حكم التوسل والاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالأولياء والصالحين؟

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • جمانة انس مالك
    طالب علم
    • Jan 2010
    • 24

    #1

    حكم التوسل والاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالأولياء والصالحين؟

    ما هو حكم التوسل والاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالأولياء والصالحين؟

    قبل الإجابة عن السؤال لا بد من معرفة أمور ثلاثة:
    أولاً: الأصل في الأفعال التي تصدر من المسلم أن تُحمل على الأوجه التي لا تتعارض مع أصل التوحيد، ولا يجوز أن نبادر برميه بالكفر أو الشرك، فإن إسلامه قرينةٌ قويةٌ توجب علينا ألَّا نَحْمِل أفعاله على ما يقتضي الكفر، وتلك قاعدة عامة ينبغي على المسلمين معرفتها، وقد عبر الإمام مالك إمام دار الهجرة رحمه الله تعالى عن ذلك بقوله: (من صدر عنه ما يحتمل الكفر من تسعة وتسعين وجهاً ويحتمل الإيمان من وجه نحمل أمره على الإيمان)، ولنضرب لذلك مثلاً قولياً وآخر فعلياً.
    فالمسلم يعتقد أن المسيح عليه السلام يحيي الموتى ولكن بإذن الله، وهو غير قادر على ذلك بنفسه وإنما بقوة الله له، والنصراني يعتقد أنه يحيي الموتى، ولكنه يعتقد أن ذلك بقوة ذاتية، وأنه هو الله، أو ابن الله، أو أحد أقانيم كما يعتقدون، وعلى هذا فإذا سمعنا مسلماً موحداً يقول: (أنا أعتقد أن المسيح يحيي الموتى). ونفس تلك المقالة قالها آخر نصراني, فلا ينبغي أن نظنَّ أن المسلم تنصَّر بهذه الكلمة، بل نحملها على المعنى اللائق بانتسابه للإسلام ولعقيدة التوحيد.
    والمسلم يعتقد أيضاً أن العبادة لا يجوز صرفها إلا لله وحده، والمشرك يعتقد جواز صرفها لغير الله تعالى، فإذا رأينا مسلمًا يصدر منه لغير الله ما يحتمل العبادة وغيرها وجب حمل فعله على ما يناسب اعتقاده كمسلم، لأن من ثبت له عقد الإسلام بيقين لم يزل عنه بالشك والاحتمال, ولذلك لما سجد معاذ بن جبل رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه ابن ماجه وصححه ابن حبان نهاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك، ولكنه لم يصف فعله هذا بالشرك أو الكفر، وبدهي أن معاذاً رضي الله عنه ـ وهو أعلم الأمة بالحلال والحرام ـ لم يكن يجهل أن السجود عبادة, وأن العبادة لا يجوز صرفها لغير الله، ولكن لما كان السجود يحتمل وجهاً آخر غير عبادة المسجود له, وهو سجود الإجلال والتوقير, لم يجز حمله على العبادة إذا صدر من المسلم أو تكفيره بحال، وفي ذلك يقول الحافظ الذهبي: (ألا ترى الصحابة من فرط حبهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم قالوا: ألا نسجد لك؟ فقال: لا, وذلك في الحديث الذي يرويه الإمام أحمد عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أَنَّهُ لَمَّا رَجَعَ مِنْ الْيَمَنِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْتُ رِجَالاً بِالْيَمَنِ يَسْجُدُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِهِمْ, أَفَلا نَسْجُدُ لَكَ؟ قَالَ: (لَوْ كُنْتُ آمِرًا بَشَرًا يَسْجُدُ لِبَشَرٍ لأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا). فلو أذن لهم لسجدوا له سجود إجلال وتوقير لا سجود عبادة، كما قد سجد إخوة يوسف عليه السلام ليوسف. وكذلك القول في سجود المسلم لقبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم على سبيل التعظيم والتبجيل لا يكفر به أصلاً, بل يكون عاصياً، فليعرف أن هذا منهي عنه وكذلك الصلاة إلى القبر).
    والإخلال بهذا الأصل الأصيل هو مسلك الخوارج، حيث وضح ابن عمر رضي الله عنهما أن هذا هو مدخل ضلالتهم فقال: إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين (علقه البخاري في صحيحه ووصله ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار بسند صحيح(.
    ثانياً: تعريف الشرك: هو صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله على الوجه الذي لا ينبغي إلا لله تعالى، حتى لو كان ذلك بغرض التقرب إلى الله كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى}. وإنما قلنا على الوجه الذي لا ينبغي إلا لله تعالى لإخراج كل ما خالف العبادة في مسماها وإن وافقها في ظاهر اسمها، فالدعاء قد يكون عبادة للمدعوِ قال تعالى: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا}. وقد لا يكون, قال تعالى: {لاَ تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا}. والسؤال قد يكون عبادة للمسؤول, قال تعالى: {وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ}. وقد لا يكون, قال تعالى: {لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُوم}. والاستعانة قد تكون عبادة للمستعان به, قال تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين}. وقال تعالى: {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِالله وَاصْبِرُواْ}. وقد لا تكون, قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِين}. والحب قد يكون عبادة للمحبوب وقد لا يكون كما جمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك في قوله: (أَحِبُّوا الله لِمَا يَغْذُوكُمْ مِنْ نِعَمِهِ, وَأَحِبُّونِي بِحُبِّ الله, وَأَحِبُّوا أَهْلَ بَيْتِي بِحُبِّي) رواه الترمذي وصححه الحاكم. وهكذا، أي أن الشرك إنما يكون في التعظيم الذي هو كتعظيم الله تعالى, كما قال تعالى: {فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُون}. وكما قال سبحانه: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ الله أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ الله وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لله}.
    فالشرك هو: تعظيم مع الله أو تعظيم من دون الله، ولذلك كان سجود الملائكة لآدم عليه السلام إيماناً وتوحيداً, وكان سجود المشركين للأوثان كفراً وشركاً مع كون المسجود له في الحالتين مخلوقاً، لكن لما كان سجود الملائكة لآدم عليه السلام تعظيماً لِما عظَّمه الله كما أمر الله, كان وسيلة مشروعة يستحق فاعلها الثواب، ولما كان سجود المشركين للأصنام تعظيماً كتعظيم الله كان شركاً مذموماً يستحق فاعله العقاب.
    فإذا ما حصل خلاف بعد ذلك في بعض أنواع الوسيلة كالتوسل بالصالحين والدعاء عند قبورهم مثلاً, أو حصل خطأ فيها من بعض المسلمين فيما لم يشرع كونه وسيلة كالسجود للقبر أو الطواف به، فإنه لا يجوز أن ننقل هذا الخطأ أو ذلك الخلاف من دائرة الوسيلة إلى دائرة الشرك والكفر، لأننا نكون بذلك قد خلطنا بين الأمور وجعلنا التعظيم بالله كالتعظيم مع الله، والله تعالى يقول: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِين * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُون}.
    ثالثاً: أن هناك فارقاً أيضاً ما بين كون الشيء سبباً وبين الاعتقاد بأنه خالق ومؤثر في نفسه، وقد ثبت هذا التفريق بنص القرآن العظيم والسنة المطهرة, على سبيل المثال قال تعالى في حق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم}. وقال له في مكان آخر: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ}. فالآية الأولى تثبت بأنه صلى الله عليه وسلم هادي, وهذا من حيث السبب, والآية الثانية تثبت بأن الله هو الهادي, وهذا من حيث الاعتقاد والتأثير.
    ومن السنة المطهرة, يقول صلى الله عليه وسلم: (إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ الله, وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِالله, وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ الله لَكَ, وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ الله عَلَيْكَ, رُفِعَتْ الأَقْلامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ) رواه الترمذي.
    ويقول في مكان آخر: (مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ الله عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ, وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ الله عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ, وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ الله فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) رواه مسلم.
    ويقول صلى الله عليه وسلم: (وَالله فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ) رواه مسلم. فالحديث الأول يبين بأن الخالق والمؤثر هو الله تعالى, وفي الحديث الثاني, يبين السبب.
    إلى ما هنالك من الآيات والأحاديث التي تفرق بين الاعتقاد بأن الخالق والمؤثر هو الله وحده, وبين الأسباب التي تؤخذ.
    فإذا رأينا مسلماً يطلب أو يسأل أو يستعين أو يرجو نفعاً أو ضراً من غير الله فإنه يجب علينا قطعاً أن نحمل ما يصدر منه على ابتغاء السببية لا على التأثير والخلق، لما نعلمه من اعتقاد كل مسلم أن النفع والضر الذاتيين إنما هما بيد الله وحده، وأن هناك من المخلوقات ما ينفع أو يضر بإذن الله, فإذا عرفنا هذه الأمور الثلاثة فإنه يجب علينا استحضارها في الكلام على حكم التوسل والاستغاثة.
    أما إقحام الشرك والكفر في هذه المسألة فلا وجه له، اللهم إلا على افتراض أن المتوسل والمستغيث يعتقد في المتوسل والمستغاث به أنه يجلب الضر أو النفع بذاته.
    رابعاً: إن أول من نقل مسألة التوسل والاستغاثة من فروع الفقه إلى أصول العقائد هو ابن تيمية رحمه الله تعالى, ولم يسبقه إلى ذلك أحد من السلف ولا الخلف, فابتدع ما لم يقله عالم قبله, كما جاء في رد المحتار لابن عابدين رحمه الله تعالى, قال: وَقَالَ السُّبْكِيُّ : يَحْسُنُ التَّوَسُّلُ بِالنَّبِيِّ إلَى رَبِّهِ, وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ وَلا الْخَلَفِ إلا ابْنَ تَيْمِيَّةَ فَابْتَدَعَ مَا لَمْ يَقُلْهُ عَالِمٌ قَبْلَهُ. اهـ.
    فقد كانت مسألة التوسل والاستشفاع والاستغاثة لمدة ثمانية قرون مسألة فقهية, وكان الفقهاء في المذاهب الأربعة يبحثونها في باب الحج والزيارة وغيرها, حتى جاء ابن تيمية رحمه الله فنقلها إلى باب العقيدة, وحكم على المتوسل والمستغيث والمستشفع بالكفر, واستحلَّ دماءهم وأعراضهم وأموالهم.
    الأدلة على جواز التوسل والاستغاثة:
    وبعد هذه المقدمة أسوق لك الأدلة على جواز التوسل والاستشفاع والاستغاثة, في حال حياة المتوسَّل به والمستشفع به والمستغاث به في الدنيا والآخرة والبرزخ.
    أولاً: في الحياة الدنيا: روى الإمام البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه, (أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ بَابٍ كَانَ وِجَاهَ الْمِنْبَرِ, وَرَسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ يَخْطُبُ, فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله هَلَكَتْ الْمَوَاشِي وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ فَادْعُ الله يُغِيثُنَا, قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اسْقِنَا اللَّهُمَّ اسْقِنَا اللَّهُمَّ اسْقِنَا, قَالَ أنَس: وَلا وَالله مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلا قَزَعَةً وَلا شَيْئًا, وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلا دَارٍ, قَالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ, فَلَمَّا تَوَسَّطَتْ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ, قَالَ: وَالله مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سِتًّا, ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ وَرَسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ يَخْطُبُ, فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله هَلَكَتْ الأَمْوَالُ وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ فَادْعُ الله يُمْسِكْهَا, قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلا عَلَيْنَا, اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالْجِبَالِ وَالآجَامِ وَالظِّرَابِ وَالأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ, قَالَ: فَانْقَطَعَتْ وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ).
    هذا الرجل جاء مستغيثاً برسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله في أن يمطرهم, فلم يقل له النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا سألت فاسأل الله). ولم يقل له: (ادعوا الله القائل: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُون}. والقائل: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}.
    وجاء في الحديث الصحيح, عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ رضي الله عنه: (أَنَّ رَجُلاً ضَرِيرَ الْبَصَرِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ادْعُ الله أَنْ يُعَافِيَنِي, قَالَ: إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ لَكَ, وَإِنْ شِئْتَ أَخَّرْتُ ذَاكَ فَهُوَ خَيْرٌ, فَقَالَ: ادْعُهُ, فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ فَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ, يَا مُحَمَّدُ إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ فَتَقْضِي لِي, اللَّهُمَّ شَفِّعْهُ فِيَّ) رواه أحمد والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
    فالنبي صلى الله عليه وسلم علَّمه التوسل والاستغاثة بجاهه صلى الله عليه وسلم, كما هو ظاهر في نص الحديث, فهل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم الناس التوحيد أم الشرك؟ ولماذا لم يقل له النبي صلى الله عليه وسلم: (إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ الله, وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِالله ) رواه الترمذي؟
    ثانياً: أما في الآخرة, فما رواه البخاري في صحيحه مرفوعاً: (إِنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَبْلُغَ الْعَرَقُ نِصْفَ الأُذُنِ, فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ اسْتَغَاثُوا بِآدَمَ ثُمَّ بِمُوسَى ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).
    لماذا لم يتوجه الناس في أرض المحشر إلى الله تعالى مباشرةً, بل توجهوا إلى الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام؟ والذي يخبرنا بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم, فهل قال عنهم: كفروا وأشركوا وسألوا غير الله, أم تقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي استغاثوا به ليشفع لهم؟
    ثالثاً: أما في البرزخ: فأولاً: أنقل كلام ابن القيم في كتاب الروح قال: صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم اجتمع بالأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس، وفي السماء خصوصاً بموسى، وقد أخبر بأنه: ما من مسلم يسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام. روى أبو داود بإسناد رجاله ثقات ـ كما قال الحافظ ابن حجر في الفتح ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ) إلى غير ذلك مما يحصل من جملته القطع بأن موت الأنبياء إنما هو راجع إلى أن غيبوا عنا بحيث لا ندركهم، وإن كانوا موجودين أحياء وذلك كالحال في الملائكة، فإنهم أحياء موجودون ولا نراهم. اهــ.
    ثانياً: قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: وَرَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة بِإِسْنَادٍ صَحِيح مِنْ رِوَايَة أَبِي صَالِح السَّمَّانِ عَنْ مَالِك الدَّارِيّ ـ وَكَانَ خَازِن عُمَر ـ قَالَ: أَصَابَ النَّاس قَحْط فِي زَمَن عُمَر, فَجَاءَ رَجُل إِلَى قَبْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُول اللَّه اِسْتَسْقِ لأُمَّتِك فَإِنَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا، فَأَتَى الرَّجُلَ فِي الْمَنَام فَقِيلَ لَهُ: اِئْتِ عُمَر فَأَقرِئهُ السَلامَ، وَأَخْبِرهُ أَنَّكُم مُسْقَونَ, وَقُلْ لَه: عَلَيْكَ الكَيِّس! عَلَيْكَ الكَيَّس! فَأَتَى عُمَرَ فَأَخبَرَهُ فَبَكَى عُمَر ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ لا آلُو إِلَّا مَا عَجَزْتُ عَنه).
    فهذا الحديث يُثْبِت بلا شك ولا ريب إجماع من حضر من الصحابة في زمن سيدنا عمر رضي الله عنهم على جواز الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى, ونحن مقتدون بالصحابة في ذلك.
    وقال الإمام الداراميّ في صحيحه عن أبي الجوزاء قال: (قُحِطَ أهل المدينة قحطاً شديداً فشكوا إلى عائشة رضي الله عنه فقالت: فانظروا قبر النبي صلى الله عليه وسلم فاجعلوا منه كوة إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف ففعلوا فمطروا, حتى نبت العشب وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم, فسمى عام الفتق).
    لماذا فعلت السيدة عائشة رضي الله عنها هذا؟ والصحابة الذين فعلوا هذا ووافقوها هل أشركوا؟ هل ابتدعوا؟ هل ضلوا؟ نستغفر الله تعالى من هذا.
    وكان ابن حجر العسقلاني يقول في ديوانه:
    نبيَّ الله يـا خيرَ البرايا *** بجاهك أتَّقي فصلَ القضاء
    وأرجو يا كريمُ العفوَ عمَّا *** جنته يداي يا رب الحَباء
    فكعب الجود لا يرضى فداءً *** لنعلك وهو رأس في السخاء
    وسنَّ بمدحك ابن زهير *** لمثلي منك جائزة الثناء
    فقل يا أحمد بن علي اذهب *** إلى دار النعيم بلا شقاء
    فإن أحزن فمدحك لي سروري *** وإن أقنط فحمدك لي رجائي
    وديوان الحافظ مطبوع قديماً في الهند, وهناك نسخة منه في مكتبة الجامعة الأردنية, فمن انتقد بعض أبيات البوصيري رحمه الله تعالى فلينتقد أبيات الحافظ ابن حجر.
    وقال الإمام النووي في المجموع مبيناً ما يستحب أن يقوله من يزور النبي صلى الله عليه وسلم إذا وقف أمام القبر الشريف مخاطباً رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نصه: (ثم يرجع إلى موقفه الأول قبالة وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتوسل به في حق نفسه ويستشفع به إلى ربه سبحانه وتعالى, ومن أحسن ما يقول ما حكاه الماوردي و القاضي أبو الطيب وسائر أصحابنا عن العتبي مستحسنين له قال: (كنت جالساً عند قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله سمعت الله يقول: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا} وقد جئتك مستغفراً من ذنبي مستشفعاً بك إلى ربي ثم أنشأ يقول:
    يا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهنَّ القاع والاكم
    نفسي الفداء لقبر أنـت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم
    ثم انصرف, فحملتني عيناي فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقال: يا عتبي الحق الأعرابي فبشره بأن الله تعالى قد غفر له).
    والقصة ثابتة تناقلها العلماء, وعلى فرض أنها مكذوبة فالعبرة باستحسان النووي وسائر الشافعية لهذه الصيغة المذكورة في قصة العتبي, فهل يستحسنون الشرك, ولا يميزون بين الشرك والإيمان؟
    فانظر رحمك الله تعالى وهداك كيف استحسن العلماء هذه الصيغة في نداء النبي صلى الله عليه وسلم، وطلب العفو وأن يستغفر الله له، ونحن لا نفعل إلا ذلك ولا نستحب إلا هذا، ولا نزيد على ما ورد في الأحاديث المتقدمة أو ما جاء عن العلماء الكبار في العلم, ولا نعتقد في المخلوقين أنهم يرزقون بذاتهم أو يحيون ويميتون، فالله تعالى بين لنا في كتابه أن إسناد الفعل لغيره على طريق المجاز ليس شركاً, ولكن ما نصنع بمن لا يدرك المجاز وينكره أشد الإنكار، قال تعالى في شأن سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام: {وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ}. فلو قال شخص أن سيدنا عيسى عليه السلام كان يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص، لم يكن كافراً، مع أن الله تعالى هو محيي الموتى حقيقة وهو الذي يبرئ الأكمه والأبرص، وكلُّنا يعتقد أن التأثير لله لا لسيدنا عيسى، وكذلك إذا استغاث رجل برسول الله صلى الله عليه وسلم راجياً أن يدعو الله له في تفريج مصيبته أو كربه معتقداً أنه حيٌّ في قبره يبلغه سلامُ أمته أينما كانوا وتعرض عليه أعمالهم، لم يكن ذلك شركاً عند من تجرَّد من العصبية واتقى الله تعالى، بل سيتحقق أن ذلك سنة وردت به الأحاديث الصحيحة, ونص عليه علماء الأمة الثقات من السلف والمحدثين.
    وأخيراً أقول: لا يجوز للمسلمين أن يشغلوا أنفسهم بمثل هذه المسائل ويجعلوها قضايا يحمل بعضهم فيها سيف الكلام على صاحبه، فيكون جهاد في غير وغى، ويكون ذلك سبباً في تفريق الصفوف وبعثرة الجهود ويشغلنا عن بناء مجتمعاتنا ووحدة أمتنا, فضلاً عن أن يكفر بعضهم بعضاً. هذا, والله تعالى أعلم
    .
    ****************************** ******** منقول************************* **********
  • هاني علي الرضا
    طالب علم
    • Sep 2004
    • 1190

    #2
    المسألة فقهية .
    صل يا قديم الذات عدد الحوادث .. على المصطفى المعصوم سيد كل حادث

    تعليق

    • محمد عوض عبد الله
      طالب علم
      • May 2005
      • 1375

      #3
      وحسب علمي هذا كلام للعلامة د. علي جمعة ..

      ويوجد كلام ممتاز للدكتور محمود الزين ها هو :
      الاستغاثة الشرعية


      هل يجوز للإنسان المسلم أن يقول : المدد يارسول الله أو ياعبد القادر ونحو ذلك ؟؟؟ الجواب بقلم الدكتور محمود أحمد الزين : هذه المسألة متفرعة عن مسألة الاستغاثة بالمخلوق ، وقد كتبت عنها في رسالتي (( التوسل في سنة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه )) لإن الأدلة الشرعية دلت على أن الاستغاثة نوع من التوسل ، كما يظهر من عرض هذه الأدلة إن شاء الله تعالى .




      هل يجوز للإنسان المسلم أن يقول : المدد يارسول الله أو ياعبد القادر ونحو ذلك ؟؟؟ الجواب بقلم الدكتور محمود أحمد الزين : هذه المسألة متفرعة عن مسألة الاستغاثة بالمخلوق ، وقد كتبت عنها في رسالتي (( التوسل في سنة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه )) لإن الأدلة الشرعية دلت على أن الاستغاثة نوع من التوسل ، كما يظهر من عرض هذه الأدلة إن شاء الله تعالى .



      ولايمكن معالجة هذه المسألة إلا بعد تفهم لفظ الاستغاثة واستعمالاته الشرعية ،


      أما في اللغة فيأتي لفظ الاستغاثة بمعنى طلب الإعانة وبناء على ذلك فإن الاستغاثة بالمخلوف فيما يقدر عليه متفق على جوازها كما جاء في القرآن الكريم في بعض أخبار سيدنا موسى عليه السلام : فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ (15القصص)


      ومن جملة مايقدر عليه : المخلوق الدعاء والشفاعة ،، وقد جاء في حديث الشفاعة يوم القيامة رواية عند البخاري لفظ : (( استغاثوا بآدم )) (البخاري بَاب مَنْ سَأَلَ النَّاسَ تَكَثُّرًا 5/324) أي طلبوا الشفاعة



      وتكرر هذا اللفظ مع ذكر جماعة من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، والاستغاثة هنا بمعنى طلب الإعانة ، وصورة الإعانة : أن يطلب الأنبياء من الله تعالى نهاية موقف الحشر وبدء الحساب ، وهذا هو معنى الشفاعة ومعنى الدعاء لغيرهم إذ إن الطلب من الخالق هو حقيقة الدعاء .



      ولفظ وفعل الاستغاثة هذا جائز ولا يمكن أن يقول ذو علم إنه محرم فضلاً عن أن يقول : إنه من الشرك بالله تعالى بعدما ثبت في صحيح البخاري


      الاستغاثة بمعنى طلب الشفاعة والدعاء لاغبار عليه ولكن يقع الإشكال في غير ذلك فهل يمكن مثلاً أن يقول أحد الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم : اغفر لي أو أدخلني الجنة أو نجني من النار أو اشفني من مرضي أو نحو ذلك من الأمور التي لايقدر عليها إلا الله بمعنى اسأل الله لي أن يفعل ذلك أي أن يقصد بهذا الكلام طلب الدعاء بقضاء حاجته وهل هذا أمر جائز ؟؟؟




      الواقع أن أمثال هذا الطلب من النبي صلى الله عليه وسلم قد ثبت بروايات صحيحة ، ولابد من تفسيرها بمعنى صحيح يوافق مراد الشرع لإنها مروية في السنة النبوية ، وبذلك يعرف المسلم مايجوز ومالايجوز ، وفي هذا يقول الصحابي ربيعة بن كعب الأسلمي للنبي صلى الله عليه وسلم : (( أسألك مرافقتك في الجنة )) كما جاء في ( صحيح مسلم باب فضل السجود والحث عليه 3/40) 754 ودخوله هو بيد الله عزوجل لايقدر عليه إلا هو سبحانه ، ومادام هذا القول ثبت وهو في السنة فهو جائز حتماً وليس محرماً ولاشركاً فرسول الله صلى الله عليه وسلم لايقر أحداً على الكلام المحرم وإن كان شركاً فهو أولى بالإنكار. وإذا كان جائزاً بإقرار النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينبغي الاعتراض عليه حتى ولابالقول أنه ترك الأفضل لإنه لو كان فيه أي مخالفة شرعية مهما قلّت لكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينبه قائله على ذلم كأن يقول له : دع هذا وإن كان صحيحاً لإنه يوهم غير الصواب




      ولهذا الحديث حسب مايدل لفظه معنيان صحيحان ويحتمل معنى ثالثاً وهو باطل وإن احتمله اللفظ لإنه لايوافق الشرع




      المعنى الأول وهو الأقرب إلى المقصود هو أنه يعني بهذا الكلام (( أسألك أن تدعو الله لي أن يجعلني رفيقك في الجنة )) أي هو توسل بطريق طلب الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم وهذا التوسل متفق على مشروعيته .




      والمعنى الثاني _وهو أقرب إلى ظاهر اللفظ _ هو أن يدخله النبي صلى الله عليه وسلم الجنة برفقته لكن بإذن الله تعالى ، وإذا جاز أن يحيي نبي الله عيسى الموتى بإذن الله ، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله ولايكون ذلك شركاً ولامحرماً فأيسر منه في الجواز أن يدخل النبي صلى الله عليه وسلم فرداً من أمته الجنة بإذن الله كماجاء في عدد من أحاديث الشفاعة يوم القيامة ، كقوله تعالى له صلى الله عليه وسلم : (( أدخل من أمتك الجنة من لاحساب عليهم من الباب الأيمن)) ( البخاري : ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا 4343) فهذا الدخول إلى الجنة أيضاً بطلب النبي صلى الله عليه وسلم ذلك من الله تعالى لهذا الصحابي أو يكون ذلك بإذن سابق من الله تعالى دون طلب النبي صلى الله عليه وسلم



      والمعنى الثالث مما يحتمله لفظ حديث (( أسألك مرافقتك في الجنة )) وهو باطل ولايخطر في بال مسلم أن يريده هو : أن يفعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بدون إذن الله تعالى ، فكل مسلم يعلم ضرورة أن النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء لايشفعون عند الله إلا بإذنه ولايفعلون شيئاً في ملكه إلا بإذنه سبحانه وتعالى ، ومن اتهم أحداً من المسلمين بأنه يقصد هذا المعنى يقال له :" هلا شققت عن قلبه " كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد رضي الله عنه حين زعم أن رجلاً كافراً قال لاإله إلا الله إنه قال ذلك لينجو من القتل ، وإذا كان هذا الاحتمال باطلاً ولايخطر في بال المسلمين فلا ينبغي أن يقال لأحد منهم إنك تقصد معنى الكفر وأنت بسبب هذا القول كافر بل لاينبغي لأحد أن يزعم أن الأولى أن نتجنب هذه الألفاظ لإنها توهم معنى باطلاً ، فرسول الله صلى الله عليه وسلم أحرص منا على التوحيد ولم يقل لمن تكلموا بها اتركوها .


      وكما جاء هذا اللفظ وأقره النبي صلى الله عليه وسلم كذلك ثبت عن سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه قوله للنبي صلى الله عليه وسلم (( أشترط أن تَغْفر لي ما أوضعت من صد عن سبيل الله ) (مسند أحمد 36-178-17109) رواه الإمام أحمد في مسنده بالتاء أي أنت تغفر لي ، ورواه الإمام مسلم في بَاب كَوْنِ الْإِسْلَامِ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ وَكَذَا الْهِجْرَةِ وَالْحَجِّ بلفظ (( أن يغفر لي )) بصيغة البناء للمجهول وليست رواية مسلم أو ثق من الإمام أحمد بل العكس هو الصحيح ، وقد قال العلماء : معناهما واحد ، ولم يقولوا نرجح رواية مسلم ونترك رواية أحمد ، ولاشك أن مغفرة الذنوب من خصائص الله تعالى لا يقدر عليها النبي صلى الله عليه وسلم إلا بطلبها من الله أو بإذن من الله تعالى دون طلب النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكن جاءت الكلمة على هذا الوجه وهو أسلوب معروف لغة وشرعاً .




      وقد شرح النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأسلوب في حديث أصحاب الأخدود وهو في صحيح مسلم ، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عن الغلام الذي آمن على يد الراهب فجعله الله تعالى مستجاب الدعوة : (( فأصبح الغلام يشفي من العمى والبرص وسائر الأدواء ))صحيح مسلم : بَاب قِصَّةِ أَصْحَابِ الْأُخْدُودِ وَالسَّاحِرِ وَالرَّاهِبِ وَالْغُلَامِ 14- 292) فنسب الشفاء إلى الغلام ، ثم روى عن الغلام مايشرح مراده صلى الله عليه وسلم بذلك حيث قال جليس الملك حين عمي : (( يابني لك ماههنا إن أنت شفيتني ) فقال الغلام : (( ياعم أنا لاأشفي أحداً إنما يشفي الله تعالى فإن أنت آمنت به دعوته فشفاك )) فأوضح له أن الشافي الحقيقي هو الله تعالى ، وأن مايفعله الغلام ماهو إلا دعاء الله تعالى فتبين بذلك أن نسبة الشفاء إلى الغلام في أول كلام النبي صلى الله عليه وسلم إنما هي بمعنى أنه سبب الشفاء بواسطة دعاء الله تعالى فإذا قارن الإنسان هذا الحديث بحديث ربيعة بن كعب (( أسألك مرافقتك في الجنة )) وبحديث عمرو بن العاص : (( أشترط أن تغفر لي ماأوضعت من صد عن سبيل الله ) تبين له أن طلب الحاجة التي لايقدر عليها إلا الله معناه طلبها من الله تعالى بدعائه صلى الله عليه وسلم وهو جائز كما دلت هذه الأحاديث




      ولو جاء إليه صلى الله عليه وسلم صحابي فقال له ( المدد يارسول الله )) وأراد به معنى العون بواسطة الدعاء كان ذلك صحيحاً لغة وشرعاً كما يفهم من هذه الأحاديث ، لإن هذا هو الذي يقدر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا الأسلوب أي : نسبة فعل الخالق إلى المخلوق المتسبب ثابتة في القرآن حتى في الكلمة الواحدة كقول جبريل عليه السلام ( إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكياً)) وفي قراءة من القراءات السبع (( ليهب )) وقد بينته في رسالتي ( التوسل ) .



      فإذا قال قائل : هذا جائز في حياته أما بعد موته صلى الله عليه وسلم فلا يجوز ؟!



      فجوابه من وجهين :
      [الاسرى يمتشقون عبق الحرية..

      تعليق

      • محمد عوض عبد الله
        طالب علم
        • May 2005
        • 1375

        #4
        الأول : هو أن يقال له : إن مسائل الشرك لافرق فيها بين حي وميت فكما لايجوز أن يقول أحد للنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته أنت ربي لايجوز أن يقوله في حياته صلى الله عليه وسلم .


        الثاني : أنه مادام هذا القول (( أسألك مرافقتك في الجنة وأشترط أن تغفر لي ، والمدد يارسول الله )) مادام بمعنى طلب الدعاء فهذا ليس شركاً لإنه يخاطب به المخلوق كأنك قلت له : ادع لي بكذا ، ولايصح أن تقول لله تعالى : ادع لي . ولو اعتمدنا على القول بأن الموتى لايسمعون فلا يكون هذا شركاً لإنك تخاطبه صلى الله عليه وسلم بطلب الدعاء وهو من خصائص المخلوق وليس من خصائص الخالق سبحانه ، ولكن إذا اعتمدت على رأي من يقول (( إن الموتى لايسمعون )) نقول له: إن قولك لايفيد لإنه لايسمعك أو تزعم أن الميت لايدعو وهذا زعم يخالف صريح الأدلة



        ثم إنك تبني هذا على القول بأن الموتى لايسمعون ، وأكثر الأئمة على أنهم يسمعون حتى قال ابن القيم : (( تواترت الأخبار عن السلف بذلك)) ، وقد شرح المسألة صاحب تفسير أضواء البيان شرحاً مفصلاً ، وذكرت الأدلة في رسالتي : (( التوسل في سنة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه )) بإيجاز كما ذكرت في هذه الرسالة الأدلة على أن الموتى يدعون لأنفسهم ولغيرهم


        وعلى كل حال فليس من حق أحد إذا ترجح عنده قول أن يلزم الناس ويتهمهم إذا لم يقنعوا بدليله أنهم مبتدعون أو مشركون ، فإن أصر على ذلك فيقال له : إذن فاحكم بالفسق والضلال على من قال ذلك من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى يوم الناس هذا ، والمسائل الاجتهادية لو أن الإنسان فسّق مخالفه فيها لفسق كل العلماء .


        وماذا يقول عن نفسه إذا تبين له أنه أخطأ في اجتهاده سابقاً ، فإن قال أنا لاأبدع أولئك لإنهم قالوا ذلك عن اجتهاد ، والذين يقولونه اليوم يقولونه عن جهل وعصبية ، وجواب هذا الكلام أن يقال له : من كان دون أهلية الإجتهاد فقد قلد العلماء الذين أجازوا ذلك ، ومن كان من أهل الاجتهاد قاله بقناعته ، أما زعمك أنهم قالوه عصبية فيقال لك ماقاله رسول الله صلى الله عليه وسلم : هلاّ شققت عن قلبه



        ومسألة أخرى تحتاج إلى الإيضاح في هذا الموضوع وهي : أن بعض الناس يقول : (( إن الصحابة حين انقطع عنهم المطر لم يطلبوا الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم فدل على أن ذلك لا يجوز )) وجواب هؤلاء من وجهين :


        احدهما : أن بعضهم طلب الدعاء منه صلى الله عليه وسلم ، وقد بينت ذلك في رسالة التوسل


        وثانيهما : أنه لو افترضنا أنهم لم يطلبوا الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم فلا يدل على منعه لإن فعل أحد الأمرين المشروعين لايدل على منع الآخر كما أن التوسل بالأسماء الحسنى لايدل على منع التوسل بطلب الدعاء من الصالحين الأحياء . وقد وضحت ذلك بالأدلة في رسالة التوسل



        إن هذا الشرط _ وهو ادعاء أن الحديث لايعمل به حتى يروى عمل الصحابة به شرط باطل ماقال به أحمد _ ولو كان واجباً لكان كل حديث لايعمل به حتى يثبت عمل الصحابة به ، واشتراط ذلك يجعل السنة تابعة لعمل الصحابة ، والمطلوب هو العكس ، ثم هذا خلط بين مسالتين عدم رواية فعلٍ عن الصحابة فهذا لايدل على تركهم الحديث وبين مسألة مخالفتهم للحديث أي أن يفعلوا أويقولوا كلهم خلافه فهذا إجماع أما ذاك فهو عدم علم بقبولهم إنما هو سكوت والسكوت لايعارض به قول عالم فكيف يرد به الحديث الشريف .


        ومن الجوانب المهمة في هذه المسألة _ ولم أذكرها في رسالة التوسل_ أن بعض المعترضين يقولون : لوسلمنا لكم أن الموتى يسمعون فهم يسمعون من الأماكن القريبة ، أما السماع من الأماكن البعيدة فلا دليل عليه فلا يجوز أن يقال للنبي أو الرجل الصالح بعد الموت ومن مسافة بعيدة : المدد أو أن يقال له : اقض حاجتي في الأمر الفلاني .


        وجواب هذا هو أن التأمل في الأدلة يدل على أن المسافة البعيدة كمثل القريبة ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حين كان يأتي البقيع فيسلم على أهله يوجه سلامه إلى جميعهم من كان قريباً ومن كان بعيداً ولو صح أن يقاس على حال الحياة الدنيا لم يصح ذلك ، بل لو وقف الإنسان عند القبر وسلم فإن حاجز التراب الكثير مانع _ لو كان الأمر على ماكان عليه في الدنيا _ فلما كان يسمع رغم وجود هذا الحاجز الغليظ جداً دل على أن الحواجز المادية لاتمنعهم من السماع ( وهذا كله على قول الأكثرين بأن الموتى يسمعون )


        وكذلك نداء هود وشعيب عليهما السلام لقومهما بعد الهلاك بقولهما : يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَٰكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (الأعراف79)



        وكل منهما يخاطب قوماً كثيرين متناثرين في أماكن كثيرة متباعدة أو قريبه في بلديهما ، وكل ذلك يدل على أن المسافة البعيدة لاتحجب الصوت عن الأموات.


        وهذا شيء واضح ولكن الذين ينكرون على الناس في هذه المسألة يريدون من الناس كلهم ألا يفهموا إلا مثل فهمهم ويضللونهم بناء على ذلك ، والناس يرونهم أحياناً كثيرة يغيرون فهمهم وأحكامهم حتى في صحة الأحاديث وضعفها ، فهل يحكمون على أنفسهم فيما فهموه سابقاً بالضلال وهل يوجبون على الناس أن يتابعوهم في الفهم الثاني وإلا فهم ضلال ، ومعنى ذلك أنهم هم ميزان الدين من خالفهم خالف الدين فأي زعم هذا ؟؟؟؟؟!!!!
        [الاسرى يمتشقون عبق الحرية..

        تعليق

        • جمانة انس مالك
          طالب علم
          • Jan 2010
          • 24

          #5
          جزاكم الله خيرا

          تعليق

          يعمل...