لقد أخذت هذه المقالة من موقع الشيخ عبد الله بن بية؛ و قد جعلتني أتوقف و أفكر، ثم رأيت أن أضع هذا المقال بين يدي المختصين ليروا إن كان قد خالف أهل السنة في هذا القول أم لا؟
و هل هو مخدوع في ابن تيمية؟ أم يقول بقوله؟
.... لقاء ليس كغيره من اللقاءات؛ نتحدث فيه عن - موضوع لا تَعْدُو عليه عوادي الزمان، ولا تُطاوله أحداث المكان،- موضوع العقيدة مقارنة مع الفقه، الفقه ثم العقيدة....
وهنا أتحدث عن الأشعري لا كآراء منقولة، ولكن كمدرسة كاملة. أنا اعتبر أنَّ الأشعري لا يمكن أن يختصر في كتبه؛ ولكن يمكن أن ينتشر في أتباعه؛ لأنَّ العلماء انتسبوا إلى الأشعري وفسروا مقالاته، وقدموا مدلولات ألفاظه. هذا هو الأشعري، وليس الأشعري هو ذلك الرجل الذي انتقل من الاعتزال إلى الظاهرية، ومن الظاهرية إلى الوسطية، أو من الوسطية إلى الظاهرية؛ حسب الرؤى المختلفة حول مسيرة الرجل.........
فحمل اللغة هذا أدى إلى إشكال كبير:
بين من تجاوز الألفاظ تجاوزاً واضحاً -وهنا أتحدث عن المعتزلة ومن لف لفهم- ولم يعتبرها أوعية للمعاني، بل اعتبر المعاني خارج الألفاظ؛ بناء على ما يراه من بناء عقلي وفلسفي كان مقبولاً في وقته.
وبين من تعامل مع الألفاظ تعاملا ظاهرياً فجاً- وبالتالي: جعلها لا تحتمل إلا هذا المعنى، وألغى ظلال اللفظ، وسياقاته ومساقاته، التي هي بمنزلة القيود وبمنزلة المخصصات. ليس من الشرط أنَّ يكون المخصص ظاهراً، أو يكون قيداً مذكوراً، وإنما قد يكون قرينة أو سياقا، فاعتبر السياق في قوله (قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ) لم يهتم بالسياق بالسلطان والملك والإحاطة والقدرة، وإنما اهتم فقط بيده. فإذا أخذت "يدا" وضعتها ولم تصلها بالآية، فقد أحدثت خللا كبيرا حتى في الفهم العربي، في فهم الإنسان حتى أي إنسان يمكن أن يفهمها كذلك. فهذه الظاهرية غلبت في وقت من الأوقات قد لا تكون اعتقاداً ولكن سدا للذريعة، ولأجل ذلك أنكر قوم المجاز بناء على هذا الفهم؛ لكن هؤلاء أيضا أولوا كما سنرى، فسنكون في تأويل مقابل تأويل.
كان من الطبيعي ومن البديهي أن تظهر منطقية مدرسة بين المدرستين لتحاول أن تقول من جهة هذه الظواهر لها وزنها، واللغة لها مدلولها، وأيضا العقل وما تقتضي المبادئ العامة التي هي ليست عقلا محضاً وإنما هي نقل وعقل أيضا وهذا مهم جدا ألا نرى في موقف الأشعري عقلا يقابل نقلا، وإنما هو جمع بين العقل والنقل، وإنما هو تغليب للكلى أحياناً مقابل الجزئي.....
لكن نجمت قضايا أخرى فيما يتعلق بالأوصاف الأخرى التي وردت في القرآن، فبعضهم وهم الأشاعرة أولوا تأويلا منسجما مع كل الآيات التي وردت، بحيث وضعوا قاعدة تأويل المحمل الواحد، وتأويل المحامل المختلفة مع أيضا قبول بل تحبيذ التفويض؛ لأن الأشاعرة يقولون أيضا بالتفويض، ولا يقولون بالتأويل فقط، وأن التأويل ضرورة لإيضاح ذلك لمن انحرف عن الطريق وزل عن الصواب...
فالأشاعرة قالوا: نؤولها كلها تأويلا مقارباً، تأويلا قريباً حتى تنسجم، ولا نحمل بعضها على البعض الآخر: وجهاً لذاتٍ واليدا بقوة وذا الإمام أيدا.
المسالة الثانية: والتي لا ترجع إلى دلالة الألفاظ هي مسالة التثبت والثبوت، وهذا أهم مقصد اختلف فيه الأشاعرة مع الأثريين ومع الظاهرية؛ هل لنطلق شيئاً على الله سبحانه و تعالى يجب أن يكون ثابتاً ثبوتاً خالصاً أي قطعياً ليس ظنياً؟ وبالتالي هذا فرق آخر بين الفقه الذي يُعمل فيه بالظنون قطعاً وبين العقائد التي لا يُعمل فيها إلا بالقطع، فوضعوا معيارين: معيار العقل الذي شهد له الشرع -إن الشرع أحالنا إلى العقل "أفلا تعقلون" يعنى ليس العقل معناه أن تستسلم للعقل دون أن نستشير الشارع هذا خطا آخر- فرجعوا إلى معيار العقل فيما يتعلق بانتفاء الاستحالة، ومسالة الجواز والوجوب؛ أي: أحكام العقل الثلاثة. وقالوا: يجب انتفاء الاستحالة. ورجعوا إلى معيار النقل فيما يتعلق بالثبوت تواتراً، وأنه إذا لم يثبت تواتراً فلا يمكن أن يكون في مجال العقائد. لماذا هذا المقصد؟ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ).
القائل الآخر يقول: ألغيتم الشريعة لا هذه هي آيات كلها في العقائد، وليست في الفقه ولا في الظنون. أما القضايا الفقهية، فلها حكمها، يعمل بها في حديث الآحاد. وقالوا: إن حديث الآحاد هو ظن بالضرورة "دخل النبي الكعبة ودخل معه أسامة وبلال، قال بلال صلى ركعتين، وقال أسامة لم يصل وإنما دعا في نواحيها. الزمان واحد والمكان واحد، والرجلان كلاهما ثقة، وحديثهما في الصحيح، أسامة قال: لم يصل شيئا وإنما دعى، بلال قال: صلى ركعتين. إذاً هناك غفلة وذهول وقع، وهذا طبيعي.......
إذاً نحن أمام من يقبل التأويل في آيات الصفات، وأمام من لا يقبله. وأمام من يقبل آحاد الأحاديث في آيات الصفات وأمام من لا يقبل ذلك. موقفان متقابلان. التأويل قطعا في كلام الله ثابت، النبي صلى الله عليه وسلم يقول عن الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي "يا ابن ادم مرضت فلم تعدني، فيقول: كيف أعودك وأنت رب العالمين، يقول مرض عبدي فلان".
هم يقولوا نقتصر على هذا، نقول لا. هذا كان تنبيهاً ونبراساً على أن ما ورد من هذا النوع يمكن أنْ يؤول؛ لأنه مجاز "أولكن لحاقاً بي أطولكن يدا"، كن يتطاولن حتى عرفن دلالة الحديث. فالتأويل ثابت في كلام الله، هل نفرق بين كلامه في العقائد وبين كلامه في الفقه؟ هل هناك ضرورة لهذا التفريق؟ الأشاعرة قالوا: لا ضرورة، هو كلام الله وكلام رسوله. والآخرون يقولون في ضرورة النطق على ذلك الظاهر: هي ظواهر عديدة هي ظواهر تقابل ظواهر. وهنا اذكر ما قاله الشيخ محمد المامي:
وإذا الظواهر عارضتك فلا تكن غرض الأسنة تتخذك نهابها
واصبر لها ذا نية وبصيرة إنْ كنت تُحسن في الوغى تلعابها
وامنع تسلطها بصولة قُلَّبٍ يحمى الحقائـق واغتنـم أسـلابها
فنحن نغتنم أسلاب الظواهر بالظواهر، ونعوذ بالله أن نقول على الله ما لم يقله.
فمسالة التثبيت -وهذا من أكبر المقاصد عند الأشاعرة- ترجع إلى حكمي العقل والنقل الثابت الذي يجب أن يكون تواترا، تواترا مبنيا على الحس أي على الرؤية أو السمع؛ لأنه ليس تواترا مبنيا على الاعتقاد، لأنه يؤدى إلى تصويب تلك الطوائف التي تواطأت وتواترت على الكذب، وهذا رد أيضا آخر.
ثم في هذا الدليل العقلي يجب أن يكون هذا الدليل العقلي مبنيا على القياس الكلي الشمولي، وليس مبنيا على القياس التمثيلي والاستقرائي.
هناك نزاع شديد يقول: قياس تمثيلي يمكن أن نحيله إلي شمولي، لكن لو أحلته إلى شمولي لفقد صورة القياس؛ لأنه في الأصل انتقالٌ من جزئي إلى جزئي، فستنتقل من جزئي إلى كلى لترجع وتنتقل به من كلى إلى جزئي. وهذا أوضحته لطلبتي بعد أن راجعت كلام شيخ الإسلام ابن تيمية مع كلام أبي حامد الغزالي رحمهما الله تعالى. فاشترطوا قياس البرهان الذي يقوم المقدمات المسلمة في المجال العقلي؛ لن يقبلوا في العقل إلا البرهان، لن يقبلوا إلا القياس الكلى، لن يقبلوا في النقل إلا المتواتر القطعي.
هنا يكون الفرق قويا بين هاتين المدرستين.
أخيرا أشير إلى أنَّ هناك ضوءًا من الاتفاق، وهو مسالة: "بلا كيف"؛ وإن كان الحمل على الظاهر أحيانا لا يحتمل بـ "لا كيف"؛ لأنه هو تفسير خلاص انتهى؛ لكن إذا قالوا: "يدٌ لا كالأيد"، و "وجه لا كالوجوه"؛ هنا هذا المنفذ يمكن أن نستغله في التقريب بين هاتين المدرستين اللتين تنتميان إلى نفس الشيوخ، إلى نفس العائلة السنية؛ لأنَّ أهل السنة من أثريين كما سماهم السفارينى...الأثريون والأشاعرة و الماتريدية كلهم أهل سنة؛ هذا الشعار ينبغي أن نرفعه، وأن نوضح ألا هؤلاء خرجوا عن الأثر، وألا هؤلاء أيضا احتقروا الأثر؛ بل الأثر هو للجميع، والنصوص القرآنية تؤيد جميع هذه الاتجاهات......
من محاضرة العلامة عبد الله بن بيه في مؤتمر "ابو الحسن الأشعري ..إمام اهل السنة والجماعة"؛ القاهرة- 2010
للنص الكامل:
و هل هو مخدوع في ابن تيمية؟ أم يقول بقوله؟
.... لقاء ليس كغيره من اللقاءات؛ نتحدث فيه عن - موضوع لا تَعْدُو عليه عوادي الزمان، ولا تُطاوله أحداث المكان،- موضوع العقيدة مقارنة مع الفقه، الفقه ثم العقيدة....
وهنا أتحدث عن الأشعري لا كآراء منقولة، ولكن كمدرسة كاملة. أنا اعتبر أنَّ الأشعري لا يمكن أن يختصر في كتبه؛ ولكن يمكن أن ينتشر في أتباعه؛ لأنَّ العلماء انتسبوا إلى الأشعري وفسروا مقالاته، وقدموا مدلولات ألفاظه. هذا هو الأشعري، وليس الأشعري هو ذلك الرجل الذي انتقل من الاعتزال إلى الظاهرية، ومن الظاهرية إلى الوسطية، أو من الوسطية إلى الظاهرية؛ حسب الرؤى المختلفة حول مسيرة الرجل.........
فحمل اللغة هذا أدى إلى إشكال كبير:
بين من تجاوز الألفاظ تجاوزاً واضحاً -وهنا أتحدث عن المعتزلة ومن لف لفهم- ولم يعتبرها أوعية للمعاني، بل اعتبر المعاني خارج الألفاظ؛ بناء على ما يراه من بناء عقلي وفلسفي كان مقبولاً في وقته.
وبين من تعامل مع الألفاظ تعاملا ظاهرياً فجاً- وبالتالي: جعلها لا تحتمل إلا هذا المعنى، وألغى ظلال اللفظ، وسياقاته ومساقاته، التي هي بمنزلة القيود وبمنزلة المخصصات. ليس من الشرط أنَّ يكون المخصص ظاهراً، أو يكون قيداً مذكوراً، وإنما قد يكون قرينة أو سياقا، فاعتبر السياق في قوله (قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ) لم يهتم بالسياق بالسلطان والملك والإحاطة والقدرة، وإنما اهتم فقط بيده. فإذا أخذت "يدا" وضعتها ولم تصلها بالآية، فقد أحدثت خللا كبيرا حتى في الفهم العربي، في فهم الإنسان حتى أي إنسان يمكن أن يفهمها كذلك. فهذه الظاهرية غلبت في وقت من الأوقات قد لا تكون اعتقاداً ولكن سدا للذريعة، ولأجل ذلك أنكر قوم المجاز بناء على هذا الفهم؛ لكن هؤلاء أيضا أولوا كما سنرى، فسنكون في تأويل مقابل تأويل.
كان من الطبيعي ومن البديهي أن تظهر منطقية مدرسة بين المدرستين لتحاول أن تقول من جهة هذه الظواهر لها وزنها، واللغة لها مدلولها، وأيضا العقل وما تقتضي المبادئ العامة التي هي ليست عقلا محضاً وإنما هي نقل وعقل أيضا وهذا مهم جدا ألا نرى في موقف الأشعري عقلا يقابل نقلا، وإنما هو جمع بين العقل والنقل، وإنما هو تغليب للكلى أحياناً مقابل الجزئي.....
لكن نجمت قضايا أخرى فيما يتعلق بالأوصاف الأخرى التي وردت في القرآن، فبعضهم وهم الأشاعرة أولوا تأويلا منسجما مع كل الآيات التي وردت، بحيث وضعوا قاعدة تأويل المحمل الواحد، وتأويل المحامل المختلفة مع أيضا قبول بل تحبيذ التفويض؛ لأن الأشاعرة يقولون أيضا بالتفويض، ولا يقولون بالتأويل فقط، وأن التأويل ضرورة لإيضاح ذلك لمن انحرف عن الطريق وزل عن الصواب...
فالأشاعرة قالوا: نؤولها كلها تأويلا مقارباً، تأويلا قريباً حتى تنسجم، ولا نحمل بعضها على البعض الآخر: وجهاً لذاتٍ واليدا بقوة وذا الإمام أيدا.
المسالة الثانية: والتي لا ترجع إلى دلالة الألفاظ هي مسالة التثبت والثبوت، وهذا أهم مقصد اختلف فيه الأشاعرة مع الأثريين ومع الظاهرية؛ هل لنطلق شيئاً على الله سبحانه و تعالى يجب أن يكون ثابتاً ثبوتاً خالصاً أي قطعياً ليس ظنياً؟ وبالتالي هذا فرق آخر بين الفقه الذي يُعمل فيه بالظنون قطعاً وبين العقائد التي لا يُعمل فيها إلا بالقطع، فوضعوا معيارين: معيار العقل الذي شهد له الشرع -إن الشرع أحالنا إلى العقل "أفلا تعقلون" يعنى ليس العقل معناه أن تستسلم للعقل دون أن نستشير الشارع هذا خطا آخر- فرجعوا إلى معيار العقل فيما يتعلق بانتفاء الاستحالة، ومسالة الجواز والوجوب؛ أي: أحكام العقل الثلاثة. وقالوا: يجب انتفاء الاستحالة. ورجعوا إلى معيار النقل فيما يتعلق بالثبوت تواتراً، وأنه إذا لم يثبت تواتراً فلا يمكن أن يكون في مجال العقائد. لماذا هذا المقصد؟ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ).
القائل الآخر يقول: ألغيتم الشريعة لا هذه هي آيات كلها في العقائد، وليست في الفقه ولا في الظنون. أما القضايا الفقهية، فلها حكمها، يعمل بها في حديث الآحاد. وقالوا: إن حديث الآحاد هو ظن بالضرورة "دخل النبي الكعبة ودخل معه أسامة وبلال، قال بلال صلى ركعتين، وقال أسامة لم يصل وإنما دعا في نواحيها. الزمان واحد والمكان واحد، والرجلان كلاهما ثقة، وحديثهما في الصحيح، أسامة قال: لم يصل شيئا وإنما دعى، بلال قال: صلى ركعتين. إذاً هناك غفلة وذهول وقع، وهذا طبيعي.......
إذاً نحن أمام من يقبل التأويل في آيات الصفات، وأمام من لا يقبله. وأمام من يقبل آحاد الأحاديث في آيات الصفات وأمام من لا يقبل ذلك. موقفان متقابلان. التأويل قطعا في كلام الله ثابت، النبي صلى الله عليه وسلم يقول عن الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي "يا ابن ادم مرضت فلم تعدني، فيقول: كيف أعودك وأنت رب العالمين، يقول مرض عبدي فلان".
هم يقولوا نقتصر على هذا، نقول لا. هذا كان تنبيهاً ونبراساً على أن ما ورد من هذا النوع يمكن أنْ يؤول؛ لأنه مجاز "أولكن لحاقاً بي أطولكن يدا"، كن يتطاولن حتى عرفن دلالة الحديث. فالتأويل ثابت في كلام الله، هل نفرق بين كلامه في العقائد وبين كلامه في الفقه؟ هل هناك ضرورة لهذا التفريق؟ الأشاعرة قالوا: لا ضرورة، هو كلام الله وكلام رسوله. والآخرون يقولون في ضرورة النطق على ذلك الظاهر: هي ظواهر عديدة هي ظواهر تقابل ظواهر. وهنا اذكر ما قاله الشيخ محمد المامي:
وإذا الظواهر عارضتك فلا تكن غرض الأسنة تتخذك نهابها
واصبر لها ذا نية وبصيرة إنْ كنت تُحسن في الوغى تلعابها
وامنع تسلطها بصولة قُلَّبٍ يحمى الحقائـق واغتنـم أسـلابها
فنحن نغتنم أسلاب الظواهر بالظواهر، ونعوذ بالله أن نقول على الله ما لم يقله.
فمسالة التثبيت -وهذا من أكبر المقاصد عند الأشاعرة- ترجع إلى حكمي العقل والنقل الثابت الذي يجب أن يكون تواترا، تواترا مبنيا على الحس أي على الرؤية أو السمع؛ لأنه ليس تواترا مبنيا على الاعتقاد، لأنه يؤدى إلى تصويب تلك الطوائف التي تواطأت وتواترت على الكذب، وهذا رد أيضا آخر.
ثم في هذا الدليل العقلي يجب أن يكون هذا الدليل العقلي مبنيا على القياس الكلي الشمولي، وليس مبنيا على القياس التمثيلي والاستقرائي.
هناك نزاع شديد يقول: قياس تمثيلي يمكن أن نحيله إلي شمولي، لكن لو أحلته إلى شمولي لفقد صورة القياس؛ لأنه في الأصل انتقالٌ من جزئي إلى جزئي، فستنتقل من جزئي إلى كلى لترجع وتنتقل به من كلى إلى جزئي. وهذا أوضحته لطلبتي بعد أن راجعت كلام شيخ الإسلام ابن تيمية مع كلام أبي حامد الغزالي رحمهما الله تعالى. فاشترطوا قياس البرهان الذي يقوم المقدمات المسلمة في المجال العقلي؛ لن يقبلوا في العقل إلا البرهان، لن يقبلوا إلا القياس الكلى، لن يقبلوا في النقل إلا المتواتر القطعي.
هنا يكون الفرق قويا بين هاتين المدرستين.
أخيرا أشير إلى أنَّ هناك ضوءًا من الاتفاق، وهو مسالة: "بلا كيف"؛ وإن كان الحمل على الظاهر أحيانا لا يحتمل بـ "لا كيف"؛ لأنه هو تفسير خلاص انتهى؛ لكن إذا قالوا: "يدٌ لا كالأيد"، و "وجه لا كالوجوه"؛ هنا هذا المنفذ يمكن أن نستغله في التقريب بين هاتين المدرستين اللتين تنتميان إلى نفس الشيوخ، إلى نفس العائلة السنية؛ لأنَّ أهل السنة من أثريين كما سماهم السفارينى...الأثريون والأشاعرة و الماتريدية كلهم أهل سنة؛ هذا الشعار ينبغي أن نرفعه، وأن نوضح ألا هؤلاء خرجوا عن الأثر، وألا هؤلاء أيضا احتقروا الأثر؛ بل الأثر هو للجميع، والنصوص القرآنية تؤيد جميع هذه الاتجاهات......
من محاضرة العلامة عبد الله بن بيه في مؤتمر "ابو الحسن الأشعري ..إمام اهل السنة والجماعة"؛ القاهرة- 2010
للنص الكامل:
تعليق