الحمد لله
والصلاة والسلام على رسول الله
والصلاة والسلام على رسول الله
من دواعي سرور أهل السنة والجماعة الأشعرية رضي الله عنهم أن كان من المؤسسين لمذهبهم الشريف المؤسس أصلا على كتاب الله وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام: الإمام الطبري: شيخ المفسرين وإمام من أئمة المتكلمين على مذهب أهل السنة الأشعرية رضي الله عنهم وأرضاهم.
نعم، هذه الحقيقة العظيمة الباهرة لطالما حاول تعتيمها وإخفاءها أهل البدع الوهابية وكل من ينتسب زورا إلى السنة ويقدح في السادة الأشعرية رضي الله تعالى عنهم، ذلك أنهم قوم مائلون عن الصراط المستقيم، حائدون عن نهج الحق القويم، ولو أنصفوا لاتبعوا من هم أعلم بالسلف الصالح وأقرب إليهم زمانا وروحا واقتداءا وعلما وحالا، كالإمام الطبري الذي كانت له آراء عقدية قوية محكمة لا ينقضها تشويش ولا يسترها تلبيس، آراء تميزه عن جميع أهل البدع وتبين بكل وضوح أنه إمام أشعري وإن لم يصرح بذلك.
ونقصد بأشعريته أشعرية: نتائج عقيدته، وأشعرية أصول منهجه الاستدلالي، تلك الأصول التي يشكل القرآن العظيم الأصل الأصيل فيها، وذلك بما تضمنه من الدلائل والعبر التي غفل عنها أهل الباطل قديما وحديثا.
لقد ترك لنا الإمام الطبري رضي الله عنه تراثا حافلا بالعلوم دالا دلالة قاطعة على انتمائة العقدي الأشعري الأصول، ومع ذلك فإن أهل البدع ـ الوهابية أساسا ـ سلكوا مع تراثه كما سلكوا مع القرآن العظيم باتباع المتشابه وترك المحكم، فلبسوا على أنفسهم الحقائق وادعوا سفها أن الإمام الطبري على عقيدتهم الباطلة، ذلك أنهم كانوا أجبن وأحقر شأنا من أن يعلنوا مخالفتهم لعقيدة شيخ الإسلام والمفسرين الإمام ابن جرير الطبري رضي الله عنه، لكن ذلك لا ينفعهم ولن يغطي الحقائق الناصعة بأنه بريء من عقيدتهم الباطلة، بل قد تصدى لها كما سيتبين بأشد العبارات وأصعبها إطلاقا ألا وهي التكفير.
نخصص إذن هذا الموضوع لكل أهل الحق ولكل باحث نزيه لجمع آراء الإمام الطبري العقدية الكلامية التي تضمنها تفسيره، وغيره من تراثه النفيس، والدالة على كونه من أئمة أهل الحق الأشعرية، وأنه بريء من كل ما يحاول الوهابية إلصاقه به، عسى الله أن يتوب على المخدوعين منهم وأيضا الذين اغتروا بالإعلام الوهابي الذي لا شأن له إلا محاولة تزييف الحقائق وتحريف معالم تراث أهل السنة والجماعة.
ولنبدأ بمسألة صفة الكلام التي جعلها الله تعالى علامة يتميز بها أهل الحق من أهل البدع، وهي أعظم مسألة من مسائل أصول الدين، ومن أجلها سمي علم العقائد علم الكلام على رأي، وهو سديد.
فمعلوم أن الآراء الاعتقادية في صفة الكلام قد تفرقت، وتميزت كل فرقة عن غيرها بمقالتها الخاصة في صفة الكلام، ومعلوم عند الناظر الواصل إلى الحق أن الكل في خبط إلا أهل الحق أهل السنة والجماعة الأشعرية، خلافا لنافي الكلام أصلا، أو جعله مخلوقا محدثا قائما بمخلوق، وخلافا لمن جعله محدثا مخلوقا في ذات الله تعالى تعالى عن قول الظالمين.
ولقد كان للإمام الطبري معتقدا راسخا قويا في صفة الكلام الذي هو صفة قائمة بذات الله تعالى، متجنبا بدعة المعتزلة والكرامية وأحفادهم الوهابية، بل صدع بالحق الذي لا شك ولا مرية فيه، ونظم ذلك في دليل جلي وبرهان قوي قد سلكه من قبله إمام أهل السنة والجماعة أبي الحسن الأشعري في كتاب اللمع، فقال الإمام الطبري رضي الله عنه ردًّا على من يقول بأن الله تعالى خلق كلاما تكلم به:
«أخبرنا عن الكلام الذي وصفت أن القديم به متكلم مخلوق، أخلقه إذ كان عنده مخلوقا في ذاته، أم في غيره، أم قائم بنفسه:
ـ فإن زعم خلقه في ذاته فقد أوجب أن تكون ذاته محلا للخلق، وذلك عند الجميع كُفْرٌ.
ـ وإن زعم أنه أنه خلقه قائما بنفسه قيل له: أفيجوز أن يخلق لونا قائما بنفسه وطعما وذوقا؟! فإن قال لا، قيل له: فما الفرق بينك وبين من أجاز ما أبَيت من قيام الألوان والطعوم بأنفسها وأنكر ما أجزت من قيام الكلام بنفسه؟! ثم يسأل عن الفرق بين ذلك، ولا فَرْقَ.
ـ وإن قال: بل خلقه قائما بغيره. قيل له: فخلقه قائم بغيره وهو صفة له؟! فإن قال: بلى، قيل له: أفيجوز أن يخلق لونا في غيره فيكون هو المتلون، كما خلق كلاما في غيره فكان هو المتكلم به، وكذلك يخلق حركة في غيره فيكون هو المتحرك بها؟! فإن أبى شئل عن الفرق، وإن أجاز ذلك أوجب أن يكون ـ تعالى ذكره ـ إذا خلق حركة في غيره فهو المتحرك، وإذا خلق لونا في غيره فهو المتلوّن به، وذلك عندنا وعندهم كفر وجهل.
وفي فساد هذه المعاني ـ التي وصفنا ـ الدلالة الواضحة، إذ كان لا وجه لخلق الأشياء إلا بعض هذه الوجوه، صحّ أن كلام الله صفة له، غير خالق ولا مخلوق، وأن معاني الخلق عنه منفية. (ص202، 203) تحقيق علي الشبل. دار العاصمة. المملكة السعودية. ط1، 1416هـ.
رحم الله الإمام الجليل الطبري، فنصه هذا يكتب بماء الذهب، وحقه أن يتلى ليلا نهارا على مسامع الوهابية ليعلموا في أي هاوية هم ساقطون، لعل ذلك يكون سببا لتوبتهم وأوبتهم إلى عقيدة أهل السنة والجماعة التي لا تخفى على الإمام الطبري رضي الله عنه.
تعليق