصاحب البلادة المتناهية، ‏وبشرط عدم تدنس الفطرة بما يضاده فلا يرد المدنس بالاعتقادات الباطلة المنكر ‏للبديهيات، وبعض العوام والجهال. ‏
          فمن الأوليات ما هو جليٌّ عند الكلِّ لوضوح تصورات أطرافه، كقولنا الكل أعظم من ‏الجزء، أي الكل المقداري أعظم في المقدار من جزئه المقداري. ‏
          ومنها ما هو خفيٌّ لخفاء في تصورات أطرافه إما لعدم الوضوح أو لكونها نظرية. ‏
          هكذا يستفاد مما ذكر الصادق الحلواني في حاشية القطبي والسيد السند في شرح المواقف ‏والمولوي عبد الحكيم في حاشيته. ‏
          والفرق بينها وبين المشهورات على ما في شرح المطالع: أن الإنسان لو قدر أنه خلي ‏ونفسه من غير مشاهدة أحد وممارسة عمل، ثم عرض عليه المشهورات، توقف فيها لا في ‏الأوليات، وكذا الحال في الفرق بينها وبين المتواترات. ‏
          وقد تطلق الأوليات على الضروريات أيضا باعتبار أن الضروريات أوائل العلوم فحينئذ ‏الأوليات محمولة على المعنى اللغوي. ‏
          هكذا ذكر مولانا داوود في حاشية المطالع في الخطبة في بيان مراتب النفس."اهـ
          وقد أشار لالاند في معجمه الفلسفي إلى اختلاف المعاني المرادة عند استعمال هذه الكلمة ‏بين الفلاسفة والمفكرين، وذكر هناك أن من المعاني التي يمكن أن تستعمل للدلالة عليها، ‏
          أ‌-‏ المسلمات الموضوعة التي توضع في مقدمة كل علم استنتاجي. ‏
          ب‌-‏ وذكر أن المعنى الأكثر قبولاً وتداولاً: "مقدمة قياسية تُعَدُّ بأنها بينة وتُقبَلُ ‏على أنها صحيحة بلا برهان، من قبل كل الذين يفهمون معناها"‏
          ت‌-‏ وقد تستعمل للدلالة على معنى المصادرات أو المسلمات الموضوعة في ‏مقدمات العلوم بلا ضرورة أن تكون واضحة أو بينة بالضرورة. ‏

          تعريف المسلَّمة ‏Presupposition‏ :
          جاء في المعجم الفلسفي المسلمة :" عبارة عما يحصل التسالم عليه بينك وبين غيرك على ‏صدقها، سواء كانت صادقة في نفس الأمر، أو كاذبة أو مشكوكة. ‏
          والطرف الآخر إن كان خصماً فإنَّ استعمال المسلمات في القياس معه يراد به إفحامه. ‏
          وإن كان مسترشداً فإنه يراد به إرشاده وإقناعه ليحصل له الاعتقاد بالحق بأقرب طريق ‏عندما لا يكون مستعداً لتلقي البرهان وفهمه. ‏
          والمسلمات إما عامة سواء كان التسليم بها من الجمهور عندما تكون من المشهورات، أو ‏كان التسليم بها من طائفة خاصة كأهل دينٍ أو ملَّةٍ أو علم خاصٍّ. ‏
          وخصوص هذه المسلمات في علم خاص سمي الأصول الموضوعة لذلك العلم، عندما يكون ‏التسليم بها عن مسامحة على سبيل حسن الظن من المتعلم بالمعلم. ‏
          وإما خاصة إذا كان التسليم بها من شخص معين وهو طرفك الآخر في مقام الجدل، ‏كالقضية التي تؤخذ من اعترافات الخصم ليبتنى عليها الاستدلال في إبطال مذهبه أو ‏دفعه."اهـ
          وقال الأحمد نكري في دستور العلماء:"المسلمات: هي قضايا تسلم من الخصم ويبني عليها ‏الكلام لدفعه سواء كانت مسلمة فيما بينهما خاصة أو بين أهل العلم كتسليم الفقهاء ‏مسائل أصول الفقه، كما يستدل الفقيه على وجوب الزكاة في حلي البالغة بقوله صلى الله ‏عليه وسلم :"في الخلي زكاة". فلو قال الخصم هذا خبر واحد ولا نسلم أنه حجة، فيقول ‏الفقيه له:"قد ثبت هذا في علم أصول الفقه، ولا بدَّ وأن تأخذه ها هنا مسلَّماً."اهـ
          وأضاف التهانوي في كشاف اصطلاحات الفنون هنا قيدا مفيدا في كلامه على المسلمات ‏فقال (2/696):"هي قسم من المقدمات الظنية"اهـ . ‏
          ولا بدَّ من الانتباه إلى هذا القيد، لأن المسلمات لا يشترط فيها أن تكون قطعية أو ‏ضرورية.‏
          وبينها وبين المصادرات نوع اشتراك فقد قال الأحمد نكري في دستور العلماء ‏أيضا:"المصادرات:هي المبادئ التصديقية التي غير بينة بنفسها وأخذها المتعلم من المعلم ‏بالإنكار والشكِّ كقولنا لنا أن نعمل بأي بعد وعلى أي نقطة شئنا دائرة، وإنما سميت ‏مصادرات لأنها يصدر بها المسائل التي تتوقف عليها."اهـ
          وجاء في المعجم الفلسفي (ص1036) للفيلسوف لالاند في تعريفها ذكر ثلاثة معان ‏تستعمل فيها:" الأول: ما يؤخذ على أنه متفق عليه في بداية مبحث، بداية برهان، بداية ‏سجال. ‏
          الثاني: فعل عقلي تقريري يُقبل بواسطته مفترض سابق. ‏
          الثالث: أحياناً، بمعنى عامي مرادف لـ"معنى سابق" (مفهوم شائع) بالمعنى الذي كان ‏يعطيه دوركهايم لهذه الكلمة. "اهـ
          ولا يخفى عليك أن ضبط المتكلمين لهذه المعاني أشد وأقوى من ضبط الغربيين.‏

          خاتمة
          في مواقف المفكرين من البديهيات والمسلمات

          اختلفت مواقف الفلاسفة والمفكرين من البديهيات والمسلمات.‏
          فقد أرجع الفلاسفة التجريبيون والحسيون البديهيات إلى مجرد العادة والتجربة، وبعض ‏المتأثرين بالنزعات الاجتماعية مثل دركهايم أرجع البديهيات إلى اجتماع أفراد الجنس ‏الإنساني بعضهم مع بعض، فأرجعها إلى ضرورة اجتماعية لا ضرورة راجعة إلى أصل ‏العقل الراجع لحقيقة وجود الإنسان، هذا القول قريب من قول من أرجع البديهيات إلى ‏مسلمات اجتماعية، أي مقدمات سلم بها الناس وتواضعوا عليها لحاجة اجتماعية، فإن ‏تغيرت المجتمعات والحاجات فلهم أن يغيروها، فهي راجعة إلى مجرد التواضع. وكذلك فإنا ‏نرى جون لوك يرجع البديهيات إلى مجرد التجربة، والتجربة في النهاية لا تفيد العموم. ‏
          وبعض الفلاسفة أرجعوا البديهيات إلى مجرد المسلمات، فزعموا أنها راجعة إلى الإرادة، ولا ‏ميزة بينها وبين المسلمات التي يتفق عليها الواحد مع غيره، غاية الأمر أن البديهيات لما ‏اتفق عليها أكثر الناس سميت بديهيات، فليس لها حقيقة خارجية ولا ضرورة ذاتية، ولا ‏كلية لها في نفس الأمر. ‏
          وأما المتكلمون من أهل السنة وغيرهم من أكثر المتكلمين ومعهم أكثر الفلاسفة العقليين ‏كأرسطو وأفلاطون وديكارت فقد قرروا أن البديهيات راجعة إلى أصل الوجود، وإلى ‏أصل حقيقة العقل، على اختلاف في بعض التفاصيل. ‏
          فالبديهيات عند المتكلمين ليست راجعة إلى مجرد التواضع، ولا إلى عادة إنسانية، بل ‏راجعة إلى الأمر في نفسه، فصدقها مطرد في مرتبة وجود الإنسان، وفي مرتبة الوجود ‏الواجب، فالجزء أقل من الكل في الرتبتين، ولا تنقدح البديهيات في علم الواجب ولا في ‏علم المخلوق. وهي أساس البراهين كما هو معلوم. ‏
          ولكن قد شذ في هذا بعض من نسب إليه من الإسلاميين أن هناك عالما هو عالم الخيال هو ‏عالم حقيقي، وأن الجزء فيه قد يكون أكبر من الكل، وأنه قد دخل هذا العالم، فإن ‏صحت هذه الرواية عنه فهو مخالف للمتكلمين في أصل كبير من أصول النظر والعلم. وكذلك من زعم أن الله تعالى قادر على المحال قريب من هذا القول.
          وقد تأثر بعض المعاصرين من المفكرين اللامعين من أهل المغرب العربي ببعض الآراء ‏الغربية،وحاول أن ينسج على نهج خاص به، فزعم :"أن البديهيات التي يقام عليها ما ‏يسمى بالبراهين والأدلة على وجود الله تعالى وعلى أصول الأديان هي عبارة عن مسلمات ‏متواضع عليها، وليست راجعة إلى محض الوجود كما يزعمون"!!. وهذا القول إن صحَّ ‏عنه وثبت عليه، ثمَّ بنى فكره على أركانه، فسوف يؤدي به إلى هاوية. ‏
          وبعد فهذه مجرد لمحات إلى أهمية فهم البديهيات والمسلمات أردت لفت الأنظار إليها لعله ‏يكون فيما قلناه فائدة، وإن كان المقام يحتمل بعدُ كلاما أطول وأشد تفصيلاً في غاية ‏الأهمية.‏

          والله هو الموفق.‏
          وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب‏
          سعيد فودة
          التعديل الأخير تم بواسطة سعيد فودة; الساعة 13-06-2007, 16:18.
          وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

          تعليق

          • يونس حديبي العامري
            طالب علم
            • May 2006
            • 1049

            #6
            بارك الله فيك شيخنا, لاحول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم
            ياشيخ صدقني كتبت كم من تعبير ومحيته ظنا مني انه ليس في حقك وكيف أو فيك حقك فكتبت هذا الكلام واكتفيت فأمثالك عزيز وجودهم.
            مشاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله.
            وصلّ اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم

            تعليق

            • سعيد فودة
              المشرف العام
              • Jul 2003
              • 2444

              #7
              السؤال الثاني
              الاشتراكية والرأسمالية ‏
              والإسلام

              وقد ورد في السؤال الرغبة في معرفة هل يمكن أن يكون الإسلام تركيباً ودمجاً من مبادئ ‏الاشتراكية والرأسمالية؟ ‏
              وقبل أن نتكلم في ذلك، علينا أن نعرف ما الاشتراكية وما الرأسمالية، وما الإسلام، لكي ‏نعرف بعد ذلك هل الإسلام تركيب ودمج منهما أم لا؟؟
              وقد يبدو السؤال غريبا مستشنعاً عند من استغرق في القراءات الدينية، ولم يختلط بالأفكار ‏الأخرى، ولم يهتم بدرايتها، أو عند من لم يخالط هؤلاء، ولم يتصدَّ بنفسه للدعوة إلى ‏الإسلام، وقد يبدو السؤال سهلا مستسهلا عند من لم يعرف الإسلام وعرف فقط تلك ‏المبادئ والأفكار الأخرى، وبغض النظر عن موقف أي واحد على اختلاف اتجاهاته-، ‏فدعنا نشرع أولا في معرفة التصورات، لأن التصور يسبق التصديق كما هو معلوم، لا ‏سيما عند السؤال بـ[هل] المركبة، لا بـ[هل] البسيطة، وسؤالك من هذا الباب.‏
              ما هي الاشتراكية ؟
              جاء في الموسوعة الفلسفية التي وضعتها لجنة من العلماء والأكاديميين السوفياتيين، وترجمها ‏سمير كرم، وراجعها د. صادق جلال العظم (الشيوعي حتى النخاع)، وجورج طرابيشي ‏‏(صاحب الاتجاه اليساري المعروف)، فكل من ألف وترجم وراجع هذه الموسوعة ‏يساريون، والمصطلحات التي جاءت فيها لا تخدم شروحاتهم لها إلا الفلسفة الشيوعية، ‏على كل حال فقال قالت هذه الموسوعة الفلسفية في التعريف بالاشتراكية ‏Socialism‏:"نظام اجتماعي قائم على الملكية العامة لوسائل الإنتاج، والاشتراكية ‏تظهر إلى حيز الوجود نتيجة إلغاء النمط الرأسمالي للإنتاج وإقامة دكتاتورية الملكية: ملكية ‏الدولة (العامة) والملكية التعاونية والجماعية. ‏
              وتقتضي الملكية العامة انعدام وجود الطبقات المستغلة واستغلال الإنسان للإنسان، ‏وتقتضي وجود المشتركين في الإنتاج. ‏
              وفي ظل الاشتراكية لا يوجد اضطهاد اجتماعي وعدم مساواة بين القوميات كما لا يوجد ‏أي تناقض بين المدينة والريف، بين العمل الذهني والبدني برغم وجود تمايزات بين المدينة ‏والريف، وبين العمل الذهني والبدني."اهـ
              وقالوا أيضا:"وأيضا فإن الحياة الاجتماعية في الاشتراكية تتأسس على ديمقراطية تتضمن ‏جذب الشعب العامل كله إلى الإدارة الفعالة للدولة. وقوى الإنتاج لا تكون قد تطورت ‏بما فيه الكفاية في المرحلة الاشتراكية لضمان فائض من المنتجات، ولا يكون العمل قد ‏أصبح بعد ضرورة حيوية أولية لجميع أعضاء المجتمع، ولهذا السبب تتوزع الثروة المادية ‏وفق مبدأ " من كلٍّ حسب قدرته، ولكل حسب عمله". ‏
              والثمرة الطبيعية لتطور الاشتراكية هي الشيوعية."اهـ
              فالاشتراكية إذن مرحلة مُعِدَّةٌ لظهور المرحلة الشيوعية، فهي إذن عمل مقصود للوصول ‏إلى هدف، وغاية، هي الشيوعية، وليست مجرد اشتراك في الثروات على أي مبدأ كان!‏
              إذن توجد مرحلتان لتشكيل النظام الاجتماعي الاقتصادي، وهما الاشتراكية ‏والشيوعية، والاشتراكية هي مرحلته الأولى الأدنى، والشيوعية هي مرحلته الأعلى، وهما ‏تختلفان في درجة النضج الاقتصادي. ‏
              وفي الاشتراكية لا توجد أي ملكية خاصة لوسائل الإنتاج، ولا تقوم علاقاتها الاقتصادية ‏على التسلط والخضوع بل على التعاون القائم على الزمالة الاقتصادية والمساعدة المتبادلة ‏بين الناس المتحريين من الاستغلال. وفي هذا المضمار لا يوجد اختلاف بين الاشتراكية ‏والشيوعية. ‏
              وفي الاشتراكية يوجد شكلان من الملكية هما ملكية الدولة، وشكل ملكية المزرعة الجماعية ‏والملكية التعاونية. ‏
              وأما المرحلة الثانية من التطور في نظرة الشيوعيين والاشتراكيين، فإنا نكتفي بنقل خلاصة ‏مهمة من برنامج الحزب الشيوعي السوفيتي، وذلك حسبما ورد في الموسوعة الفلسفية التي ‏عرفنا بها.‏
              ورد في بيان الحزب الشيوعي:"الشيوعية هي نظام اجتماعي لا طبقي، له شكل واحد ‏للملكية العامة لوسائل الإنتاج والمساواة الاجتماعية الكاملة بين جميع أفراد المجتمع، وفي ‏ظله سيصاحب التطور الشامل للناس نمو قوى الإنتاج عن طريق التقدم المستخدم في العلم ‏والتكنولوجيا، وسوف تتدفق ينابيع جميع الثروة التعاونية بشكل أكثر غزارة، وسيتم تنفيذ ‏المبدأ العظي:[من كلٍّ حسب مقدرته، ولكل حسب احتياجاته]. إن الشيوعية هي مجتمع ‏منظم بشكل سام للشعب العامل الحر الواعي اجتماعيا، والذي تتأسس فيه الإدراة الذاتية ‏العامة، إنه مجتمع يصبح فيه العمل من أجل خير المجتمع المطلب الحيوي الأولي لكل فرد، ‏وهي ضرورة يدركها الجميع وكل فرد. وسيتم استغلال مقدرة كل شخص بأكبر فائدة ‏من أجل الشعب."اهـ
              وبعد فهذا بعض ما يهمنا معرفته في هذا المقام، قبل الإقدام على الحكم واتخاذ موقف من ‏هذا السؤال. ‏
              ونزيد فنقول، لقد عرف المعجم الشامل لمصطلحات الفلسفة للدكتور عبد المنعم الحفني ‏الاشتراكيةَ بكلام نختار منه ما يأتي: "فالاشتراكية هي الذهب الذي يقول بأن العمل هو ‏أساس التملك، وأن الملكية وظيفة اجتماعية، ويدعو لذلك إلى ملكية المجتمع لوسائل ‏الإنتاج وإشراف الدولة على النشاط الاقتصادي، وتوجيهه بما يكفل رفع التناقضات ‏الاجتماعية، ويحقق فرص العمل لكل مواطن وعدالة التوزيع والتقريب بين الدخول ‏والمساواة أمام القانون...وحرية الفرد لا تتحقق فعلا إلا في النظام الذي يقوم على ‏الجماعية.‏
              وتنهض فلسفتها التاريخية على ما تسميه بحتمية الحل الاشتراكي، بمعنى أن الاشتراكية ‏مرحلة تفرضها قوانين التاريخ والتطور الاجتماعي."اهـ
              إذن فإن للاشتراكية أساسا عقائديا وأسسا اقتصادية. ‏
              فالتملك المسموح به إنما هو تملك جماعي لوسائل الإنتاج، فالفرد لا يصح له أن يتملك ‏وسيلة من وسائل الإنتاج.‏
              وأسباب التملك تنحصر في العمل، فالميراث باطل لا يصح أن يكون سببا للتملك. ‏
              وهي تقوم على خلفية عقائدية تاريخية تعتقد بحتمية التغير التاريخي أو حتمية الحركة ‏التاريخية، ومن المعلوم أن هذه العقيدة قائمة على ما يطلق عليه بالديالكتيك المادي ‏والديالكتيك التاريخي.‏
              وكل فرد من الأفراد يأخذ بحسب عمله، في الاشتراكية، ولكن هذا لا يدون، بل يمنع بعد ‏ذلك من أن يأخذ بحسب عمله، بل بحسب حاجته في المرحلة الشيوعية. ‏
              ومن المعلوم أن أساس الفلسفة الديالكتيكية قائم على قدم العالم، وضرورة القوانين المادية، ‏وأن الوعي تابع للمادة، ونفي وجود الإله الصانع، وهو قائم أيضا على مناقضة الأديان، ‏وإن حاول العديد من أتباع الاشتراكية من العرب ادعاء أن الشيوعية ليست ضد ‏الأديان!! وهذه الدعوى لا أعتبرها إلا محاولة لتزييف الواقع تزلفا لنشر أفكارهم بين ‏جماهير المسلمين. ‏
              فلو نظرنا في هذه اللوازم والأسس التي تقوم عليها الاشتراكية، لعرفنا عن قرب أنها بعيدة ‏جدا عن الإسلام، وأن الإسلام لا يقول بأسسها الكبرى الاقتصادية ولا الاعتقادية، فكيف ‏يصح أن يقال بعد ذلك إنه الإسلام اشتراكي، أو إنه عبارة عن دمج بين الاشتراكية ‏والرأسمالية!؟ ‏
              أنا أعلم أن بعض اللامعين في الفكر الإسلامي في القرن الماضي قد قالوا بأن الإسلام ‏اشتراكية، أو باشتراكية الإسلام؟!! وقد كنت أتعجب كثيرا من إطلاقهم لمثل هذه ‏الدعاوي المتناقضة؟ ‏
              ولكنهم كانوا يتصورون أنهم ربما يستجرون أقدام بعض المنبهرين بالاشتراكية حيث كان ‏لها بريق قاتل في ذلك الزمان، ويقربونهم إلى الإسلام، وأنا لا أرى في مثل هذا الأسلوب ‏إلا عبارة عن نوع من السفسطة، والخلط الذي لا يعود في النهاية على الإسلام بالخير ‏والفائدة، بل ربما يستفيد من إطلاق هذه الدعاوي الاشتراكيون أنفسهم والشيوعيون ‏يقلبونه لمصلحتهم. ‏
              والطريقة الصحيحة للدعوى إلى الإسلام، هي التمييز بين ما هو إسلامي وبين غيره، وعدم ‏الخلط في المفاهيم، وذلك ليبقى الإسلام واضحا نقياً في أعين أتباعه والمخالفين له، وبهذا ‏نحافظ على نصوع صورته في أنفسنا وأمام أعدائنا، ولا مصدر لقوة الإسلام إلا من حقيته ‏في نفسه، فلو توسلنا لزيادة قوته باستعارة بعض المفاهيم من غيره فإن ذلك يكون سببا في ‏الإضلال لا الهداية. ‏
              ولا شك أن هؤلاء الإسلاميين لم يكونوا يقصدون من قولهم إن الإسلام اشتراكي أو أنه ‏يقول ببعض المبادئ الاشتراكية، إلا أنه ما يزعمه هؤلاء الاشتراكيون من سعيهم للعدالة ‏الاجتماعية، والتساوي بين الناس..الخ ما أطلقوا من غايات لهم، لا يخالف فيه الإسلام، ‏أي إن الإسلام لا يخالف العدالة كمفهوم عام، ولا يخالف التسوية بين الانس، ...الخ، ‏ولكنهم غفلوا عن أن مفهوم العدالة مثلا ليس إلا مفهوما كليا عاما، لا يمكن أن يتحقق ‏إلا إذا تشخص بتقييدات، وهذه التقييدات لا بد أن تنبني على أسس فلسفية أو فكرية أو ‏مبادئ دينية عامة، فالعدالة في نظر الاشتراكيين المنع من الملكية الخاصة وإعطاء الواحد ‏بحسب عمله مع عدم تملكه شيئا، وفي مرحلة الشيوعية، المنع من الملكية الخاصة وإعطاء ‏الواحد بحسب حاجته لا عمله مع عدم تملكه شيئا، فهذه الصورة الجزئية هي التي تريدها ‏الاشتراكية من قولهم إننا نسعى إلى العدالة، فالعدالة في نظرهم هي هذا الحكم الخاص ‏المقيد بعينه، وليس حكما آخر. ‏
              ونحن نعلم أن الإسلام يرى العدل في كيفيات حكمية غير هذه التي يراها هؤلاء! ‏
              فيبدو أن الإسلاميين الذين أطلقوا على الإسلام أنه اشتراكي أو شيوعي ربطوا المفهوم ‏الكلي للعدالة بهذين المبدأين، ثم جعلوهما علامة على العدالة، ثم أطلقوا اسم الاشتراكية ‏على الإسلام!! وفي هذا ما فيه من خلط ظهر بما قلناه.‏

              ما هي الرأسمالية ‏Capitalism؟
              الرأسمالية في نظري هي عبارة عن مظهر من مظاهر تجليات الفكر البراغماتي، وهي ‏الأساس الذي يعبر عنه، وتقوم فلسفة النظام الرأسمالي على الملكية الخاصة، والسوق الحرة ‏والحرية الضرورية. ‏
              وأما رأس المال الذي تنسب إليه الرأسمالية فهو ما يملكه الرأسمالي ويستثمره في الإنتاج. ‏
              فالرأسمالي هو عينه البراغماتي متجليا بالعمل الخارجي الفعلي الممارس لتلك الفلسفة بكل ‏ما تعنيه. ‏
              وفي الموسوعة الفلسفية لمجموعة من علماء السوفيت:"الرأسمالية هي التشكيل الاجتماعي ‏الذي حلَّ محل الإقطاع. وتقوم الرأسمالية على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج واستغلال ‏العمل المأجور، واستخلاص فائض القيمة هو القانون الأساسي للإنتاج الرأسمالي، وفوضى ‏الإنتاج والأزمات الدورية والبطالة المزمنة وفقر الجماهير والمنافسة والحروب هي الملامح ‏المميزة للرأسمالية...الخ"اهـ
              فإذا عرفنا أن الرأسمالية تقوم أصلا على المذهب البراغماتي، الذي ينكر في الحقيقة القيم في ‏واقع الأمر، ولا يؤمن إلا بما يؤدي إلى المنفعة، ولا حقيقة إلا لما له نتيجة عملية، والأحكام ‏عندهم لا ينبع إلا من رؤوس البشر، ولا عبرة بأحكام منسوبة إلى السماء، ولا عبرة بمنافع ‏الآخرين إذا كانت مخالفة لمنفعة الرأسمالي. ولذلك لا ضرر في أن ينشئوا بعض الحروب التي ‏تعود عليهم بالفائدة المادية، ولا ضرر من قتل بضعة ملايين من البشر، فلا قيمة لهؤلاء، ما ‏دام قتلهم أو موتهم يعود بالمنفعة المادية للرأسمالي. ‏
              وأما السوق الحرة غير المقيدة بأخلاق ولا بأحكام شرعية، فحاشا أن تكون متوافقة مع ‏الأحكام الدينية، أو الأحكام الإسلامية، بل إنها مخالفة لها أشد المخالفة، فلا عبرة بالعمل ‏في الإسلام إذا كانت عناصره محرمة، أو في مفسدة، أو قائما على الغش أو غير ذلك. ‏
              فما يزعمه الرأسمالي من الحرية التي يدعو إليها، لا يجوز للمسلم أن ينادي بالرأسمالية ‏لأجلها، لأن الحرية التي ينادي بها، مبني على أساس أن لا قيمة ولا حق في واقع الأمر إلا ‏لما يجر منفعة لهؤلاء، والأديان في نظرهم لا يجيزون بقاءها، إلا إذا كانت في منفعتهم، ولا ‏يفرقون بين دين وآخر، فكل الأديان وضعية أو سماوية في كفة واحدة عندهم، لا قيمة لها ‏في نفس الأمر، ولكنهم يعنون أكثر في ظاهر ما يبدو للمغترين بهم بالأديان السماوية، ‏وعلة ذلك في نظرنا أن أكثر الأديان انتشارا في البلاد التي سادت فيها الرأسمالية هي ‏الأديان السماوية، فعلة اهتمامهم زيادة اهتمام بها، ليس لقولهم بحقية الدين المسيحي أو ‏صحة الدين الإسلامي، بل ليس ذلك إلا لوجود أنصار لهذه الأديان يستعدون لأن يضحوا ‏في سبيلها!‏
              فالمذهب الذي بني على أساس القول أن الحق معياره المنفعة، لا يمكن أن يكون موافقا ‏للدين الإسلامي. ‏
              ولا يصح بأي وجه من الوجوه أن يقال إن الدين الإسلامي عبارة عن تجميع لمجموعة من ‏الأحكام التي أخذها من هذا المبدأ أو ذاك. ‏
              إن من يقول ذلك، إما هو معادٍ للدين، أو جاهل بآثار هذه الأقوال الفاسدة وما تؤدي ‏إليه من نتائج. ‏

              وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب
              وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

              تعليق

              • يونس حديبي العامري
                طالب علم
                • May 2006
                • 1049

                #8
                بارك الله فيك شيخنا هل من الممكن ان تكمل إن كان لديك الوقت بارك الله فيك
                وصلّ اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم

                تعليق

                • يونس حديبي العامري
                  طالب علم
                  • May 2006
                  • 1049

                  #9
                  الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله سيد الشيخ بالنسبة للسؤال السادس
                  6- إدراكنا للأشياء يتوقف على فاعلية الذات هل هذا صحيح؟؟
                  أي هل الإدراك يكون العقل أصلا والحس فرعا أم ان الحس أصلا والعقل فرعا أي لولا وجود الحواس لما كان تعقلا أي ان أصل التعقل هو الحواس ولا يخفى أن هذا هو المذهب الغربي الحسي وهو عينه قول ابن تيمية في استدلاله لإثبت ما يعتقده ويراه صحيحا في نفسه والنظريات الغربية هي في الحقيقة واسعة في هذا المجال المذهب العقلي الديكارتي ومذب الجاشطالت وغيرهم نرجو التوسيع فهو موضوع مهم جدا.
                  وصلّ اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم

                  تعليق

                  • يونس حديبي العامري
                    طالب علم
                    • May 2006
                    • 1049

                    #10
                    يرفع للتذكير....!!
                    وصلّ اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم

                    تعليق

                    • عبد الله عبد الله
                      طالب علم
                      • Jul 2006
                      • 123

                      #11
                      المشاركة الأصلية بواسطة سعيد فودة
                      السؤال الثاني
                      الاشتراكية والرأسمالية ‏
                      والإسلام

                      وقد ورد في السؤال الرغبة في معرفة هل يمكن أن يكون الإسلام تركيباً ودمجاً من مبادئ ‏الاشتراكية والرأسمالية؟ ‏
                      وقبل أن نتكلم في ذلك، علينا أن نعرف ما الاشتراكية وما الرأسمالية، وما الإسلام، لكي ‏نعرف بعد ذلك هل الإسلام تركيب ودمج منهما أم لا؟؟
                      وقد يبدو السؤال غريبا مستشنعاً عند من استغرق في القراءات الدينية، ولم يختلط بالأفكار ‏الأخرى، ولم يهتم بدرايتها، أو عند من لم يخالط هؤلاء، ولم يتصدَّ بنفسه للدعوة إلى ‏الإسلام، وقد يبدو السؤال سهلا مستسهلا عند من لم يعرف الإسلام وعرف فقط تلك ‏المبادئ والأفكار الأخرى، وبغض النظر عن موقف أي واحد على اختلاف اتجاهاته-، ‏فدعنا نشرع أولا في معرفة التصورات، لأن التصور يسبق التصديق كما هو معلوم، لا ‏سيما عند السؤال بـ[هل] المركبة، لا بـ[هل] البسيطة، وسؤالك من هذا الباب.‏
                      ما هي الاشتراكية ؟
                      جاء في الموسوعة الفلسفية التي وضعتها لجنة من العلماء والأكاديميين السوفياتيين، وترجمها ‏سمير كرم، وراجعها د. صادق جلال العظم (الشيوعي حتى النخاع)، وجورج طرابيشي ‏‏(صاحب الاتجاه اليساري المعروف)، فكل من ألف وترجم وراجع هذه الموسوعة ‏يساريون، والمصطلحات التي جاءت فيها لا تخدم شروحاتهم لها إلا الفلسفة الشيوعية، ‏على كل حال فقال قالت هذه الموسوعة الفلسفية في التعريف بالاشتراكية ‏Socialism‏:"نظام اجتماعي قائم على الملكية العامة لوسائل الإنتاج، والاشتراكية ‏تظهر إلى حيز الوجود نتيجة إلغاء النمط الرأسمالي للإنتاج وإقامة دكتاتورية الملكية: ملكية ‏الدولة (العامة) والملكية التعاونية والجماعية. ‏
                      وتقتضي الملكية العامة انعدام وجود الطبقات المستغلة واستغلال الإنسان للإنسان، ‏وتقتضي وجود المشتركين في الإنتاج. ‏
                      وفي ظل الاشتراكية لا يوجد اضطهاد اجتماعي وعدم مساواة بين القوميات كما لا يوجد ‏أي تناقض بين المدينة والريف، بين العمل الذهني والبدني برغم وجود تمايزات بين المدينة ‏والريف، وبين العمل الذهني والبدني."اهـ
                      وقالوا أيضا:"وأيضا فإن الحياة الاجتماعية في الاشتراكية تتأسس على ديمقراطية تتضمن ‏جذب الشعب العامل كله إلى الإدارة الفعالة للدولة. وقوى الإنتاج لا تكون قد تطورت ‏بما فيه الكفاية في المرحلة الاشتراكية لضمان فائض من المنتجات، ولا يكون العمل قد ‏أصبح بعد ضرورة حيوية أولية لجميع أعضاء المجتمع، ولهذا السبب تتوزع الثروة المادية ‏وفق مبدأ " من كلٍّ حسب قدرته، ولكل حسب عمله". ‏
                      والثمرة الطبيعية لتطور الاشتراكية هي الشيوعية."اهـ
                      فالاشتراكية إذن مرحلة مُعِدَّةٌ لظهور المرحلة الشيوعية، فهي إذن عمل مقصود للوصول ‏إلى هدف، وغاية، هي الشيوعية، وليست مجرد اشتراك في الثروات على أي مبدأ كان!‏
                      إذن توجد مرحلتان لتشكيل النظام الاجتماعي الاقتصادي، وهما الاشتراكية ‏والشيوعية، والاشتراكية هي مرحلته الأولى الأدنى، والشيوعية هي مرحلته الأعلى، وهما ‏تختلفان في درجة النضج الاقتصادي. ‏
                      وفي الاشتراكية لا توجد أي ملكية خاصة لوسائل الإنتاج، ولا تقوم علاقاتها الاقتصادية ‏على التسلط والخضوع بل على التعاون القائم على الزمالة الاقتصادية والمساعدة المتبادلة ‏بين الناس المتحريين من الاستغلال. وفي هذا المضمار لا يوجد اختلاف بين الاشتراكية ‏والشيوعية. ‏
                      وفي الاشتراكية يوجد شكلان من الملكية هما ملكية الدولة، وشكل ملكية المزرعة الجماعية ‏والملكية التعاونية. ‏
                      وأما المرحلة الثانية من التطور في نظرة الشيوعيين والاشتراكيين، فإنا نكتفي بنقل خلاصة ‏مهمة من برنامج الحزب الشيوعي السوفيتي، وذلك حسبما ورد في الموسوعة الفلسفية التي ‏عرفنا بها.‏
                      ورد في بيان الحزب الشيوعي:"الشيوعية هي نظام اجتماعي لا طبقي، له شكل واحد ‏للملكية العامة لوسائل الإنتاج والمساواة الاجتماعية الكاملة بين جميع أفراد المجتمع، وفي ‏ظله سيصاحب التطور الشامل للناس نمو قوى الإنتاج عن طريق التقدم المستخدم في العلم ‏والتكنولوجيا، وسوف تتدفق ينابيع جميع الثروة التعاونية بشكل أكثر غزارة، وسيتم تنفيذ ‏المبدأ العظي:[من كلٍّ حسب مقدرته، ولكل حسب احتياجاته]. إن الشيوعية هي مجتمع ‏منظم بشكل سام للشعب العامل الحر الواعي اجتماعيا، والذي تتأسس فيه الإدراة الذاتية ‏العامة، إنه مجتمع يصبح فيه العمل من أجل خير المجتمع المطلب الحيوي الأولي لكل فرد، ‏وهي ضرورة يدركها الجميع وكل فرد. وسيتم استغلال مقدرة كل شخص بأكبر فائدة ‏من أجل الشعب."اهـ
                      وبعد فهذا بعض ما يهمنا معرفته في هذا المقام، قبل الإقدام على الحكم واتخاذ موقف من ‏هذا السؤال. ‏
                      ونزيد فنقول، لقد عرف المعجم الشامل لمصطلحات الفلسفة للدكتور عبد المنعم الحفني ‏الاشتراكيةَ بكلام نختار منه ما يأتي: "فالاشتراكية هي الذهب الذي يقول بأن العمل هو ‏أساس التملك، وأن الملكية وظيفة اجتماعية، ويدعو لذلك إلى ملكية المجتمع لوسائل ‏الإنتاج وإشراف الدولة على النشاط الاقتصادي، وتوجيهه بما يكفل رفع التناقضات ‏الاجتماعية، ويحقق فرص العمل لكل مواطن وعدالة التوزيع والتقريب بين الدخول ‏والمساواة أمام القانون...وحرية الفرد لا تتحقق فعلا إلا في النظام الذي يقوم على ‏الجماعية.‏
                      وتنهض فلسفتها التاريخية على ما تسميه بحتمية الحل الاشتراكي، بمعنى أن الاشتراكية ‏مرحلة تفرضها قوانين التاريخ والتطور الاجتماعي."اهـ
                      إذن فإن للاشتراكية أساسا عقائديا وأسسا اقتصادية. ‏
                      فالتملك المسموح به إنما هو تملك جماعي لوسائل الإنتاج، فالفرد لا يصح له أن يتملك ‏وسيلة من وسائل الإنتاج.‏
                      وأسباب التملك تنحصر في العمل، فالميراث باطل لا يصح أن يكون سببا للتملك. ‏
                      وهي تقوم على خلفية عقائدية تاريخية تعتقد بحتمية التغير التاريخي أو حتمية الحركة ‏التاريخية، ومن المعلوم أن هذه العقيدة قائمة على ما يطلق عليه بالديالكتيك المادي ‏والديالكتيك التاريخي.‏
                      وكل فرد من الأفراد يأخذ بحسب عمله، في الاشتراكية، ولكن هذا لا يدون، بل يمنع بعد ‏ذلك من أن يأخذ بحسب عمله، بل بحسب حاجته في المرحلة الشيوعية. ‏
                      ومن المعلوم أن أساس الفلسفة الديالكتيكية قائم على قدم العالم، وضرورة القوانين المادية، ‏وأن الوعي تابع للمادة، ونفي وجود الإله الصانع، وهو قائم أيضا على مناقضة الأديان، ‏وإن حاول العديد من أتباع الاشتراكية من العرب ادعاء أن الشيوعية ليست ضد ‏الأديان!! وهذه الدعوى لا أعتبرها إلا محاولة لتزييف الواقع تزلفا لنشر أفكارهم بين ‏جماهير المسلمين. ‏
                      فلو نظرنا في هذه اللوازم والأسس التي تقوم عليها الاشتراكية، لعرفنا عن قرب أنها بعيدة ‏جدا عن الإسلام، وأن الإسلام لا يقول بأسسها الكبرى الاقتصادية ولا الاعتقادية، فكيف ‏يصح أن يقال بعد ذلك إنه الإسلام اشتراكي، أو إنه عبارة عن دمج بين الاشتراكية ‏والرأسمالية!؟ ‏
                      أنا أعلم أن بعض اللامعين في الفكر الإسلامي في القرن الماضي قد قالوا بأن الإسلام ‏اشتراكية، أو باشتراكية الإسلام؟!! وقد كنت أتعجب كثيرا من إطلاقهم لمثل هذه ‏الدعاوي المتناقضة؟ ‏
                      ولكنهم كانوا يتصورون أنهم ربما يستجرون أقدام بعض المنبهرين بالاشتراكية حيث كان ‏لها بريق قاتل في ذلك الزمان، ويقربونهم إلى الإسلام، وأنا لا أرى في مثل هذا الأسلوب ‏إلا عبارة عن نوع من السفسطة، والخلط الذي لا يعود في النهاية على الإسلام بالخير ‏والفائدة، بل ربما يستفيد من إطلاق هذه الدعاوي الاشتراكيون أنفسهم والشيوعيون ‏يقلبونه لمصلحتهم. ‏
                      والطريقة الصحيحة للدعوى إلى الإسلام، هي التمييز بين ما هو إسلامي وبين غيره، وعدم ‏الخلط في المفاهيم، وذلك ليبقى الإسلام واضحا نقياً في أعين أتباعه والمخالفين له، وبهذا ‏نحافظ على نصوع صورته في أنفسنا وأمام أعدائنا، ولا مصدر لقوة الإسلام إلا من حقيته ‏في نفسه، فلو توسلنا لزيادة قوته باستعارة بعض المفاهيم من غيره فإن ذلك يكون سببا في ‏الإضلال لا الهداية. ‏
                      ولا شك أن هؤلاء الإسلاميين لم يكونوا يقصدون من قولهم إن الإسلام اشتراكي أو أنه ‏يقول ببعض المبادئ الاشتراكية، إلا أنه ما يزعمه هؤلاء الاشتراكيون من سعيهم للعدالة ‏الاجتماعية، والتساوي بين الناس..الخ ما أطلقوا من غايات لهم، لا يخالف فيه الإسلام، ‏أي إن الإسلام لا يخالف العدالة كمفهوم عام، ولا يخالف التسوية بين الانس، ...الخ، ‏ولكنهم غفلوا عن أن مفهوم العدالة مثلا ليس إلا مفهوما كليا عاما، لا يمكن أن يتحقق ‏إلا إذا تشخص بتقييدات، وهذه التقييدات لا بد أن تنبني على أسس فلسفية أو فكرية أو ‏مبادئ دينية عامة، فالعدالة في نظر الاشتراكيين المنع من الملكية الخاصة وإعطاء الواحد ‏بحسب عمله مع عدم تملكه شيئا، وفي مرحلة الشيوعية، المنع من الملكية الخاصة وإعطاء ‏الواحد بحسب حاجته لا عمله مع عدم تملكه شيئا، فهذه الصورة الجزئية هي التي تريدها ‏الاشتراكية من قولهم إننا نسعى إلى العدالة، فالعدالة في نظرهم هي هذا الحكم الخاص ‏المقيد بعينه، وليس حكما آخر. ‏
                      ونحن نعلم أن الإسلام يرى العدل في كيفيات حكمية غير هذه التي يراها هؤلاء! ‏
                      فيبدو أن الإسلاميين الذين أطلقوا على الإسلام أنه اشتراكي أو شيوعي ربطوا المفهوم ‏الكلي للعدالة بهذين المبدأين، ثم جعلوهما علامة على العدالة، ثم أطلقوا اسم الاشتراكية ‏على الإسلام!! وفي هذا ما فيه من خلط ظهر بما قلناه.‏

                      ما هي الرأسمالية ‏Capitalism؟
                      الرأسمالية في نظري هي عبارة عن مظهر من مظاهر تجليات الفكر البراغماتي، وهي ‏الأساس الذي يعبر عنه، وتقوم فلسفة النظام الرأسمالي على الملكية الخاصة، والسوق الحرة ‏والحرية الضرورية. ‏
                      وأما رأس المال الذي تنسب إليه الرأسمالية فهو ما يملكه الرأسمالي ويستثمره في الإنتاج. ‏
                      فالرأسمالي هو عينه البراغماتي متجليا بالعمل الخارجي الفعلي الممارس لتلك الفلسفة بكل ‏ما تعنيه. ‏
                      وفي الموسوعة الفلسفية لمجموعة من علماء السوفيت:"الرأسمالية هي التشكيل الاجتماعي ‏الذي حلَّ محل الإقطاع. وتقوم الرأسمالية على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج واستغلال ‏العمل المأجور، واستخلاص فائض القيمة هو القانون الأساسي للإنتاج الرأسمالي، وفوضى ‏الإنتاج والأزمات الدورية والبطالة المزمنة وفقر الجماهير والمنافسة والحروب هي الملامح ‏المميزة للرأسمالية...الخ"اهـ
                      فإذا عرفنا أن الرأسمالية تقوم أصلا على المذهب البراغماتي، الذي ينكر في الحقيقة القيم في ‏واقع الأمر، ولا يؤمن إلا بما يؤدي إلى المنفعة، ولا حقيقة إلا لما له نتيجة عملية، والأحكام ‏عندهم لا ينبع إلا من رؤوس البشر، ولا عبرة بأحكام منسوبة إلى السماء، ولا عبرة بمنافع ‏الآخرين إذا كانت مخالفة لمنفعة الرأسمالي. ولذلك لا ضرر في أن ينشئوا بعض الحروب التي ‏تعود عليهم بالفائدة المادية، ولا ضرر من قتل بضعة ملايين من البشر، فلا قيمة لهؤلاء، ما ‏دام قتلهم أو موتهم يعود بالمنفعة المادية للرأسمالي. ‏
                      وأما السوق الحرة غير المقيدة بأخلاق ولا بأحكام شرعية، فحاشا أن تكون متوافقة مع ‏الأحكام الدينية، أو الأحكام الإسلامية، بل إنها مخالفة لها أشد المخالفة، فلا عبرة بالعمل ‏في الإسلام إذا كانت عناصره محرمة، أو في مفسدة، أو قائما على الغش أو غير ذلك. ‏
                      فما يزعمه الرأسمالي من الحرية التي يدعو إليها، لا يجوز للمسلم أن ينادي بالرأسمالية ‏لأجلها، لأن الحرية التي ينادي بها، مبني على أساس أن لا قيمة ولا حق في واقع الأمر إلا ‏لما يجر منفعة لهؤلاء، والأديان في نظرهم لا يجيزون بقاءها، إلا إذا كانت في منفعتهم، ولا ‏يفرقون بين دين وآخر، فكل الأديان وضعية أو سماوية في كفة واحدة عندهم، لا قيمة لها ‏في نفس الأمر، ولكنهم يعنون أكثر في ظاهر ما يبدو للمغترين بهم بالأديان السماوية، ‏وعلة ذلك في نظرنا أن أكثر الأديان انتشارا في البلاد التي سادت فيها الرأسمالية هي ‏الأديان السماوية، فعلة اهتمامهم زيادة اهتمام بها، ليس لقولهم بحقية الدين المسيحي أو ‏صحة الدين الإسلامي، بل ليس ذلك إلا لوجود أنصار لهذه الأديان يستعدون لأن يضحوا ‏في سبيلها!‏
                      فالمذهب الذي بني على أساس القول أن الحق معياره المنفعة، لا يمكن أن يكون موافقا ‏للدين الإسلامي. ‏
                      ولا يصح بأي وجه من الوجوه أن يقال إن الدين الإسلامي عبارة عن تجميع لمجموعة من ‏الأحكام التي أخذها من هذا المبدأ أو ذاك. ‏
                      إن من يقول ذلك، إما هو معادٍ للدين، أو جاهل بآثار هذه الأقوال الفاسدة وما تؤدي ‏إليه من نتائج. ‏

                      وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب
                      السلام عليكم و رحمة الله
                      ألم تظهر الرأسمالية قبل ظهور الفكرة البراجماتية فالفكرة البراجماتية ظهرت في امريكا و هذا الأمر كان قبل ظهور الرأسمالية نرجوا التوضيح شيخ سعيد ؟

                      تعليق

                      • سعيد فودة
                        المشرف العام
                        • Jul 2003
                        • 2444

                        #12
                        السؤال الثالث
                        الحسن والتقبيح العقليان
                        ووجه غلط المعتزلة ومن وافقهم

                        ورد في السؤال الرغبة في معرفة وجه خطا المعتزلة في هذه المسألة.
                        فنقول: لكي يتضح موقف المعتزلة وأهل السنة وغيرهم من هذه المسألة، لا بد أولاً من ذكر تعريف الحسن والقبح العقليين، وبعد ذلك يمكن معرفة من الذي جانب الصواب، وما علة الحكم عليه بأنه قد وقع في ذلك.
                        تعريف الحسن والقبح
                        ذكر العلامة الشريف الجرجاني في التعريفات أن "الـحُسْنَ هو كون الشيء ملائماً للطبع، كالفرح، وكونُ الشيء صِفَةَ كمالٍ، كالعِلْمِ، وكَوْنُ الشَّيءِ مُتَعَلَّقَ المدْحِ والذَّمِّ، كالعبادات."
                        واشتمل كلامه هذا على بيان أن الحسن يطلق على ثلاثة معانٍ، الملاءمة للطبع، وصفة الكمال، وكونه متعلقا المدح والثواب.
                        أما كون الشيء ملائما للغرض: فالغرض هو الهدفُ المقصود من الفعل، واسم يطلق على كل غاية يُتَحَرَّى إدراكها، كذا وضحه صاحب المفردات، ولم يزِد السمين الحلبي في عمدة الحفاظ على ما قاله الأصفهاني، وكذا الطريحي في مجمع البحرين مع أنه زعم أنه سيأتي في هذا الكتاب بما لا يوجد في كتب القوم!
                        وقال العلامة الكفوي في الكليات:"الغرض هو الفائدة المقصودة العائدة إلى الفاعل التي لا يمكن تحصيلها إلا بذلك الفعل. وقيل الغرض هو الذي يتصور قبل الشروع في إيجاد المعلول، والغاية هي التي تكون بعد الشروع.
                        والغاية هي ما يؤدي إليه الشيء ويترتب هو عليه. وقد تسمى غرضا من حيث إنه يطلب بالفعل ومنفعة إن كان مما يتشوفه الكل طبعاً.
                        وقال بعضهم: الفعل إذا ترتب عليه أمر ترتباً ذاتياً يسمى غاية له من حيث إنه طرف الفعل، ونهاية وفائدة من حيث ترتبه عليه، فيختلفان اعتباراً، ويَعُمَّانِ الأفعال الاختيارية وغيرها، فإن كان له مدخل في إقدام الفاعل على الفعل يسمى غرضا بالقياس إليه، وعلة غائية وحكمةً ومصلحة بالقياس إلى الغير.
                        وقد يخالف الغرض فائدة الفعل كما إذا أخطأ في اعتقادها، وهو إذا كان مما يتشوفه الكل طبعا يسمى منفعة."اهـ
                        وكلامه هذا مفيد ودقيق وفيه فوائد عزيزة. وقد لخصه د. عبد المنعم الحفني وأودعه في المعجم الشامل لمصطلحات الفلسفة.
                        فالفعل الحسن إذن تكون منفعته عائدة إلى الفاعل، والفاعل يُطْلِقُ على الفعل أنه حسن لأجل ملاءمته له ونفعه. فالذي لا نفع له يرتجيه من غيره، لا يجوز أن يقال إن له غرضا من أفعاله، لأنه لا يدفعه إلى تلك الأفعال منفعة يكتسبها من فعله.
                        ولا يخفى أن من يقصد بفعله منفعة له، فإنه في ذاته ناقص، وأن من يفعل الفعل على سبيل الوجوب لأجل منفعة مطلقا سواء كانت عائدة عليه أم كانت عائدة على غيره، فإنه غير مختار فيما يفعل، لأنه لا يمكن إلا أن يفعل هذا الفعل الموصوف بالحسن، وعدم فعله للحسن أمرٌ قبيح، والكامل على زعم من يقول بالحسن والقبح العقليين لا يفعل القبيح، ولا يترك الحسن.
                        وأما المعنى الثاني وهو صفة الكمال، كالعلم فإما أن تكون هذه الصفة واجبة أو ممكنة الوجود، فإن كانت واجبة فلا فاعل لها، وإن كانت ممكنة فلها فاعل، فلا يخلو إما أن يكون مختارا في فعله وإيجاده لها، أو مضطراً، وعلى سبيل الإجمال نقول: إن الله تعالى لا يفعل الأشياء الحسنة في ذاتها بهذا المعنى إلا على سبيل الاختيار، فإيجاد المخلوقات أو إيجاد الصفات الحسنة لهم، هي من أفعال الله تعالى الاختيارية، وإن كان نفس المفعول حسنا بهذا المعنى.
                        ولا ضرر من أن نقول إنها حسنة بهذا المعنى، لأن الوجود خير من العدم، والعلم خير من الجهل، والوجود في ذاته كمال للموجود بهذا المعنى، كما أن العلم في ذاته كمال للموجود بهذا المعنى.
                        وأما كون الفعل متعلقاً للمدح والثواب :
                        فها هنا أمران، الأمر الأول: الفعل، والثاني: كونه متعلَّقا للمدح والثواب.
                        ولا ريب أن لله تعالى أفعالا، فهل يمكن أن تكون متعلقة للمدح والثواب، وللذم والعقاب، أي الحسن والقبح بالمعنى الثالث.
                        وفي هذا القسم وقع الخلاف بين المعتزلة ومن وافقهم وبين أهل السنة ومن مشى معهم، فالمعتزلة قالوا أفعال الله تعالى يطلق عليها الحسن والقبح بهذا المعنى، وأهل السنة قالوا: لا.
                        فالمدح معنى والثواب معنى آخر.
                        والمدح هو الثناء باللسان على الجميل الاختياري قصدا. فإن كان هذا هو المدح مطلقا، فيجوز الثناء على الله تعالى من أجل صدور الأفعال الاختيارية عنه جل وعلا، وهذا تعلق للمدح بالمعنى المصدري للفعل.
                        وأما الحمد لله تعالى من أجل ملاحظة المعنى الاسمي من الفعل، لا المصدري، والمعنى الاسمي هو عين المفعول، ففي عمومه في كل الحالات نظر! فتأمل.
                        هذا بمراعاة قانون أهل السنة.
                        فلا بدَّ من مراعاة البحث هنا في جهتين، الأولى: جهة صدور الفعل، والثانية الفعل نفسه.
                        وقد تضاف جهة أخرى إلى النظر، وهي كون الله تعالى متصفا بصفة (القدرة) وهي منشأ الأفعال (بالإرادة)، وهذا المحلُّ لا شكَّ في كون الله تعالى ممدوحاً به أزلا، بخلاف المعنى المصدري والاسمي بالضرورة، لكون أفعال الله تعالى حادثة، لاستلزام القدم الاستغناء.
                        وأما الثواب والعقاب، فلا يتعلقان بالله تعالى قطعا، لا عندنا ولا عند المعتزلة، فلا أحد يجيز ذلك.
                        فما هي جهة الاختلاف بين الفريقين إذن؟
                        إن المعتزلة قالوا بأن الفعل في نفسه أي بالنظر لماهيته وحقيقته أو بالنظر لاعتبارات لاحقة له، يكون إما حسنا أو قبيحا، وبناء على حسن الفعل وقبح، فالله يفعل الحسن ويترك القبيح.
                        فحسن الفعل إذن هو العلة في فعل الله تعالى إياه.
                        فتكون أفعال الله تعالى معلَّلَةً عندهم، ولذلك قال لهم أهل السنة يلزمكم أن يكون الله تعالى مجبورا لا فاعلا مختاراً.
                        إذن بالنظر في هذه الجهة، فيمكن عند المعتزلة أن يتوجه المدح والقبح إلى أفعال الله تعالى، ومرجعهم في ذلك أن هناك أفعالا واجبة في نفسها، إنْ فَعَلَها الله تعالى مُدِحَ، وإلا قَبُح ذلك منه، تعالى الله عن ذلك.
                        وهذا كما ترى متوقف على اعتقاد المعتزلة أن للأشياء ثبوتا في ذاتها (كما في أحوال أبي هاشم)، أو أن الأحكام ثابة في نفسها بالضرورة لا بوضع واضع ولا تتوقف على إرادة مريد (كما عند جمهورهم)، وهذا معناه أن الله تعالى إن أراد أن يفعل فلا بدَّ أن يتمَّ مراعاة الحسن والقبح الثابتين في الأشياء في نفسها ولذاتها أو لأمور اعتبارية أو لصفات قائمة فيها على اختلاف بينهم مشهورٍ.
                        ولذلك فأنت ترى الأشاعرة يلزمون المعتزلة بالإيجاب على الله تعالى، وهذا الملْحَظُ كان أحد أسباب نفي صفة الإردة عند المعتزلة، وإرجاعها إمَّا إلى العلم أو إلى الأمر، كما عند الكعبي، أو إلى قول غيره بأنها حادث لا في محلٍّ!! ولا يخفى ضعف هذه الأقوال كلها.
                        إذن المرجع في أصل النزاع يدور حول هذا المعنى، ولا شكَّ في خطورته، وتأثيره في العديد من المسائل والأصول.
                        ولهذا المعنى نسب بعض أهل السنة إلى المعتزلة تأثرهم بالفلاسفة في الإيجاب على الله تعالى، مع ملاحظة أن الفلاسفة قد نفوا صفة الإرادة عنه تعالى، فاشتركوا مع المعتزلة في ذلك، ووافقهم في ذلك الشيعة وغيرهم.
                        وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

                        تعليق

                        • سعيد فودة
                          المشرف العام
                          • Jul 2003
                          • 2444

                          #13
                          السؤال الرابع: هل اللغة سابقة أو الفكر
                          بحَثَ العديدُ من المتكلمين والأصوليين والفلاسفة واللغويين في هذا المبحث، وأودعوا بحوثهم تلك في كتبهم المعروفة، ونحن هنا سنذكر لك خلاصة قد يكون فيها مقنع.
                          إن كانت اللغة محلُّ الكلام- هي تلك المؤلفة من ألفاظ وأصوات أو إشاراة ورموز مرتكبة حادثة دالة _إما بالوضع أو بالذات أو بغير ذلك- على معانٍ هي موجودة في النفس، فلا يمكن تعقل لغة إلا بتعقل المعنى المذكور، وإلا فلا معنى للغة. فإن صحَّ ذلك فلا يصح أسبقية اللغة على المعنى، ولكن يبقى احتمالا إما أن يكون المعنى سابقاً، أو أنهما متساوقان في الوجود، بحيث يكون : كلما وجد المعنى وجدت اللغة، وبالعكس كلما وجدت اللغة وجد المعنى.
                          ولو نظرنا في الاحتمال الثالث وهو التساوق، لعرفنا أنه خلاف ما نحس به من وجود معانٍ معينة في نفوسنا ثم يتم اختراع ألفاظ لها لتدلَّ عليها. ثم يبطل هذا الاحتمال من أصله إن لوحظ في اللغات أنها موضوعة للدلالة على المعاني، فكونها موضوعة لذلك يستلزمة قطعاً أنها مسبوقة بالمعاني، لا مصاحبة لها.
                          فالاحتمال الراجح عندنا أن اللغة بالمعنى المذكور- لا يمكن أن تكون قبل المعاني، وبالتالي لا يمكن أن تكون قبل الفكر.
                          أما البحث بعد ذلك في أن اللغة هل هي ضرورية للفكر أو لا، ففيه إجمال، فإن قصد أنه يستحيل أن يوجد نظر وفكر في نفس إنسان إلا بتوسط لغة من اللغات، فهو مردود بما سبق، ولما نحسه من أنفسنا بالنظر في معانٍ بلا توسط ألفاظ ولا حاجة لها أصلا ولو في بعض الأحيان. وإن قصد أن اللغة تفيد في تقوية قدرة الإنسان على النظر والفكر باستحضار المعاني وترتيبها ونحو ذلك، فلا شك في هذا ولا ريب، وذلك لعجز الإنسان عن استحضار المعاني العديدة وبمراتب كثيرة من درجات الفكر والنظر دفعة واحدة، فلذلك يستعين على ذلك باستحضار ذلك إما في خياله باستحضار صور ألفاظ دالة على المعاني، أو باستحضارها مكتوبة أو نحو ذلك.
                          وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

                          تعليق

                          • بلال النجار
                            مـشـــرف
                            • Jul 2003
                            • 1128

                            #14
                            بارك الله فيكم يا مولانا وأمتع بكم. فيما يتعلق بالتفكير بواسطة الألفاظ المتخيلة وبحسب قراءاتي فغاية ما وجدت العلماء يتكلمون فيه هو ما أشرتم إليه من صعوبة عدم اقتران الفكر بالألفاظ المتخيلة. وقد وقفت عليه في بعض الحواشي. وأما أن الفكر لا يكون إلا بالألفاظ الموضوعة المتخيلة بحيث تكون اللغة وعاء للفكر تقيده، فهو قول واه منقوض بالتأمل. وأذكر أن الفلسفة الماركسية لها كلام في ذلك إذ يرسمون دائرة على محيطها ثلاث كلمات اللغة والفكر والعمل. فإن كانوا يقصدون بذلك أن الفكر يكون في حدود اللغة والعمل ترجمة للفكر ثم العمل باعث على توسيع اللغة في سياقات الحاجة فيعود ذلك على الفكر بالتوسع فهو قول لا يصح بهذا الإطلاق. فلعمري كيف تتوسع اللغة وتزداد مفرداتها لولا سبق ملاحظة العقل لمعان لم يسبق أن وضع لها من الألفاظ ما يدل عليها. فبان أنه لا زيادة في الوضع قبل الفكر.
                            ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

                            تعليق

                            • سعيد فودة
                              المشرف العام
                              • Jul 2003
                              • 2444

                              #15
                              نعم يا أخي العزيز بلال،
                              يوجد بعض مذاهب المتفلسفة في هذا الزمان من ينادي بأن لا فكر وراء اللغة، بل يجعلون الفكر هو اللغة...
                              وبهذا يتميز مذهبنا عنهم...
                              والماركسية نعم ما عزوته إليهم مسألة مشهورة بينهم كانت عنوانا يبتدئون به كلامهم مع الناس ....
                              وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

                              تعليق

                              يعمل...