كلمة في جريان مصطلح طغيان العقل

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد يوسف رشيد
    طالب علم
    • Sep 2003
    • 601

    #1

    كلمة في جريان مصطلح طغيان العقل


    بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسوله صلى الله عليه وسلم.. وبعد

    فلا أحصي ما سمعت وقرأت قديما مصطلح (طغيان العقل) وأنه - أي العقل - محدود بالملموسات والمحسوسات وأن قدراته محدودة لا تدرك ما فوقه مما لا سبيل له إلى إدراكه. وإن هذا الكلا سليم إلى حد كبير، ولكنه منقوص؛ ومناط نقصه هو عدم التفصيل بين إدراك العقل للغيبيات وبين شهوده لها. ومن هنا كنت أشعر بالحرج وأحيانا الخجل من (سلوك العرض) لقضية العقل، حيث يعرض عرضا منقوصا بحسن نية من العارض.

    إن المستمع إلى مصطلح (طغيان العقل) ليتصور وجود طاقة للعقل يمكنه بها أن يمر إلى مجال قد منع منه، ولكن أهل الحق يمنعونه من ذلك، لأنه ليس مما له حق فيه، وهذا - كما سبق وقلت - صحيح؛ ولكنه صحيح من حيث الشهود والتعرف على ماهيات الغيبيات، ولكن.. هل من يعرضون قضية طغيان العقل يريدون ذلك؟! إن مصطلح طغيان العقل في ذاته يوضح عدم تفهم وظيفة العقل، ويتبين ذلك مما أسطره حالا إن شاء الله تعالى.. ولكن المراد هو أن البعض يعرض هذه المسالة عرضا يزيد الطين بلة لدى المخاطبين الواقعين تحت وطأة التغريب والعلمنة، ويؤدي بهم إلى زيادة المفاهيم المغلوطة لديهم، بل يؤدي بهم إلى رفع معدل التمرد على من يدعون الإصلاح وإرجاع الناس إلى التسليم والاستسلام.

    إن العقل الإنساني يدرك ويعقل ويمنطق وجود غيبيات وعلى رأسها وجود الله تعالى والملأ الأعلى، فلا يحصر الوجود على الشهود والمادة كما هي الفلسفة المادية، حيث الوجود أعم من الشهود، وإن الغيبيات داخلة في إطار العقل من هذه الحيثية، أي من حيث إدراك وجودها بأدلتها العقلية المنطقية، وهو ما تأسس لنا فيها علم التوحيد (علم الكلام) على طريقة أهل السنة والجماعة، وأما من حيث الشهود والتعرف على الماهية فهنا يتوجه النفي للعقل. وهذا ما ينبغي أن يبين للناس.

    إن من أوجب الواجبات في زماننا أن نبين للناس (حيثيات) عمل العقل، وأن العقل لا يمكننا الانفلات عنه في أي من إدراكات الوجود، بل هو مناط الإيمان وحده أو مع الرسالة - يعرف التفصيل من مصنفات التوحيد - فالغيبيات يدركها العقل إدراكا يقينيا لا شك فيه، بل لا يصح الإيمان إلا لو آمن العقل إيمانا لا يتطرق إليه الشك، وطريق ذلك هو الإدراكات والأدلة العقلية المنطقية. ثم ندرك أن العقل ذاته يدرك عدم تمكنه من التعرف على ماهيات الغيبيات مع إيمانه بوجودها، بل مع إيمانه بقدر زائد هو (وجوب الوجود) في حق الله تعالى. فمن الخطأ إذا أن نتكلم على العقل ونرسم له حدودا نجعله بعدها عدوا للإنسان، فالعقل بوصفه عقلا هو لم يضاد هذه المساحات، بل أدركها إدراكا يقينيا، ثم هو - العقل نفسه - قد أدرك أنه لا يتحقق من ماهيات هذه الحقائق الغيبية، فلا نتعرف على حقيقة ذات الله، ولا نتعرف على ماهيات كثير من المغيبات التي يأتنا بها نص، فهذا أيضا مدرك بالعقل، فلما يسألني أحدهم قائلا: دعك من التسليم واخبرني بالعقل ما هي حقيقة الله؟ فيكون جوابي : (إنني بالعقل لا أدرك حقيقتها، وإنما أدركت وجودها، وكل هذا بالعقل).

    فكيف يتوجه هذا المصطلح (طغيان العقل) إذا؟ إن العقل - بذاته - لا تقبل ماهيته الطغيان، فهو كله حق في نفسه، وما سمي العقل عقلا إلا لأنه يعقل الإنسان كالعقال عما لا ينبغي اقترافه. فمن أين تأتي مادة الطغيان فيه؟ وهل الأمخاخ (الأدمغة) التي شذت عن العقل تراد معنا في الكلام المطلق على العقل؟
    هذا ما لا يمكن أن يقوله خص يفهم محل الكلام وما يراد بالعقل غذا أطلق، وأنه ليس هذا (النخاع) الذي في جماجم بعض السفهاء.

    وإن التفهم الصحيح لقضية العقل وعلاقته بالغيبيات هو الفيصل الواضح بيننا وبين النصارى في تخلفاتهم وغيبياتهم. وإن فهم هذه الحقيقة هو الذي يخول للمسلم أن يرد على استشكال يشكله عليه أحدهم في مناظرة لو استدل عليه بتسليمه بأمور هي فوق العقل فلماذا يلوم على النصارى تسليمهم بأمور هي فوق العقل ويجعلها من التخلف؟

    فنقول لعباد الخشبتين : ومن أين أتيتم بأن عقولنا لم تدرك غيبياتنا؟ إن عقولنا قد أدركت هذه الغيبيات؛ أدركت وجودها، وأدركت ما سمح به من صفاتها، وكان هذا القدر كافيا في التسليم بها، فهل وجدتمونا نتكلم عن حقيقة الله؟.. ولكننا نقر بوجود الله ونقر بصفات من صفات كماله سبحانه، ونؤمن بالملائكة، ولا نشهد حقائق كثيرة عنهم، ونقر بالملأ الأعلى، ولا نشهد جل حقائقه وماهياته.. فتصديقنا بالوجود نفسه وعلمنا اليقيني به مبني على العقل بناء تاما متينا يقينيا، ولا نجد حاجة بعدها في شيء من الماهيات لم يسمح بها.. أما أنتم أيها النصارى فنحن لا نسخر منكم لتسليمكم لما لا يدرك بالعقل وهو القدر الذي نشترك فيه - على فض أنكم لم تدخلوا الأساطير فيه - وإنما نسخر منكم لأن نفس تصديقكم بوجود غيبياتكم والتصديق بها ليس مبنيا على الإدراك العقلي كما هو عندنا، فنحن نعقل الغيب ونؤمن به بناء على عقلنا له ثم نكل أمر ماهيته فهو ما لا طاقة لنا به، وأنتم تلغون عقولكم أصلا في مرحلة مبكرة جدا وهي إدراك وجود هذه الغيبيات أصلا.

    فينبغي على الدعاة من أهل السنة أن يركزوا في دعوتهم للعوام للتركيز على هذه القضية، والأمر ليس باختيارنا الآن، ولا يمكننا عزل العوام عن هذه المسالة، فإنه قد قام غيرنا من العلمانيين، يرافقهم - بجهل - الغيورون من المسلمين حاسبين محاربتهم وهم لهم مآزرون من حيث لا يشعرون، قاموا بإقحام العوام والتلبيس عليهم، وإن العوام الآن يسالون أسئلة ما كنت أتوقع أن يسالوها، والفضل في هذا الشر يرجع لنشاط أعداء الدين، وجهل المتحمسين، عبر بيئة أصبحت قرية صغيرة لا يتصور معها العزل المكاني والسمعي والبصري للعوام عن مثل تلك المسائل المحددة وهو - أي العزل - الذي كان يحرص عليه أئمة أهل السنة.

    واخيرا، فجزى الله تعالى شيخ الإسلام مصطفى صبري حيث أوحى لي بكتابة ذلك المقال لما اعترض على وصف العقل بالطغيان من خلال موسوعته المعروفة.

    والحمد لله رب العالمين.
يعمل...