إشكالات حول فائدة علم المنطق

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • بلال النجار
    مـشـــرف
    • Jul 2003
    • 1128

    #31
    أخي الفاضل

    أما شبهة أن المنطق لكونه نظرياَ يعرض فيه الغلط فإنه يحوج فيه قانون إلى قانون آخر ويتسلسل.
    فمفتاح الرد أن المنطق بعضه ضروري وبعضه نظري يكتسب من الضروري منه بطريق ضروري كما يكتسب غير البين من الاشكال من الشكل الاول الضروري بطريق بينة فاستغنى عن منطق آخر. ولا ينقصك النباهة وحسن البحث لتفصل وتزيد في الجواب وترينا مقالة ندعو لك حين نقراها.
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

    تعليق

    • علي عبد اللطيف
      طالب علم
      • Dec 2007
      • 730

      #32
      جزاك الله خيراً يا سيدي بلال.....
      تلميذكم
      الحمد لله

      تعليق

      • بلال النجار
        مـشـــرف
        • Jul 2003
        • 1128

        #33
        وشبهة القائل: (إن العقول التي نظرت وكشفت عن قوانين المعقولات ودقائقها وضوابطها وعلى رأسها علم المنطق ليست بمعصومة في آحادها والإجماع لا يعتد به في العقليات فما الضامن أنه لم يعرض لها الخطأ والوهم أثناء كشفها عن نفس قواعد وقوانين المنطق ولامعصوم ها هنا نحتكم إليه للتمييز بين الحق والباطل من القواعد المنطقية)

        فمفتاح الجواب: أن هذا كلام خطابي لا تحقيق فيه. بيانه أن قوانين المنطق ضروريات أو نظريات مبرهن عليها فمآلها إلى الضرورة. والقادح فيها قادح في الضرورة. ولا يمكن لعاقل أن يقيم علماً إذا أنكر الضرورة، ولا ينكر الضرورة إلا السفسطائية. فلا يقال يعرض الخطأ لواضع القوانين. لأنا نقول إن كانت ضرورية فلم يفعل الواضع إلا أنه عبر عن الضرورة. وإن كانت نظرية فلا تعد قوانين إلا إذا برهن عليها برهاناً صحيحاً. فالاتفاق الحاصل بين الناس على قواعد المنطق ليس إجماعياً حتى يقدح في عدم فايدته في هذا المحل لكونه في أمر غير ديني أو غير ذلك مما قد يقال، لأنه اتفاق على ضرورة وهذه لا يقع الخلاف فيها أصلاً إلا ممن لا يعتد العقلاء بخلافه وهم السفسطائية. أما في القواعد الضرورية فظاهر، وأما في المبرهنات فلضرورية نفس البرهان.
        وأما ما قد يشتبه على الأغرار من أنه قادح في قوانين المنطق مما يقرأه من خلافات في الكتب المنطقية فليست في القواعد المنطقية وقوانين الفكر، بل في أمثال البحث عن حقايق الأشياء ككلامهم في حقيقة التصديق والعلم والوجود... ونحو ذلك مما هو محل نظر وبحث واجتهاد وتنقيح.... والبقية عندكم يمكنك أن تستقصي محلات البحث والخلاف في الكتب المنطقية لتعلم ما أعني بهذا الكلام. وفقكم الله تعالى وسدد خطاكم. وإن بقي عندك شبهة أخرى تريدني أن أجمل لك الجواب عنها فهاتها لأوافيك بذلك إن شاء الله تعالى
        ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

        تعليق

        • علي عبد اللطيف
          طالب علم
          • Dec 2007
          • 730

          #34
          جزاك الله خيراً يا سيدي سأبدأ بالتخليص معتمداً على ما تفضلتم به ....

          أسأل الله لكم أن يجعلكم قرة عين لحضرة مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم....أنتم ومن تحبون.....
          الحمد لله

          تعليق

          • أنفال سعد سليمان
            طالبة علم
            • Jan 2007
            • 1681

            #35
            بسم الله الرحمن الرحيم

            السلام عليكم و رحمة الله

            بدايةً الشكر موصول للأخ علي عبد اللطيف على جهده و وقته، جزاه الله خيرا.

            في الحقيقة الأخ علي اختار الشبهة ذاتها التي أريد ردا شافيا عليها. و لكن لست أدري لم للآن لم أجد جوابا مقنعا لي في هذا الموضوع، و سأبين في مشاركتي هذه محل إشكالي بالضبط، و أرجو من المتخصصين التصحيح.

            و ليكون المتخصص الذي سيجيبني -متفضلا، مشكورا- بالصورة فأنا درست السلم بشرح الأخضري و حضرة العلامة الأستاذ سعيد -أسعد الله مهجته-، مع مبحث التصورات برمته و جزء كبير من القضايا من شرح الخبيصي على التهذيب، و شرعتُ الآن في قراءة ضوابط المعرفة للميداني و قد أنهيت ربع الكتاب تقريبا. و إلى هذا الربع لم يضف إلى علمي زيادة كبيرة على ما أعلمه من شرح السلم و الخبيصي، و لا أنفي مطلق الفائدة. و قرأت أيضا تدعيم المنطق.

            و في الأصول شرح المحلي على الورقات، و في الكلام كتب المبتدئين كتهذيب السنوسية و السنوسية و صغرى الصغرى، و لم أجاوز مستوى الاقتصاد. (ذكرتُ هذا لأبين أني لم أستفد للآن كثيرا من المنطق في هذين العلمين، للآن)

            المهم، رجع إلى الشبهة، قال الأخ صهيب:

            3 ذهب أكثر المحققين من المناطقة إلى أن المنطق يتعلق بتعديل صور القضايا و ترتيبها و هيأتها و لا يتعلق بمواد القضايا إذ مواد القضايا يبحث عنها في علومها الخاصة بها إن كانت من مباحث الهندسة ففيها و إن كانت من مباحث الأصول و الطب و الكلام و الفلك و الفقه و الطبيعيات ، .... إلخ من العلوم يعرف صحتها و سقمها في العلوم المختصة بها ، و المدقق يجد أن أكثر الأخطاء و الشبه و الإشكالات تقع في مواد القضايا لا في صورها و علم المنطق يبحث في صور القضايا لا موادها فلا يكفي المنطق وحده عندئذ للعصمة في التفكير و يحتاج معه إلى أمور و علوم و قواعد أخر فقواعده تعصم الذهن جزئيا لا كليا عن الوقوع في الخطأ

            و أنا مع الأخ علي عبد اللطيف أن مبحث مواد القضايا/ الأقيسة مذكور في كتب المنطق و لا شك. يعني: يذكر لنا المناطقة أقسام الأقيسة: برهاني، جدلي، خطابي الخ ثم يتطرقون إلى ما تتألف منه هذه الأقيسة، فإن كان برهانيا تألف من يقينيات: الحدسيات، الأوليات، المتواترات الخ، إلى آخر ما يذكره المناطقة في هذا المبحث.

            هذا مسلَّمٌ لا أنكره، و لكن الجزئية التي لا أرى أن الأخ عليا أجاب عليها من الشبهة -و هي الأهم بالنسبة لي- هي هذه:

            و المدقق يجد أن أكثر الأخطاء و الشبه و الإشكالات تقع في مواد القضايا لا في صورها
            بل أقول: الأمر لا يحتاج إلى تدقيق، هل ينكر هذا أحد؟ أقصد: كون أكثر الشبه و الإشكالات من المواد لا الصور؟ لا أريد أن أتكلم باسم الكل، فلْأتكلم عن نفسي: فأنا لم أرَ أحدا خطّأ الآخر و نقده لغلط في نظم القياس أو أنه لم يقف على شروط نظم الشكل الأول مثلا. كل ما أعرفه أنهم يخطئون بعضهم بسبب علة في المضمون، أي إذا كان مخالفا للواقع في اعتقاد الناقد.

            فكون مبحث مواد القضايا ألحق في آخر كتب المنطق الإسلامي لا ينفي هذه الحقيقة، أقصد أن مرد معظم الإشكالات إن لم يكن كلها هو موادة لقضايا لا الأقيسة.

            و إني استغربتُ كلمة قالها شيخي حسن هيتو حفظه الله أيام كنت أدرس عنده المنطق، قال لنا أن المنطق هو أصعب العلوم، مع أني أراه علما سهل المأخذ لا أقصد بالنسبة لي فقط أقصد عموما. فلا أدري هل يوافقني الإخوة على هذا؟

            و أذكر أني سألت دكتوري في الجامعة (يدرّس فارماكولوجي علم من علوم الصيدلة) إن كان سمع بعلم المنطق (logic) فقال لا!! و دكتوري درس في أوروبا -على ما أذكر-. طبعا أنا لم أورد هذه الحادثة لأني أعتقد كلام دكتوري حجة، قصدتُ فقط أن أبين أن الدكاترة في الجامعة -أتكلم عن تخصصي- درسوا و نالوا البكالوريوس و الماجستير و الدكتوراه في علوم الصيدلة و لم يضرهم أنهم لم يدرسوا المنطق أو لم يسمعوا به حتى (ذكرتُ فقط هذا الدكتور و لكني أكاد أجزم أن بقية الدكاترة حتى لو سمعوا بالمنطق فإنهم لم يدرسوه). و أقصد لم يضرهم: أي لم ينقص من ملكتهم في النقد و الاستدراك و الدقة، بحكم تجربتي في مخاطبتهم و مناقشتهم.

            الذي أريد قوله: -و أورد هذه النتيجة لتكون مجال نقاش-: أن علم المنطق ليس ذا كبير فائدة، نعم، أحترم فعلا قدرة أرسطو العجيبة في اختراع هذا العلم، و استنباط الأشكال و وضع شروط عليها و غير ذلك، و لكن، من حيث التطبيق و الفائدة المجنية من دراسته و قراءة كتبه فلا أراها ظاهرة. و قولي ليست ظاهرة أقصد به أن من لم يدرس المنطق فلن يفوته الكثير لا في علم الكلام فضلا عن غيره من العلوم. فالمبتدئ في العقيدة مثلا عنده برهان الحدوث واضح كالشمس في رابعة النهار، لا يحتاج أن يعرف مثلا الشكل الأول و شروطه ليقر به. و أما من أراد الترقي في علم الكلام فلربما يحتاج إليه من جهة حاجته إلى معرفة الاصطلاحات و التعبيرات المبثوثة في كتب الكلام التي لو لم يكن طالب العلم قارئا لكتاب في المنطق فلن يستطيع فهمها، و الله أعلم، هذا فقط ظني فأنا لم أترقّ أصلا في الكلام لتكون وجهة نظري عن تجربة و خبرة لذلك فليصححني المتخصصون.

            أما قول حجة الإسلام رضي الله عنه المشهور المأثور -فيما معناه- "من لم يدرس/ يعرف علم المنطق فلا ثقة بعلمه"، فبيّنٌ أن من كانت عنده قواعد علم المنطق راسخة في ذهنه فلا يحتاج إلى هذا العلم.

            و تختلف البدائه المذكورة في كتب المنطق عن البدائه المذكورة في علم الرياضيات، فالأول لا يحتاج إلى دراسة في نظري، و الثاني يحتاج. و إلا لم درّس الرياضيات للتلميذ منذ بداية التحاقه بالمدرسة.

            أما قول الأخ صهيب:

            فلا يكفي المنطق وحده عندئذ للعصمة في التفكير و يحتاج معه إلى أمور و علوم و قواعد أخر فقواعده تعصم الذهن جزئيا لا كليا عن الوقوع في الخطأ
            فهو استنتج قوله : ( فقواعده تعصم الذهن جزئيا لا كليا عن الوقوع في الخطأ) من قوله قبله مباشرة : (و يحتاج معه إلى أمور و علوم و قواعد أخر) و عليه فأنا أرى هذه المقدمة صحيحة تماما و مفضية إلى النتيجة. فلا شك أن لكل فن قواعد و شروطا و ضوابط إذا لم يلتزم بها طالب العلم، أو لم يعرفها من الأساس، وقع في الخطأ في التفكير.

            و أما قول الأخ علي أخيرا:

            وأخيراً أقول للمشكك في فائدة علم المنطق ويناظر في ذلك وهو يستدل على ذلك بالقياس فهو أمام أحد أمرين: إما أن يعترف بفائدة علم المنطق وأن مراعاته تعصم ليسلم له هذا النظر والاستدلال فيكون استدلاله ونظره مفيداً وهو مطلوبنا أو يبقى على اعتقاد عدم فائدته فيفسد دليله لأن المبني على عديم الفائدة عديم الفائدة مثله.
            أقول: إن طريقة الاستدلال التي نظمها الأخ صهيب يقر هو بها و يقر بها أيضا المعارضون لعلم المنطق، من حيث هي بديهة من بدائه العقل، لا من حيث حاجة دراستها و معاناة قراءة كتاب في المنطق لمعرفتها.

            و في الحقيقة الفائدة التي استفدتها من علم المنطق ترجع إلى استفادة الألفاظ و الاصطلاحات أكثر من المحتوى. (مقدمة، حجة، قياس، مانعة جمع و خلو، مانعة خلو، الخ)

            هذا ما عندي، و أرجو من المتخصصين الجواب، و السلام عليكم.

            تعليق

            • بلال النجار
              مـشـــرف
              • Jul 2003
              • 1128

              #36
              بسم الله الرحمن الرحيم

              الأخت الكريمة

              قوله: (ذهب أكثر المحققين من المناطقة إلى أن المنطق يتعلق بتعديل صور القضايا و ترتيبها و هيأتها و لا يتعلق بمواد القضايا إذ مواد القضايا يبحث عنها في علومها الخاصة بها إن كانت من مباحث الهندسة ففيها وإن كانت من مباحث الأصول والطب والكلام والفلك والفقه والطبيعيات، .... إلخ من العلوم يعرف صحتها وسقمها في العلوم المختصة بها، والمدقق يجد أن أكثر الأخطاء والشبه والإشكالات تقع في مواد القضايا لا في صورها وعلم المنطق يبحث في صور القضايا لا موادها فلا يكفي المنطق وحده عندئذ للعصمة في التفكير ويحتاج معه إلى أمور و علوم وقواعد أخر فقواعده تعصم الذهن جزئيا لا كليا عن الوقوع في الخطأ)


              حاصل هذا الكلام أن المنطق ليس ميزاناً كافياً للعصمة عن الخطأ في الفكر فيعصم جزئياً لا كليّاً لعنايته بالصورة فقط دون المادة؛ لأنّ أكثر الخلاف في المادة، وكل مادة يبحث عن صحتها وفسادها في العلم الذي يختص بها.
              لنحلل هذا الكلام مفترضين أننا ندرس الفيزياء مثلاً. ولنقدّم بتعريف العلم أيّ علم. العلم تصوّرات وتصديقات كثيرة يطلب حصولها بأعيانها عن طريق النظر والاستدلال.
              فالقائل يقول بالمعنى: إن دارس الفيزياء لا يعصمه المنطق إلا جزئياً من حيث الصورة فقط في نظره واستدلاله لتحصيل تصوراته وتصديقاته في علم الفيزياء. ولكنّ المنطق لا يحصّل له العصمة في المادة التي يقع فيها فكره، تلك المادة التي هي عبارة عن القضايا الفيزيائية، فعليه أن يدرس الفيزياء ليعلم صحتها من فسادها. وبما أنّ أكثر الخطأ يقع فيها فكأنّ القائل يقول: لا داعي لدراسة المنطق من أصله لأنه إما أنه ليس له فائدة أصلاً أو أن فائدة قليلة لا تكاد تذكر. وهذا الكلام منه هو إعادة صياغة لما قاله ابن تيمية من قبل: "المنطق لا يحتاج إليه الذكي ولا ينتفع به البليد". والأخت السائلة توافق إلى حد ما على هذا الكلام مستدلة بذلك بجربتها الشخصيّة حيث لم تفد هي أيضاً من المنطق الفائدة المرجوة على ما يظهر.

              فأقول: ليس صحيحاً أن المنطق لا دخل له بمواد القضايا. بل المنطق يعطينا ميزاناً لنزن به القضايا لنعرف صحتها من سقمها فيقرر أن المادة أي القضيّة المنظورة من قبل الناظر إما منقولة أو معقولة. فإن كانت منقولة فيقول لنا لا يصل منقول إلى درجة العلم إلا إذا كان متواتراً أو في قوّة المتواتر كالآحاد المحفوف بالقرائن. ويقول إن هنالك قضايا ظنية ومشكوكة وموهومة فإذا استعملت كمقدمات في الاستدلال تبعت النتيجة الأخسّ منها. وإنت كانت القضيّة كاذبة لم تسلتزم شيئاً لأن الخطأ لا يستلزم شيئاً بل اليقين هو المستلزم لليقين أو الصواب هو المستلزم للصواب، واللازم الباطل دال على فساد الملزوم أما اللازم الصحيح فلا يدل على صدق أو كذب ملزومه. ونجد المنطق يتكلم في معنى التواتر وشروطه وتقرير كونه طريقاً من طرق المعرفة اليقينية.

              وإذا كانت معقولة فإن كان ضرورية، وإلا طلب الدليل على صحتها. فيسأل أهي مأخوذة من حس، أم من حسّ وعقل (عادة)، أم هي مشهورة، أم هي مظنونة، أم هي معقولة محضة فلا بدّ من البرهان عليها... كلّ هذا وأكثر -وبالتفصيل الكافي الذي يسير معه الباحث في علم من العلوم على هدى- يتناوله المنطق. فكيف يقال إن المنطق لا يعصم الذهن من جهة المادة؟!
              عجباً، المنطق علم آليّ فهو يعطيك الآلة، ويوصيك بترتيب المقدمات (المواد) والنظر فيها واختبار صحيحها من فاسدها، فإن لازمها بحسبها، ويحدد لك ما هو اليقيني منها من غير اليقيني ببيان الصفات العامة لليقيني وغيره، ويحدد لك الإجراءات التي عليك اتباعها لاختبار المقدمات. فلم يبق على الباحث في علم معين لكي يحصّل ذلك العلم إلا أن يسلك هذه الطريق التي رسمها له المنطقيّ، فقد أحكم له الطرق التي تؤدي به لتحصيل التصورات الصحيحة والتصديقات الصحيحة.
              فكيف يقال إن المنطق لا يفيد في تحصيل العلوم؟! هل المطلوب أن يزودنا المنطق بنظّارة إذا نظرنا من خلالها في مادة ما أن نعرف أنها مطابقة للواقع أو غير مطابقة؟! هذا الكلام لا يقول به عاقل. فهذا هو العمل الذي يقوم به كلّ صاحب فنّ في فنّه الذي يشتغل به. فإذا تعلّم المشتغل المنطق تعلّم القوانين الكليّة للفكر، ثمّ عليه هو أن ينظر في الجزئيات ويختبرها. كما أنّ الأصوليّ لا يطلب منه أن ينظر في الجزئيات بل يعطي الفقيه القوانين الكليّة التي يسلكها لاستنباط الأحكام الجزئيّة. فإذا لم يتوصل الفقيه إلى حكم معين في مسألة ما، فهل يوضع اللوم على الأصوليّ ويقال إن علم الاصول علّمه البحث في الصورة ولم ينفذ إلى المادة، والخلاف الحاصل بين الفقهاء إنما هو في المادة!؟ لا أحسب ذا رويّة يقول ذلك.
              وأما أنك تجدين المنطق سهلاً فهذا ممّا يسرّ، ولكني أرجو أن لا يتغيّر رأيك عند قراءة كتب في مستوى الشمسيّة، والمطالع وحين تخوضين في إشكاليات المنطق الحقيقيّة. صدقيني حين يبدأ الإنسان في أي علم يجده سهلاً ميسوراً ضيقاً فإذا بدأ يغوص فيه اتسع حتى صار بحراً لا ساحل له. وكلّ يتكلم بحسب حاله، ويصدر عن تجربته، فالشيخ حسن يقول ما رأى، وأنت تقولين ما رأيت، وكلاكما مصيب لأن الأمر أعني السهولة والصعوبة نسبيّ بالفعل إذا اتحد المنظور فيه، فإذا اختلف لم يتحقق تناقض لاختلاف الموضوع، فلا داعي للعجب. هكذا يقول المنطق المظلوم.
              أما أنّ الدكاترة الذين لقيتهم ولم يدرسوا المنطق ولم ينقص ذلك من ملكاتهم، فنحن لا نقول إن كلّ من لم يدرسه تنقص ملكته، فلربما كان سليم الطباع، مجبولاً على ذكاء الفؤاد، ولكنا نقول إن من يدرسه فإن ذهنه يتقد ويشحذ ويتوسع إدراكه ويقوى وينعكس ذلك على تفكيره وكلامه...هذا أمر مجرّب معلوم مشهور بين المتقدمين والمتأخرين، ولا يحتاج لأن يستدلّ عليه لكثرة شهادات العلماء وطلبة العلم عليه. وفي مثال قريب هنالك أخ فاضل يدرس معي المنطق من مدّة، وهو مشتغل بطلب العلم وتفسير القرآن منذ سنين طويلة، يعترف لي ويقول إن المنطق قد فتح في عقله آفاق كانت مغلقه، وأفاده في التفسير في أنظار لم يكن ليلتفت إليها من قبل دراسة المنطق، وهو من هو في حفظه وسعة اطلاعه. وقد درست في الجامعة، وليتني التقيت بمثل هؤلاء الدكاترة الذين تصفينهم بهذه الأوصاف. فأغلب من لقيتهم ممن يتحرّجون من مناقشة أيّ مسألة. ثم إني أوافق الإمام الغزاليّ في أن من لم يدرسه لا ثقة لنا بعلمه وهو بالطبع لا يقول هنا قضيّة كليّة، فهو رحمه الله تعالى يعلم أنه يوجد الأفراد ممن لم يدرسوه ممن يوثق بعلومهم. وأخالفك الرأي فأقول إن من لم يدرس المنطق فقد فاته الكثيييير الكثير، وسيفوته الكثير في المستقبل، والأذكياء موجودون في كلّ زمان، ولكنهم قلة قليلة، والنوابغ ندرة نادرة، "إنما الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة".


              قولك: (و تختلف البدائه المذكورة في كتب المنطق عن البدائه المذكورة في علم الرياضيات، فالأول لا يحتاج إلى دراسة في نظري، و الثاني يحتاج. و إلا لم درّس الرياضيات للتلميذ منذ بداية التحاقه بالمدرسة)

              أقول: البدهيات هذ البدهيات سواء كانت في المنطق أو في غيره، ولا شيء من البدهيات بحاجة لدراسة. والبدهيات هي الأصول التي تبنى عليها النظريات. والطالب يذهب إلى المدرسة ويدرس الرياضيات ولا يدرس المنطق لأن الذين وضعوا المناهج لم يضعوا في المنهاج المنطق، وإلا فقد مرّ زمان كان السلّم يحفظ في الكتّاب. والرياضيات كلّها من أولها إلى آخرها مبنية على المنطق. وهي ثمرة من ثمار المنطق، يعرف ذلك من يتقن الرياضيات. فالرياضيون الأوائل هم المناطقة، وما زال كبار الرياضيين هم من المناطقة، ومن يعرف الرياضيات يعرف أنه لا يكون القانون قانوناً إلا إذا تمّ البرهان عليه، والبرهان الرياضيّ هو عين البرهان المنطقي لا يختلف عنه في شيء أبداً بشقيه المباشر وغير المباشر الذي كان يسمى برهان الخلف في عند المناطقة.

              ولا يوجد علم إلا وفيه جدل، وبحث ونظر، وعلم آداب البحث والمناظرة لا قيام له بدون المنطق فهو يتأسس تأسساً عليه، ويتبوب بناء على أبواب المنطق.

              والمنطق لمن لا يعرف هو الأساس الذي قام عليه علم الأنظمة الرقميّة وتكنولوجيا الحواسيب وتصميمها، لأن ذلك قام على الجبر البوليني أو المنطقي. وأساسه هو فرض متغّيرات لها إحدى قيمتين إما الخطأ أو الصواب -وهو تطبيق مباشر على مبدأ الثالث المرفوع في المنطق- ثم استلزام نتيجة تلك المتغيرات كما تقول: صائبة وصائبة فالنتيجة صائبة، وهو تطبيق مباشر للقياس المنطقي بفوارق فنيّة بسيطة لا تكاد تذكر. وأخذ من ذلك صناعة البوابات المنطقيّة في الإلكترونيّات، فمثلاً بوابة (و) أو "AND Gate" وهي دائرة إلكترونية لها مدخلان أو أكثر ومخرج واحد، فإذا وصلها التيار الكهربائي من جميع مداخلها نفذ من المخرج، وإلا فإن لم يصلها من أي من مداخلها لم يخرج، فقالوا دعونا نعبّر عن الصواب بوجود التيار وعن الخطأ بعدم وجوده، وبالتالي إذا كان للدائرة مدخلان ووصل التيار منهما، فسيخرج من المخرج، وترجمة ذلك بالمنطق: صواب وصواب فالنتيجة صواب. فالصواب يستلزم الصواب. وهنالك بوابات كثيرة فلتنظر في كتب التصميم المنطقي. المهم أنه أخذت هذه البوابات ووضعت فيما يسمى الدوائر الإلكترونية المتكاملة وصنعت بحيث تقوم كل دائرة بمهمة محددة، وتصمم الأجهزة الرقمية باستعمال هذه الدوائر لتقوم بوظائف مختلفة. فلولا المنطق لم توجد الرياضيات ولولا الرياضيات لما وجد شيء من الاختراعات التي نعرفها اليوم ولا حصل تقدّم علميّ وتقني في أيّ علم من العلوم. ولولا المنطق لما وجدت الأنظمة الرقميّة ولا قرأتم هذا الكلام الذي أكتبه. أرأيتم كم هو مظلوم علم المنطق!

              قولك: (فلا شك أن لكل فن قواعد وشروطا و ضوابط إذا لم يلتزم بها طالب العلم، أو لم يعرفها من الأساس، وقع في الخطأ في التفكير)

              ليس صحيحاً أن لكلّ فنّ قواعده وشروطه وضوابطه من حيث هو فنّ أي علم يراد أن يطلب ويحصّل، بل العلوم من حيث هي علوم سواء في ذلك. وإنما الاختلاف بين العلوم وتمايزها هو بحسب اختلاف موضوعاتها. أما طرق التحصيل فهي واحدة. الطريقة العقليّة هي الطريقة العقليّة. وحتى الطريقة التجريبيّة هي فرع الطريقة العقليّة، لأنّ المنطق يقرر في ضمن مواده اليقينيّة التجربيّات، فإذا توقّف العلم بقضيّة على تجربة فلا بدّ من التجربة، لأنّ الكشف عن القانون المطرد (العادة) مركب من العقل والحسّ، فإذا لم تقع التجربة لم يقع لنا حسّ، فلم يثبت قانون عاديّ. وهذا الكلام يرد به على كلّ الذين يقولون العلوم اليوم تجريبية، ولا مجال إلى إثبات قانون إلا بالتجربة، والأولون في طريقتهم العلمية القديمة لم يعتنوا بالتجربة. أنا فعلاً أتعجّب ممن يقول هذا الكلام. إنني كلما قرأت اتهاماً لعلوم المتقدمين أنهم لم يعتنوا بكذا وكذا وبحثت في الأمر وجدتهم اعتنوا به غاية الاعتناء، فلا أدري أيكذب عليهم من ينتقدهم بمثل هذه النقود أم أنه لم يطلع على ما قالوا البتة أو أنه استقراه استقراء ناقصاً، أتمنى بالفعل أن تحصل دراسات حول هذا الأمر.

              وأخيراً أسأل الأخت السائلة سؤالاً أتركها تجيب عليه لوحدها: هل تظنين فعلاً أن هؤلاء الفحول من العلماء من أمثال الغزالي والرازي والكاتبي والأرموي القطب التحتاني والسعد والشريف ومن قبلهم ومن بعدهم أتعبوا أنفسهم في دراسة المنطق والتعمق فيه وألفوا فيه وحضوا على تعلّمه وهم يرونه غير ذي فائدة أو قليل الفائدة، لا تكاد تتجاوز فائدته تعلّم بعض المصطلحات الجديدة! هل تتوقعين فعلاً أن من وضعوا المصطلحات المنطقيّة وضعوها لمجرد أنهم أرادوا وضع مصطلحات جديدة... أرجو أن تعيدي النظر في موقفك هذا. والله تعالى الموفق.
              ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

              تعليق

              • أنفال سعد سليمان
                طالبة علم
                • Jan 2007
                • 1681

                #37
                سيدي الشيخ الفاضل بلال؛ السلام عليكم، و مرحبًا بكم من جديد، و عسى أن يكون غيابكم خيرًا.

                أشكركم جزيلًا على تفضّلكم بالإجابة.

                وأخيراً أسأل الأخت السائلة سؤالاً أتركها تجيب عليه لوحدها: هل تظنين فعلاً أن هؤلاء الفحول من العلماء من أمثال الغزالي والرازي والكاتبي والأرموي القطب التحتاني والسعد والشريف ومن قبلهم ومن بعدهم أتعبوا أنفسهم في دراسة المنطق والتعمق فيه وألفوا فيه وحضوا على تعلّمه وهم يرونه غير ذي فائدة أو قليل الفائدة، لا تكاد تتجاوز فائدته تعلّم بعض المصطلحات الجديدة! هل تتوقعين فعلاً أن من وضعوا المصطلحات المنطقيّة وضعوها لمجرد أنهم أرادوا وضع مصطلحات جديدة...
                بل قطعًا سألتُ نفسي هذا السؤال، و هو سؤال حقيقةً يسأله كل عاقل منصف لنفسه قبل أن يشكّك في فائدة علم ألّفَ فيه الكتبَ علماء محققون أفذاذ و دُرّس طوال هذه القرون. و جوابه هو الذي يجعلني أطرح رأيي على سبيل التساؤل و الاستفهام، لا على سبيل التقرير أو المعارضة، فأنا أريد أحدًا أن يوضّح لي لمَ أنا لم أفد منه. و أريد أحدًا يوضّح لي أيضًا، لم هذا الهجوم على المنطق الصوري/الإسلامي/الأرسطي من قبل علماء كبار معاصرين و قدماء؟ لا أقصد ابن تيمية و المجسمة، فكلامهم لا يعنيني و لا يهمني قلامةَ ظفر، و لا أقصد علماء الدين أمثال الإمام السيوطي و النووي و ابن الصلاح فهؤلاء رحمهم الله سبب إنكارهم له معروف، أنا أقصد الفلاسفة الكبار و الطبيعيّين، ما السبب؟ هل هي من باب العداوة يعني؟ هل يُعقل أن يكون مجرّد الجهل به؟! يعني إنسان عاقل مثل هؤلاء الفلاسفة الكبار و الطبيعيّين، يسمعون أحدًا تكلم عن المنطق، فبنوا نظرتهم على ما سمعوه و قالوا: لا، هذا علم لا قيمةَ له؟ صعب علي أن أتقبّل هذا. و لكن أنتم أعلم على كل حال.
                ثم إني درستُ متون المصطلح و العقيدة و الأصول و غيرها من متون المبتدئين و أدركتُ فائدتها -و أنا لم أترقَّ فيها ترقّيًا يُذكَر- من دون صعوبة و لم أشكّك فيها، أما المنطق فأمره مختلف -عندي-! و لكني أكذب عليكم إن قلتُ أني لا أحب علم المنطق، فحبي له هو الذي دفعني لأن أبحث عن إجابة عن تساؤلي و لا أهمله و أنصتُ إلى من أساؤوا فيه القالة.

                و أصدقكم القول سيدي: لا أعتقد أني سأغيّر رأيي -أقصد: أن علم المنطق مفيد لي شخصيًّا- بحيث أدافع عن فائدته و أقرّها بلساني -لا بلسان غيري ممن رأى فائدته- إلا إذا رأيتُ ثمرة ذلك. أما كون غيري قد انتفع به قديمًا و حديثًا فهذا بالطبع لا يسعني أن أنكره. و الطريقة الوحيدة لذلك أن أترقّى بنفسي و أقرأ كتب المحققين كأن أنتهي من كتاب شرح الخبيصي مع حاشيتيه و الشمسية و المطالع. و لربما يكون لي كلام آخر بعدها.

                وفي مثال قريب هنالك أخ فاضل يدرس معي المنطق من مدّة، وهو مشتغل بطلب العلم وتفسير القرآن منذ سنين طويلة، يعترف لي ويقول إن المنطق قد فتح في عقله آفاق كانت مغلقه، وأفاده في التفسير في أنظار لم يكن ليلتفت إليها من قبل دراسة المنطق،
                و ليتَ مثل هذا الأخ الأستاذ يفيدنا بتجربته مع المنطق. أقصد: أن يعطينا -بالتفصيل- تطبيقات لفائدة علم المنطق، و التي لولا تعلمه و دراسته لما حصلت له هذه الفائدة. و لا أقصد الكلام العام، أن علم المنطق مفيد و يفتح الآفاق، إذ إن هذا كلام أعرفه، و أصدّق قائله طبعًا، و لكنه ليس كفيلًا أن يغيّر نظرتي.



                أشكركم مجدّدًا، دمتم بخير، و السلام عليكم.

                تعليق

                • شريف شفيق محمود
                  طالب علم
                  • Sep 2011
                  • 261

                  #38
                  السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

                  أعتذر على التطفل و لكن أحببت أن أضرب بعض الأمثلة لتطبيقات المنطق لأن هذا الأمر (فائدة المنطق) شغلني أيضا من قبل

                  أدعى بعضهم (و لنسمه زيدا) أن قول الشيخ علي ب : " أن الفكر المتشدد لم ينتصر أبدا عبر التاريخ، ومهما اشتد عود ذلك الفكر، غير أنه سرعان ما يخبو إلى أن ينطفئ" متهافت فرد عليه ("عمرو") بالتالي :

                  "لا أرى التهافت في فكرة أن فكرا خاطئا ما لم ينتصر أبدا عبر التاريخ، ومهما اشتد عود ذلك الفكر، غير أنه سرعان ما يخبو إلى أن ينطفئ. أما في بلاد المسلمين مثلا فاننا نستدل على صحة الآراء بهذا و نقول ما رآه المسلمون حسن فهو عند الله حسن و نستدل به اجمالا على صحة المذاهب الأربعة و المذهبية كفكرة و التصوف و عقيدة أهل السنة و الجماعة (و الا فما فائدة تسميتهم أهل السنة و الحماعة أصلا على سبيل المدح لو لم يكن في هذا دليل على صحة آرائهم لكثرتهم؟)
                  و مطلقا نقول ان الباطل كان زهوقا و نقول فأما الزبد فيذهب جفاء و أما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض."

                  فقال زيد : "صحة الآراء شئ و"انتصارها" شئ آخر ... أنت تستدل بما قد يصلح لصحة الآراء ، لا لانتصارها ..."

                  فمن منهم أخطأ في المنطق و بالتالي في الاستدلال أو الاعتراض؟

                  تعليق

                  • شريف شفيق محمود
                    طالب علم
                    • Sep 2011
                    • 261

                    #39
                    مثال آخر :

                    قول ديكارت " أنا أفكر اذن أنا موجود" ما رأيك فيه؟

                    و هذا الكلام من كتاب تدعيم المنطق للشيخ سعيد فودة و أنصح الأخت الفاضلة به


                    مثال آخر و هو أوضح :


                    يقول المناظر الشافعي مثلاً "معلوم أن المطعوم ربويّ والسفرجل مطعوم فليكن ربوياً. فإذا قيل فلِمَ قلت إن المطعوم ربوي فيقول الدليل عليه أن البُر والشعير والتمر والرز مطعومات وهي ربوية" كيف يرد عليه خصمه الحنفي مثلا؟

                    مثال أوضح :

                    تقول فلان خائن في حقك فيقال لِمَ فيقول لأنه يناجي عدوك

                    أين الخطأ في هذا الكلام؟

                    مثال أوضح :

                    قال بعضهم مثلاً كل شجاع ظالم فيقال لِمَ فيقول لأن الحجاج كان شجاعاً وظالماً و هتلر كان شجاعا و ظالما و موسوليني كان شجاعا و ظالما و الاسكندر كان شجاعا و ظالما و هرقل كان شجاعا و ظالما و غيرهم الكثير جدا
                    فكيف نرد عليه؟

                    و هذه الأمثلة من كتاب محك النظر للغزالي و أنصحك به كذلك

                    تعليق

                    • أنفال سعد سليمان
                      طالبة علم
                      • Jan 2007
                      • 1681

                      #40
                      الأخ شريف؛ السلام عليكم، و مرحبًا بك، و ما في تطفّل و لا حاجة.

                      أرجو أن أكون قد فهمتُ الحوار فهمًا صحيحًا، فإن كان أقول: قول الشيخ علي:

                      " أن الفكر المتشدد لم ينتصر أبدا عبر التاريخ، ومهما اشتد عود ذلك الفكر، غير أنه سرعان ما يخبو إلى أن ينطفئ"
                      فهو وصف الفكرَ الذي أطلق عليه الحكمَ "بالمتشدّد"، و لا خلاف أن هذا وصف ذمٍّ لا مدح، و لكن، هل كل فكرٍ متشدّد خطأٌ/باطلٌ، لمجرّد أنه متشدّد؟ هل هناك تلازم بينهما؟ و لا أدري كيف فهمها زيد، و لكن يظهر أنه لم يفرّق أيضًا بين المتشدّد و الخاطئ لأنه لم ينتقد عمروًا عليه حين رد عليه، و على كل حال فزيد يرفض هذا الكلام و يعارضه. فجاء عمرو فقال:

                      لا أرى التهافت في فكرة أن فكرا خاطئا ما لم ينتصر أبدا عبر التاريخ، ومهما اشتد عود ذلك الفكر، غير أنه سرعان ما يخبو إلى أن ينطفئ.

                      إذن، يُفهم من كلام عمرو أنه موافق على الفكرة التي قالها الشيخ علي. و لكنّا نرى أنه أبدل الفكر "المتشدّد" بالخاطئ، و عليه فاستدلاله سيكون لصحة الحكم على الفكرِ الخاطئ، لا المتشدّد. فهنا محل إشكال.

                      و بما أنه موافق للشيخ علي، إذن فعليه أن يستدّل بكلام يثبتُ فيه أن الفكر المتشدّد -و لّنتساهل و لْنقلْ "الخاطئ"- لم ينتصر. صحيح؟ إذا كان ذلك كذلك، علمنا حتمًا أن استدلاله في وادٍ آخر. لأنه لم يتعرّض لعدم انتصار فكر فئة من الناس -و الذين هم المسلمون- إطلاقًا، و تعرّض لصحة الآراء!! يعني لو استدلّ على "عدم" صحة الآراء، لقلنا ماشي، استبدل لفظ المتشدّد بالخاطئ، ثم استبدل لفظ (لم ينتصر) ب (لم يصح)!! -مع كونه كلامًا سقيمًا جدًّ بل هذيانًا- و كمّل كلامه! و لكنه لم يفعل ذلك، بل استدلّ على صحة الآراء. يعني هذا تخبيص على تخبيص.

                      و لا أدري ما المشار إليه في قوله:

                      فاننا نستدل على صحة الآراء بهذا
                      و لكن لنفترضْ فرضًا، أنه أراد أن يستدلّ على صحة الآراء في الإسلام، فإن كان، فإن استدلاله نهاية في الضعف، حين قال:

                      و نقول ما رآه المسلمون حسن فهو عند الله حسن و نستدل به اجمالا على صحة المذاهب الأربعة و المذهبية كفكرة و التصوف و عقيدة أهل السنة و الجماعة (و الا فما فائدة تسميتهم أهل السنة و الحماعة أصلا على سبيل المدح لو لم يكن في هذا دليل على صحة آرائهم لكثرتهم؟)
                      و مطلقا نقول ان الباطل كان زهوقا و نقول فأما الزبد فيذهب جفاء و أما ما ينفع الناس فيمكث
                      و لا أعلم إن كان مثالك أخ شريف متعلّق بمضمون هذا الاستدلال. فإن كان بينتُ بالمجمل لمَ هو متناهٍ في الضعف.

                      المهم، رد عليه زيد:

                      فقال زيد : "صحة الآراء شئ و"انتصارها" شئ آخر ... أنت تستدل بما قد يصلح لصحة الآراء ، لا لانتصارها ..."
                      و كأن زيدًا يريد أن يقول لعمرو: عليك أن تستدلّ على انتصار الآراء. و كما أشرتُ آنفًا، فهذا ينبغي أن يكون موقف زيد، لا عمرو! فزيد هو الذي يرى أن الفكر المتشدّد انتصر، أما عمرو فيرى أنه لم ينتصر! و هذا استفدناه من كلام زيد الأخير، و لكن في الحقيقة زيدٌ قال أن كلام الشيخ علي متهافت، و لكن لم يبين لنا وجه تهافته بالضبط، فلربما هو أيضا يرى عدم انتصار الفكر المتشدد، و لكنّه يرفض فكرة أنه [سرعان ما يخبو و ينطفئ]، ربما يعتقد أنه يأخذ مدة طويلة مثلا! أظن هذا خطآ/نقص في مثالك أخي شريف.

                      ربما أخي شريف أخطأتَ أنت هذه الأخطاء في نظم التطبيق؟ أنا أعتقد ذلك.

                      عمومًا، فأنا حين نقدتُ التطبيق لم أعتمد على محفوظي في المنطق، أو "أراعي" قواعده، حتى أقتنع بفائدته لي.....

                      تعليق

                      • أنفال سعد سليمان
                        طالبة علم
                        • Jan 2007
                        • 1681

                        #41
                        قول ديكارت " أنا أفكر اذن أنا موجود" ما رأيك فيه؟

                        و هذا الكلام من كتاب تدعيم المنطق للشيخ سعيد فودة و أنصح الأخت الفاضلة به
                        قرأتُ كلام تدعيم المنطق للأستاذ سعيد و ذكرتُ ذلك في مشاركتي التي ردّ عليها الشيخ بلال، و أتذكّر كيف نقد الأستاذ سعيد هذا الدليل، و لكني لا أقرّ أن هذا الدليل لا أستطيع نقده النقد الصحيح إلا بدراسة المنطق. و لكنّ الأمر كما قال الشيخ بلال، فوقوع الاستفادة من دراسة المنطق ليست قضية كلية. فربما يشذّ عنها من يشذّ، ذكيًّا كان أو غير ذلك.


                        يقول المناظر الشافعي مثلاً "معلوم أن المطعوم ربويّ والسفرجل مطعوم فليكن ربوياً. فإذا قيل فلِمَ قلت إن المطعوم ربوي فيقول الدليل عليه أن البُر والشعير والتمر والرز مطعومات وهي ربوية" كيف يرد عليه خصمه الحنفي مثلا؟
                        حقيقة درستُ جزءًا بسيطًا في المعاملات على المذهب الشافعي قبل بضع سنوات و مع ذلك لا أذكره الآن و بحاجة إلى مراجعة، و على كل حال فأنا لا أعرف المذهب الحنفي في المسألة! و لكن إن كان الشافعي يرى أن كل مطعوم ربويّ لأن البر و الشعير إلخ ربوية، و الجامع بينها أنها مطعوم، فلقائل أن يقول ربما هي أمور منصوصة من الشريعة و لا يُقاس عليها!

                        تقول فلان خائن في حقك فيقال لِمَ فيقول لأنه يناجي عدوك
                        المدّعي استدلً على كلامه بقضية كلّية كاذبة مخفيًّة، المقدمة الكبرى، و هي: (كل من يناجي عدوَّ آخرٍ فهو خائن لهذا الآخر)، و إذا كذبت إحدى المقدمات، كان الاستدلال باطلًا.

                        قال بعضهم مثلاً كل شجاع ظالم فيقال لِمَ فيقول لأن الحجاج كان شجاعاً وظالماً و هتلر كان شجاعا و ظالما و موسوليني كان شجاعا و ظالما و الاسكندر كان شجاعا و ظالما و هرقل كان شجاعا و ظالما و غيرهم الكثير جدا
                        فكيف نرد عليه؟
                        الرجل المدّعي استقرأ استقراء ناقصًا، فلا تصح هذه القضية الكلية. أو نقول، جعل القضية الجزئية تأخذ محلّ الكلية، و أنا سأسألك أخي شريف سؤالًا: هل تعتقد أن أي عاقل يعسر عليه الردّ على هذه الدعوى إذا لم يدرس المنطق؟

                        و أرجع فأقول أني لم أراعِ قواعد المنطق حين رددتُ بهذه الإجابات...و أرجو أن لا يظنّ بي أحد أني أعاند أو نحو ذلك...لأنه ليس بصحيح ألبتة.

                        على كل جزاك الله خيرًا أخي الفاضل.

                        تعليق

                        • شريف شفيق محمود
                          طالب علم
                          • Sep 2011
                          • 261

                          #42
                          و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته

                          الأخت الكريمة

                          آسف على عدم التوضيح

                          لو سلمنا بصحة مضمون كلام عمرو كما سلم به زيد فوجه منع زيد لكلام عمرو هو أنه "استدل بما قد يصلح لصحة الآراء ، لا لانتصارها ..." مع أن مدعى زيد هو أن الآراء الباطلة تنتصر كالآراء الصحيحة

                          فهل يصح منع زيد؟






                          فالمنطق يساعد عمرو في الجواب عن هذا بأن يقول مثلا :


                          أنا قلت أننا نستدل بانتشار أي انتصار الآراء عند المسلمين بصحتها. فكأننا نقول كل ما كان الرأي منتصرا عند المسلمين كان صحيحا و لكنه ليس بصحيح فليس بمنتصرعند المسلمين و هو المراد

                          تعليق

                          • شريف شفيق محمود
                            طالب علم
                            • Sep 2011
                            • 261

                            #43
                            المشاركة الأصلية بواسطة أنفال سعد سليمان
                            المدّعي استدلً على كلامه بقضية كلّية كاذبة مخفيًّة، المقدمة الكبرى، و هي: (كل من يناجي عدوَّ آخرٍ فهو خائن لهذا الآخر)، و إذا كذبت إحدى المقدمات، كان الاستدلال باطلًا..
                            هذا استخدام للمنطق



                            المشاركة الأصلية بواسطة أنفال سعد سليمان
                            الرجل المدّعي استقرأ استقراء ناقصًا، فلا تصح هذه القضية الكلية. أو نقول، جعل القضية الجزئية تأخذ محلّ الكلية، .
                            فان قال المدعي أغير قولي و أقول معظم الشجعان ظالمون (ليهرب من ظنية الاستقراء الناقص) فماذا نقول له؟

                            قولك : "و أنا سأسألك أخي شريف سؤالًا: هل تعتقد أن أي عاقل يعسر عليه الردّ على هذه الدعوى إذا لم يدرس المنطق؟"
                            لا. و لكن لو تراكمت الأقيسة سيعسر عليه

                            "و لكني لا أقرّ أن هذا الدليل لا أستطيع نقده النقد الصحيح إلا بدراسة المنطق." لا أدري , لعلك درست الكلام (و المنطق متضمن فيه كما تعلمين) فظننت أنك كنت تستطيعين الجواب دون دراسة المنطق (مع انك تعلمته مع الكلام)؟
                            و هذا كمن قرأ في الحواشي و كتب الشعر ثم جاء ليدرس النحو فلعله لا يرى فائدته اذ قد تكونت لديه ملكة الاعراب أو مثله في علم البلاغة مثلا؟

                            تعليق

                            • أنفال سعد سليمان
                              طالبة علم
                              • Jan 2007
                              • 1681

                              #44
                              و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته

                              الأخت الكريمة

                              آسف على عدم التوضيح

                              لو سلمنا بصحة مضمون كلام عمرو كما سلم به زيد فوجه منع زيد لكلام عمرو هو أنه "استدل بما قد يصلح لصحة الآراء ، لا لانتصارها ..." مع أن مدعى زيد هو أن الآراء الباطلة تنتصر كالآراء الصحيحة

                              فهل يصح منع زيد؟






                              فالمنطق يساعد عمرو في الجواب عن هذا بأن يقول مثلا :


                              أنا قلت أننا نستدل بانتشار أي انتصار الآراء عند المسلمين بصحتها. فكأننا نقول كل ما كان الرأي منتصرا عند المسلمين كان صحيحا و لكنه ليس بصحيح فليس بمنتصرعند المسلمين و هو المراد


                              أخي شريف، سنسلّم بأشياء كثيرة تنزّلًا لنكمل الحوار و تحصل الثمرة من المثال (:

                              المهم، تقول: مدعى زيد أن الآراء الباطلة تنتصر كالصحيحة.

                              ثم هل هذا كلام عمرو يعني؟:

                              أنا قلت أننا نستدل بانتشار أي انتصار الآراء عند المسلمين بصحتها. فكأننا نقول كل ما كان الرأي منتصرا عند المسلمين كان صحيحا و لكنه ليس بصحيح فليس بمنتصرعند المسلمين و هو المراد
                              طيب، إن كان كلام عمرو، فهو في النهاية يقول: (ليس كل رأي صحيح في الإسلام بمنتصر.) ما علاقة هذا بالدعوى؟ ما هي دعوى عمرو أصلا؟ أليس أن الآراء الباطلة لا تنتصر؟ فعليه أن يثبت أن الأراء الباطلة لا تنتصر. هو قال: ((ليس كل رأي صحيح في الإسلام بمنتصر.) فهذه العبارة تفيد: أن الأراء الصحيحة قد لا تنتصر، بمعنى أنّ الآراء الباطلة قد تنتصر؟؟!!!

                              وضح أكثر فضلًا ثم نكمل إن شاء الله.

                              تعليق

                              • أنفال سعد سليمان
                                طالبة علم
                                • Jan 2007
                                • 1681

                                #45
                                لمشاركة الأصلية كتبت بواسطة أنفال سعد سليمان مشاهدة المشاركة
                                المدّعي استدلً على كلامه بقضية كلّية كاذبة مخفيًّة، المقدمة الكبرى، و هي: (كل من يناجي عدوَّ آخرٍ فهو خائن لهذا الآخر)، و إذا كذبت إحدى المقدمات، كان الاستدلال باطلًا..
                                فرددتَ:

                                هذا استخدام للمنطق
                                ربما سيدي لم تنتبه إلى مشاركتي جيّدًا، التي ردّ عليها الشيخ بلال، فأنا قلتُ في آخرها أني استفدتُ من المنطق المصطلحات و التعبيرات، لم أنكر هذا. و أرجع فأسألك: هل تعتقد أن عاقلًا يعسر عليه الردّ على مثل هذه الدعوى دون دراسة المنطق؟ طيب، سأجيب كما العامّي الذي لم يدرس المنطق و لا يعرف اصطلاحاته، سيردّ بكل بساطة: "و هل تعتقد يا مدّعي أن كل من يناجي عدوّ الآخر فهو يخونه؟" لم يحتج العامّي إلى تعلم المصطلحات المنطقية ليردّ بهذا الجواب!

                                قلتُ:

                                الرجل المدّعي استقرأ استقراء ناقصًا، فلا تصح هذه القضية الكلية. أو نقول، جعل القضية الجزئية تأخذ محلّ الكلية، .
                                فرددتَ:

                                فان قال المدعي أغير قولي و أقول معظم الشجعان ظالمون (ليهرب من ظنية الاستقراء الناقص) فماذا نقول له؟
                                ليهرب؟ يعني هل هو يعتقد أنها قضية كلّية و لكنه يكذب علي فيقول أن معظم الشجعان ظالمون؟ أم أنه عدل عن رأيه الأول و صححه و قال معظم الشجعان؟ إن كان عدل عن رأيه فهنا نردّ عليه بأمثلة شجعان غير ظالمين تعادل عدد الأمثلة التي قالها و تزيد عليها ربما يقتنع! فنبطل قوله "معظم" الشجعان ظالمون. يعني كأنا نأتي له باستقراء شجعان ليسوا ظالمين يعارض استقراءه و نتيجته.


                                قولك : "و أنا سأسألك أخي شريف سؤالًا: هل تعتقد أن أي عاقل يعسر عليه الردّ على هذه الدعوى إذا لم يدرس المنطق؟"
                                لا. و لكن لو تراكمت الأقيسة سيعسر عليه
                                أخي شريف من البداية ينبغي لك أن تذكر مثالًا على ما تراكمتْ فيه الأقيسة و التي يعسر على العامي نقدها لأنها محل النزاع بيننا و أما هذا المثال فلا!

                                "و لكني لا أقرّ أن هذا الدليل لا أستطيع نقده النقد الصحيح إلا بدراسة المنطق." لا أدري , لعلك درست الكلام (و المنطق متضمن فيه كما تعلمين) فظننت أنك كنت تستطيعين الجواب دون دراسة المنطق (مع انك تعلمته مع الكلام)؟
                                كيف يعني متضمن فيه؟ هل سيعلمني الكلام الأشكال و الأقيسة و الموضوع و المحمول إلخ؟ الكتب التي درستُها لم تتطرّق لهذا. ربما أعود لدليل ديكارت لاحقآ و أبين كيف أنقده من دون اصطلاحات المناطقة.

                                هذا كمن قرأ في الحواشي و كتب الشعر ثم جاء ليدرس النحو فلعله لا يرى فائدته اذ قد تكونت لديه ملكة الاعراب أو مثله في علم البلاغة مثلا؟
                                ملكة إعراب من دون نحو؟ كيف؟ من أين سيعلم المرفوع و المنصوب و الفاعل و المفعول و أحكام ذلك؟ إلا أن يكون جزء من علم النحو متضمّنًا في الحواشي و الشعر. إذن هو في النهاية يرى فائدته.

                                تعليق

                                يعمل...