إشكال... إثبات استحالة الكذب على الله تعالى عند الأشاعرة

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبد الله جودة حسن
    طالب علم
    • Jan 2011
    • 159

    #1

    إشكال... إثبات استحالة الكذب على الله تعالى عند الأشاعرة

    قال الإمام صفي الدين الهندي في الرسالة التسعينية ما نصه:

    ((الكلام النفسي لا يتصور فيه الكذب، إلا على من يجوز عليه الجهل، والله تعالى يمتنع عليه الجهل، فيمتنع عليه الكذب، والمكتوب بين دفتي المصحف عبارة عن ذلك المعنى القائم بالنفس، فيمتنع فيه الكذب أيضاً لوجوب مطابقته له)).

    وبنحوه قال الإمام الغزالي في الاقتصاد


    إشكالاتي على هذا الكلام هي:

    * أولا: لقائل أن يقول: كيف تقيمون دليلا على أصل متنازع فيه أصلا ــ يعني الكلام النفسي ــ

    فما الجواب عن هذا؟؟


    * ثانيا: لماذا يجب أن يكون ما بين دفتي المصحف أو ما في اللوح المحفوظ مطابقا للمعنى القائم بالنفس ؟


    وسؤال أخير:

    هل توجد طريقة أخرى لإثبات استحالة الكذب عليه سبحانه عند السادة الأشاعرة ؟
  • محمدأكرم عبدالكريم أبوغوش
    مـشـــرف
    • Jun 2006
    • 3723

    #2
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

    أخي عبد الله،

    سؤالك:
    * أولا: لقائل أن يقول: كيف تقيمون دليلا على أصل متنازع فيه أصلا ــ يعني الكلام النفسي؟

    فإن كنت تسأل عن عين استدلالنا على كونه تعالى متكلِّماً بكلام ليس بحرف ولا صوت، وأنَّه قديم...... فذا تجده في الكتب فلا حاجة إلى إعادته.

    وإن كنت تريد جواباً عن جزئيَّة منه فوضِّح.

    سؤالك:
    * ثانيا: لماذا يجب أن يكون ما بين دفتي المصحف أو ما في اللوح المحفوظ مطابقا للمعنى القائم بالنفس ؟

    فإنَّه إذ قامت المعجزة على صدق كون هذا الكلام من عند الله تعالى فالمسألة ترجع إلى نفس تجويز الكذب عليه تعالى أو لا.

    أي إنَّا باليقين عرفنا أنَّ ما جاء به سيِّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم تسليماً ليس هو مبدئُه، إذ وجود المعجزة المرافقة دلالة على إسناد هذا الكلام لله تعالى.

    فالحاصل أنَّ كلامه تعالى ثبوته في مرتبتين:

    الأولى: ثبوت أنَّ منشأ -أي وصول الدَّلالة إلينا منعاً لتوهُّم القول بخلق القرآن الكريم- الكلام منه تعالى.

    الثَّانية: كون ما كان كلاماً له سبحانه وتعالى صدقاً في ذاته لكون متعلِّقاً بما تعلَّق به العلم.

    وإذ ثبت صحَّة المرتبة الأولى بوجود المعجزة، والثَّانية بأنَّ حقيقة الكلام هو الدَّلالة، والدَّلالة لا تكون إلا على مدلول هو معلوم صحَّت النَّتيجة بأنَّ ما في المصحف الشَّريف لا يكون إلا كلامه تعالى الصَّادق.

    سؤآلك:
    هل توجد طريقة أخرى لإثبات استحالة الكذب عليه سبحانه عند السادة الأشاعرة ؟

    ربما صحَّ أن أقول إنَّ هناك وجهاً آخر لنفس الدَّليل...

    فإنَّ للمستدلِّ أن يقول إنَّه قد ثبت كون الكلام ليس كلام بشر...

    فهو من الله تعالى...

    ففعليَّة كونه من الله تعالى تعني فعليَّة أنَّ الله تعالى آمرنا بالإيمان والواجبات ناهينا عن الكفر والقبائح...

    وإذ ثبت أنَّ الآمر هو الله تعالى فالحاصل بالفعل كوننا مأمورين.

    فهذا نفس معنى أن نقول إنَّ كوننا مأمورين صادق.

    وهو المطلوب.

    فلربما صحَّ هذا الوجه، والله أعلى وأعلم.

    والسلام عليكم...


    الثقة بالأمر


    المعتزلة الكذب للأصلح
    فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

    تعليق

    • محمدأكرم عبدالكريم أبوغوش
      مـشـــرف
      • Jun 2006
      • 3723

      #3
      السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

      أخي عبد الله،

      شغلني ما سألت عن عبارة الإمام الصَّفيِّ رحمه الله ورضي عنه...

      فإنَّ قوله مرتَّب بحيث أنَّ من أدرك الشِّقَّ الأوَّل منه صحَّ عنده ما بعده...

      فكأنَّه يقول:

      الكلام هو الدَّلالة على المعلوم لله تعالى...

      والله تعالى بكلِّ شيء عليم...

      إذن: كلُّ ما يتعلَّق به الكلام هو معلوم.

      فلا جهل...

      فلا كذب.

      ثمَّ إنَّه مَن أدرك صدق كون ما في المصحف مسنداً إليه تعالى فهو مستند إلى ما هو متعلِّق بما هو معلوم لله تعالى.

      فهو واجب المطابقة.

      فانظر إلى ترتيب الإمام كثيرَ العبارات بكُلَيْمات!

      وشكراً على النَّقل.

      والسلام عليكم...
      فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

      تعليق

      • عبد الله جودة حسن
        طالب علم
        • Jan 2011
        • 159

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة محمدأكرم عبدالكريم أبوغوش

        ثمَّ إنَّه مَن أدرك صدق كون ما في المصحف مسنداً إليه تعالى فهو مستند إلى ما هو متعلِّق بما هو معلوم لله تعالى.

        فهو واجب المطابقة.
        هذا هو محل الإشكال عندي

        ما وجه وجوب كون الألفاظ التي يوحيها الله لأنبيائه دالة على متعلقات الصفة القديمة؟؟

        تعليق

        • محمدأكرم عبدالكريم أبوغوش
          مـشـــرف
          • Jun 2006
          • 3723

          #5
          السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

          أخي عبد الله...

          ثبوت كونه مستنداً إلى الله تعالى بالمعجزة يعني ثبوت أنَّه كلام الله تعالى!

          وإذ انحصر أنَّ ما كان كلامه تعالى فهو متعلِّق بما تعلَّق به العلم فما ثبت استناده إليه تعالى ثبت أنَّه من المحصور.

          والسلام عليكم...
          فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

          تعليق

          • عبد الله جودة حسن
            طالب علم
            • Jan 2011
            • 159

            #6
            ما أعرفه هو أن المعجزة تقوم مقام قول الله تعالى لمدعي الرسالة: أنت رسولي

            وفقط

            وعليه فالمعجزة دليل صدق الرسول

            هذه قضية

            ولكن ما دليل صدق الكلام المنزل على الرسول بمعنى كونه مطابقا لما دلت عليه الصفة القديمة؟؟

            فهذه قضية أخرى

            السؤال بشكل الآخر

            ما وجه استحالة أن يخلق الله كلاما لفظيا مخالفا للكلام النفسي؟؟؟

            تعليق

            • سامح يوسف
              طالب علم
              • Aug 2003
              • 944

              #7
              السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

              أخي عبد الله جودة

              جزاك الله خيرا على طرح هذا الاستشكال لأن بعض الطلبة يظنون أن تنزيه الرب جل جلاله عن الكذب لا يتم إلا على القول بالتحسين والتقبيح العقليين الذي لا يقول به الأشاعرة فهم إذن متناقضون .

              ولا يخفى على مطلع أن هذا الكلام مفروغ من تحقيقه منذ قرون مديدة ، لكن أين من يقرأ ثم ينصف ؟!

              قال العلامة كمال الدين بن أبي شريف في المسامرة نقلا عن المولى سعد الدين التفتازاني ما نصه :

              " لا خلاف بين الأشعرية وغيرهم في أن كل ما كان وصف نقص في حق العباد ، فالباري تعالى منزه عنه وهو محال عليه تعالى ، والكذب وصف نقص في حق العباد

              فإن قيل : لا نسلم إنه وصف نقص في حق العباد مطلقا لأنه قد يحسن بل قد يجب في الإخبار لسائل عن موضع رجل معصوم يقصد قتله عدوانا

              قلنا : لا خفاء في أن الكذب وصف نقص عند العقلاء و خروجه لعارض الحاجة للعاجز عن الدفع إلا به لا يصح فرضه في حق ذي القدرة الكاملة الغني مطلقا سبحانه ؛ فقد تم كون الكذب وصف نقص بالنسبة إلى جناب قدسه تعالى فهو مستحيل في حقه عز وجل " اهـ


              أقول : إذن فالمسألة ليست مخرجة على التقبيح العقلي كما يظن البعض بل هى مخرجة على قاعدة " أن كل وصف نقص في حق العباد فالله عز وجل منزه عنه"

              فيركب الدليل هكذا

              الكذب في حق العباد وصف نقص واستحسان الكذب حيث لا يمكن الدفع إلا به لا ينفي عنه وصف النقص ؛فالكذب في حق العباد وصف نقص

              وكل وصف نقص في حق العباد فالله عز وجل منزه عنه

              ينتج :

              أن الله عز وجل منزه عن الكذب


              والله ولي التوفيق

              تعليق

              • نصر الدين خمسي محمد
                طالب علم
                • Mar 2010
                • 167

                #8
                السلام عليكم
                للموضوع تعلق بما كتب هنا

                http://www.aslein.net/showthread.php?t=12433

                ابتداء من المشاركة 13.
                وفقكم المولى.
                حجبته أسرار الجلال فدونه تقف الظنون وتخرس الافواه
                صمد بلا كــــــفء ولا كيفية أبدا فما النظـــراء والاشباه

                تعليق

                • محمدأكرم عبدالكريم أبوغوش
                  مـشـــرف
                  • Jun 2006
                  • 3723

                  #9
                  السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

                  أخي عبد الله،

                  أراك تظنُّ أنِّي لم أجب عن هذه الجزئيَّة بالضَّبط فيما سبق من كلامي...

                  وما كان كلامي إلا على هذه الجزئيَّة.

                  لكنِّي أطلب من كالنَّظر إلى نفس الجزئيَّة من تلك الطَّريق.

                  قلتَ:
                  "ما أعرفه هو أن المعجزة تقوم مقام قول الله تعالى لمدعي الرسالة: أنت رسولي وفقط".

                  فبهذا يكون قد ثبت عندنا أنَّ "تصديق الرَّسول صلى الله عليه وسلَّم" قد ثبتت نسبته إلى الله تعالى

                  ثمَّ سؤالك:
                  "ولكن ما دليل صدق الكلام المنزل على الرسول بمعنى كونه مطابقا لما دلت عليه الصفة القديمة"؟؟

                  فجوابه ما سبق من أنَّه لمَّا ثبت كونه (كلاماً) لله تعالى، وكلُّ كلام فمتعلِّق بما تعلَّق به العلم، فكذا هنا.

                  فالإشكال عندك أظنُّ أنَّه:

                  ثبت التَّصديق، فكيف نعلم أنَّ هذا التَّصديق من متعلَّقات صفة الكلام.

                  فالجواب بأنَّه لمَّا ثبت أنَّ كلَّ كلام لله تعالى فهو متعلَّق لصفة الكلام، وهذا بعضه، فإذن: هذا التَّصديق من متعلَّقات الصِّفة.

                  السُّؤال:
                  ما وجه استحالة أن يخلق الله كلاما لفظيا مخالفا للكلام النفسي؟؟؟

                  فوجه الاستحالة بأنَّه إن كان قد ثبت كون الكلام اللَّفظيِّ منتسباً إلى الله تعالى على أنَّه قولُه تعالى فلا يكون إلا متعلَّقاً لصفة الكلام!

                  والسلام عليكم...
                  فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

                  تعليق

                  • نصر الدين خمسي محمد
                    طالب علم
                    • Mar 2010
                    • 167

                    #10
                    وهذا ملخص كلام الشيخ الفاضل بلال النجار
                    في الموضوع السابق
                    فإن أيّ خبر لفظي حتّى أخبار القرآن الكريم فبالنظر إلى ذاتها أي من حيث هي مخلوقة من جهة
                    أو أخبار من جهة أخرى بقطع النظر عن أي شيء آخر
                    فهي ممكنة مخلوقة وهي أيضاً محتملة للصدق والكذب.
                    ولكنها بملاحظة أمر آخر كمثل أنه أخبر بصدقها من وجب صدقه عقلاً فلا يتطرّق احتمال الكذب إليها (تأمل).
                    وكذا بالنظر إلى ملاحظة أنها عبارة عن الكلام النفسيّ القديم الذي يستحيل فيه الكذب أو متنزلة منزلته وأن معناه مطابق لمعناه فيستحيل أن يكون كذباً. (وهو عمدة الأدلة).
                    حجبته أسرار الجلال فدونه تقف الظنون وتخرس الافواه
                    صمد بلا كــــــفء ولا كيفية أبدا فما النظـــراء والاشباه

                    تعليق

                    • هاني علي الرضا
                      طالب علم
                      • Sep 2004
                      • 1190

                      #11
                      الاستدلال على هذه المسألة فرع عن ثبوت أمور :
                      1/ أولها ثبوت نبوة النبي بشاهد المعجزة الدالة على صدقه في كل ما يخبر به عن ربه ، فإن المعجزة تقوم مقام قوله : صدق عبدي فيما ادعاه .
                      2/ فإن ثبتت نبوة النبي وكان من جملة ما أخبر به النبي أنه مبلغ عن ربه فوجب تصديقه فيما يبلغ عن ربه .
                      3/ فإن صدقناه فيما بلغ عن ربه وكان فيما بلغنا عن ربه أنه يبلغنا كلامه صدقنا أن ما بلغنا به هو كلام الله ، {حتى يسمع كلام الله} .
                      4/ فإن ثبت أن القرآن كلام الله فيقع البحث هنا في ثبوت صفة الكلام زائدة على الذات من عدمه :
                      فمن لم يثبت صفة الكلام زائدة على الذات انسد عليه باب اثبات استحالة الكذب على الله إلا باتحسين والتقبيح العقليين .
                      ومن أثبت صفة الكلام أزلية قديمة زائدة على الذات تيسر له اثبات استحالة الكذب على الله تعالى ، وذلك أن يقال أنه لما ثبت لله كلام قديم يقوم بذاته وكان كلامه دالا على معلوماته فإنه لا يكون كلامه القديم إلا دالا على معلومات الله متعلقا بها تعلق دلالة أزلا ، فمن هذه الحيثية لا يتصور الكذب في الكلام القديم لأن الكذب اخبار بخلاف الواقع والكلام القديم متعلق بالمعلومات فلو اخبر بخلاف الواقع كان مخبرا بخلاف المعلوم فكان متعلقا لا بالمعلوم وإنما بخلافه وخلافه جهل يستحيل على الله تعالى لأنه متى صلحت الصفة للتعلق بشيء وجب تعميم تعلقها بالجميع .
                      فإن ثبت ذلك فما النظم واللفظ إلا عبارة عن بعض مدلولات الكلام النفسي وهو لا يتصور فيه الكذب لما تقدم فلا يكون في النظم اللفظ كذب وإلا عاد بالكذب على الكلام النفسي العائد بالجهل على العلم وهو محال .

                      وللمعترض أن يقول : ما يمنع أن يخلق الله لفظا لا يدل على بعض مدلولات الكلام القديم فيجوز فيه الكذب ؟!
                      والجواب : أن ذلك غير ممكن لأنه قال عن النظم أنه كله كلام الله ، وصدقنا الرسول فيما قاله وما بلغه لدلالة المعجزة على صدقه فامتنع أن يكون شيء من النظم ليس من كلام الله باعتبار دلالته على بعض مدلولات الكلام القديم .

                      فجواب سؤال السائل :
                      أولا: لقائل أن يقول: كيف تقيمون دليلا على أصل متنازع فيه أصلا ــ يعني الكلام النفسي ــ

                      فما الجواب عن هذا؟؟
                      أن يقال : يعود الكلا مع المخالف إلى اثبات الكلام القديم أولا ، فإن ساعد فقد تم الدست وإلا لا معنى لبحث استحالة الكذب وهو لم يسلم أصل الكلام بعد .

                      وهذا المخالف لا يتصور ان يكون من المعتزلة القائلين بحدوث الكلام لا في ذات الله أو الكرامية القائلين بحدوثه في ذات الله فإن كلا منهما لا يقول بجواز الكذب على الله تعالى !!
                      فهو لا يخرج عن أن يكون ملحدا فينتقل في الكلام معه إلى اثبات وجود الله ابتداء ثم نبوة الأنبياء ثم يبنى على ذلك .
                      أو هو م الفلاسفة القائلين أن فيما أخبر به الله تعالى وكذا رسوله الناس تمويهات وتصويرات لا حقيقة لها خاصة فيما يختص بالغيبيات والمعاد والجزاء لحمل الناس على ما هو خير لهم وتنتظم به حياتهم وإن لم يكن له حقيقة ، فهؤلاء يناقشون في ثبوت الوحي ومعنى النبوة وتبليغ الأنبياء كلام الله ، ثم ينتقل إلى إثبات الكلام القديم وهكذا يتم الاستدلال عليهم .

                      فالحاصل أن القفز إلى اثبات استحالة الكذب في خبر الله قبل إثبات وجوده والنبوة والكلام وقدمه تقديم للفرع على الأصل وللعربة على الحصان فلا يستقيم ولا يصح ، وما عن هؤلاء كان يتكلم الأرموي ولا إياهم عنى فيما أحسب .

                      والله الموفق .
                      صل يا قديم الذات عدد الحوادث .. على المصطفى المعصوم سيد كل حادث

                      تعليق

                      • هاني علي الرضا
                        طالب علم
                        • Sep 2004
                        • 1190

                        #12
                        سيدي الشيخ سامح

                        ما تفضلتم بنقله يظهر لي من النظر فيه أنه حجة إقناعية لا عقلية قطعية ، فإنه ليس بالضرورة أن يكون كذب الكاذب الحميد ناجما عن عجز في الكاذب بل ربما يكون ناتجا عن عجز وقصور في المكذوب عليه فيكذب رحمة به ورأفة ، ومثاله ما قالته الفلاسفة من أن م جاء على لسان الرسل من أمور المعاد والجنة والنار محض تصاوير ومجازات لا حقائق لها وأنه إنما سيقت لأجل ما فيه مصلحة العوام لأنهم لا يفهمون إلا ما كان محسوسا لهم ، فخاطبهم وشبه لهم بالمحسوس المشهود لهم ليعقلوه ليحملهم على الخير وينأى بهم عن الشر وإن كان ما أخبرهم به لا حقيقة له ، وتجد في كلام ابن رشد الكثير من هذا وأن الشرع سار بالعوام هذا المسير لما أنه الأنسب للجمهور وأنهم لا تحتمل عقولهم التصريح بعلم العلماء والخواص فكانت طريقة الشرع هي المناسبة للجمهور من حيث عجزهم .

                        فهذا يعود بالنقض على ما تفضلتم بنقله ، فإن الكذب لا يدل على النقص مطلقا بل في بعض الأحيان قد يدل على الكمال والرأفة بالمكذوب عليه .

                        وفي الحقيقة بعد التأمل : لا أجد كثير فرق بين قول من نقلتم عنه "إن الكذب وصف نقص عند كل العقلاء" وبين من يقول إن الكذب قبيح عقلا ؟؟

                        فما وجه الفرق بين الإثنين ووصف النقص = القبح عند التأمل ، فإن القائلين بالتقبيح العقلي قائلون به بمعنى أن العقل يستقل بمعرفة قبحه واستحقاق العقاب عليه عاجلا وآجلا فيحكم بمنعه وحرمته وما كان كذلك فهو مما ينقص ولا يليق بالكامل لأن نقصان الكامل عن كماله قبيح .
                        إن كان النقص المساوي للقبيح لما أنه ينقص من كمال الكامل مما يدركه العقلاء بعقولهم كما في نقلكم فهو عين القول بالتقبيح العقلي عند التأمل مع اختلاف العبارة لا أكثر فيما يظهر لي .

                        إلا أن يقال أن وقوع الوصف بالنقص عقلا لا يستلزم المجازاة بالعقوبة عاجلا أو آجلا فلا يكون توصل العقل إلى جهة نقص في أمر ما مساويا للقول بالتقبيح العقلي لما أنا لم نقل بترتب العقوبة على ذلك النقص !
                        فكل قبيح نقص ولكن ليس كل نقص قبيح .

                        ولكن حتى على هذا ينبغي أن يبين وجه النقص الذي يدركه العقل في الكذب ، فإن نسبة ادراك النقص إلى العقل تعني استواء الجميع فيه ، وهو غير مسلم بل لقائل أن يزعم أن منشأ تصور النقص العوائد والإلف لا أكثر وقد ينشأ الإنسان في محل يمجد الكذب فينقلب عنده كمالا لا نقصا ، وقد يقال كما تقدم من لازم قول الفلاسفة أن الكذب يكون لمصلحة المكذوب عليه لا لعجز الكاذب فيكون كمالا ورأفة ورحمة ، فيحتاج منه أن يفحص عن جهة حكم العقل بكونه نقصا .

                        على أن كل هذا مبني على قياس الغائب على الشاهد ، ولست أراه مندرجا لا في الشرط العقلي ولا الحقيقة ولا العلة حتى نصححه ، فالاستدلال بمثل هذا مشكل على قواعدنا وفق ما فهمت .

                        والله الموفق .
                        صل يا قديم الذات عدد الحوادث .. على المصطفى المعصوم سيد كل حادث

                        تعليق

                        • نصر الدين خمسي محمد
                          طالب علم
                          • Mar 2010
                          • 167

                          #13
                          سيدي هاني بالنسبة لمشاركتك الاولى
                          تقول
                          وهذا المخالف لا يتصور ان يكون من المعتزلة القائلين بحدوث الكلام لا في ذات الله أو الكرامية القائلين بحدوثه في ذات الله فإن كلا منهما لا يقول بجواز الكذب على الله تعالى !!
                          أقول
                          بل الحاصل للآسف أن الكرامية الجدد أعني الوهابية هم من يثيرون هذا الموضوع
                          انتصارا منهم للتحسين العقلي الذي تبنىاه ابن تيمية ونفاه أهل السنة
                          وردا على أهل السنة إثباتهم الكلام النفسي.

                          أما مشاركتكم الثانية فكانت حول ماتفضل به الاخ الفاضل سامح يوسف
                          وهو تكلم في إطار إثبات صدق الكلام النفسي من حيث هو صفة وليس صدق اللفظي الذي هو فعل
                          ودليله أن الكذب نقص هو نفس دليل الامام الهندي في الرسالة التسعينية
                          "المسألة الثانية والخمسون
                          في أن كلام الله تعالى صدق
                          يمتنع أن يكون شيء من وعده ووعيده وسائر إخباراته كذباً

                          خلافاً لبعض الناس في وعيده.

                          لنا: أنه لو لم يكن صدقاً لكان كذباً، والكذب نقص، وهو على الله تعالى محال.
                          "

                          وقد علق الشيخ سعيد فودة حفظه الله على الكلام حول مسألة نفي النقص عن الله وعلاقته بالتحسين والتقبيح العقلي فقال
                          "وما معنى أن العقل يحيل الكذب على الله تعالى إلا أن يكون مثبتا الصدق كمالا له تعالى من حيث إنه متصف بصفة الكلام وهي كمال له، وهي متعلق بالأشياء على ما هي عليه، وهذا أصل منشأ استحالة الكذب عليه جل شأنه. فكلامه صفة له، والكذب والصدق صفات للأخبار، وهي راجعة لكلامه.
                          فكون الكذب قبيحا عقلا لا مدخلية له بنفي الاشاعرة للقبح والحسن العقليين كما ربما يتوهم، فإن القبح والكذب العقليين المنفيين هما اللذان يترتب عليهما المدح والذم من حيث الفعل لا من حيث الذات والصفة، وإلا لما أمكن إثبات صفة لله تعالى مطلقا بالاعتماد على أنها كمال لله تعالى. ولكن العلماء يستدلون على إثبات صفات الله تعالى بأنها كمال لله تعالى، ويرتبون على ذلك أنها واجبة له، وهي حسنة عقلا بلا ريب، وإثباتها لله تعالى حسن عقلا، وضدها وأضدادها قبيحة عقلا، بمعنى أنه يستحيل عقلا إثباتها لله كما وجب عقلا إثبات الكمالات لله تعالى.
                          وهذا الأمر راجع إلى إجماع أهل السنة مع غيرهم على أن الحسن والقبح بمعنى الكمال والنقص كالعلم والجهل عقليان لا خلاف في ذلك.
                          فيصير مرجع الكلام إلى أن العقل يستقبح إثبات الكذب لله تعالى، ويستحسن إثبات الصدق له جلَّ شأنه، من حيث إن الأول صفة نقص والثاني صفة كمال. والله تعالى إذا اتصف بصفة كمال كالقدرة، فيقبح عقلاً إثبات صفة نقص لها هي ضدها كالعجز.
                          فينبغي التفريق بين القبح العقلي بالمعنى المختلف فيه، وما نحن فيه هنا.
                          "

                          والله تعالى أعلى وأعلم.
                          حجبته أسرار الجلال فدونه تقف الظنون وتخرس الافواه
                          صمد بلا كــــــفء ولا كيفية أبدا فما النظـــراء والاشباه

                          تعليق

                          • هاني علي الرضا
                            طالب علم
                            • Sep 2004
                            • 1190

                            #14
                            أخي الفاضل عزيز

                            قرأت ما تفضلت بنقله ، ولا أستطيع أن أقول إن الإشكال زال من عندي ، فكلامك يشكل عليه أمور :

                            1/ إن ما تفضل الأخ سامح بنقله يترقى من تقرير الكذب نقصا في الشاهد إلى تقريره نقصا في الغائب ليتوصل به إلى منعه ، فعلى هذا فهو يتكلم عن الكذب في الشاهد ثم يقيس عليه ذلك في الغائب ، ونحن في الشاهد لا نعد نقصا أن يتكلم الإنسان بالكذب في نفسه ما لم يتفوه به ، فالنقص والقبح صفة للمتفوه به - الكلام الفعلي - لا للقائم بالنفس وإلا حاسبنا الله على ما نحدث به أنفسنا ، فعليه يبقى الإشكال متوجها إلا على ما حملته عليه لاحقا من ان كل قبيح نقص ولكن ليس كل نقص قبح ، ثم يشكل على هذا وجه قياس الغائب على الشاهد فيه وأنه إن كان الكذب لمصلحة المكذوب ربما يكون كمالا لا نقصا وقد تقدم .

                            2/ هل الكذب في نفسه هو النقص أو ما يعرض له يجعله نقصا من عدمه ، فإن كان الكذب في نفسه نقصا لما جاز بل وطلب في الشرع أحيانا الاتيان به وإلا كان الله راضيا بالنقائص محبا لها ولا يقول به أحد ، وإن كان لما يعرض له من العوارض عاد الإشكال في الاستدلال بكونه نقصا على منعه عن الله سبحانه .
                            ولا بد من ملاحظة أن طريقة منع لكذب بإثبات كونه نقصا تستند أساسا على قياس الغائب على الشاهد وأن الكب نقص في الشاهد فينزه الله عنه ، وقد بطل أن يكون نقصا على الدوام في الشاهد فلا يجعل كذلك في الغائب إن فرضنا صحة القياس .

                            3/ يلزم إقامة الدليل على أن الكذب قبيح لذاته وإن اعتمل في النفس ولم يصرح به صاحبه ليترتب عليه العقاب ، فإني حتى الساعة لا يظهر لي وجه القبح أو النقص فيه عقلا ما دام مما لم يبح به الإنسان وهو ما عليه القياس الذي يراد به منع الكذب عنه سبحانه ، فإنه لو كان قبيحا لذاته لما تردد العقل بالحكم به ولو كان مما يعتمل في النفس كما هو الحسد أو الحقد مثلا ولكنا مؤاخذينومعاقبين عليه في الشرع كما الحسد والحقد .

                            4/ إنما استحال الجهل عليه سبحانه لأنه يترتب عليه مستحيل وهو عدم العالم لأنه يعني أن بعض المعلومات انكشف لعلمه وبعضها لم ينكشف ومر معنا ان الصفة متى صلحت للتعلق وجب تعميم تعلقاتها ، فيكون ما لم ينكشف بالعلم خارجا عن ذلك العموم في تعلق العلم بكل معلوم على ما هو به وبالتالي يحتاج إلى مخصص وإلا كان تخصيصا بلا مخصص وهو محال ، فإن احتاج إلى مخصص دل على حدوث الله تعالى وهو يؤدي إلى عدم العالم ولكن العالم موجود بشهادةالحس فما أدى إليه محال .
                            فمتى كان الكذب مؤديا إلى نسبة الجهل إليه سبحانه صار مستحيلا من هذه الطريق وهي لا تتم إلا بالتسليم بالكلام القديم كما تقدم ، فالكذب محال لأنه يؤدي إلى محال كما ظهر .
                            هذه هي الطريق التي يظهر لي صوابها وخلوها من الإيرادات في ذا الشأن .
                            أما منعه بطريق أن الكمال يقتضي صدقه ومنع كذبه فلا يظهر لي كماله إذ لمانع أن يمنع كون الكذب نقصا على الدوام ، ويحتاج القول بقبحه ونقصه لذاته لا لعوارضه تدليلا ، ثم بعد ذلك يحتاج بيان وجه قياس الغائب على الشاهد فيه ولا يظهر لي حتى الساعة .

                            وسأسعد جدا ببيان حل هذا الإشكال إذ أكون عندها قد ازدت برهانا آخر على المراد .

                            والله الموفق .
                            صل يا قديم الذات عدد الحوادث .. على المصطفى المعصوم سيد كل حادث

                            تعليق

                            • عبد الله جودة حسن
                              طالب علم
                              • Jan 2011
                              • 159

                              #15
                              المشاركة الأصلية بواسطة هاني علي الرضا
                              وللمعترض أن يقول : ما يمنع أن يخلق الله لفظا لا يدل على بعض مدلولات الكلام القديم فيجوز فيه الكذب ؟!
                              والجواب : أن ذلك غير ممكن لأنه قال عن النظم أنه كله كلام الله ، وصدقنا الرسول فيما قاله وما بلغه لدلالة المعجزة على صدقه فامتنع أن يكون شيء من النظم ليس من كلام الله باعتبار دلالته على بعض مدلولات الكلام القديم .
                              قد قال بكلام لفظي كذلك

                              فالإشكال ما زال باقيا

                              ما رأيكم؟؟؟

                              تعليق

                              يعمل...