المذاهب الأكثر خطورة على المسلمين بين زمان المدرسة التجديدية وزماننا (وجهة نظر)

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد يوسف رشيد
    طالب علم
    • Sep 2003
    • 601

    #1

    المذاهب الأكثر خطورة على المسلمين بين زمان المدرسة التجديدية وزماننا (وجهة نظر)


    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين وبعد..
    فقد ذكر شيخ الإسلام مصطفى صبري رحمه الله ورضي عنه في موسوعته (موقف العلم والعقل والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين) أن دعاة الفكر الإلحادي في هذا الزمان - زمان شيخ الإسلام الذي ألف فيه موسوعته - لا يدانيهم في خطورتهم أحد ولا المبشرون (المنصرون) بالنصرانية.
    فقلت : لعل الحال تغير الآن، فالذي يظهر لي أن هذه المدرسة قد سقطت، وأنه حتى العوام من المسلمين صاروا يمجونها، بل صرنا نرى في زماننا دعوةعكسية تماما نرفضها كذلك كما رفضنا دعوة الماديين من قبل ومدرستهم المعروفة والتي تاثرت بالفلسفة المادية.

    إن الذي يظهر لي أن مصطلحات مثل (العلم الحديث) و (إثبات الدين بالعلم) ما صارت تلقى الرواج الذي كان على هذه الدرجة من الخطورة حين تكلم عليه شيخ الإسلام رضي الله عنه، فقد كان في أوجه، وكان فتنة للناس، وكان جديدا عليهم، في بيئة يهربون فيها بزعمهم من الجمود والتخلف، وفي بيئة انبهرت بما وصل إليه الغرب من تقدم وحريات ... إلخ مع ما كانت فيه الأقطار المصرية من التخلف العلمي (الحضاري الصناعي) والإداري. إن الواقع الذي يظهر الآن أن الناس (يرجعون) وتستهويهم مصطلحات أخرى وعبارات أخرى من جنس (هي هكذا) ( لا نفكر فيما يريده الله منا) (خذ بظاهر النصوص ولا تبحث عن العلل بل امتثل) ... إلخ تلك العبارات التي بعضها حق محض وبعضها باطل محض، وبعضها حق من وجه وباطل من وجه، وبعضها حق في سياق وباطل في سياق.

    بل حتى ظهر المجسمة بعبارة يتهمون بها أهل السنة فيقولون (إنهم يقدمون العقل على النقل) وهي عبارة باطلة لا تستقيم في أصلها فكيف يتصور تقديم الوسيلة على المحل المتوسل بها فيه! فلا مجال لأوجه التقديم والتأخير أصلا.. والشاهد أن الخطر الأكبر في عصرنا ليس هو الإلحاد وإن كان هو أعمق اثر على المستوى الرأسي.

    إن الإلحاد الآن يشهد انهزاما، فليس هو كما كان بمصر في عهد جمال عبد الناصر مثلا، ولا قبله بقليل، حين كانت الشيوعية تتبجح نظاما واعتقادا، وربما كان الوضع خارج مصر هو أشد وأنكى، ولكن - بحسب ما تتيحه لي وسائل الاتصال والإعلام - فليس الإلحاد بخطورة غيره من العقائد الآن. إن العالم - مسلمه وكافره - يشهد الآن صحوة دينية، على كافة مستويات المجتمعات البشرية، وهناك عودة عالمية لقضية الدين، ورغم الفساد المشوبة به تلك العودة، إلا أنه كاف في إزاحة الإلحاد عن مكانته التي أبرزه بها شيخ الإسلام مصطفى صبري رحمه الله.

    إننا نعاني الآن من مفسدات غير مفهمومة! حتى أنني أجد صعوبة في التعبير عنها أحيانا. وانظروا تلك العبارات:

    حينما ننقل مذهب إمام في تفسير نص نبوي مقررا حكم مسألة، فيقال لنا : ( لا تقدموا الرأي على النص)
    هذا كلام غير مفهوم!
    لأن القائل هنا قد قرر - من عند نفسه - أن الرأي المنقول عن الإمام هو رأي من التوارة أو الإنجيل أو من رأس ابن عمه، وأن النص يساوي قول القائل بلا منازعة!!
    والصحيح أن الرأي الذي يفسر به النص والمنقول عن الإمام يوضع في مقابله الرأي الآخر الذي يقول به هذا القائل (هذا تنزلا لبيان فصل الراي عن النص وبيان أصل المقارتة وانها بين المتساويات، وإلا فآراء هؤلاء لا توضع بإزاء آراء الائمة بحال، ولا بإزاء أتباع أتباعهم)


    قال لي أحدهم يوما لما عرف كوني حنفيا أزهريا - وهو عامي جاهل ولكنه يبرز الفكر المنتشر والمأخوذ عن رؤوسهم الجهال - :

    (ولكن طبعا أنت لا تقدم قول أحد على كلام النبي صلى الله عليه وسلم)

    هذا كلام غير مفهوم كذلك!
    وكان جوابي عليه هو : من قدم على كلام النبي صلى الله عليه وسلم كلام أحد آخر فهو كافر..
    ثم قلت له: يا رجل لا يمكن التخيير بين المذهب والسنة، فالمذهب هو وسيلة السنة، يعني أبو حنيفة يشرح لنا الحديث، وغيره يشرح نفس الحديث فيفهم منه حكما غير الحكم الذي فهمه ابو حنيفة..
    ثم زدت الشرح والتبسيط له أكثر فقلت: هل يصح أن أقول لك: هل الأفضل أن تعتمد هذه الأوراق من رئيس الجمهورية أم تعتمدها من وزارة العدل؟... السؤال خطأ أصلا، لأن اعتمادها من رئيس الجمهورية وسيلته أن تعتمدها من وزراة العدل وليس الثاني قسيما للأول.. فكذلك أنت تتبع السنة من خلال المذاهب الأربعة..

    وكذلك قال أحدهم لي عدة مرات - شارحا ومعترضا فكرة المذهبية ودراسة كتب أهل الفقه - :
    (الأمر حتى بالعقل من يدرسون الفقه بتلك المنهجية يكثرون من الوسائط بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم وكلما كثرت الوسائط زاد احتمال الخطأ وبعدت عن المعنى الأول)

    وهذا كذلك كلام لا يقوله العقلاء!

    لأن الوسائط على نوعين:

    وسائط مقربة ضرورية، ووسائط مبعدة تتجنب (ويتحدد نوع الوساطة بحسب طبيعة ما تتوسط فيه)

    ومن الوسائط المبعدة ما يكون من نقل الألفاظ في النصوص، حيث كلما زاد طول السند زاد احتمال الخطأ من النقلة حتى لو كانوا من الثقات، بخلاف السند العالي من الثقات حيث يقل فيه احتمال الخطأ.
    ومن الوسائط المقربة - بل الضرورية والمتحتمة - ما يكون لنقل الدين، ولا يستحب فيها الانقطاع بحال، بل لابد وأن تستمر ولو طالت، فلو انقطعت في حلقة واحدة سقط اعتبار كل من بعد هذه الحلقة ولو طالوا ومدوا، ومن ذلك الفقه في الدين، وأسانيد القراءات وما يمنح من الغجازات بتحمل القراءات ومطابقة الأداء، وهذا لا يكون إلا سماعا. فهل يقال إن الذين يتحملون القراءات يطيلون الوسائط بينهم وبين الله تعالى أو بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم؟!!

    وكذلك الفقه في الدين، يتلقاه اللاحق عن السابق والخالف عن السالف، ولا يضمن لنا الاتصال وعدم الشذوذ فيه إلا هذه السلسلة التي يعتبرها القائل مبعدة عن النبي صلى الله عليه وسلم! إذا تكون كل سلسلة في العلم مبعدة عن النبي صلى الله عليه وسلم ويكون الأنسب هو حذف هذه السلسلة ضمانا لعدم الخطأ!!!
    فليتصور هذا القائل - الذي لا تعجبه وسائط الفقهاء بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم - لو أنه حذف هذه الوسائط وقال سآخذ من كلام النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة ولن أعتمد هذه المذاهب التي تشرح هذه النصوص وتصلنا بصاحبها من خلال سلسلة سندية طويلة.. ليتصور لو فعل ذلك، كيف نثق في علمه وهو مبتور؟ سنقول له: ما مصدرك في هذا؟ هل تلقيته من مدرسة متسلسلة موروثة؟.. سيقول لا، فنقول: فأنت إمام كالأئمة الأربعة؟ سيقول لا، فنقول: لست مثل الاربعة ولم تتخرج من مدرسة سلفية لواحد منهم، فكيف نثق بقولك؟ بل كيف تثق أنت بقولك لتعمل به في نفسك؟!!


    هذه الكلمات التي وصمتها بكونها (غير مفهومة) يرددها كثير من الدعاة الآن ممن ضلوا طريق أهل السنة والجماعة، ورغم ذلك يرددها العوام من الناس ويتلقونها من هؤلاء دون أن تكون مفهومة لهم أصلا!!

    لذلك فإن أصحاب المدرسة الساقطة المنعوتة بالتجديدية هم يختلفون عن المبتدعة المعاصرين بكونهم يدركون مسبقا ما يقولون ونيتقلون إليه بعد قولهم، فلهم منهج ودراسة وتخطيط أثيم أو جهيل. بينما المبتدعة المجسمة من المعاصرين قد تناقضوا وفروا إلى حيث لا يعرفون مستقرهم، فقالوا لا نقدم العقل على النقل وهم لا يفهمون أن العقل وسيلة لا محالة من استعمالها في النقل، وكل قول يقولونه هو بالعقل، وكل دلالة يجابهون بها هي عقلية، فكانوا متناقضين لأنهم لم يفهموا ابتداء ما يقولون، وقالوا لا للمذهبية ولا لدراسة لطول الأسانيد بيننا وبين النبي صلى الله عليه وسلم ومن سلف ثم يتناقضون ويقولون: نحن سلفيون نقول الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح!! ثم يقولون في الفقه بارائهم المحضة بعيدا عن وسائط السلف لأنهم قد ألغوها.. فأين قولهم (بفهم السلف الصالح) وهم قد جعلوا فهم السلف الصالح قسيما مع النصوص النبوية الشريفة فإما أن تختار النصوص وإما أن تختار أقوال السلف التي لا يحل لك اتباعهالأنها ليست هي السنة النبوية؟!!

    فكلامهم غير مفهوم..

    وإن الخطورة تكمن في أن العوام كذلك صاروا يرددون كلام هؤلاء دون أن يفهموه كذلك، فيرددوا كلامهم فقط بدافع العودة الدينية ونبذ اللادينيات، حتى لو كان الرجوع إلى عبارات بشرية لا نفهمها ولكنها فقط تمثل اتجاها معاكسا لمرحلة لا دينية عشناها وذقنا مرارها، لذلك يشترك غير المسلمين مع المسلمين في هذا، الكل يعود إلى عالم غيبي بقطع النظر عن صحته وخطئه، ولعل ظهور التيارات المسيحية المتشددة في الولايات المتحدة الأمريكية - بلد العهر والانحلال والشذوذ - من أبرز الدلالات على تلك الصحوة العالمية.

    تلك وجهة نظر طرحتها لنقاش مشايخنا الأفاضل - وعلى رأسهم شيخي الفاضل الشيخ سعيد حفظه الله - ولا أجزم فيها بما قلت، وإنما هو بحسب ما ظهر لي. والله تعالى الموفق
يعمل...