النص الأول: الْخِلَافَاتُ بَيْنَ السَّادَةِ الْأَشَاعِرَةِ وَ السَّادَةِ الْمَاتُرِيدِيَّةِ: لِتَاجِ الدِّينِ أَبِي نَصْرٍ، عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنِ عَلَيّ السُّبْكِيُّ (727-771هـ):
و قد نقلتها من طبقات الشافعية الكبرى؛ تحقيق عبد الفتاح الحلو؛ (الجزء الثالث من ص 377 إلى ص 389)"
سَمِعْتُ الشَّيْخَ الْإِمَامَ رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ: "مَا تَضَمَّنَتْهُ عَقِيدَةُ الطَّحَاوِيِّ هُوَ مَا يَعْتَقِدُهُ الْأَشْعَرِيُّ؛ لَا يُخَالِفُهُ إِلَّا فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ".
قُلْتُ: أَنَا أَعْلَمُ أَنَّ الْمَالِكَيَّةَ، كُلُّهُمْ أَشَاعِرَةٌ، لَا أَسْتَثْنِي أَحَداً؛ وَ الشَّافِعِيَّةَ، غَالِبُهُمْ أَشَاعِرَةٌ، لَا أَسْتَثْنِي إِلَّا مَنْ لَحِقَ مِنْهُمْ بِتَجْسِيمٍ أَوْ إِعْتِزَالٍ، مِمَّنْ لَا يَعْبَأُ اللهُ بِهِ؛ وَ الْحَنَفِيَّةَ أَكْثَرُهُمْ أَشَاعِرَةٌ -أَعْنِي يَعْتَقِدُونَ عَقْدَ الْأَشْعَرِيِّ- لَا يَخْرُجُ مِنْهُمْ إِلَّا مَنْ لَحِقَ مِنْهُمْ بِالْمُعْتَزِلَةِ؛ وَ الْحَنَابِلَةُ أَكْثَرُ فُضَلَاءِ مُتَقَدِّمِيهِمْ أَشَاعِرَةٌ، لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُمْ عَنْ عَقِيدَةِ الْأَشْعَرِيِّ إِلَّا مَنْ لَحِقَ بِأَهْلِ التَّجْسِيمِ، وَ هُمْ فِي هَذِهِ الْفِرْقَةِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهِمْ.
وَ قَدْ تَأَمَّلْتُ عَقِيدَةَ أَبِي جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيِّ فَوَجَدْتُ الْأَمْرَ عَلَى مَا قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ؛ وَ عَقِيدَةُ الطَّحَاوِيِّ زَعَمَ- أَنَّهَا الَّذِى عَلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ، وَ أَبُو يُوسُفٍ، وَ مُحَمَّدٌ؛ وَ لَقَدْ جَوَّدَ فِيهَا.
ثُمَّ تَفَحَّصْتُ كُتُبَ الْحَنَفِيَّةِ فَوَجَدْتُ جَمِيعَ الْمَسَائِلِ الَّتِي بَيْنَنَا وَ بَيْنَ الْحَنَفِيَّةِ خِلَافٌ فِيهَا؛ ثَلَاثَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً: مِنْهَا مَعْنَوِيٌّ سِتُّ مَسَائِلَ، وَ الْبَاقِي لَفْظِيٌّ.
وَ تِلْكَ السِّتُّ الْمَعْنَوِيَّةُ لاَ تَقْتَضِي مُخَالَفَتَهُمْ لَنَا، وَ لَا مُخَالَفَتَنَا لَهُمْ فِيهَا؛ تَكْفِيراً، وَ لَا تَبْدِيعاً؛ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، وَ غَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّتِنَا وَ أَئِمَّتِهِمْ؛ وَ هُوَ غَنِيٌّ عَنِ التَّصْرِيحِ لِظُهُورِهِ.
وَ مِنْ كَلَامِ الْحَافِظِ: "الْأَصْحَابُ -مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ-، كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ عَلَى تَرْكِ تَكْفِيرِ بَعْضِهِمْ بَعْضاً مُجْمِعُونَ، بِخِلَافِ مَنْ عَدَاهُمْ مِنْ سَائِرِ الطَّوَائِفِ وَ جَمِيعِ الْفِرَقِ؛ فَإِنَّهُمْ حِينَ اخْتَلَفَتْ بِهِمْ مُسْتَشْنَعَاتُ الْأَهْوَاءِ وَ الطُّرُقِ، كَفَّرَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً، وَ رَأَى تَبَرِّيهِ مِمَّنْ خَالَفَهُ فَرْضاً".
قُلْتُ: وَ هَذَا حَقٌّ، وَ مَا مِثْلُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ إِلَّا مِثْلُ مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ، اِخْتَلَفَتِ الْأَشَاعِرَةُ فِيهَا؛ وَ كُلُّهُمْ عَنْ حِمَى أَبِي الْحَسَنِ يُنَاضِلُونَ، وَ بِسَيْفِهِ يُقَاتِلُونَ؛ أَفَتُرَاهُمْ يُبَدِّعُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً؛ ثُمَّ هَذِهِ الْمَسَائِلُ لَمْ يَثْبُتْ جَمِيعُهَا عَنِ الشَّيْخِ، وَ لَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا -كَمَا سَأَحْكِي لَكَ- وَ لَكِنَّ الْكَلَامَ بِتَقْدِيرِ الصِّحَّةِ.
وَ لِي قَصِيدَةٌ نُونِيَّةٌٌ، جَمَعْتُ فِيهَا هَذِهِ الْمَسَائِلَ، وَ ضَمَمْتُ إِلَيْهَا مَسَائِلَ اِخْتَلَفَتِ الْأَشَاعِرَةُ فِيهَا مَعَ تَصْوِيبِ بَعْضِهِمْ بَعْضاً فِي أَصْلِ الْعَقِيدَةِ؛ وَ دَعْوَاهُمْ: أَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَلَى السُّنَّةِ؛ وَ قَدْ وَلَعَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ بِحِفْظِ هَذِهِ الْقَصِيدَةِ، لَا سِيَمَا الْحَنَفِيَّةُ.
وَ شَرَحَهَا مِنْ أَصْحَابِي الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ نُورُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الطَّيِّبِ الشِّيرَازِيُّ الشَّافِعِيُّ؛ وَ هُوَ رَجُلٌ مُقِيمٌ فِي "بِلَادِ كِيلَانَ"؛ وَرَدَ عَلَيْنَا دِمَشْقَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَ خَمْسِينَ وَ سَبْعِ مِائَةٍ، وَ أَقَامَ يُلَازِمُ حَلَقَتِي نَحْوَ عَامٍ وَ نِصْفِ عَامٍ؛ وَ لَمْ أَرَ فِيمَنْ جَاءَ مِنَ الْعَجَمِ فِي هَذَا الزَّمَانِ أَفْضَلَ مِنْهُ، وَ لَا أَدْيَنَ.
وَ أَنَا أَذْكُرُ لَكَ قَصِيدَتِي فِي هَذَا الْكِتَابِ، لِتَسْتَفِيدَ مِنْهَا مَسَائِلَ الْخِلَافِ، وَ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ.
1 الْوَرْدُ خَدُّكَ؛ صِيغَ مِنْ إِنْسَانِ؟ أَمْ فِي الْخُدُودِ شَقَائِقُ النُّعْمَانِ
2 وَ السَّيْفُ لَحْظُكَ، سُلَّ مِنْ أَجْفَانِهِ، فَسَطَا؛ كَمِثْلِ مُهَنَّدٍ وَ سِنَانِ
3 تَاللهِ مَا خُلِقَتْ لِحَاظُكَ بَاطِلاً، وَ سُدىً؛ تَعَالَى اللهُ عَنْ بُطْلَانِ
4 وَ كَذَاكَ عَقْلُكَ؛ لَمْ يُرَكَّبْ يَا أَخِي عَبَثاً، وَ يُودَعُ دَاخِلَ الْجُثْمَانِ
5 لَكِنْ لِيَسْعَدَ، أَوْ لِيَشْقَىَ مُؤْمِنٌ، أَوْ كَافِرٌ؛ فَبَنُو الْوَرَى صِنْفَانِ
6 لَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَاهْتَدَى كُلٌّ، وَ لَمْ يُحْتَجْ إِلَى حَدٍّ، وَ لَا بُرْهَانِ
7 فَانْظُرْ بِعَقْلِكَ، وَ اجْتَهِدْ؛ فَلَخَيْرَ مَا تُوتَاهُ: عَقْلٌ رَاجِحُ الْمِيزَانِ
8 وَ اطْلُبْ نَجَاتَكَ؛ إِنَّ نَفْسَكَ وَ الْهَوَى بَحْرَانِ فِي الدَّرَكَاتِ يَلْتَقِيَانِ
9 نَارٌ؛ يَرَاهَا ذُو الْجَهَالَةِ جَنَّةٌ، وَ يَخُوضُ فِيهَا، فِي حَمِيمٍ آَنِ
10 وَ يَظَلُّ فِيهَا مِثْلَ صَاحِبِ بِدْعَةٍ؛ يَتَخَيَّلُ الْجَنَّاتِ فِي النِّيرَانِ
مِنْهَا:
11 كَذَبَ ابْنُ فَاعِلَةٍ يَقُولُ -بِجَهْلِهِ-: "اللهُ جِسْمٌ لَيْسَ كَالْجُسْمَانِ"
12 لَوْ كَانَ جِسْماً، كَانَ كَالْأَجْسَامِ؛ يَا مَجْنُونُ، فَاصْغِ، وَ عُدْ عَنْ بُهْتَانِ
13 وَ اتْبَعْ صِرَاطَ الْمُصْطَفَى فِي كُلِّ مَا يَأْتِي؛ وَ خَلِّ وَسَاوِسَ الشَّيْطَانِ
14 وَ اعْلَمْ بِأَنَّ الْحَقَّ مَا كَانَتْ عَلَيْـ ـهِ صَحَابَةُ الْمَبْعُوثِ مِنْ عَدْنَانِ
15 مَنْ أَكْمَلَ الدِّينَ الْقَوِيمَ، وَ بَيَّنَ الْـ ـحِجَجَ الَّتِي يُهْدَى بِهَا الثَّقَلَانِ
16 قَدْ نَزَّهُوا الرَّحْمَنَ عَنْ شَبَهٍ؛ وَ قَدْ دَانُوا بِمَا قَدْ جَاءَ فِي الْفُرْقَانِ
17 وَ مَضَوْا عَلَى خَيْرٍ، وَ مَا عَقَدُوا مَجَالِسَ فِي صِفَاتِ الْخَالِقِ الدَّيَّانِ
18 كَلَّا، وَ لَا ابْتَدَعُوا، وَ لَا قَالُوا: الْبِنَا مُتَشَابِهٌ فِي شَكْلِهِ لِلْبَانِي
19 وَ أَتَتْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ عُلَمَاؤُنَا؛ غَرَسُوا ثِمَاراً يَجْتَنِيهَا الْجَانِي
20 كَالشَّافِعِيِّ، وَ مَالِكٍ، وَ كَأَحْمَدَ، وَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَ الرّضَا سُفْيَانِ
21 وَ كَمِثْلِ إِسْحَاقَ، وَ دَاوُدَ؛ وَ مَنْ يَقْفُو طَرَائِقَهُمْ مِنَ الْأَعْيَانِ
22 وَ أَتَى أَبُو الْحَسَنِ الْإِمَامُ الْأَشْعَرِ ي؛ مُبَيِّناً لِلْحَقِّ أَيَّ بَيَانِ
23 وَ مُنَاضِلاً عَمَّا عَلَيْهِ أُولَئِكَ الْأَ سْلَافُ، بِالتَّحْرِيرِ وَ الْإِتْقَانِ
24 مَا إِنْ يُخَالِفُ مَالِكاً، وَ الشَّافِعِـ ـيَّ، وَ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدِ الشَّيْبَانِي
25 لَكِنْ يُوَافِقُ قَوْلَهُمْ، وَ يَزِيدُهُ حُسْناً؛ بِتَحْقِيقٍ، وَ فَضْلِ بَيَانِ
26 يَقْفُو طَرَائِقَهُمْ، وَ يَتْبَعُ حَارِثاً -أَعْنِي مُحَاسِبَ نَفْسِهِ بِوِزَانِ-
27 فَلَقَدْ تَلَقَّى حُسْنَ مَنْهَجِهِ عَنِ الْـ ـأَشْيَاخِ أَهْلِ الدِّينِ وَ الْعِرْفَانِ
28 فَلِذَاكَ تَلْقَاهُ لِأَهْلِ اللهِ يَنْـ ـصُرُ قَوْلَهُمْ بِمُهَنَّدٍ وَ سِنَانِ
29 مِثْلُ ابْنِ أَدْهَمَ، وَ الْفُضَيْلِ، وَ هَكَذَا مَعْرُوفٌ الْمَعْرُوفُ فِي الْإِخْوَانِ
30 ذُو النُّونِ أَيْضاً، وَ السَّرِىُّ، وَ بِشْرٌ بْـ ـنِ الْحَارِثِ الْحَافِي بِلَا فُقْدَانِ
31 وَ كَذَلِكَ الطَّائِيُّ، ثُمَّ شَقِيقٌ الْـ ـبَلْخِيُّ، وَ طَيْفُورٌ، كَذَا الدَّارَانِي
32 وَ التُّسْتُرِيُّ، وَ حَاتِمٌ، وَ أَبُو تُرَا بٍ عَسْكُرٌ؛ فَاعْدُدْ بِغَيْرِ تَوَانِ
33 وَ كَذَاكَ مَنْصُورُ بْنُ عَمَّارٍ، كَذَا يَحْيَى سَلِيلُ مُعَاذٍ الرَّبَّانِي
34 فَلَهُ بِهِمْ حُسْنُ اعْتِقَادٍ، مِثْلُ مَا لَهُمْ بِهِ التَّأْيِيدُ يَوْمَ رِهَانِ
35 إِذْ يُجْمَعُ الْخَصْمَانِ يَوْمَ جِدَالِهِمْ؛ وَ لِمَا تَحَقَّقَ، يَسْمَعُ الْخَصْمَانِ
36 لِمَ لَا يُتَابِعُ هَؤُلَاءِ، وَ شَيْخُهُ الـ ـشَّيْخُ الْجُنَيْدُ السَّيِّدُ الصَّمَدَانِي
37 عَنْهُ التَّصَوُّفَ قَدْ تَلَقَّى، فَاغْتَذَى؛ وَ لَهُ بِهِ، وَ بِعِلْمِهِ نُورَانِ
38 وَ رَأَى أَبَا عُثْمَانَ الْحِيرِيَّ، وَ النُّـ ـورِيِّ؛ يَا لَهُمَا، هُمَا الرَّجُلَانِ
39 وَ رَأَى رُوَيْماً، ثُمَّ رَامَ طَرِيقَهُ؛ وَ أَبَا الْفَوَارِسِ شَاهاً الْكِرْمَانِي
40 وَ الْمَغْرِبِيَّ، كَذَا ابْنَ مَسْرُوقٍ، كَذَا الْـ ـبُسْرِيَّ؛ قَوْمٌ أَفْرَسُ الْفُرْسَانِ
41 وَ أَظُنُّهُ لَمْ يَلْتَقِ الْخَرَّازَ؛ بَلْ قِيلَ: الْتَقَى سَمْنُونَ فِي سِمْنَانِ
42 وَ كَذَاكَ لِلْجَلَّاءِ، لَمْ يَنْظُرْ؛ وَ لَا ابْـ ـنِ عَطَا؛ وَ لَا الْخَوَّاصِ؛ ثُمَّ بُنَانِ
43 وَ كَذَاكَ مُمْشَاذٌ، مَعَ الدُّقِّيِّ، مَعْ خَيْرٍ، وَ هَذَا غَالِبُ الْحُسْبَانِ
44 وَ كَذَاكَ أَصْحَابُ الطَّرِيقَةِ بَعْدَهُ، ضَبَطُوا عَقَائِدَهُ بِكُلِّ عِنَانِ
45 وَ تَتَلْمَذَ الشِّبْلِيُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَ ابْنُ خَفِيفٍ، وَ الثَّقَفِيُّ، وَ الْكَتَّانِي
46 وَ خَلَائِقٌ كَثُرُوا، فَلَا أُحْصِيهِمُ؛ وَ رَبَوْا عَلَى الْيَاقُوتِ وَ الْمَرْجَانِ
47 الْكُلُّ مُعْتَقِدُونَ: أَنَّ إِلَهَنَا مُتَوَحِّدٌ، فَرْدٌ، قَدِيمٌ، دَانِ
48 حَيٌّ، عَلِيمٌ، قَادِرٌ، مُتَكَلِّمٌ؛ عَالٍ، وَ لَا نَعْنِي عُلُوَّ مَكَانِ
49 بَاقٍ، لَهُ سَمْعٌ، وَ إِبْصَارٌ؛ يُرِيـ ـدُ جَمِيعَ مَا يَجْرِي مِنَ الْإِنْسَانِ
50 وَ الشَّرُّ مِنْ تَقْدِيرِهِ، لَكِنَّهُ عَنْهُ نَهَاكَ بِوَاضِحِ الْبُرْهَانِ
51 قَدْ أَنْزَلَ الْقُرْآَنَ -وَ هْوَ كَلَامُهُ-؛ لَفَظَتْ بِهِ لِلْقَارِئِ الشَّفَتَانِ
52 وَ إِلَهُنَا؛ لَا شَيْءَ يُشْبِهُهُ، وَ لَيْـ ـسَ بِمُشْبِهٍ شَيْئاً مِنَ الْحَدْثَانِ
53 قَدْ كَانَ؛ مَا مَعَهُ قَدِيماً قَطُّ مِنْ شَيْءٍ، وَ لَمْ يَبْرَحْ بِلَا أَعْوَانِ
54 خَلَقَ الْجِهَاتِ، مَعَ الزَّمَانِ، مَعَ الْمَكَا نِ؛ الْكُلُّ مَخْلُوقٌ عَلَى الْإِمْكَانِ
55 مَا إِنْ تَحُلُّ بِهِ الْحَوَادِثُ، لَا، وَ لَا، كَلَّا؛ وَ لَيْسَ يَحِلُّ فِي الْجُسْمَانِ
56 كَذَبَ الْمُجَسِّمُ، وَ الْحُلُولِيُّ الْكَفُو رُ؛ فَذَانِ فِي الْبُطْلَانِ مُفْتَرَيَانِ
57 وَ الْاِتِّحَادِيُّ الْجَهُولُ، وَ مَنْ يَقُلْ بِالْاِتِّحَادِ فَإِنَّهُ نَصْرَانِي
58 وَ نَبِيُّنَا خَيْرُ الْخَلَائِقِ أَحْمَدٌ؛ ذُو الْجَاهِ عِنْدَ اللهِ، ذِي السُّلْطَانِ
59 وَ لَهُ الشَّفَاعَةُ، وَ الْوَسِيلَةُ، وَ الْفَضِيـ ـلَةُ، وَ اللِّوَاءُ، وَ كَوْثَرُ الظَّمْآَنِ
60 فَاسْأَلْ إِلَهَكَ بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، مُتَوَسِّلاً؛ تَظْفَرْ بِكُلِّ أَمَانِ
61 لَا خَلْقَ أَفْضَلُ مِنْهُ، لَا بَشَرٌ، وَ لَا مَلَكٌ، وَ لَا كَوْنٌ مِنَ الْأَكْوَانِ
62 مَا الْعَرْشُ؛ مَا الْكُرْسِيُّ؛ مَا هَذِي السَّمَا؛ عِنْدَ النَّبِيِّ، الْمُصْطَفَى، الْعَدْنَانِ
63 وَ الرُّسْلُ بَعْدَ مُحَمَّدٍ دَرَجَاتُهُمْ، ثُمَّ الْمَلَائِكُ عَابِدُو الرَّحْمَنِ
64 ثُمَّ الصَّحَابَةُ، مِثْلَ مَا قَدْ رُتِّبُوا؛ فَالْأَفْضَلُ الصِّدِّيقُ، ذُو الْعِرْفَانِ
65 ثُمَّ الْعَزِيزُ، السَّيِّدُ، الْفَارُوقُ؛ ثُمَّ اذْكُرْ مَحَاسِنَ ذِي التُّقَى عُثْمَانِ
66 وَ عَلِيٌّ ابْنُ الْعَمِّ؛ وَ الْبَاقُونَ أَهْلُ الْفَضْلِ، وَ الْمَعْرُوفِ، وَ الْإِحْسَانِ
67 وَ الْأَوْلِيَاءُ لَهُمْ كَرَامَاتٌ، فَلَا تُنْكِرْ، تَقَعْ فِي مَهْمَهِ الْخِذْلَانِ
68 وَ الْمُؤْمِنُونَ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ، كَرُؤْيَـ ـيَتِهِمْ لِبَدْرٍ لَاحَ نَحْوَ عَيَانِ
69 هَذَا اعْتِقَادُ مَشَايِخِ الْإِسْلَامِ، وَ هْوَ الدِّينُ؛ فَلْتَسْمَعْ لَهُ الْأُذُنَانِ
70 الْأَشْعَرِيُّ عَلَيْهِ يَنْصُرُهُ، وَ لَا يَأْلُوا؛ جَزَاهُ اللهُ بِالْإِحْسَانِ
71 وَ كَذَاكَ حَالَتُهُ مَعَ النُّعْمَانِ، لَمْ يَنْقُضْ عَلَيْهِ عَقَائِدَ الْإِيمَانِ
72 يَا صَاحِ، إِنَّ عَقِيدَةَ النُّعْمَانِ، وَ الْـ ـأَشْعَرِيِّ؛ حَقِيقَةُ الْإِتْقَانِ
73 فَكِلَاهُمَا -وَ اللهِ- صَاحِبُ سُنَّةٍ، بِهُدَى نَبِيِّ اللهِ مُقْتَدِيَانِ
74 لَا ذَا يُبَدِّعُ ذَا، وَ لَا هَذَا؛ وَ إِنْ تَحْسَبْ سِوَاهُ؛ وَهَمْتَ فِي الْحُسْبَانِ
75 مَنْ قَالَ: "إِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ مُبْدِعٌ رَأْياً"؛ فَذَلِكَ قَائِلُ الْهَذَيَانِ
76 أَوْ ظَنَّ أَنَّ الْأَشْعَرِيَّ مُبَدِّعٌ؛ فَلَقَدْ أَسَاءَ، وَ بَاءَ بِالْخُسْرَانِ
77 كُلٌّ إِمَامٌ، مُقْتَدٍ، ذُو سُنَّةٍ؛ كَالسَّيْفِ، مَسْلُولاً عَلَى الشَّيْطَانِ
78 وَ الْخُلْفُ بَيْنَهُمَا قَلِيلٌ أَمْرُهُ، سَهْلٌ؛ بِلَا بِدْعٍ، وَ لَا كُفْرَانِ
79 فِيمَا يَقِلُّ مِنَ الْمَسَائِلِ عَدُّهُ، وَ يَهُونُ عِنْدَ تَطَاعُنِ الْأَقْرَانِ
80 وَ لَقَدْ يُؤَوَّلُ خِلَافُهَا؛ إِمَّا إِلَى لَفْظٍ كَالْاسْتِثْنَاءِ فِي الْإِيمَانِ
الْأَشْعَرِيُّ يَقُولُ: "أَنَا مُؤْمِنٌ إِنْ شَاءَ اللهُ".
81 وَ كَمَنْعِهِ: أَنَّ السَّعِيدَ يَضِلُّ، أَوْ يَشْقَى؛ وَ نِعْمَةَ كَافِرٍ خَوَّانِ
الْأَشْعَرِيُ يَقُولُ: "السَّعِيدُ مَنْ كُتِبَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ سَعِيداً، وَ الشَّقِيُّ مَنْ كُتِبَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ شَقِياًّ، لَا يَتَبَدَّلَانِ".
وَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: "قَدْ يَكُونُ سَعِيداً، ثُمَّ يَنْقَلِبُ -وَ الْعِيَاذُ بِاللهِ- شَقِياًّ؛ وَ بِالْعَكْسِ".
وَ قَدْ قَرَّرْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِنَا فِي "شَرْحِ عَقِيدَةِ الْأُسْتَاذِ أَبِي مَنْصُورٍ"؛ وَ بَيَّنَا اِخْتِلَافَ السَّلَفِ فِيهَا كَاخْتِلَافِ الْخَلَفِ؛ وَ أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فَائِدَةٌ.
وَ الْأَشْعَرِيُّ يَقُولُ: "لَيْسَ عَلَى الْكَافِرِ نِعْمَةٌ، وَ كُلُّ مَا يَتَقَلَّبُ فِيهِ اسْتِدْرَاجٌ".
وَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: "عَلَيْهِ نِعْمَةٌ"؛ وَ وَافَقَهُ مِنَ الْأَشَاعِرَةِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ اِبْنُ البَاقِلَّانِي؛ فَهُوَ مَعَ الْحَنَفِيَّةِ فِي هَذِهِ، كَالْمَاتُرِيدِيُّ مِنْهُمْ مَعَنَا فِي مَسْأَلَةِ الْاِسْتِثْنَاءِ.
و قد نقلتها من طبقات الشافعية الكبرى؛ تحقيق عبد الفتاح الحلو؛ (الجزء الثالث من ص 377 إلى ص 389)"
سَمِعْتُ الشَّيْخَ الْإِمَامَ رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ: "مَا تَضَمَّنَتْهُ عَقِيدَةُ الطَّحَاوِيِّ هُوَ مَا يَعْتَقِدُهُ الْأَشْعَرِيُّ؛ لَا يُخَالِفُهُ إِلَّا فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ".
قُلْتُ: أَنَا أَعْلَمُ أَنَّ الْمَالِكَيَّةَ، كُلُّهُمْ أَشَاعِرَةٌ، لَا أَسْتَثْنِي أَحَداً؛ وَ الشَّافِعِيَّةَ، غَالِبُهُمْ أَشَاعِرَةٌ، لَا أَسْتَثْنِي إِلَّا مَنْ لَحِقَ مِنْهُمْ بِتَجْسِيمٍ أَوْ إِعْتِزَالٍ، مِمَّنْ لَا يَعْبَأُ اللهُ بِهِ؛ وَ الْحَنَفِيَّةَ أَكْثَرُهُمْ أَشَاعِرَةٌ -أَعْنِي يَعْتَقِدُونَ عَقْدَ الْأَشْعَرِيِّ- لَا يَخْرُجُ مِنْهُمْ إِلَّا مَنْ لَحِقَ مِنْهُمْ بِالْمُعْتَزِلَةِ؛ وَ الْحَنَابِلَةُ أَكْثَرُ فُضَلَاءِ مُتَقَدِّمِيهِمْ أَشَاعِرَةٌ، لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُمْ عَنْ عَقِيدَةِ الْأَشْعَرِيِّ إِلَّا مَنْ لَحِقَ بِأَهْلِ التَّجْسِيمِ، وَ هُمْ فِي هَذِهِ الْفِرْقَةِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهِمْ.
وَ قَدْ تَأَمَّلْتُ عَقِيدَةَ أَبِي جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيِّ فَوَجَدْتُ الْأَمْرَ عَلَى مَا قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ؛ وَ عَقِيدَةُ الطَّحَاوِيِّ زَعَمَ- أَنَّهَا الَّذِى عَلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ، وَ أَبُو يُوسُفٍ، وَ مُحَمَّدٌ؛ وَ لَقَدْ جَوَّدَ فِيهَا.
ثُمَّ تَفَحَّصْتُ كُتُبَ الْحَنَفِيَّةِ فَوَجَدْتُ جَمِيعَ الْمَسَائِلِ الَّتِي بَيْنَنَا وَ بَيْنَ الْحَنَفِيَّةِ خِلَافٌ فِيهَا؛ ثَلَاثَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً: مِنْهَا مَعْنَوِيٌّ سِتُّ مَسَائِلَ، وَ الْبَاقِي لَفْظِيٌّ.
وَ تِلْكَ السِّتُّ الْمَعْنَوِيَّةُ لاَ تَقْتَضِي مُخَالَفَتَهُمْ لَنَا، وَ لَا مُخَالَفَتَنَا لَهُمْ فِيهَا؛ تَكْفِيراً، وَ لَا تَبْدِيعاً؛ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، وَ غَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّتِنَا وَ أَئِمَّتِهِمْ؛ وَ هُوَ غَنِيٌّ عَنِ التَّصْرِيحِ لِظُهُورِهِ.
وَ مِنْ كَلَامِ الْحَافِظِ: "الْأَصْحَابُ -مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ-، كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ عَلَى تَرْكِ تَكْفِيرِ بَعْضِهِمْ بَعْضاً مُجْمِعُونَ، بِخِلَافِ مَنْ عَدَاهُمْ مِنْ سَائِرِ الطَّوَائِفِ وَ جَمِيعِ الْفِرَقِ؛ فَإِنَّهُمْ حِينَ اخْتَلَفَتْ بِهِمْ مُسْتَشْنَعَاتُ الْأَهْوَاءِ وَ الطُّرُقِ، كَفَّرَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً، وَ رَأَى تَبَرِّيهِ مِمَّنْ خَالَفَهُ فَرْضاً".
قُلْتُ: وَ هَذَا حَقٌّ، وَ مَا مِثْلُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ إِلَّا مِثْلُ مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ، اِخْتَلَفَتِ الْأَشَاعِرَةُ فِيهَا؛ وَ كُلُّهُمْ عَنْ حِمَى أَبِي الْحَسَنِ يُنَاضِلُونَ، وَ بِسَيْفِهِ يُقَاتِلُونَ؛ أَفَتُرَاهُمْ يُبَدِّعُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً؛ ثُمَّ هَذِهِ الْمَسَائِلُ لَمْ يَثْبُتْ جَمِيعُهَا عَنِ الشَّيْخِ، وَ لَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا -كَمَا سَأَحْكِي لَكَ- وَ لَكِنَّ الْكَلَامَ بِتَقْدِيرِ الصِّحَّةِ.
وَ لِي قَصِيدَةٌ نُونِيَّةٌٌ، جَمَعْتُ فِيهَا هَذِهِ الْمَسَائِلَ، وَ ضَمَمْتُ إِلَيْهَا مَسَائِلَ اِخْتَلَفَتِ الْأَشَاعِرَةُ فِيهَا مَعَ تَصْوِيبِ بَعْضِهِمْ بَعْضاً فِي أَصْلِ الْعَقِيدَةِ؛ وَ دَعْوَاهُمْ: أَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَلَى السُّنَّةِ؛ وَ قَدْ وَلَعَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ بِحِفْظِ هَذِهِ الْقَصِيدَةِ، لَا سِيَمَا الْحَنَفِيَّةُ.
وَ شَرَحَهَا مِنْ أَصْحَابِي الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ نُورُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الطَّيِّبِ الشِّيرَازِيُّ الشَّافِعِيُّ؛ وَ هُوَ رَجُلٌ مُقِيمٌ فِي "بِلَادِ كِيلَانَ"؛ وَرَدَ عَلَيْنَا دِمَشْقَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَ خَمْسِينَ وَ سَبْعِ مِائَةٍ، وَ أَقَامَ يُلَازِمُ حَلَقَتِي نَحْوَ عَامٍ وَ نِصْفِ عَامٍ؛ وَ لَمْ أَرَ فِيمَنْ جَاءَ مِنَ الْعَجَمِ فِي هَذَا الزَّمَانِ أَفْضَلَ مِنْهُ، وَ لَا أَدْيَنَ.
وَ أَنَا أَذْكُرُ لَكَ قَصِيدَتِي فِي هَذَا الْكِتَابِ، لِتَسْتَفِيدَ مِنْهَا مَسَائِلَ الْخِلَافِ، وَ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ.
1 الْوَرْدُ خَدُّكَ؛ صِيغَ مِنْ إِنْسَانِ؟ أَمْ فِي الْخُدُودِ شَقَائِقُ النُّعْمَانِ
2 وَ السَّيْفُ لَحْظُكَ، سُلَّ مِنْ أَجْفَانِهِ، فَسَطَا؛ كَمِثْلِ مُهَنَّدٍ وَ سِنَانِ
3 تَاللهِ مَا خُلِقَتْ لِحَاظُكَ بَاطِلاً، وَ سُدىً؛ تَعَالَى اللهُ عَنْ بُطْلَانِ
4 وَ كَذَاكَ عَقْلُكَ؛ لَمْ يُرَكَّبْ يَا أَخِي عَبَثاً، وَ يُودَعُ دَاخِلَ الْجُثْمَانِ
5 لَكِنْ لِيَسْعَدَ، أَوْ لِيَشْقَىَ مُؤْمِنٌ، أَوْ كَافِرٌ؛ فَبَنُو الْوَرَى صِنْفَانِ
6 لَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَاهْتَدَى كُلٌّ، وَ لَمْ يُحْتَجْ إِلَى حَدٍّ، وَ لَا بُرْهَانِ
7 فَانْظُرْ بِعَقْلِكَ، وَ اجْتَهِدْ؛ فَلَخَيْرَ مَا تُوتَاهُ: عَقْلٌ رَاجِحُ الْمِيزَانِ
8 وَ اطْلُبْ نَجَاتَكَ؛ إِنَّ نَفْسَكَ وَ الْهَوَى بَحْرَانِ فِي الدَّرَكَاتِ يَلْتَقِيَانِ
9 نَارٌ؛ يَرَاهَا ذُو الْجَهَالَةِ جَنَّةٌ، وَ يَخُوضُ فِيهَا، فِي حَمِيمٍ آَنِ
10 وَ يَظَلُّ فِيهَا مِثْلَ صَاحِبِ بِدْعَةٍ؛ يَتَخَيَّلُ الْجَنَّاتِ فِي النِّيرَانِ
مِنْهَا:
11 كَذَبَ ابْنُ فَاعِلَةٍ يَقُولُ -بِجَهْلِهِ-: "اللهُ جِسْمٌ لَيْسَ كَالْجُسْمَانِ"
12 لَوْ كَانَ جِسْماً، كَانَ كَالْأَجْسَامِ؛ يَا مَجْنُونُ، فَاصْغِ، وَ عُدْ عَنْ بُهْتَانِ
13 وَ اتْبَعْ صِرَاطَ الْمُصْطَفَى فِي كُلِّ مَا يَأْتِي؛ وَ خَلِّ وَسَاوِسَ الشَّيْطَانِ
14 وَ اعْلَمْ بِأَنَّ الْحَقَّ مَا كَانَتْ عَلَيْـ ـهِ صَحَابَةُ الْمَبْعُوثِ مِنْ عَدْنَانِ
15 مَنْ أَكْمَلَ الدِّينَ الْقَوِيمَ، وَ بَيَّنَ الْـ ـحِجَجَ الَّتِي يُهْدَى بِهَا الثَّقَلَانِ
16 قَدْ نَزَّهُوا الرَّحْمَنَ عَنْ شَبَهٍ؛ وَ قَدْ دَانُوا بِمَا قَدْ جَاءَ فِي الْفُرْقَانِ
17 وَ مَضَوْا عَلَى خَيْرٍ، وَ مَا عَقَدُوا مَجَالِسَ فِي صِفَاتِ الْخَالِقِ الدَّيَّانِ
18 كَلَّا، وَ لَا ابْتَدَعُوا، وَ لَا قَالُوا: الْبِنَا مُتَشَابِهٌ فِي شَكْلِهِ لِلْبَانِي
19 وَ أَتَتْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ عُلَمَاؤُنَا؛ غَرَسُوا ثِمَاراً يَجْتَنِيهَا الْجَانِي
20 كَالشَّافِعِيِّ، وَ مَالِكٍ، وَ كَأَحْمَدَ، وَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَ الرّضَا سُفْيَانِ
21 وَ كَمِثْلِ إِسْحَاقَ، وَ دَاوُدَ؛ وَ مَنْ يَقْفُو طَرَائِقَهُمْ مِنَ الْأَعْيَانِ
22 وَ أَتَى أَبُو الْحَسَنِ الْإِمَامُ الْأَشْعَرِ ي؛ مُبَيِّناً لِلْحَقِّ أَيَّ بَيَانِ
23 وَ مُنَاضِلاً عَمَّا عَلَيْهِ أُولَئِكَ الْأَ سْلَافُ، بِالتَّحْرِيرِ وَ الْإِتْقَانِ
24 مَا إِنْ يُخَالِفُ مَالِكاً، وَ الشَّافِعِـ ـيَّ، وَ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدِ الشَّيْبَانِي
25 لَكِنْ يُوَافِقُ قَوْلَهُمْ، وَ يَزِيدُهُ حُسْناً؛ بِتَحْقِيقٍ، وَ فَضْلِ بَيَانِ
26 يَقْفُو طَرَائِقَهُمْ، وَ يَتْبَعُ حَارِثاً -أَعْنِي مُحَاسِبَ نَفْسِهِ بِوِزَانِ-
27 فَلَقَدْ تَلَقَّى حُسْنَ مَنْهَجِهِ عَنِ الْـ ـأَشْيَاخِ أَهْلِ الدِّينِ وَ الْعِرْفَانِ
28 فَلِذَاكَ تَلْقَاهُ لِأَهْلِ اللهِ يَنْـ ـصُرُ قَوْلَهُمْ بِمُهَنَّدٍ وَ سِنَانِ
29 مِثْلُ ابْنِ أَدْهَمَ، وَ الْفُضَيْلِ، وَ هَكَذَا مَعْرُوفٌ الْمَعْرُوفُ فِي الْإِخْوَانِ
30 ذُو النُّونِ أَيْضاً، وَ السَّرِىُّ، وَ بِشْرٌ بْـ ـنِ الْحَارِثِ الْحَافِي بِلَا فُقْدَانِ
31 وَ كَذَلِكَ الطَّائِيُّ، ثُمَّ شَقِيقٌ الْـ ـبَلْخِيُّ، وَ طَيْفُورٌ، كَذَا الدَّارَانِي
32 وَ التُّسْتُرِيُّ، وَ حَاتِمٌ، وَ أَبُو تُرَا بٍ عَسْكُرٌ؛ فَاعْدُدْ بِغَيْرِ تَوَانِ
33 وَ كَذَاكَ مَنْصُورُ بْنُ عَمَّارٍ، كَذَا يَحْيَى سَلِيلُ مُعَاذٍ الرَّبَّانِي
34 فَلَهُ بِهِمْ حُسْنُ اعْتِقَادٍ، مِثْلُ مَا لَهُمْ بِهِ التَّأْيِيدُ يَوْمَ رِهَانِ
35 إِذْ يُجْمَعُ الْخَصْمَانِ يَوْمَ جِدَالِهِمْ؛ وَ لِمَا تَحَقَّقَ، يَسْمَعُ الْخَصْمَانِ
36 لِمَ لَا يُتَابِعُ هَؤُلَاءِ، وَ شَيْخُهُ الـ ـشَّيْخُ الْجُنَيْدُ السَّيِّدُ الصَّمَدَانِي
37 عَنْهُ التَّصَوُّفَ قَدْ تَلَقَّى، فَاغْتَذَى؛ وَ لَهُ بِهِ، وَ بِعِلْمِهِ نُورَانِ
38 وَ رَأَى أَبَا عُثْمَانَ الْحِيرِيَّ، وَ النُّـ ـورِيِّ؛ يَا لَهُمَا، هُمَا الرَّجُلَانِ
39 وَ رَأَى رُوَيْماً، ثُمَّ رَامَ طَرِيقَهُ؛ وَ أَبَا الْفَوَارِسِ شَاهاً الْكِرْمَانِي
40 وَ الْمَغْرِبِيَّ، كَذَا ابْنَ مَسْرُوقٍ، كَذَا الْـ ـبُسْرِيَّ؛ قَوْمٌ أَفْرَسُ الْفُرْسَانِ
41 وَ أَظُنُّهُ لَمْ يَلْتَقِ الْخَرَّازَ؛ بَلْ قِيلَ: الْتَقَى سَمْنُونَ فِي سِمْنَانِ
42 وَ كَذَاكَ لِلْجَلَّاءِ، لَمْ يَنْظُرْ؛ وَ لَا ابْـ ـنِ عَطَا؛ وَ لَا الْخَوَّاصِ؛ ثُمَّ بُنَانِ
43 وَ كَذَاكَ مُمْشَاذٌ، مَعَ الدُّقِّيِّ، مَعْ خَيْرٍ، وَ هَذَا غَالِبُ الْحُسْبَانِ
44 وَ كَذَاكَ أَصْحَابُ الطَّرِيقَةِ بَعْدَهُ، ضَبَطُوا عَقَائِدَهُ بِكُلِّ عِنَانِ
45 وَ تَتَلْمَذَ الشِّبْلِيُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَ ابْنُ خَفِيفٍ، وَ الثَّقَفِيُّ، وَ الْكَتَّانِي
46 وَ خَلَائِقٌ كَثُرُوا، فَلَا أُحْصِيهِمُ؛ وَ رَبَوْا عَلَى الْيَاقُوتِ وَ الْمَرْجَانِ
47 الْكُلُّ مُعْتَقِدُونَ: أَنَّ إِلَهَنَا مُتَوَحِّدٌ، فَرْدٌ، قَدِيمٌ، دَانِ
48 حَيٌّ، عَلِيمٌ، قَادِرٌ، مُتَكَلِّمٌ؛ عَالٍ، وَ لَا نَعْنِي عُلُوَّ مَكَانِ
49 بَاقٍ، لَهُ سَمْعٌ، وَ إِبْصَارٌ؛ يُرِيـ ـدُ جَمِيعَ مَا يَجْرِي مِنَ الْإِنْسَانِ
50 وَ الشَّرُّ مِنْ تَقْدِيرِهِ، لَكِنَّهُ عَنْهُ نَهَاكَ بِوَاضِحِ الْبُرْهَانِ
51 قَدْ أَنْزَلَ الْقُرْآَنَ -وَ هْوَ كَلَامُهُ-؛ لَفَظَتْ بِهِ لِلْقَارِئِ الشَّفَتَانِ
52 وَ إِلَهُنَا؛ لَا شَيْءَ يُشْبِهُهُ، وَ لَيْـ ـسَ بِمُشْبِهٍ شَيْئاً مِنَ الْحَدْثَانِ
53 قَدْ كَانَ؛ مَا مَعَهُ قَدِيماً قَطُّ مِنْ شَيْءٍ، وَ لَمْ يَبْرَحْ بِلَا أَعْوَانِ
54 خَلَقَ الْجِهَاتِ، مَعَ الزَّمَانِ، مَعَ الْمَكَا نِ؛ الْكُلُّ مَخْلُوقٌ عَلَى الْإِمْكَانِ
55 مَا إِنْ تَحُلُّ بِهِ الْحَوَادِثُ، لَا، وَ لَا، كَلَّا؛ وَ لَيْسَ يَحِلُّ فِي الْجُسْمَانِ
56 كَذَبَ الْمُجَسِّمُ، وَ الْحُلُولِيُّ الْكَفُو رُ؛ فَذَانِ فِي الْبُطْلَانِ مُفْتَرَيَانِ
57 وَ الْاِتِّحَادِيُّ الْجَهُولُ، وَ مَنْ يَقُلْ بِالْاِتِّحَادِ فَإِنَّهُ نَصْرَانِي
58 وَ نَبِيُّنَا خَيْرُ الْخَلَائِقِ أَحْمَدٌ؛ ذُو الْجَاهِ عِنْدَ اللهِ، ذِي السُّلْطَانِ
59 وَ لَهُ الشَّفَاعَةُ، وَ الْوَسِيلَةُ، وَ الْفَضِيـ ـلَةُ، وَ اللِّوَاءُ، وَ كَوْثَرُ الظَّمْآَنِ
60 فَاسْأَلْ إِلَهَكَ بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، مُتَوَسِّلاً؛ تَظْفَرْ بِكُلِّ أَمَانِ
61 لَا خَلْقَ أَفْضَلُ مِنْهُ، لَا بَشَرٌ، وَ لَا مَلَكٌ، وَ لَا كَوْنٌ مِنَ الْأَكْوَانِ
62 مَا الْعَرْشُ؛ مَا الْكُرْسِيُّ؛ مَا هَذِي السَّمَا؛ عِنْدَ النَّبِيِّ، الْمُصْطَفَى، الْعَدْنَانِ
63 وَ الرُّسْلُ بَعْدَ مُحَمَّدٍ دَرَجَاتُهُمْ، ثُمَّ الْمَلَائِكُ عَابِدُو الرَّحْمَنِ
64 ثُمَّ الصَّحَابَةُ، مِثْلَ مَا قَدْ رُتِّبُوا؛ فَالْأَفْضَلُ الصِّدِّيقُ، ذُو الْعِرْفَانِ
65 ثُمَّ الْعَزِيزُ، السَّيِّدُ، الْفَارُوقُ؛ ثُمَّ اذْكُرْ مَحَاسِنَ ذِي التُّقَى عُثْمَانِ
66 وَ عَلِيٌّ ابْنُ الْعَمِّ؛ وَ الْبَاقُونَ أَهْلُ الْفَضْلِ، وَ الْمَعْرُوفِ، وَ الْإِحْسَانِ
67 وَ الْأَوْلِيَاءُ لَهُمْ كَرَامَاتٌ، فَلَا تُنْكِرْ، تَقَعْ فِي مَهْمَهِ الْخِذْلَانِ
68 وَ الْمُؤْمِنُونَ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ، كَرُؤْيَـ ـيَتِهِمْ لِبَدْرٍ لَاحَ نَحْوَ عَيَانِ
69 هَذَا اعْتِقَادُ مَشَايِخِ الْإِسْلَامِ، وَ هْوَ الدِّينُ؛ فَلْتَسْمَعْ لَهُ الْأُذُنَانِ
70 الْأَشْعَرِيُّ عَلَيْهِ يَنْصُرُهُ، وَ لَا يَأْلُوا؛ جَزَاهُ اللهُ بِالْإِحْسَانِ
71 وَ كَذَاكَ حَالَتُهُ مَعَ النُّعْمَانِ، لَمْ يَنْقُضْ عَلَيْهِ عَقَائِدَ الْإِيمَانِ
72 يَا صَاحِ، إِنَّ عَقِيدَةَ النُّعْمَانِ، وَ الْـ ـأَشْعَرِيِّ؛ حَقِيقَةُ الْإِتْقَانِ
73 فَكِلَاهُمَا -وَ اللهِ- صَاحِبُ سُنَّةٍ، بِهُدَى نَبِيِّ اللهِ مُقْتَدِيَانِ
74 لَا ذَا يُبَدِّعُ ذَا، وَ لَا هَذَا؛ وَ إِنْ تَحْسَبْ سِوَاهُ؛ وَهَمْتَ فِي الْحُسْبَانِ
75 مَنْ قَالَ: "إِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ مُبْدِعٌ رَأْياً"؛ فَذَلِكَ قَائِلُ الْهَذَيَانِ
76 أَوْ ظَنَّ أَنَّ الْأَشْعَرِيَّ مُبَدِّعٌ؛ فَلَقَدْ أَسَاءَ، وَ بَاءَ بِالْخُسْرَانِ
77 كُلٌّ إِمَامٌ، مُقْتَدٍ، ذُو سُنَّةٍ؛ كَالسَّيْفِ، مَسْلُولاً عَلَى الشَّيْطَانِ
78 وَ الْخُلْفُ بَيْنَهُمَا قَلِيلٌ أَمْرُهُ، سَهْلٌ؛ بِلَا بِدْعٍ، وَ لَا كُفْرَانِ
79 فِيمَا يَقِلُّ مِنَ الْمَسَائِلِ عَدُّهُ، وَ يَهُونُ عِنْدَ تَطَاعُنِ الْأَقْرَانِ
80 وَ لَقَدْ يُؤَوَّلُ خِلَافُهَا؛ إِمَّا إِلَى لَفْظٍ كَالْاسْتِثْنَاءِ فِي الْإِيمَانِ
الْأَشْعَرِيُّ يَقُولُ: "أَنَا مُؤْمِنٌ إِنْ شَاءَ اللهُ".
81 وَ كَمَنْعِهِ: أَنَّ السَّعِيدَ يَضِلُّ، أَوْ يَشْقَى؛ وَ نِعْمَةَ كَافِرٍ خَوَّانِ
الْأَشْعَرِيُ يَقُولُ: "السَّعِيدُ مَنْ كُتِبَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ سَعِيداً، وَ الشَّقِيُّ مَنْ كُتِبَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ شَقِياًّ، لَا يَتَبَدَّلَانِ".
وَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: "قَدْ يَكُونُ سَعِيداً، ثُمَّ يَنْقَلِبُ -وَ الْعِيَاذُ بِاللهِ- شَقِياًّ؛ وَ بِالْعَكْسِ".
وَ قَدْ قَرَّرْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِنَا فِي "شَرْحِ عَقِيدَةِ الْأُسْتَاذِ أَبِي مَنْصُورٍ"؛ وَ بَيَّنَا اِخْتِلَافَ السَّلَفِ فِيهَا كَاخْتِلَافِ الْخَلَفِ؛ وَ أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فَائِدَةٌ.
وَ الْأَشْعَرِيُّ يَقُولُ: "لَيْسَ عَلَى الْكَافِرِ نِعْمَةٌ، وَ كُلُّ مَا يَتَقَلَّبُ فِيهِ اسْتِدْرَاجٌ".
وَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: "عَلَيْهِ نِعْمَةٌ"؛ وَ وَافَقَهُ مِنَ الْأَشَاعِرَةِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ اِبْنُ البَاقِلَّانِي؛ فَهُوَ مَعَ الْحَنَفِيَّةِ فِي هَذِهِ، كَالْمَاتُرِيدِيُّ مِنْهُمْ مَعَنَا فِي مَسْأَلَةِ الْاِسْتِثْنَاءِ.
تعليق