فهو عنده فوق العرش
كثيراً ما يشكل فهم معنى حديث أو نص قرآني، فينحرف الإنسان عن طرق التوحيد، وهو يظنُّ أنه على الصرط المستقيم ، فيشرع في تحدي الناس، وامتحانهم والحكم عليهم بالابتداع والانحراف بناء على فهمه لهذا النص بطريقة فاسدة، أو تأويله له وهو ظانٌّ أنه إنما يقول بحقيقة معناه بلا تأويل، وذلك يأتي الإنسان من قلة فهمه لقواعد اللغة، ومن قياسه الغائب على الشاهد، فيشبه في طرقة فهمه ويمثل ربه بالمخلوقات بدون أن يدري.
ويجره إلى ذلك جراً ما يجده من تسرع بعض الناس المعروفين بالعلم وتبنيهم لهذا الفهم الفاسد.
ومن الأمثلة على هذا الأمر ما سألنيه بعض الناس، الذين يظهر من كلامهم أنهم مستغرقون في جلال ابن تيمية، غارقون في تقليده، ظانون أنهم مجتهدون يستدلون بالكتاب والسنة، وإنما يستدلون بفهم ابن تيمية المنحرف عندنا- لنصوص الكتاب والسنة.
فقد سألني هذا السائل فقال: "ما تفسير الحديث الذي في صحيح البخاري: (لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش إن رحمتي غلبت غضبي)؟ الذي أفهمه من الحديث أن الكتاب عند الله فوق العرش، ومن الحديث الثاني أن العرش فوق السماء السابعة فهل يجوز لي أن أقول: إن الله عز وجل فوق السماء السابعة ؟"
أقول وبالله التوفيق:
لا يصح الاستدلال بهذا الحديث على أنّ الله تعالى في مكان ، أو على أنَّ الله تعالى كائن ومستقرٌّ فوق العرش بجهةٍ كما يقول ابن تيمية ملبساً على الناس بسوء فهمه.
والحديث ليس دليلاً على ما يزعمه هؤلاء الزاعمون أبداً.
روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي قال :"لما خلق الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبي"، وجاء بلفظ : "لما قضى الله الخلقَ".
وقوله عليه الصلاة والسلام "فوق العرش" متعلق بالكتاب، فهو وصف للكتاب كاشف عن حاله، ولا يمتنع أن يكون الكتاب حاصلاً فوق العرش؛ لأن العرش مخلوق، والكتاب مخلوق مكتوب فيه قضاء الله تعالى وحكمه.
وكتب الكتاب إمَّا أن يكون على ظاهره، أي خلق الكتاب كتاباً وأوجد فيه تلك الكتابة، أو أمر بالكتابة فيه بعضَ خلقه، كما أمر القلم بالكتابة في اللوح المحفوظ. أو أن يحمل على قضاء الله تعالى ذلك الحكم عنده، على التأويل. ولا مانع من أخذه على ظاهره هنا.
وأمَّا قوله عليه الصلاة والسلام: "فهو عنده"، أي فالكتاب عند الله تعالى، والعندية ههنا، لا يصحُّ أن تكون عندية مكان؛ لأن الله تعالى لا يكون في مكان، بل هي عندية علم وذكر وقضاء وشرف، وهذا هو الملائم للحديث إذ يريد النبي عليه الصلاة والسلام تبشير الخلق برحمة الله تعالى، وأن ما ينالهم منها أكثر مما ينالهم من غضبه.
فإن قيل: فلم عبر هاهنا بلفظ موهم للجهة التي لا يجوز إثباتها لله تعالى، فالجواب: أن هذا التعبير في المقام المذكور لا يتبادر إلى ذهن أكثر الناس منه جهة ولا حدٌّ، بل هذا إنما يتبادر عند بعضهم ممن اشتغل قلبه بتشبيه الله تعالى واعتقاد تحيزه بالمكان، وبنسبة الحد لذاته العلية.
ولا يبعد في تعبير الشريعة نسبة ما قد يتوهم عند بعض عامة الناس منه المكان لله تعالى؛ لأن العبرة بالأدلة الظاهرة الصارفة لهذا الظاهر لو كانوا يعقلون، فهذا محل امتحانهم، (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله). ومن ذلك قال الرسول عليه الصلاة والسلام حكاية عن ربه في وصف جزاء العبد الذاكر لله تعالى:"وإنْ ذَكَرَني في مَلأٍ ذَكَرْتُهُ في مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ وإنْ تَقَرَّبَ إليَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ ذِراعاً وإنْ تَقَرَّبَ إليَّ ذِراعاً تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ باعاً وإنْ أتاني يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً"، ولا يصح إثبات الهرولة لله تعالى، ولا التقرب بمقدار باعٍ إلا على سبيل المجاز، لا على سبيل القرب والبعد المكانيين.
وهذا هو المفهوم من الحديث لا يحمله على المكان والتحيز والجهة والحركة إلا مبتدع انصرف عقله وقلبه عن ذكر الله تعالى، وضلَّ سبيل فهم التوحيد، وابتدع فعمي قلبه فصار ممن لا يعقلون، وإذا ذكروا لا يسمعون، وصيروا بعنادهم قلوبهم غلفا، وكانوا سببا في جعل الأكنة عليها...
ولذلك قال الإمام العراقي: "وَقَوْلُهُ { فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ } لَا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلِ ظَاهِرِ لَفْظِهِ عِنْدَهُ ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهَا حَضْرَةُ الشَّيْءِ وَاَللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ الِاسْتِقْرَارِ وَالتَّحَيُّزِ وَالْجِهَةِ، فَالْعِنْدِيَّةُ لَيْسَتْ مِنْ حَضْرَةِ الْمَكَانِ، بَلْ مِنْ حَضْرَةِ الشَّرَفِ أَيْ وَضَعَ ذَلِكَ الْكِتَابَ فِي مَحَلٍّ مُعَظَّمٍ عِنْدَهُ".
ووافقه على ذلك غيره من العلماء المنزهين لله تعالى.
ونقل الحافظ ابن حجر عن الخطابي فقال:"قَالَ الْخَطَّابِيُّ الْمُرَاد بِالْكِتَابِ أَحَد شَيْئَيْنِ : إِمَّا الْقَضَاء الَّذِي قَضَاهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( كَتَبَ اللَّه لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ) أَيْ قَضَى ذَلِكَ ، قَالَ وَيَكُون مَعْنَى قَوْله " فَوْق الْعَرْش " أَيْ عِنْده عِلْم ذَلِكَ فَهُوَ لَا يَنْسَاهُ وَلَا يُبَدِّلهُ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( فِي كِتَاب لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى ) . وَإِمَّا اللَّوْح الْمَحْفُوظ الَّذِي فِيهِ ذِكْر أَصْنَاف الْخَلْق وَبَيَان أُمُورهمْ وَآجَالهمْ وَأَرْزَاقهمْ وَأَحْوَالهمْ ، وَيَكُون مَعْنَى " فَهُوَ عِنْده فَوْق الْعَرْش " أَيْ ذَكَرَهُ وَعَلِمَهُ وَكُلّ ذَلِكَ جَائِز فِي التَّخْرِيج".
وقال العلامة الطيبي كما نقله عنه صاحب تحفة الأحوذي:"أَيْ لَمَّا خَلَقَ الْخَلْقَ حَكَمَ حُكْمًا جَازِمًا وَوَعَدَ وَعْدًا لَازِمًا . لَا خُلْفَ فِيهِ بِأَنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي فَإِنَّ الْمُبَالِغَ فِي حُكْمِهِ إِذَا أَرَادَ إِحْكَامَهُ عَقَدَ عَلَيْهِ سِجِلًّا وَحَفِظَهُ ، وَوَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ قَضَاءِ الْخَلْقِ وَسَبْقِ الرَّحْمَةِ أَنَّهُمْ مَخْلُوقُونَ لِلْعِبَادَةِ شُكْرًا لِلنِّعَمِ الْفَائِضَةِ عَلَيْهِمْ . وَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى أَدَاءِ حَقِّ الشُّكْرِ وَبَعْضُهُمْ يُقَصِّرُونَ فِيهِ فَسَبَقَتْ رَحْمَتُهُ فِي حَقِّ الشَّاكِرِ بِأَنَّ وَفَّى جَزَاءَهُ وَزَادَ عَلَيْهِ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْحَصْرِ ، وَفِي حَقِّ الْمُقَصِّرِ إِذَا تَابَ وَرَجَعَ بِالْمَغْفِرَةِ وَالتَّجَاوُزِ ، وَمَعْنَى سَبَقَتْ رَحْمَتِي تَمْثِيلٌ لِكَثْرَتِهَا وَغَلَبَتِهَا عَلَى الْغَضَبِ بِفَرَسَيْ رِهَانٍ تَسَابَقَتَا فَسَبَقَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى".
ويؤيد ذلك كله كثير من آيات القرآن الكريم:
قال تعالى: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ }الأنعام59
{وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ }الأنفال28
{قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ }هود28
{اللّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ }الرعد8
{وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ }الرعد43
{وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ }النور39
{إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }لقمان34
والحاصل بلا تطويل: أن قوله عليه الصلاة والسلام: "فوق العرش" وصف للكتاب، والكتاب مخلوق بلا ريب، فلا يحلُّ لمسلم أن يجعل وصف الكتاب وصفاً لله تعالى، فيقول: إذا كان الكتاب فوق العرش بالجهة والتحيز والحد والمكان، فالله تعالى تعالى فوق العرش كذلك بالجهة والحد والتحيز والمكان. بل إن الله تعالى فوق خلقه بمعنى: عَليٌّ عليهم بحقيقة ذاته وعلمه وقدرته، لا بمكانه وتحيزه عنهم وحد ونهاية لذاته، جل شأنه عن التشبيه والتجسيم!
وليس قول النبي عليه الصلاة والسلام دليلا على قول المجسمة والمشبهة كما ترى، بل اعتقادهم مجرد تمسك بالمتشابه من الألفاظ، وترك للمحكم، ومن المحكمات أن الله تعالى ليس كمثله شيء، ولا شيء يشبهه.
فالعندية في هذا الحديث تفهم على أنها عندية قضاء وعلم وحكم وتشريف، والفوقية إن لم تحمل على فوقية معنوية وشرف، وحملت على المكانية فقد انكشف أنها إنما أسندت للكتاب، لا للواحد الأحد المنزه عن الشريك والشبيه والمثل، فلا يجوز لأحد إسنادها كذلك لله تعالى، ويجب عليه أن يحملها على فوقية تليق بالإله.
وليست هذه الفوقية قطعاً عين الفوقية التي نسبت للكتاب المخلوق ولا للعرش المحمول المحدد المتحيز، ولا تلك الثابتة للخلق لكون أحدهم فوق غيره بالحد والجهة والمكان، فالفوقية الملائمة لذات الله تعالى فوقية حقيقة والجهة ليست حقيقة الله تعالى، وليس كونه منسوباً للخلق بنسبة الفوق كما يزعم الزاعمون حقيقةً لله تعالى، فإن حقيقة الله تعالى لا تتوقف على غيره، وكمالات صفاته لا تتوقف كذلك على وجود خلقه، وإلا افتقر إليهم، وهذا محال في حقه جل وعزَّ- وفوقيةُ شرف لا فوقية مكان وحد وجهة.
فإن تعلق متعلِّقٌ بظاهر هذا الحديث، وقال: إنني أفهم منه أن لله تعالى فوق العرش، ولا أقوى على صرف هذا الظاهر عن فهمي، فيجب عليه أن يقول عندئذ إنَّ لفظ الفوق هذا من المتشابهات، التي نسبت لله تعالى ونسبت لبعض خلقه، فتشابه المعنى في ذهن بعضهم، ولكن الخلق كلهم يعلمون أن الخالق ليس مثل المخلوق، فليقل عندئذ: لا أَزيدُ من عندي لله تعالى صفةً، ولا أحمله على صفات المخلوقين، وليقف عند حدِّه ومقدار فهمه، وليفوض علم ما فوق ذلك لله تعالى، ففوقية الله تعالى ليست فوقية مكان وحدٍّ ونهاية ذات وجهة، كما بينا قبلُ، وإلا لكان الإله مشاركا للكتاب المخلوق في هذه الفوقية، ولكانت ذات الكتاب المخلوق مساوية لذات الإله الخالق من هذه الجهة، ولساوى العرشُ ذات َالخالق أيضاً في وجود نسبة وحد بينه وبين الخالق، ولا يقول بذلك كله عاقل إلا إذا غفل عن عقله، وانحرف مع وهمه، وغرق في جهله. والله الموفق إلى الصواب، وإليه المرجع والمآب.
تعليق