نصان للإمام تاج الدين ابن الإمام تقي الدين السبكي (727-771هـ) في التوحيد

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • حماد محمد الشنقيطي
    طالب علم
    • Feb 2010
    • 252

    #1

    نصان للإمام تاج الدين ابن الإمام تقي الدين السبكي (727-771هـ) في التوحيد

    النص الأول: الْخِلَافَاتُ بَيْنَ السَّادَةِ الْأَشَاعِرَةِ وَ السَّادَةِ الْمَاتُرِيدِيَّةِ: لِتَاجِ الدِّينِ أَبِي نَصْرٍ، عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنِ عَلَيّ السُّبْكِيُّ (727-771هـ):
    و قد نقلتها من طبقات الشافعية الكبرى؛ تحقيق عبد الفتاح الحلو؛ (الجزء الثالث من ص 377 إلى ص 389)"

    سَمِعْتُ الشَّيْخَ الْإِمَامَ رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ: "مَا تَضَمَّنَتْهُ عَقِيدَةُ الطَّحَاوِيِّ هُوَ مَا يَعْتَقِدُهُ الْأَشْعَرِيُّ؛ لَا يُخَالِفُهُ إِلَّا فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ".
    قُلْتُ: أَنَا أَعْلَمُ أَنَّ الْمَالِكَيَّةَ، كُلُّهُمْ أَشَاعِرَةٌ، لَا أَسْتَثْنِي أَحَداً؛ وَ الشَّافِعِيَّةَ، غَالِبُهُمْ أَشَاعِرَةٌ، لَا أَسْتَثْنِي إِلَّا مَنْ لَحِقَ مِنْهُمْ بِتَجْسِيمٍ أَوْ إِعْتِزَالٍ، مِمَّنْ لَا يَعْبَأُ اللهُ بِهِ؛ وَ الْحَنَفِيَّةَ أَكْثَرُهُمْ أَشَاعِرَةٌ -أَعْنِي يَعْتَقِدُونَ عَقْدَ الْأَشْعَرِيِّ- لَا يَخْرُجُ مِنْهُمْ إِلَّا مَنْ لَحِقَ مِنْهُمْ بِالْمُعْتَزِلَةِ؛ وَ الْحَنَابِلَةُ أَكْثَرُ فُضَلَاءِ مُتَقَدِّمِيهِمْ أَشَاعِرَةٌ، لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُمْ عَنْ عَقِيدَةِ الْأَشْعَرِيِّ إِلَّا مَنْ لَحِقَ بِأَهْلِ التَّجْسِيمِ، وَ هُمْ فِي هَذِهِ الْفِرْقَةِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهِمْ.
    وَ قَدْ تَأَمَّلْتُ عَقِيدَةَ أَبِي جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيِّ فَوَجَدْتُ الْأَمْرَ عَلَى مَا قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ؛ وَ عَقِيدَةُ الطَّحَاوِيِّ زَعَمَ- أَنَّهَا الَّذِى عَلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ، وَ أَبُو يُوسُفٍ، وَ مُحَمَّدٌ؛ وَ لَقَدْ جَوَّدَ فِيهَا.
    ثُمَّ تَفَحَّصْتُ كُتُبَ الْحَنَفِيَّةِ فَوَجَدْتُ جَمِيعَ الْمَسَائِلِ الَّتِي بَيْنَنَا وَ بَيْنَ الْحَنَفِيَّةِ خِلَافٌ فِيهَا؛ ثَلَاثَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً: مِنْهَا مَعْنَوِيٌّ سِتُّ مَسَائِلَ، وَ الْبَاقِي لَفْظِيٌّ.
    وَ تِلْكَ السِّتُّ الْمَعْنَوِيَّةُ لاَ تَقْتَضِي مُخَالَفَتَهُمْ لَنَا، وَ لَا مُخَالَفَتَنَا لَهُمْ فِيهَا؛ تَكْفِيراً، وَ لَا تَبْدِيعاً؛ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، وَ غَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّتِنَا وَ أَئِمَّتِهِمْ؛ وَ هُوَ غَنِيٌّ عَنِ التَّصْرِيحِ لِظُهُورِهِ.
    وَ مِنْ كَلَامِ الْحَافِظِ: "الْأَصْحَابُ -مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ-، كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ عَلَى تَرْكِ تَكْفِيرِ بَعْضِهِمْ بَعْضاً مُجْمِعُونَ، بِخِلَافِ مَنْ عَدَاهُمْ مِنْ سَائِرِ الطَّوَائِفِ وَ جَمِيعِ الْفِرَقِ؛ فَإِنَّهُمْ حِينَ اخْتَلَفَتْ بِهِمْ مُسْتَشْنَعَاتُ الْأَهْوَاءِ وَ الطُّرُقِ، كَفَّرَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً، وَ رَأَى تَبَرِّيهِ مِمَّنْ خَالَفَهُ فَرْضاً".
    قُلْتُ: وَ هَذَا حَقٌّ، وَ مَا مِثْلُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ إِلَّا مِثْلُ مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ، اِخْتَلَفَتِ الْأَشَاعِرَةُ فِيهَا؛ وَ كُلُّهُمْ عَنْ حِمَى أَبِي الْحَسَنِ يُنَاضِلُونَ، وَ بِسَيْفِهِ يُقَاتِلُونَ؛ أَفَتُرَاهُمْ يُبَدِّعُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً؛ ثُمَّ هَذِهِ الْمَسَائِلُ لَمْ يَثْبُتْ جَمِيعُهَا عَنِ الشَّيْخِ، وَ لَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا -كَمَا سَأَحْكِي لَكَ- وَ لَكِنَّ الْكَلَامَ بِتَقْدِيرِ الصِّحَّةِ.
    وَ لِي قَصِيدَةٌ نُونِيَّةٌٌ، جَمَعْتُ فِيهَا هَذِهِ الْمَسَائِلَ، وَ ضَمَمْتُ إِلَيْهَا مَسَائِلَ اِخْتَلَفَتِ الْأَشَاعِرَةُ فِيهَا مَعَ تَصْوِيبِ بَعْضِهِمْ بَعْضاً فِي أَصْلِ الْعَقِيدَةِ؛ وَ دَعْوَاهُمْ: أَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَلَى السُّنَّةِ؛ وَ قَدْ وَلَعَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ بِحِفْظِ هَذِهِ الْقَصِيدَةِ، لَا سِيَمَا الْحَنَفِيَّةُ.
    وَ شَرَحَهَا مِنْ أَصْحَابِي الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ نُورُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الطَّيِّبِ الشِّيرَازِيُّ الشَّافِعِيُّ؛ وَ هُوَ رَجُلٌ مُقِيمٌ فِي "بِلَادِ كِيلَانَ"؛ وَرَدَ عَلَيْنَا دِمَشْقَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَ خَمْسِينَ وَ سَبْعِ مِائَةٍ، وَ أَقَامَ يُلَازِمُ حَلَقَتِي نَحْوَ عَامٍ وَ نِصْفِ عَامٍ؛ وَ لَمْ أَرَ فِيمَنْ جَاءَ مِنَ الْعَجَمِ فِي هَذَا الزَّمَانِ أَفْضَلَ مِنْهُ، وَ لَا أَدْيَنَ.
    وَ أَنَا أَذْكُرُ لَكَ قَصِيدَتِي فِي هَذَا الْكِتَابِ، لِتَسْتَفِيدَ مِنْهَا مَسَائِلَ الْخِلَافِ، وَ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ.
    1 الْوَرْدُ خَدُّكَ؛ صِيغَ مِنْ إِنْسَانِ؟ أَمْ فِي الْخُدُودِ شَقَائِقُ النُّعْمَانِ
    2 وَ السَّيْفُ لَحْظُكَ، سُلَّ مِنْ أَجْفَانِهِ، فَسَطَا؛ كَمِثْلِ مُهَنَّدٍ وَ سِنَانِ
    3 تَاللهِ مَا خُلِقَتْ لِحَاظُكَ بَاطِلاً، وَ سُدىً؛ تَعَالَى اللهُ عَنْ بُطْلَانِ
    4 وَ كَذَاكَ عَقْلُكَ؛ لَمْ يُرَكَّبْ يَا أَخِي عَبَثاً، وَ يُودَعُ دَاخِلَ الْجُثْمَانِ
    5 لَكِنْ لِيَسْعَدَ، أَوْ لِيَشْقَىَ مُؤْمِنٌ، أَوْ كَافِرٌ؛ فَبَنُو الْوَرَى صِنْفَانِ
    6 لَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَاهْتَدَى كُلٌّ، وَ لَمْ يُحْتَجْ إِلَى حَدٍّ، وَ لَا بُرْهَانِ
    7 فَانْظُرْ بِعَقْلِكَ، وَ اجْتَهِدْ؛ فَلَخَيْرَ مَا تُوتَاهُ: عَقْلٌ رَاجِحُ الْمِيزَانِ
    8 وَ اطْلُبْ نَجَاتَكَ؛ إِنَّ نَفْسَكَ وَ الْهَوَى بَحْرَانِ فِي الدَّرَكَاتِ يَلْتَقِيَانِ
    9 نَارٌ؛ يَرَاهَا ذُو الْجَهَالَةِ جَنَّةٌ، وَ يَخُوضُ فِيهَا، فِي حَمِيمٍ آَنِ
    10 وَ يَظَلُّ فِيهَا مِثْلَ صَاحِبِ بِدْعَةٍ؛ يَتَخَيَّلُ الْجَنَّاتِ فِي النِّيرَانِ
    مِنْهَا:
    11 كَذَبَ ابْنُ فَاعِلَةٍ يَقُولُ -بِجَهْلِهِ-: "اللهُ جِسْمٌ لَيْسَ كَالْجُسْمَانِ"
    12 لَوْ كَانَ جِسْماً، كَانَ كَالْأَجْسَامِ؛ يَا مَجْنُونُ، فَاصْغِ، وَ عُدْ عَنْ بُهْتَانِ
    13 وَ اتْبَعْ صِرَاطَ الْمُصْطَفَى فِي كُلِّ مَا يَأْتِي؛ وَ خَلِّ وَسَاوِسَ الشَّيْطَانِ
    14 وَ اعْلَمْ بِأَنَّ الْحَقَّ مَا كَانَتْ عَلَيْـ ـهِ صَحَابَةُ الْمَبْعُوثِ مِنْ عَدْنَانِ
    15 مَنْ أَكْمَلَ الدِّينَ الْقَوِيمَ، وَ بَيَّنَ الْـ ـحِجَجَ الَّتِي يُهْدَى بِهَا الثَّقَلَانِ
    16 قَدْ نَزَّهُوا الرَّحْمَنَ عَنْ شَبَهٍ؛ وَ قَدْ دَانُوا بِمَا قَدْ جَاءَ فِي الْفُرْقَانِ
    17 وَ مَضَوْا عَلَى خَيْرٍ، وَ مَا عَقَدُوا مَجَالِسَ فِي صِفَاتِ الْخَالِقِ الدَّيَّانِ
    18 كَلَّا، وَ لَا ابْتَدَعُوا، وَ لَا قَالُوا: الْبِنَا مُتَشَابِهٌ فِي شَكْلِهِ لِلْبَانِي
    19 وَ أَتَتْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ عُلَمَاؤُنَا؛ غَرَسُوا ثِمَاراً يَجْتَنِيهَا الْجَانِي
    20 كَالشَّافِعِيِّ، وَ مَالِكٍ، وَ كَأَحْمَدَ، وَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَ الرّضَا سُفْيَانِ
    21 وَ كَمِثْلِ إِسْحَاقَ، وَ دَاوُدَ؛ وَ مَنْ يَقْفُو طَرَائِقَهُمْ مِنَ الْأَعْيَانِ
    22 وَ أَتَى أَبُو الْحَسَنِ الْإِمَامُ الْأَشْعَرِ ي؛ مُبَيِّناً لِلْحَقِّ أَيَّ بَيَانِ
    23 وَ مُنَاضِلاً عَمَّا عَلَيْهِ أُولَئِكَ الْأَ سْلَافُ، بِالتَّحْرِيرِ وَ الْإِتْقَانِ
    24 مَا إِنْ يُخَالِفُ مَالِكاً، وَ الشَّافِعِـ ـيَّ، وَ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدِ الشَّيْبَانِي
    25 لَكِنْ يُوَافِقُ قَوْلَهُمْ، وَ يَزِيدُهُ حُسْناً؛ بِتَحْقِيقٍ، وَ فَضْلِ بَيَانِ
    26 يَقْفُو طَرَائِقَهُمْ، وَ يَتْبَعُ حَارِثاً -أَعْنِي مُحَاسِبَ نَفْسِهِ بِوِزَانِ-
    27 فَلَقَدْ تَلَقَّى حُسْنَ مَنْهَجِهِ عَنِ الْـ ـأَشْيَاخِ أَهْلِ الدِّينِ وَ الْعِرْفَانِ
    28 فَلِذَاكَ تَلْقَاهُ لِأَهْلِ اللهِ يَنْـ ـصُرُ قَوْلَهُمْ بِمُهَنَّدٍ وَ سِنَانِ
    29 مِثْلُ ابْنِ أَدْهَمَ، وَ الْفُضَيْلِ، وَ هَكَذَا مَعْرُوفٌ الْمَعْرُوفُ فِي الْإِخْوَانِ
    30 ذُو النُّونِ أَيْضاً، وَ السَّرِىُّ، وَ بِشْرٌ بْـ ـنِ الْحَارِثِ الْحَافِي بِلَا فُقْدَانِ
    31 وَ كَذَلِكَ الطَّائِيُّ، ثُمَّ شَقِيقٌ الْـ ـبَلْخِيُّ، وَ طَيْفُورٌ، كَذَا الدَّارَانِي
    32 وَ التُّسْتُرِيُّ، وَ حَاتِمٌ، وَ أَبُو تُرَا بٍ عَسْكُرٌ؛ فَاعْدُدْ بِغَيْرِ تَوَانِ
    33 وَ كَذَاكَ مَنْصُورُ بْنُ عَمَّارٍ، كَذَا يَحْيَى سَلِيلُ مُعَاذٍ الرَّبَّانِي
    34 فَلَهُ بِهِمْ حُسْنُ اعْتِقَادٍ، مِثْلُ مَا لَهُمْ بِهِ التَّأْيِيدُ يَوْمَ رِهَانِ
    35 إِذْ يُجْمَعُ الْخَصْمَانِ يَوْمَ جِدَالِهِمْ؛ وَ لِمَا تَحَقَّقَ، يَسْمَعُ الْخَصْمَانِ
    36 لِمَ لَا يُتَابِعُ هَؤُلَاءِ، وَ شَيْخُهُ الـ ـشَّيْخُ الْجُنَيْدُ السَّيِّدُ الصَّمَدَانِي
    37 عَنْهُ التَّصَوُّفَ قَدْ تَلَقَّى، فَاغْتَذَى؛ وَ لَهُ بِهِ، وَ بِعِلْمِهِ نُورَانِ
    38 وَ رَأَى أَبَا عُثْمَانَ الْحِيرِيَّ، وَ النُّـ ـورِيِّ؛ يَا لَهُمَا، هُمَا الرَّجُلَانِ
    39 وَ رَأَى رُوَيْماً، ثُمَّ رَامَ طَرِيقَهُ؛ وَ أَبَا الْفَوَارِسِ شَاهاً الْكِرْمَانِي
    40 وَ الْمَغْرِبِيَّ، كَذَا ابْنَ مَسْرُوقٍ، كَذَا الْـ ـبُسْرِيَّ؛ قَوْمٌ أَفْرَسُ الْفُرْسَانِ
    41 وَ أَظُنُّهُ لَمْ يَلْتَقِ الْخَرَّازَ؛ بَلْ قِيلَ: الْتَقَى سَمْنُونَ فِي سِمْنَانِ
    42 وَ كَذَاكَ لِلْجَلَّاءِ، لَمْ يَنْظُرْ؛ وَ لَا ابْـ ـنِ عَطَا؛ وَ لَا الْخَوَّاصِ؛ ثُمَّ بُنَانِ
    43 وَ كَذَاكَ مُمْشَاذٌ، مَعَ الدُّقِّيِّ، مَعْ خَيْرٍ، وَ هَذَا غَالِبُ الْحُسْبَانِ
    44 وَ كَذَاكَ أَصْحَابُ الطَّرِيقَةِ بَعْدَهُ، ضَبَطُوا عَقَائِدَهُ بِكُلِّ عِنَانِ
    45 وَ تَتَلْمَذَ الشِّبْلِيُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَ ابْنُ خَفِيفٍ، وَ الثَّقَفِيُّ، وَ الْكَتَّانِي
    46 وَ خَلَائِقٌ كَثُرُوا، فَلَا أُحْصِيهِمُ؛ وَ رَبَوْا عَلَى الْيَاقُوتِ وَ الْمَرْجَانِ
    47 الْكُلُّ مُعْتَقِدُونَ: أَنَّ إِلَهَنَا مُتَوَحِّدٌ، فَرْدٌ، قَدِيمٌ، دَانِ
    48 حَيٌّ، عَلِيمٌ، قَادِرٌ، مُتَكَلِّمٌ؛ عَالٍ، وَ لَا نَعْنِي عُلُوَّ مَكَانِ
    49 بَاقٍ، لَهُ سَمْعٌ، وَ إِبْصَارٌ؛ يُرِيـ ـدُ جَمِيعَ مَا يَجْرِي مِنَ الْإِنْسَانِ
    50 وَ الشَّرُّ مِنْ تَقْدِيرِهِ، لَكِنَّهُ عَنْهُ نَهَاكَ بِوَاضِحِ الْبُرْهَانِ
    51 قَدْ أَنْزَلَ الْقُرْآَنَ -وَ هْوَ كَلَامُهُ-؛ لَفَظَتْ بِهِ لِلْقَارِئِ الشَّفَتَانِ
    52 وَ إِلَهُنَا؛ لَا شَيْءَ يُشْبِهُهُ، وَ لَيْـ ـسَ بِمُشْبِهٍ شَيْئاً مِنَ الْحَدْثَانِ
    53 قَدْ كَانَ؛ مَا مَعَهُ قَدِيماً قَطُّ مِنْ شَيْءٍ، وَ لَمْ يَبْرَحْ بِلَا أَعْوَانِ
    54 خَلَقَ الْجِهَاتِ، مَعَ الزَّمَانِ، مَعَ الْمَكَا نِ؛ الْكُلُّ مَخْلُوقٌ عَلَى الْإِمْكَانِ
    55 مَا إِنْ تَحُلُّ بِهِ الْحَوَادِثُ، لَا، وَ لَا، كَلَّا؛ وَ لَيْسَ يَحِلُّ فِي الْجُسْمَانِ
    56 كَذَبَ الْمُجَسِّمُ، وَ الْحُلُولِيُّ الْكَفُو رُ؛ فَذَانِ فِي الْبُطْلَانِ مُفْتَرَيَانِ
    57 وَ الْاِتِّحَادِيُّ الْجَهُولُ، وَ مَنْ يَقُلْ بِالْاِتِّحَادِ فَإِنَّهُ نَصْرَانِي
    58 وَ نَبِيُّنَا خَيْرُ الْخَلَائِقِ أَحْمَدٌ؛ ذُو الْجَاهِ عِنْدَ اللهِ، ذِي السُّلْطَانِ
    59 وَ لَهُ الشَّفَاعَةُ، وَ الْوَسِيلَةُ، وَ الْفَضِيـ ـلَةُ، وَ اللِّوَاءُ، وَ كَوْثَرُ الظَّمْآَنِ
    60 فَاسْأَلْ إِلَهَكَ بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، مُتَوَسِّلاً؛ تَظْفَرْ بِكُلِّ أَمَانِ
    61 لَا خَلْقَ أَفْضَلُ مِنْهُ، لَا بَشَرٌ، وَ لَا مَلَكٌ، وَ لَا كَوْنٌ مِنَ الْأَكْوَانِ
    62 مَا الْعَرْشُ؛ مَا الْكُرْسِيُّ؛ مَا هَذِي السَّمَا؛ عِنْدَ النَّبِيِّ، الْمُصْطَفَى، الْعَدْنَانِ
    63 وَ الرُّسْلُ بَعْدَ مُحَمَّدٍ دَرَجَاتُهُمْ، ثُمَّ الْمَلَائِكُ عَابِدُو الرَّحْمَنِ
    64 ثُمَّ الصَّحَابَةُ، مِثْلَ مَا قَدْ رُتِّبُوا؛ فَالْأَفْضَلُ الصِّدِّيقُ، ذُو الْعِرْفَانِ
    65 ثُمَّ الْعَزِيزُ، السَّيِّدُ، الْفَارُوقُ؛ ثُمَّ اذْكُرْ مَحَاسِنَ ذِي التُّقَى عُثْمَانِ
    66 وَ عَلِيٌّ ابْنُ الْعَمِّ؛ وَ الْبَاقُونَ أَهْلُ الْفَضْلِ، وَ الْمَعْرُوفِ، وَ الْإِحْسَانِ
    67 وَ الْأَوْلِيَاءُ لَهُمْ كَرَامَاتٌ، فَلَا تُنْكِرْ، تَقَعْ فِي مَهْمَهِ الْخِذْلَانِ
    68 وَ الْمُؤْمِنُونَ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ، كَرُؤْيَـ ـيَتِهِمْ لِبَدْرٍ لَاحَ نَحْوَ عَيَانِ
    69 هَذَا اعْتِقَادُ مَشَايِخِ الْإِسْلَامِ، وَ هْوَ الدِّينُ؛ فَلْتَسْمَعْ لَهُ الْأُذُنَانِ
    70 الْأَشْعَرِيُّ عَلَيْهِ يَنْصُرُهُ، وَ لَا يَأْلُوا؛ جَزَاهُ اللهُ بِالْإِحْسَانِ
    71 وَ كَذَاكَ حَالَتُهُ مَعَ النُّعْمَانِ، لَمْ يَنْقُضْ عَلَيْهِ عَقَائِدَ الْإِيمَانِ
    72 يَا صَاحِ، إِنَّ عَقِيدَةَ النُّعْمَانِ، وَ الْـ ـأَشْعَرِيِّ؛ حَقِيقَةُ الْإِتْقَانِ
    73 فَكِلَاهُمَا -وَ اللهِ- صَاحِبُ سُنَّةٍ، بِهُدَى نَبِيِّ اللهِ مُقْتَدِيَانِ
    74 لَا ذَا يُبَدِّعُ ذَا، وَ لَا هَذَا؛ وَ إِنْ تَحْسَبْ سِوَاهُ؛ وَهَمْتَ فِي الْحُسْبَانِ
    75 مَنْ قَالَ: "إِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ مُبْدِعٌ رَأْياً"؛ فَذَلِكَ قَائِلُ الْهَذَيَانِ
    76 أَوْ ظَنَّ أَنَّ الْأَشْعَرِيَّ مُبَدِّعٌ؛ فَلَقَدْ أَسَاءَ، وَ بَاءَ بِالْخُسْرَانِ
    77 كُلٌّ إِمَامٌ، مُقْتَدٍ، ذُو سُنَّةٍ؛ كَالسَّيْفِ، مَسْلُولاً عَلَى الشَّيْطَانِ
    78 وَ الْخُلْفُ بَيْنَهُمَا قَلِيلٌ أَمْرُهُ، سَهْلٌ؛ بِلَا بِدْعٍ، وَ لَا كُفْرَانِ
    79 فِيمَا يَقِلُّ مِنَ الْمَسَائِلِ عَدُّهُ، وَ يَهُونُ عِنْدَ تَطَاعُنِ الْأَقْرَانِ
    80 وَ لَقَدْ يُؤَوَّلُ خِلَافُهَا؛ إِمَّا إِلَى لَفْظٍ كَالْاسْتِثْنَاءِ فِي الْإِيمَانِ
    الْأَشْعَرِيُّ يَقُولُ: "أَنَا مُؤْمِنٌ إِنْ شَاءَ اللهُ".
    81 وَ كَمَنْعِهِ: أَنَّ السَّعِيدَ يَضِلُّ، أَوْ يَشْقَى؛ وَ نِعْمَةَ كَافِرٍ خَوَّانِ
    الْأَشْعَرِيُ يَقُولُ: "السَّعِيدُ مَنْ كُتِبَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ سَعِيداً، وَ الشَّقِيُّ مَنْ كُتِبَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ شَقِياًّ، لَا يَتَبَدَّلَانِ".
    وَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: "قَدْ يَكُونُ سَعِيداً، ثُمَّ يَنْقَلِبُ -وَ الْعِيَاذُ بِاللهِ- شَقِياًّ؛ وَ بِالْعَكْسِ".
    وَ قَدْ قَرَّرْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِنَا فِي "شَرْحِ عَقِيدَةِ الْأُسْتَاذِ أَبِي مَنْصُورٍ"؛ وَ بَيَّنَا اِخْتِلَافَ السَّلَفِ فِيهَا كَاخْتِلَافِ الْخَلَفِ؛ وَ أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فَائِدَةٌ.
    وَ الْأَشْعَرِيُّ يَقُولُ: "لَيْسَ عَلَى الْكَافِرِ نِعْمَةٌ، وَ كُلُّ مَا يَتَقَلَّبُ فِيهِ اسْتِدْرَاجٌ".
    وَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: "عَلَيْهِ نِعْمَةٌ"؛ وَ وَافَقَهُ مِنَ الْأَشَاعِرَةِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ اِبْنُ البَاقِلَّانِي؛ فَهُوَ مَعَ الْحَنَفِيَّةِ فِي هَذِهِ، كَالْمَاتُرِيدِيُّ مِنْهُمْ مَعَنَا فِي مَسْأَلَةِ الْاِسْتِثْنَاءِ.
  • حماد محمد الشنقيطي
    طالب علم
    • Feb 2010
    • 252

    #2
    تكملة النص:

    82 وَ كَذَا: الرِّسَالَةُ بَعْدَ مَوْتٍ؛ إِنْ تَكُنْ صَحَّتْ؛ وَ إِلَّا أَجْمَعَ الشَّيْخَانِ
    83 وَ قَدِ ادَّعَى ابْنُ هَوَازِنٍ أُسْتَاذُنَا- فِيهَا افْتِرَاءً مِنْ عَدُوٍّ شَانِ
    84 وَ هُوَ الْخَبِيرُ، الثَّبْتُ نَقْلاً، وَ الْإِرَا دَةُ لَيْسَ يَلْزَمُهَا رِضَا الرَّحْمَنِ
    85 فَالْكُفْرُ لَا يَرْضَى بِهِ لِعِبَادِهِ، وَ يُرِيدُهُ؛ أَمْرَانِ مُفْتَرِقَانِ
    86 وَ أَبُو حَنِيفَةَ قَائِلٌ: إِنَّ الْإِرَادَةَ وَ الرِّضَا أَمْرَانِ مُتَّحِدَانِ
    87 وَ عَلَيْهِ أَكْثَرُنَا؛ وَ لَكِنْ لَا يَصِحُّ؛ وَ قِيلَ مَكْذُوبٌ عَلَى النُّعْمَانِ
    مَسْأَلَةٌ:
    "إِنْكَارُ الرِّسَالَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ" مَعْزُوَّةٌ إِلَى الْأَشْعَرِيِّ؛ وَ هِيَ مِنَ الْكَذِبِ عَلَيْهِ، وَ إِنَّمَا ذَكَرْنَاهَا وَفَاءً بِمَا اشْتَرَطْنَاهُ مِنْ أَنَّا نَنْظِمُ كُلَّ مَا عُزِيَ إِلَيْهِ؛ وَ لَكِنَّهُ صَرَّحَ بِخِلَافِهَا، وَ كُتُبُهُ، وَ كُتُبُ أَصْحَابِهِ قَدْ طَبَّقَتْ طَبَقَ الْأَرْضِ، وَ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؛ بَلْ فِيهَا خِلَافُهُ.
    وَ مِنْ عَقَائِدِنَا: "أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهُمُ السَّلَامُ أَحْيَاءٌٌ فِي قُبُورِهِمْ"؛ فَأَيْنَ الْمَوْتُ؟
    وَ قَدْ أَنْكَرَ الْأُسْتَاذُ اِبْنُ هَوَازِنَ وَ هُوَ أَبُو الْقَاسِمُ الْقُشَيْرِيُّ- فِي كِتَابِهِ "شِكَايَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ" -الَّذِي سَنَحْكِيهِ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ بِتَمَامِهِ هَذِهِ- وَ بَيَّنَ أَنَّهَا مُخْتَلَقَةٌٌ عَلَى الشَّيْخِ، وَ كَذَلِكَ بَيَّنَ ذَلِكَ غَيْرُهُ.
    وَ صَنَّفَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ جُزْءاً سَمِعْنَاهُ فِي "حَيَاةِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهُمُ السَّلَامُ فِي قُبُورِهِمْ"؛ وَ اشْتَدَّ نَكِيرُ الْأَشَاعِرَةِ عَلَى مَنْ نَسَبَ هَذَا الْقَوْلَ إِلَى الشَّيْخِ.
    وَ قَالُوا: قَدْ اِفْتَرَى عَلَيْهِ وَ بَهَتَهُ.
    وَ أَمَّا مَسْأَلَةُ الرِّضَا وَ الْإِرَادَةِ؛ فَاعْلَمْ: أَنَّ الْمَنْقُولَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ اِتِّحَادُهُمَا؛ وَ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ افْتِرَاقُهُمَا.
    وَ قِيلَ: إِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَمْ يَقُلْ بِالْاِتِّحَادِ فِيهِمَا، بَلْ ذَلِكَ مَكْذُوبٌ عَلَيْهِ؛ فَعَلَى هَذَا اِنْقَطَعَ النِّزَاعُ؛ وَ إِنَّمَا الْكَلَامُ بِتَقْدِيرِ صِحَّةِ الْاِتِّحَادِ عِنْدَهُ.
    وَ أَكْثَرُ الْأَشَاعِرَةِ عَلَى مَا يُعْزَى إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ مِنَ الْاِفْتِرَاقِ؛ مِنْهُمْ: إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَ غَيْرُهُ؛ آَخِرُهُمْ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ.
    قَالَ: "هُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَ لَكِنِّي أَنَا لَا أَخْتَارُ ذَلِكَ".
    وَ الْحَقُّ عِنْدِي: أَنَّهُمَا مُفْتَرِقَانِ؛ كَمَا هُوَ مَنْصُوصُ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ.
    88 وَ كَذَاكَ إِيمَانُ الْمُقَلِّدِ؛ وَ هْوَ مِمَّا أَنْكَرَ اِبْنُ هَوَازِنَ الرَّبَّانِي
    89 وَ لَوْ أَنَّهُ مِمَّا يَصِحُّ؛ فَخُلْفُهُمْ فِيهِ لِلَفْظٍ، عَادَ دُونَ مَعَانِ
    ذَكَرُوا: أَنَّ شَيْخَنَا يَقُولُ: "إِنَّ إِيمَانَ الْمُقَلِّدِ لَا يَصِحُّ".
    وَ أَنْكَرَ ذَلِكَ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْقَاسِمُ، وَ قَالَ: "إِنَّهُ مَكْذُوبٌ عَلَيْهِ".
    وَ سَنَبْحَثُ عَنْ ذَلِكَ فِي ذَيْلِ سِيَاقِ كِتَابِ "شِكَايَةُ أَهْلُ السُّنَّةِ"؛ وَ الْقَوْلُ عَلَى تَقْدِيرِ الصِّحَّةِ.
    90 وَ كَذَاكَ كَسْبُ الْأَشْعَرِيِّ؛ وَ إِنَّهُ صَعْبٌ؛ وَ لَكِنْ قَامَ بِالْبُرْهَانِ
    91 مَنْ لَمْ يَقُلْ بِالْكَسْبِ، مَالَ إِلَى اعْتِزَا لٍ، أَوْ مَقَالِ الْجَبْرِ ذِي الطُّغْيَانِ
    كَسْبُ الْأَشْعَرِيِّ -كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَكَانِهِ-: أَمْرٌ يَضْطَرُّ إِلَيْهِ مَنْ يُنْكِرُ خَلْقَ الْأَفْعَالِ، وَ كَوْنَ الْعَبْدِ مُجْبَراً؛ وَ الْأَوَّلُ اعْتِزَالٌ، وَ الثَّانِي جَبْرٌ.
    فَكُلُّ أَحَدٍ يُثْبِتُ وَاسِطَةً، لَكِنْ يَعْسُرُ التَّعْبِيرُ عَنْهَا، وَ يُمَثِّلُونَهَا بِالْفَرْقِ بَيْنَ حَرَكَةِ الْمُرْتَعِشِ وَ الْمُخْتَارِ؛ وَ قَدْ اضْطَرَبَ الْمُحَقِّقُونَ فِي تَحْرِيرِ هَذِهِ الْوَاسِطَةِ؛ وَ الْحَنَفِيَّةُ سَمَّوْهَا "الْاِخْتِيَارَ".
    وَ الَّذِي تَحَرَّرَ لَنَا: أَنَّ الْاِخْتِيَارَ وَ الْكَسْبَ عِبَارَتَانِ عَنْ مُعَيَّنٍ وَاحِدٍ؛ وَ لَكِنَّ الْأَشْعَرِيَّ آَثَرَ لَفْظَ الْكَسْبِ عَلَى لَفْظِ الْاِخْتِيَارِ، لِكَوْنِهِ مَنْطُوقُ الْقُرْآَنِ؛ وَ الْقَوْمُ آَثَرُوا لَفْظَ الْاِخْتِيَارِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِشْعَارِ قُدْرَةٍ لِلْعَبْدِ.
    وَ لِلْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ مَذْهَبٌ يَزِيدُ عَلَى مَذْهَبِ الْأَشْعَرِيِّ؛ فَلَعَلَّهُ رَأْى الْقَوْمِ.
    وَ لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ، وَ الْغَزَالِي مَذْهَبٌ يَزِيدُ عَلَى الْمَذْهَبَيْنِ جَمِيعاً، وَ يَدْنُوا كُلَّ الدُّنُوِّ مِنَ الْاِعْتِزَالِ؛ وَ لَيْسَ هُوَ هُوَ.
    وَ لَسْنَا الْآَنَ لِتَحْرِيرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْعَظِيمَةِ الْخَطْبِ؛ وَ قَدْ قَرَّرْنَاهَا عَلَى وَجْهٍ مُخْتَصَرٍ فِي "شَرْحِ مُخْتَصَرِ ابْنِ الْحَاجِبِ"، وَ عَلَى وَجْهٍ مُبْسُوطٍ فِيمَا كَتَبْنَاهُ مِنْ أُصُولِ الدِّيَانَاتِ.
    92 أَوْ لِلْمَعَانِي؛ وَ هْوَ سِتُّ مَسَائِلٍ، هَانَتْ مَدَارِكُهَا بِدُونِ هَوَانِ
    93 للهِ تَعْذِيبُ الْمُطِيعِ، وَ لَوْ جَرَى؛ مَا كَانَ مِنْ ظُلْمٍ، وَ لَا عُدْوَانِ
    94 مُتَصَرِّفٌ فِي مُلْكِهِ، فَلَهُ الَّذِي يَخْتَارُ؛ لَكِنْ جَادَ بِالْإِحْسَانِ
    95 فَنَفَى الْعِقَابَ، وَ قَالَ: سَوْفَ أُثِيبُهُمْ؛ فَلَهُ بِذَاكَ عَلَيْهِمْ فَضْلَانِ
    96 هَذَا مَقَالُ الْأَشْعَرِيِّ إِمَامِنَا؛ وَ سِوَاهُ مَأْثُورٌ عَنِ النُّعْمَانِ
    مَا قَدَّمْنَا مِنَ الْمَسَائِلِ وَ مِنْهُ مَا لَمْ يَصِحَّ كَمَا عَرَفْتَ- هُوَ لَفْظِيٌّ كُلُّهُ؛ لَا فَائِدَةَ لِلْخِلَافِ فِيهِ.
    وَ مِنْ هُنَا الْمَسَائِلُ الْمَعْنَوِيَّةُ؛ وَ هِيَ سِتُّ مَسَائِلٍ.
    وَ قَدْ عَرَفْنَا أَنَّ الشَّيْخَ الْإِمَامَ كَانَ يَقُولُ: "إِنَّ عَقِيدَةَ الطَّحَاوِيِّ لَمْ تَشْتَمِلْ إِلَّا عَلَى ثَلَاثٍ"؛ وَ لَكِنَّا نَحْنُ جَمَعْنَا الثَّلَاثَ الْأُخَرَ مِنْ كَلَامِ الْقَوْمِ.
    أَوَّلُهَا: أَنَّ الرَّبَّ تَعَالَى لَهُ عِنْدَنَا- أَنْ يُعَذِّبَ الطَّائِعِينَ، وَ يُثِيبَ الْعَاصِينَ؛ كُلٌّ نِعْمَةٍ مِنْهُ فَضْلٌ، وَ كُلُّ نِقْمَةٍ مِنْهُ عَدْلٌ؛ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ فِي مُلْكِهِ، وَ لَا دَاعِيَ لَهُ إِلَى فِعْلِهِ.
    وَ عِنْدَهُمْ: يَجِبُ تَعْذِيبُ الْعَاصِي، وَ إِثَابَةُ الْمُطِيعِ؛ وَ يُمْتَنَعُ الْعَكْسُ.
    97 وَ وُجُوبُ مَعْرِفَةُ الْإِلَهِ؛ الْأَشْعَرِ يُّ يَقُولُ: ذَاكَ بِشِرْعَةِ الدَّيَّانِ
    98 وَ الْعَقْلُ: لَيْسَ بِحَاكِمٍ؛ لَكِنْ لَهُ الْـ ـإِدْرَاكُ، لَا حُكْمٌ عَلَى الْحَيَوَانِ
    99 وَ قَضَوْا: بِأَنَّ الْعَقْلَ يُوجِبُهَا؛ وَ فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ لِصَحْبِنَا وَجْهَانِ
    100 وَ بِأَنَّ أَوْصَافَ الْفِعَالِ قَدِيمَةٌٌ، لَيْسَتْ بِحَادِثَةٍ عَلَى الْحِدْثَانِ
    101 وَ بِأَنَّ مَكْتُوبَ الْمَصَاحِفِ مُنْزَلٌ، عَيْنُ الْكَلَامِ الْمُنْزَلِ الْقُرْآَنِ
    102 وَ الْبَعْضُ أَنْكَرَ ذَا؛ فَإِنْ يَصْدُقْ فَقَدْ ذَهَبَتْ مِنَ التِّعْدَادِ مَسْأَلَتَانِ
    103 هَذِي، وَ مَسْأَلَةُ الْإِرَادَةِ قَبْلَهَا؛ أَمْرَانِ فِيمَا قِيلَ مَكْذُوبَانِ
    104 وَ كَمَا انْتَفَى هَذَانِ عَنْهُمُ؛ هَكَذَا عَنَّا انْتَفَى -مِمَّا يُقَالُ- اثْنَانِ
    105 قَالُوا: وَ لَيْسَ بِجَائِزٍ تَكْلِيفُ مَا لَا يُسْتَطَاعُ، فَتىً مِنَ الْفِتْيَانِ
    106 وَ عَلَيْهِ مِنْ أَصْحَابِنَا شَيْخُ الْعِرَا قِ، وَ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ ذُو الْإِتْقَانِ
    107 وَ رَوَاهُ مُجْتَهِدُ الزَّمَانِ مُحَمَّدُ بْنُ دَقِيقِ عِيدٍ؛ وَاضِحُ السُّبلَانِ
    مَنَعُوا تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ؛ وَ وَافَقَهُمْ مِنْ أَصْحَابِنَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِنِيُّ، شَيْخُ الْعِرَاقِيِّينَ؛ وَ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ الْغَزَالِيُّ؛ وَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ تَقِيُّ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ اِبْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ الْقُوصِيُّ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى أَجْمَعِينَ.
    108 قَالُوا: وَ تَمْتَنِعُ الصَّغَائِرُ مِنْ نَبِـ ـيٍّ لِلْإِلَهِ؛ وَ عِنْدَنَا قَوْلَانِ
    109 وَ الْمَنْعُ مَرْوِيٌّ عَنِ الْأُسْتَاذِ، وَ الْـ ـقَاضِي عِيَاضٌ؛ وَ هْوُ ذُو رُجْحَانِ
    110 وَ بِهِ أَقُولُ، وَ كَانَ مَذْهَبَ وَالِدِي؛ دَفْعاً لِرُتْبَتِهِمْ عَنِ النُّقْصَانِ
    111 وَ الْأَشْعَرِيُّ إِمَامُنَا؛ لَكِنَّنَا فِي ذَا نُخَالِفُهُ بِكُلِّ لِسَانِ
    112 وَ نَقُولُ: نَحْنُ عَلَى طَرِيقَتِهِ؛ وَ لَـ ـكِنْ صَحْبُهُ فِي ذَاكَ طَائِفَتَانِ
    113 بَلْ قَالَ بَعْضُ الْأَشْعَرِيَّةِ: إِنَّهُمْ بُرَآَءُ مَعْصُومُونَ مِنْ نِسْيَانِ
    114 وَ الْكُلُّ مَعْدُودُونَ مِنْ أَتْبَاعِهِ، لَا يَخْرُجُونَ بِذَا عَنِ الْإِذْعَانِ
    115 وَ أَبُو حَنِيفَةَ هَكَذَا مَعَ شَيْخِنَا، لَا شَيْءَ بَيْنَهُمَا مِنَ النُّكْرَانِ
    116 مُتَنَاصِرَانِ؛ وَ ذَا اخْتِلَافٌ هَيِّنٌ، عَارٍ عَنِ التَّبْدِيعِ وَ الْخِذْلَانِ
    117 هَذَا الْإِمَامُ، وَ قَبْلَهُ الْقَاضِي يَقُو لَانِ: الْبَقَا لِحَقِيقَةِ الرَّحْمَنِ
    118 وَ هُمَا كَبِيرَا الْأَشْعَرِيَّةِ، وَ هْوَ قَا لَ: بِزَائِدٍ فِي الذَّاتِ لِلْإِمْكَانِ
    119 وَ الشَّيْخُ، وَ الْأُسْتَاذُ مُتَّفِقَانِ فِي عَقْدٍ، وَ فِي أَشْيَاءَ مُخْتَلِفَانِ
    120 وَ كَذَا ابْنُ فُورَكٍ الشَّهِيدُ، وَ حُجَّةُ الْـ ـإِسْلَامِ؛ خَصْمَا الْإِفْكِ وَ الْبُهْتَانِ
    121 وَ ابْنُ الْخَطِيبِ، وَ قَوْلُهُ: "إِنَّ الْوُجُو دَ يَزِيدُ"؛ وَ هْوَ الْأَشْعَرِيُّ الثَّانِي
    122 وَ الْاِخْتِلَافُ فِي الْاِسْمِ هَلْ هُوَ وَ الْمُسَـ ـمَّى وَاحِدٌ، لَا اثْنَانِ؛ أَوْ غَيْرَانِ
    123 وَ الْأَشْعَرِيَّةُ بَيْنَهُمْ خُلْفٌ إِذَا عُدَّتْ مَسَائِلُهُ عَلَى الْإِنْسَانِ
    124 بَلَغَتْ مِئِينَ؛ وَ كُلُّهُمْ ذُو سُنَّةٍ، أُخِذَتْ عَنِ الْمَبْعُوثِ مِنْ عَدْنَانِ
    125 وَ غَداً يُنَادِي كُلَّنَا مِنْ جُمْلَةِ الْـ ـأَتْبَاعِ لِلْأَسْلَافِ بِالْإِحْسَانِ
    126 وَ الْأَشْعَرِيُّ إِمَامُنَا، وَ السُّنَّةُ الْـ ـغَرَّاءُ سُنَّتُنَا مَدَى الْأَزْمَانِ
    127 وَ كَذَاكَ أَهْلُ الرَّأْيِ، مَعْ أَهْلِ الْحَدِيـ ـثِ فِي الْاِعْتِقَادِ الْحَقِّ مُتَّفِقَانِ
    128 مَا إِنْ يُكَفِّرَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً، وَ لَا أَزْرَى عَلَيْهِ، وَ سَامَهُ بِهَوَانِ
    129 إِلَّا الَّذِينَ تَمَعْزَلُوا مِنْهُمْ، فَهُمْ فِيهِ، تَنَحَّتْ عَنْهُمُ الْفِئَتَانِ
    130 هَذَا الصَّوَابُ؛ فَلَا تَظُنَّنَّ غَيْرَهُ، وَ اعْقِدْ عَلَيْهِ بِخِنْصِرٍ وَ بَنَانِ
    131 وَ رَأَيْتُ مِمَّنْ قَالَهُ، حَبْرٌ لَهُ نَبَأٌ عَظِيمٌ سَارَ فِي الْبُلْدَانِ
    132 أَعْنِي أَبَا مَنْصُورٍ الْأُسْتَاذُ عَبْدُ الْقَاهِرِ، الْمَشْهُورُ فِي الْأَكْوَانِ
    133 هَذَا صِرَاطُ اللهِ فَاتَّبِعْهُ تَجِدْ فِي الْقَلْبِ بَرْدَ حَلَاوَةِ الْإِيمَانِ
    134 وَ تَرَاهُ يَوْمَ الْحَشْرِ أَبْيَضَ وَاضِحاً، يُهْدِي إِلَيْكَ رَسَائِلَ الْغُفْرَانِ
    135 وَ عَلَيْهِ كَانَ السَّابِقُونَ؛ عَلَيْهُمُ حُلَلُ الثَّنَاءِ، وَ مَلْبَسُ الرِّضْوَانِ
    136 وَ الشَّافِعِيُّ، وَ مَالِكٌ، وَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَ ابْنُ حَنْبَلٍ الْكَبِيرُ الشَّانِ
    137 دَرَجُوا عَلَيْهِ، وَ خَلَّفُونَا إِثْرَهُمْ؛ إِنْ نَتَّبِعْهُمْ، نَجْتَمِعْ بِجِنَانِ
    138 أَوْ نَبْتَدِعْ؛ فَلَسَوْفَ نَصْلَى النَّارَ مَذْ مُومِينَ، مَدْحُورِينَ بِالْعِصْيَانِ
    139 وَ الْكُفْرُ مَنْفِيٌّ، فَلَسْتُ مُكَفِّراً ذَا بِدْعَةٍ شَنْعَاءَ فِي النِّيرَانِ
    140 بَلْ كُلُّ أَهْلُ الْقِبْلَةِ، الْإِيمَانُ يَجْـ ـمَعُهُمْ؛ وَ يَفْتَرِقُونَ كَالْوُحْدَانِ
    141 فَأَجاَرَنَا الرَّحْمَنُ بِالْهَادِي النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ مِنْ نَارِهِ بِأَمَانِ
    142 صَلَّى عَلَيْهِ اللهُ مَا وَضَحَ الضُّحَى، وَ بَدَا بِدَيْجُورِ الدُّجَى النَّسْرَانِ
    143 وَ الْآَلِ، وَ الصَّحْبِ الْكِرَامِ؛ وَ مِنْهُمُ الصِّـ ـدِّيقُ، وَ الْفَارُوقُ، مَعْ عُثْمَانِ
    144 وَ عَلِيٌّ اِبْنُ الْعَمِّ، وَ الْبَاقُونَ إِنَّـ ـهُمُ النُّجُومُ لِمُقْتَدٍ حَيْرَانِ

    تعليق

    • حماد محمد الشنقيطي
      طالب علم
      • Feb 2010
      • 252

      #3
      النص الثاني:

      قِسْمُ التَّوْحِيدِ مِنْ كِتَابِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ:

      مَسْأَلَةٌ:
      اُخْتُلِفَ فِي التَّقْلِيدِ فِي أُصُولِ الدِّينِ؛ وَ قِيلَ: النَّظَرُ فِيهِ حَرَامٌ؛ وَ عَنْ الْأَشْعَرِيِّ: لَا يَصِحُّ إيمَانُ الْمُقَلِّدِ؛ وَ قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: مَكْذُوبٌ عَلَيْهِ؛ وَ التَّحْقِيقُ: إنْ كَانَ أَخْذَ قَوْلِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ، مَعَ احْتِمَالِ شَكٍّ، أَوْ وَهْمٍ، فَلَا يَكْفِي؛ وَ إِنْ كَانَ جَزْمًا، فَيَكْفِي، خِلَافًا لِأَبِي هَاشِمٍ.
      فَلْيَجْزِمْ عَقْدَهُ: بِأَنَّ الْعَالَمَ مُحْدَثٌ، وَ لَهُ صَانِعٌ، وَ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ.
      وَ الْوَاحِدُ: الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَنْقَسِمُ، وَ لَا يُشَبَّهُ بِوَجْهٍ.
      وَ اَللَّهُ تَعَالَى: قَدِيمٌ، لَا ابْتِدَاءَ لِوُجُودِهِ، حَقِيقَتُهُ مُخَالِفَةٌ لِسَائِرِ الْحَقَائِقِ؛ قَالَ الْمُحَقِّقُونَ: لَيْسَتْ مَعْلُومَةً الْآنَ، وَ اخْتَلَفُوا: هَلْ يُمْكِنُ عِلْمُهَا فِي الْآخِرَةِ؟
      لَيْسَ بِجِسْمٍ، وَ لَا جَوْهَرٍ، وَ لَا عَرَضٍ.
      وَ لَمْ يَزَلْ وَحْدَهُ، وَ لَا مَكَانَ، وَ لَا زَمَانَ، وَ لَا قُطْرَ، وَ لَا أَوَانَ.
      ثُمَّ أَحْدَثَ هَذَا الْعَالَمَ، مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ، وَ لَوْ شَاءَ مَا اخْتَرَعَهُ؛ لَمْ يَحْدُثْ بِابْتِدَاعِهِ فِي ذَاتِهِ حَادِثٌ.
      الْقَدَرُ خَيْرُهُ وَ شَرُّهُ، مِنْهُ.
      عِلْمُهُ شَامِلٌ لِكُلِّ مَعْلُومٍ، جُزْئِيَّاتٍ، وَ كُلِّيَّاتٍ ؛ وَ قُدْرَتُهُ لِكُلِّ مَقْدُورٍ.
      مَا عُلِمَ أَنَّهُ يَكُونُ، إرَادَةً، وَ مَا لَا، فَلَا.
      بَقَاؤُهُ غَيْرَ مُسْتَفْتَحٍ، وَ لَا مُتَنَاهٍ.
      لَمْ يَزَلْ بِأَسْمَائِهِ، وَ صِفَاتِ ذَاتِهِ؛ مَا دَلَّ عَلَيْهَا فِعْلُهُ: مِنْ قُدْرَةٍ، وَ عِلْمٍ، وَ حَيَاةٍ، وَ إِرَادَةٍ؛ أَوْ التَّنْزِيهُ عَنْ النَّقْصِ: مِنْ سَمْعٍ، وَ بَصَرٍ، وَ كَلَامٍ، وَ بَقَاءٍ؛ وَ مَا صَحَّ فِي الْكِتَابِ وَ السُّنَّةِ، مِنْ الصِّفَاتِ، نَعْتَقِدُ ظَاهِرَ الْمَعْنَى، وَ نُنَزِّهُهُ عِنْدَ سَمَاعِ الْمُشْكِلِ.
      ثُمَّ اخْتَلَفَ أَئِمَّتُنَا: أَنُؤَوِّلُ؟ أَمْ نُفَوِّضُ مُنَزِّهِينَ؟ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ: عَلَى أَنَّ جَهْلَنَا بِتَفْصِيلِهِ، لَا يَقْدَحُ.
      الْقُرْآنُ كَلَامُهُ، غَيْرُ مَخْلُوقٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ، لَا الْمَجَازِ؛ مَكْتُوبٌ فِي مَصَاحِفِنَا، مَحْفُوظٌ فِي صُدُورِنَا، مَقْرُوءٌ بِأَلْسِنَتِنَا.
      يُثِيبُ عَلَى الطَّاعَةِ، وَ يُعَاقِبُ، إلَّا أَنْ يَغْفِرَ -غَيْرَ الشِّرْكِ- عَلَى الْمَعْصِيَةِ؛ وَ لَهُ إثَابَةُ الْعَاصِي، وَ تَعْذِيبُ الْمُطِيعِ، وَ إِيلَامُ الدَّوَابِّ، وَ الْأَطْفَالِ؛ وَ يَسْتَحِيلُ وَصْفُهُ بِالظُّلْمِ.
      يَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَ اخْتُلِفَ: هَلْ تَجُوزُ الرُّؤْيَةُ فِي الدُّنْيَا؟ وَ فِي الْمَنَامِ؟
      السَّعِيدُ مَنْ كَتَبَهُ فِي الْأَزَلِ سَعِيدًا، وَ الشَّقِيُّ عَكْسُهُ؛ ثُمَّ لَا يَتَبَدَّلَانِ؛ وَ مَنْ عَلِمَ مَوْتَهُ مُؤْمِنًا، فَلَيْسَ بِشَقِيٍّ؛ وَ أَبُو بَكْرٍ مَا زَالَ بِعَيْنِ الرِّضَا.
      وَ الرِّضَا، وَ الْمَحَبَّةُ غَيْرُ الْمَشِيئَةِ، وَ الْإِرَادَةِ؛ فَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ، ﴿وَ لَوْ شَاءَ رَبُّك مَا فَعَلُوهُ﴾.
      هُوَ الرَّزَّاقُ، وَ الرِّزْقُ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ، وَ لَوْ حَرَامًا.
      بِيَدِهِ الْهِدَايَةُ وَ الْإِضْلَالُ؛ خَلْقُ الضَّلَالِ، وَ الِاهْتِدَاءِ، وَ هُوَ الْإِيمَانُ.
      وَ التَّوْفِيقُ: خَلْقُ الْقُدْرَةِ الدَّاعِيَةِ إلَى الطَّاعَةِ؛ وَ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: خَلْقُ الطَّاعَةِ؛ وَ الْخِذْلَانُ ضِدُّهُ.
      وَ اللُّطْفُ: مَا يَقَعُ عِنْدَهُ صَلَاحُ الْعَبْدِ أَخَرَةً.
      وَ الْخَتْمُ، وَ الطَّبْعُ، وَ الْأَكِنَّةُ: خَلْقُ الضَّلَالِ فِي الْقَلْبِ.
      وَ الْمَاهِيَّاتِ مَجْعُولَةً.
      وَ ثَالِثُهَا إنْ كَانَتْ مُرَكَّبَةً.
      أَرْسَلَ الرَّبُّ تَعَالَى رُسُلَهُ بِالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَاتِ، وَ خُصَّ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ الْمَبْعُوثُ إلَى الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ، الْمُفَضَّلُ عَلَى جَمِيعِ الْعَالَمِينَ، وَ بَعْدَهُ الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْمَلَائِكَةُ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ.
      وَ الْمُعْجِزَةُ: أَمْرٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ، مَقْرُونٌ بِالتَّحَدِّي، مَعَ عَدَمِ الْمُعَارَضَةِ.
      وَ التَّحَدِّي: الدَّعْوَى.
      وَ الْإِيمَانُ: تَصْدِيقُ الْقَلْبِ؛ وَ لَا يُعْتَبَرُ إلَّا مَعَ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ مِنْ الْقَادِرِ؛ وَ هَلْ التَّلَفُّظُ شَرْطٌ؟ أَوْ شَطْرٌ فِيهِ تَرَدُّدٌ؟
      وَ الْإِسْلَامُ: إعْمَالُ الْجَوَارِحِ؛ وَ لَا تُعْتَبَرُ إلَّا مَعَ الْإِيمَانِ.
      وَ الْإِحْسَانُ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّك تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاك.
      وَ الْفِسْقُ لَا يُزِيلُ الْإِيمَانَ.
      وَ الْمَيِّتُ مُؤْمِنًا، فَاسِقًا، تَحْتَ الْمَشِيئَةِ؛ إمَّا أَنْ يُعَاقَبَ، ثُمَّ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَ إِمَّا أَنْ يُسَامَحَ بِمُجَرَّدِ فَضْلِ اللَّهِ، أَوْ مَعَ الشَّفَاعَةِ.
      وَ أَوَّلُ شَافِعٍ، وَ أَوْلَاهُ، حَبِيبُ اللَّهِ مُحَمَّدٌ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ.
      وَ لَا يَمُوتُ أَحَدٌ إلَّا بِأَجَلِهِ.
      وَ النَّفْسُ بَاقِيَةٌ بَعْدَ قَتْلِ الْبَدَنِ.
      وَ فِي فَنَائِهَا عِنْدَ الْقِيَامَةِ تَرَدُّدٌ؛ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ: وَ الْأَظْهَرُ لَا تَفْنَى أَبَدًا.
      وَ فِي عَجْبِ الذَّنَبِ قَوْلَانِ؛ قَالَ الْمُزَنِيُّ: وَ الصَّحِيحُ يَبْلَى، وَ تَأَوَّلَ الْحَدِيثَ.
      وَ حَقِيقَةُ الرُّوحِ، لَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ، فَنُمْسِكُ عَنْهَا.
      وَ كَرَامَاتُ الْأَوْلِيَاءِ حَقٌّ؛ قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَ لَا يَنْتَهُونَ إلَى نَحْوِ وَلَدٍ دُونَ وَالِدٍ.
      وَ لَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ.
      وَ لَا نُجَوِّزُ الْخُرُوجَ عَلَى السُّلْطَانِ.
      وَ نَعْتَقِدُ أَنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ، وَ سُؤَالَ الْمَلَكَيْنِ، وَ الصِّرَاطَ، وَ الْمِيزَانَ، حَقٌّ.
      وَ يَجِبُ عَلَى النَّاسِ نَصْبُ إمَامٍ، وَ لَوْ مَفْضُولًا.
      وَ لَا يَجِبُ عَلَى الرَّبِّ سُبْحَانَهُ شَيْءٌ.
      وَ الْمَعَادُ الْجُسْمَانِيُّ بَعْدَ الْإِعْدَامِ حَقٌّ.
      وَ نَعْتَقِدُ أَنَّ خَيْرَ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ: أَبُو بَكْرٍ خَلِيفَتُهُ، فَعُمَرُ، فَعُثْمَانُ، فَعَلِيٌّ أُمَرَاءُ الْمُؤْمِنِينَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ أَجْمَعِينَ.
      وَ بَرَاءَةَ عَائِشَةَ مِنْ كُلِّ مَا قُذِفَتْ بِهِ.
      وَ نُمْسِكُ عَمَّا جَرَى بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وَ نَرَى الْكُلَّ مَأْجُورِينَ.
      وَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ، وَ مَالِكًا، وَ أَبَا حَنِيفَةَ، وَ السُّفْيَانَيْنِ، وَ أَحْمَدَ، وَ الْأَوْزَاعِيَّ، وَ إِسْحَاقَ، وَ دَاوُد، وَ سَائِرَ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ.
      وَ أَنَّ أَبَا الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيَّ، إمَامٌ فِي السُّنَّةِ مُقَدَّمٌ.
      وَ أَنَّ طَرِيقَ الشَّيْخِ الْجُنَيْدِ وَ صَحْبِهِ طَرِيقٌ مُقَوَّمٌ.
      وَ مِمَّا لَا يَضُرُّ جَهْلُهُ، وَ تَنْفَعُ مَعْرِفَتُهُ: الْأَصَحُّ إنَّ وُجُودَ الشَّيْءِ عَيْنُهُ، وَ قَالَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ: غَيْرُهُ؛ فَعَلَى الْأَصَحِّ: الْمَعْدُومُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَ لَا ذَاتٍ، وَ لَا ثَابِتٍ؛ وَ كَذَا عَلَى الْآخَرِ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ.
      وَ أَنَّ الِاسْمَ الْمُسَمَّى.
      وَ أَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ تَعَالَى تَوْقِيفِيَّةٌ.
      وَ أَنَّ الْمَرْءَ يَقُولُ: أَنَا مُؤْمِنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ، خَوْفًا مِنْ سُوءِ الْخَاتِمَةِ وَ الْعِيَاذُ بِاَللَّهِ، لَا شَكًّا فِي الْحَالِ.
      وَ أَنَّ مَلَاذَّ الْكَافِرِ اسْتِدْرَاجٌ.
      وَ أَنَّ الْمُشَارَ إلَيْهِ بِأَنَّهُ الْهَيْكَلُ الْمَخْصُوصُ.
      وَ أَنَّ الْجَوْهَرَ هُوَ الْفَرْدُ، وَ هُوَ الْجُزْءُ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ، ثَابِتٌ.
      وَ أَنَّهُ لَا حَالَّ -أَيْ لَا وَاسِطَةَ- بَيْنَ الْمَوْجُودِ وَ الْمَعْدُومِ، خِلَافًا لِلْقَاضِي، إمَامِ الْحَرَمَيْنِ.
      وَ أَنَّ النَّسَبَ، وَ الْإِضَافَاتِ أُمُورٌ اعْتِبَارِيَّةٌ، لَا وُجُودِيَّةٌ.
      وَ أَنَّ الْعَرَضَ لَا يَقُومُ بِالْعَرَضِ؛ وَ لَا يَبْقَى زَمَانَيْنِ؛ وَ لَا يَحِلُّ مَحَلَّيْنِ.
      وَ أَنَّ الْمِثْلَيْنِ لَا يَجْتَمِعَانِ، كَالضِّدَّيْنِ، بِخِلَافِ الْخِلَافَيْنِ؛ أَمَّا النَّقِيضَانِ فَلَا يَجْتَمِعَانِ وَلَا يَرْتَفِعَانِ.
      وَ أَنَّ أَحَدَ طَرَفَيْ الْمُمْكِنِ لَيْسَ أَوْلَى بِهِ.
      وَ أَنَّ الْبَاقِيَ مُحْتَاجٌ إلَى السَّبَبِ، وَ يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ عِلَّةَ احْتِيَاجِ الْأَثَرِ إلَى الْمُؤَثِّرِ الْإِمْكَانُ، أَوْ الْحُدُوثُ، أَوْ هُمَا جُزْءَا عِلَّةٍ، أَوْ الْإِمْكَانُ بِشَرْطِ الْحُدُوثِ، وَ هِيَ أَقْوَالٌ.
      وَ الْمَكَانُ: قِيلَ لِلسَّطْحِ الظَّاهِرِ مِنْ الْمَحْوِيِّ فِيهِ، وَ قِيلَ: بُعْدٌ مَوْجُودٌ يَنْفُذُ فِيهِ الْجِسْمُ، وَ قِيلَ: بُعْدٌ مَفْرُوضٌ، وَ هُوَ الْخَلَاءُ؛ وَ الْمُرَادُ مِنْهُ كَوْنُ الْجِسْمَيْنِ لَا يَتَمَاسَّانِ، وَ لَا بَيْنَهُمَا مَا يُمَاسُّهُمَا.
      وَ الزَّمَانُ: قِيلَ: جَوْهَرٌ لَيْسَ بِجِسْمٍ، وَ لَا جُسْمَانِيٍّ؛ وَ قِيلَ: فَلَكُ مَعْدِلِ النَّهَارِ؛ وَ قِيلَ: عَرَضٌ، فَقِيلَ حَرَكَةُ مَعْدِلِ النَّهَارِ؛ وَ قِيلَ: مِقْدَارُ الْحَرَكَةِ؛ وَ الْمُخْتَارُ: مُقَارَنَةُ مُتَجَدِّدٍ مَوْهُومٍ، لِمُتَجَدِّدٍ مَعْلُومٍ، إزَالَةً لِلْإِيهَامِ.
      وَ يَمْتَنِعُ تَدَاخُلُ الْأَجْسَامِ.
      وَ خُلُوُّ الْجَوْهَرِ عَنْ جَمِيعِ الْأَعْرَاضِ، وَ الْجَوْهَرُ غَيْرُ مُرَكَّبٍ مِنْ الْأَعْرَاضِ، وَ الْأَبْعَادُ مُتَنَاهِيَةٌ.
      وَ الْمَعْلُولُ: قَالَ الْأَكْثَرُ يُقَارِنُ عِلَّتَهُ زَمَانًا، وَ الْمُخْتَارُ وِفَاقًا لِلشَّيْخِ الْإِمَامِ، يَعْقُبُهَا مُطْلَقًا؛ وَ ثَالِثُهَا: إنْ كَانَتْ وَضْعِيَّةً لَا عَقْلِيَّةً.
      أَمَّا التَّرْتِيبُ رُتْبَةً فَوِفَاقٌ.
      وَ اللَّذَّةُ حَصَرَهَا الْإِمَامُ، وَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ فِي الْمَعَارِفِ.
      وَ قَالَ ابْنُ زَكَرِيَّا: هِيَ الْخَلَاصُ مِنْ الْأَلَمِ.
      وَ قِيلَ: إدْرَاكُ الْمُلَائِمِ، وَ يُقَابِلُهَا الْأَلَمُ.
      وَ مَا تَصَوَّرَهُ الْعَقْلُ: إمَّا وَاجِبٌ، أَوْ مُمْتَنِعٌ، أَوْ مُمْكِنٌ؛ لِأَنَّ ذَاتَهُ إمَّا أَنْ تَقْتَضِيَ وُجُودَهُ فِي الْخَارِج، أَوْ عَدَمَهُ، أَوْ لَا تَقْتَضِيَ شَيْئًا.
      خَاتِمَةٌ: فِيمَا يُذْكَرُ مِنْ مَبَادِئِ التَّصَوُّفِ الْمُصَفِّي لِلْقُلُوبِ:
      أَوَّلُ الْوَاجِبَاتِ الْمَعْرِفَةُ؛ وَ قَالَ الْأُسْتَاذُ: النَّظَرُ الْمُؤَدِّي إلَيْهَا؛ وَ الْقَاضِي: أَوَّلُ النَّظَرِ؛ وَ ابْنُ فَوْرَكٍ، وَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: الْقَصْدُ إلَى النَّظَرِ.
      وَ ذُو النَّفْسِ الْأَبِيَّةِ يَرْبَأُ بِهَا عَنْ سَفْسَافِ الْأُمُورِ، وَ يَجْنَحُ إلَى مَعَالِيهَا.
      وَ مَنْ عَرَفَ رَبَّهُ، تَصَوَّرَ تَبْعِيدَهُ وَ تَقْرِيبَهُ، فَخَافَ وَ رَجَا، فَأَصْغَى إلَى الْأَمْرِ وَ النَّهْيِ، فَارْتَكَبَ وَ اجْتَنَبَ، فَأَحَبَّهُ مَوْلَاهُ، فَكَانَ سَمْعَهُ، وَ بَصَرَهُ، وَ يَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا.
      وَ دَنِيءُ الْهِمَّةِ لَا يُبَالِي، فَيَجْهَلُ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينَ، وَ يَدْخُلُ تَحْتَ رِبْقَةِ الْمَارِقِينَ؛ فَدُونَكَ صَلَاحًا، أَوْ فَسَادًا، وَ رِضًا، أَوْ سَخَطًا؛ وَ قُرْبًا أَوْ بُعْدًا؛ وَ سَعَادَةً أَوْ شَقَاوَةً؛ وَ نَعِيمًا أَوْ جَحِيمًا.
      وَ إِذَا خَطَرَ لَكَ أَمْرٌ، فَزِنْهُ بِالشَّرْعِ؛ فَإِنْ كَانَ مَأْمُورًا فَبَادِرْ، فَإِنَّهُ مِنْ الرَّحْمَنِ؛ فَإِنْ خَشِيتَ وُقُوعَهُ، لَا إيقَاعَهُ عَلَى صِفَةٍ مَنْهِيَّةٍ، فَلَا عَلَيْكَ؛ وَ احْتِيَاجُ اسْتِغْفَارِنَا إلَى اسْتِغْفَارٍ، لَا يُوجِبُ تَرْكَ الِاسْتِغْفَارِ.
      وَ مِنْ ثَمَّ قَالَ السُّهْرَوَرْدِيّ: اعْمَلْ وَ إِنْ خِفْتَ الْعُجْبَ مُسْتَغْفِرًا، وَ إِنْ كَانَ مَنْهِيًّا، فَإِيَّاكَ فَإِنَّهُ مِنْ الشَّيْطَانِ، فَإِنْ مِلْتَ فَاسْتَغْفِرْ.
      وَ حَدِيثُ النَّفْسِ مَا لَمْ يَتَكَلَّم، أَوْ يَعْمَلُ، وَ الْهَمُّ، مَغْفُورَانِ؛ وَ إِنْ لَمْ تُطِعْكَ الْأَمَّارَةُ، فَجَاهِدْهَا؛ فَإِنْ فَعَلْتَ فَتُبْ، فَإِنْ لَمْ تُقْلِعْ لِاسْتِلْذَاذٍ، أَوْ كَسَلٍ، فَتَذَكَّرْ هَادِمَ اللَّذَّاتِ وَ فَجْأَةَ الْفَوَاتِ؛ أَوْ لِقُنُوطٍ، فَخَفْ مَقْتَ رَبِّكَ، وَ اذْكُرْ سَعَةَ رَحْمَتِهِ.
      وَ اعْرِضْ التَّوْبَةَ وَ مَحَاسِنَهَا؛ وَ هِيَ النَّدَمُ، وَ تَتَحَقَّقُ بِالْإِقْلَاعِ، وَ عَزْمٍ أَنْ لَا يَعُودَ، وَ تَدَارُكِ مُمْكِنَ التَّدَارُكِ؛ وَ تَصِحُّ وَ لَوْ بَعْدَ نَقْضِهَا عَنْ ذَنْبٍ، وَ لَوْ صَغِيرًا، مَعَ الْإِصْرَارِ عَلَى آخَرَ، وَ لَوْ كَبِيرًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
      وَ إِنْ شَكَكْت أَمَأْمُورٌ؟ أَمْ مَنْهِيٌّ؟ فَأَمْسِكْ؛ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْجُوَيْنِيُّ فِي الْمُتَوَضِّئِ، يَشُكُّ أَيَغْسِلُ ثَالِثَةً؟ أَمْ رَابِعَةً؟ لَا يَغْسِلُ.
      وَ كُلٌّ وَاقِعٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَ إِرَادَتُهُ، هُوَ خَالِقُ كَسْبِ الْعَبْدِ، قَدَّرَ لَهُ قُدْرَةً، هِيَ اسْتِطَاعَتُهُ، تَصْلُحُ لِلْكَسْبِ، لَا لِلْإِبْدَاعِ؛ فَاَللَّهُ خَالِقٌ غَيْرُ مُكْتَسِبٍ، وَ الْعَبْدُ مُكْتَسِبٌ غَيْرُ خَالِقٍ.
      وَ مِنْ ثَمَّ الصَّحِيحُ أَنَّ الْقُدْرَةَ لَا تَصْلُحُ لِلضِّدَّيْنِ.
      وَ أَنَّ الْعَجْزَ صِفَةٌ وُجُودِيَّةٌ، تُقَابِلُ الْقُدْرَةَ، تَقَابُلَ الضِّدَّيْنِ، لَا الْعَدَمِ وَ الْمَلَكَةِ.
      وَ رَجَّحَ قَوْمٌ التَّوَكُّلَ، وَ آخَرُونَ الِاكْتِسَابَ، وَ ثَالِثٌ الِاخْتِلَافَ.
      وَ مِنْ ثَمَّ قِيلَ: "إرَادَةُ التَّجْرِيدِ مَعَ دَاعِيَةِ الْأَسْبَابِ شَهْوَةٌ خَفِيَّةٌ، وَ سُلُوكُ الْأَسْبَابِ مَعَ دَاعِيَةِ التَّجْرِيدِ، انْحِطَاطٌ عَنْ الذِّرْوَةِ الْعَلِيَّةِ".
      وَ قَدْ يَأْتِي الشَّيْطَانُ بِاطِّرَاحِ جَانِبِ اللَّهِ تَعَالَى فِي صُورَةِ الْأَسْبَابِ، أَوْ بِالْكَسَلِ وَ التَّمَاهُنِ فِي صُورَةِ التَّوَكُّلِ؛ وَ الْمُوَفَّقُ يَبْحَثُ عَنْ هَذَيْنِ.
      وَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا مَا يُرِيدُ، وَ لَا يَنْفَعُنَا عِلْمُنَا بِذَلِكَ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى.
      وَ قَدْ تَمَّ جَمْعُ الْجَوَامِعِ عِلْمًا، الْمُسْمِعِ كَلَامُهُ آذَانًا صُمًّا، الْآتِي مِنْ أَحَاسِنِ الْمَحَاسِنِ بِمَا يَنْظُرُهُ الْأَعْمَى، مَجْمُوعًا جَمُوعًا، وَ مَوْضُوعًا لَا مَقْطُوعًا فَضْلُهُ وَ لَا مَمْنُوعًا، وَ مَرْفُوعًا عَنْ هِمَمِ الزَّمَانِ مَدْفُوعًا؛ فَعَلَيْكَ بِحِفْظِ عِبَارَتِهِ..... اهـ.

      تعليق

      يعمل...